د. علي القاسمي : مرافئ على الشاطئ الآخر روائع القصص الأمريكيّة المعاصرة (9)

د. علي القاسمي

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ، وفي كل يوم جمعة مباركة ، بنشر فصول كتاب العلّامة المبدع الكبير الدكتور علي القاسمي “مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” ، وهو كتاب بانورامي نقدي شامل يضم 22 قصة لكبار الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين مع تقديم لكل كاتب: حياته وأسلوبه. فشكرا للميدع الكبير القاسمي على تفضّله بالموافقة على نشر الكتاب متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.
(9)
باري حنّـا

( وِلد الكاتب الأمريكيّ باري حنّـا Barry Hanna في بلدة كلنتون في ولاية المسيسيبي عام 1942. وهو يمارس التعليم حاليّاً في جامعة المسيسيبي في مدينة أكسفورد الأمريكيّة. وقد نال عدداً من الجوائز الهامّة تقديرًا لرواياته ومجموعاته القصصيّة. فقد حاز على جائزة وليم فولكنر بعد صدور روايته الأولى “جريمو ريكس”، ونال جائزة آرنولد جينغريش للقصّة القصيرة على مجموعته القصصية “سفن الفضاء”، وكرّمته الأكاديميّة الأمريكيّة للفنون والآداب تقديراً لأعماله الأدبيّة الأُخرى. ويستخدم الأستاذ باري حنّـا السخريّة أحياناً في قصصه لنقد بعض أوضاع المجتمع الأمريكيّ والحياة المعاصرة المغرقة في الماديّة. والقصّة القصيرة التي نترجمها هنا تمثل نموذجاً من فنّه القصصيّ.)

عينُ الصواب

لن أنسى ذلك الصيف الذي غادر فيه العجوز لاردنر إلى نيويورك وهو مزوَّد بشهاداتٍ مزيَّفةٍ تؤهِّله لممارسة مهنة طبيب نفسانيّ. كان قد التحق سابقاً بكُلِّيَّة الطبّ آملاً أن يُصبِح طبيباً نفسانيّاً، ثمَّ انغمسَ في المشهد النفسانيّ الحديث حتّى ضجر منه وهجره. ولمّا لم تكُن لديه أيّة وظيفة أُخرى ذلك الصيف، فقد ذهبَ إلى نيويورك مسلَّحاً بنظّارتَين طبّيَّتَيْن سميكتَيْن، وشاربٍ كبير، وذراعٍ مشوّهةٍ كان يتظاهر طبعاً بأنّها مشلولة. كان يقول إنّ الناس الذين يُعالَجون من الأمراض النفسيّة ينجذبون إلى الطبيب المنكمش على نفسه أو الذي يعاني عاهةً ظاهرة. وكان له بعض الأصدقاء في نيويورك، وقبل أن يصلهم الخبر، كان قد استقرَّ في عيادةٍ معلِّقاً على جدرانها خمس أوراق مزيَّفة.

لم أعرف أبداً لهجةَ العجوز لاردنر الحقيقيّة، فقد كان يتحدَّث بعدّة لهجات، مع أنَّني أعرف أنّه من أهالي لويزيانا مثلي. وكان يحبّ الشماليِّين ـ اليهود، والهنود الحمر من قبائل النافاهو، والزنوج على السواء. لقد كان ذا قلبٍ واسعٍ وليس في جيبه الخلفيّ أيُّ حقدٍ أو كراهيةٍ لأحد، ما عدا المحتالين الذين يعرفون أكثر منه. وينبغي الاستماع إلى الأشرطة المسجَّلة التي عاد بها. وهو لم يسجّل أيَّ شخصٍ دون علمه.

“كلّهم يحبّون أن يُسجَل كلامهم”، هذا ما قاله لاردنر.
فهذا إبداعهم الحقيقي.

وتضمُّ التسجيلات ما يشبه الحوار الآتي:
المريض: أشعر بالبشاعة والاشمئزاز من نفسي طوال الوقت. لا أستطيع الإقلاع عن التدخين. والكلب والكلبة الدنماركيّان الكبيران اللذان جلبتهما لا ينسجمان ولا يتزاوجان. وسرعان ما أنخرطُ في البكاء لأشياء عاطفيّة، مثل الأغاني التي أسمعها بالمذياع. هل يُعَدّ خطأً أساسيّاً أن يحبَّ الإنسانُ الحبالَ المفتولة؟ لا أشعر بحميميّة مع أيِّ إنسانٍ حتّى نأخذ في الحديث عن [الرئيس] نكسون ودناءته. طفلي يشيح بوجهه عني عندما أُعطيه أمراً، أعني أمراً بلطف. دعني آخذ نَفَساً عميقاً.
لاردنر: يا إلاهي، ما أمتع هذه الحالة! قصّتكَ تستحقُّ جائزة. إنّها أكثر من مشكلة، يا سيد ـــ، إنّها قطعةٌ من الفنّ.ّ
المريض: ماذا؟ قصّتي فنّ؟
لاردنر: نعم، أنتَ بشع. ولكنّك مهمٌّ جدّاً.
المريض: أتظنُّ ذلك؟
وهكذا.

وقد يتضمّن تسجيلٌ ثانٍ ما يأتي:
المريضة: إنّي غاضبة، غاضبة، يا دكتور لادنر.
لاردنر: لماذا؟
المريضة: لأنّني امرأة. فقد قاسيت من الظلم والشرّ طوال الوقت.
لاردنر: لماذا؟
المريضة: ظننتُ أنّك تريد أن تعرف ماذا (أصابني).
لاردنر: لقد أخطأتِ اختيار الطبيب. فهناك في الشارع الخامس على بعد عشرة أبواب تقريباً، يوجد طبيبُ “ماذا”. وهو أغلى بقليل.
المريضة : إنّني غاضبة على الرجال أينما كانوا. لا شيء يشفيني من هذا الحقد.
لاردنر : إنّك تبدِّدين نقودك عليّ. فأنا رجل.
المريضة: ولكن بمرور الوقت، قد نتمكّن أنا وأنتَ من إيجاد علاجٍ لي.
لاردنر: حسن، نستطيع أن نبدأ علاجك من الأساس، ونواصل من هناك. ماذا تقولين في كأسٍ من مشروب الجِن الصِرف غير الممزوج بالماء وقضيبٍ منتصب؟ (هنا أصوات عراك بين لاردنر والمريضة.) لقد ضربتِ يدي المشلولة.
المريضة: أنا … نعم. أردتُ ذلك. لقد نجحنا معا في الوصول إلى علاج. لقد أنجزتَ عملكَ بسرعة. (أصوات سراويل داخلية تُخلع) امتلكني، امتلكني. دعني أعوّضكَ عن ضربي يدكَ المشلولة.

والتسجيل الآخر الوحيد الذي أتذكَّره هو:
المريض: إنّها نهاية العالم. إنّها المعركة الكبيرة. إنّني أقرأ جريدة (التايمز) في قطار الأنفاق، وأفكِّر في شعبي، اليهود. أفكِّر في عملي الجيّد ورفاهيَّتي. إنّ مسألة البترول ستعمل على إزالة إسرائيل في ظرف عشر سنوات. ولن تكون هناك إسرائيل. إنّ شعبي سيتعرَّض للاغتصاب والحرق. وأنا أريد أن أحارب. أريد أن أغادر مقاطعة وتشستر وأحارب. أريد أن أحمل السلاح وأدافع عن إسرائيل. كيف بإمكاني أن أحتمل السير في شوارع هذه المدينة، هذه المدينة الصاخبة المُربِكة، عندما توجد قضايا بمثل هذا الوضوح؟
لاردنر: اللعنة، لا أدري. لماذا لا تستقلّ أوّلَ طائرةٍ غداً صباحاً.

وعندما عاد لاردنر إلى بيته في الجنوب، دعاني لتناول مشروبٍ معه في حانة (القضيب الأحمر) القريب من منزله. وهبَّت عاصفةٌ ذلك المساء جعلتْ فجأة شهر حزيران/يونيو يبدو مثل تشرين الأول/أكتوبر بعد انتهائها. وهناك سألني عمّا إذا كان ينبغي عليه أن يعود إلى كلِّيَّة الطبِّ لإكمال دراسته أم لا، ثمَّ أسمعني تلك الأشرطة المسجَّلة.

فقلتُ: ” إنّ الشيءَ الوحيد الذي نحن متأكِّدون منه هو مقدار المال الذي نحتاجه. وهذا ما يمكنني التفكير فيه بجدّ. فلدي زوجة وولدان. وأنا وزوجتي نشرب كثيراً في الأمسيات في حانة (القضيب الأحمر). ونحن سعداء. ويبدو أنَّ القضايا الكبيرة قد فاتتنا. وأنا طبيبٌ أخصائيّ بالأشعة. أُمضي النهار كلَّه في البحث عن الظلال. ولدينا شجرتان من الدردار الصينيّ في حديقة منزلنا، وكلب سمين نسميه (سدني). وطفلانا جميلان، وأملك أسهماً في شركة (شل).”
فقال لاردنر: ” أنتَ على صواب.”
قلتُ: “في إمكان كلِّ إنسانٍ أن يُصبِح ملِكاً إذا أراد ذلك. هذا ما كان يقوله والدي. وكان قد واجه ظروفاً أصعب من ظروفي وظروفكَ.”
قال لاردنر: “هذا صحيح.”
وآخِر ما سمعته عن لاردنر أنّه استقلَّ باخرة من نيوأورلينز متّجهاً إلى ريو. ومن هناك سافر على متن باخرة أُخرى إلى إسبانيا.
ولا أعرف شيئاً آخر عنه.

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (8)

طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم) شاكر مجيد سيفو تثير عنونة مجموعة (مواسم) للشاعر هشام القيسي …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (7)

طقوس هشام القيسي قراءة: أ. د . سنان عبد العزيز * بلغة رشيقة نثرية ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *