أ.د.نادية هناوي سعدون : الوعي النقدي والوعي الإنشائي (قراءة في ثلاثة كتب إبداعية)

الوعي النقدي والوعي الإنشائي
(قراءة في ثلاثة كتب إبداعية)

أ.م.د.نادية هناوي سعدون
الجامعة المستنصرية

ملخص البحث
يدخل هذا البحث في ميدان مهم من ميادين النقد والقراءة ،ألا وهو ميدان(نقد النقد )عند أصحاب مدرسة نقد استجابة القارئ الأمريكية أو (قراءة القراءة ) عند نقاد نظريات جمالية التلقي الألمانية ؛ ذلك انه عبارة عن التقاطات نقدية بنيناها على أفعال نقدية مارسها باحثون ثلاثة على نصوص أدبية ولغوية مختلفة ..بهدف الكشف عن مناهج هؤلاء الباحثين في القراءة ورؤاهم في النقد ، فقد عقدوا صلات خفية بين الأدب والنقد موظفين اطلاعاتهم المتعددة في ثقافاتهم الواسعة والباحثون هم :د.إبراهيم السامرائي ود.محمود البستاني ود.سعيد الزبيدي وقد سعينا إلى بلوغ الأهداف الآتية :
ـ تحديد مديات الوعي النقدي .
ـ استقراء التيارات التي ينتمون إليها.
ـ رصد قضايا لغوية وأدبية معينة .

مفتتح

في هذه الدراسة التقاط نقدي لملامح الفعل القرائي وموجهات النظر الكتابي لدى ثلاثة باحثين وفي ثلاثة كتب أدبية من مؤلفاتهم ..لنتعرف على مادتهم البحثية ومنهجهم العلمي ورؤاهم الفكرية ومن ثم نستخلص حقيقة امتلاكــهم لمؤهلات النقد او عدم امتلاكهم .
فهؤلاء الكتّاب عقدوا صلات خفية بين الأدب والنقد موظفين اطلاعاتهم المتعددة وثقافاتهم الواسعة لتوكيد انشغالهم النقدي بالخطاب الأدبي شعرا ونثرا وهذا مما يدخل في أطار ما اسماه (رينيه باسيرون ) الوعي النقدي والوعي الإنشائي ؛ويعني به ” أن النقد والإبداع يدلان على نظامين اثنين لأداء الفـكر يتعذر اختزالهما ،فالنقد يحكم على الموجود بينما يؤسس الإبداع ما هو غير موجود ويحيلك الأول إلى نظرية الحكم والمعرفة بينما يحيلك الثاني إلى نظرية الفعل والتجديد ..وإنّ العين على المستوى الرمزي هي التي تنقد أما اليد فهي التي تبدع ” (1)
وبذلك يتلاقى النشاط النقدي داخل الفعل الكتابي ليؤكد السيرورة الإبداعية التي لا يمكنها أن تستغني عن النقد ؛ علما أن الوعي النقدي أكثر خطورة واشد مسؤولية في المجال الإنشائي مقارنة بالمجال الجمالي الذي يكون ـ غالبا ـ غاية في الانفتاح واللامسؤولية . .
وبناء على هذه الرؤية سنحاول مواجهة مديات هذا الوعي النقدي عند د.إبراهيم السامرائي أولا الذي تأمل بعض المسائل اللغوية جنبا إلى جنب بعض القضايا النقدية وبعض مشكلات واقعنا الثقافي والفكري؛ وثانيا عند د.محمود البستاني الذي حاول استقراء التيارات والمذاهب الأدبية الغربية والعالمية على وفق رؤية إسلامية ..؛وثالثا عند د.سعيد الزبيدي الذي رصد قضايا في الأدب والنحو واللغة مناقشا إياها مناقشة علمية موضوعية .

ـ أولا ــ
ونبدأ مع كتاب (من حديث أبي الندى )للدكتور إبراهيم السامرائي ؛الذي يعد نتاجا إبداعيا قد لا تتوافر فيه منهجية النقد الحديث إلا انه يحمل ذوقا نقديا حرا ومهذبا .
والكتاب عبارة عن حوار بين مؤلفه وبين رجل لم يفصح عن هيأته بل ” جعله رجلا مثقفا ينظر في هذه الدنيا فيتجه له نظر جديد يسلطه على أشتات مما يحزّ بنا في ثقافتنا العربية في أصولها وما انتهت إليه ” (2 )
وقد توزعت محاور الأحاديث بين النقد واللغة وقضايا ثقافية؛ فأما أحاديث النقد فهي :
ـ الكلام على أدب القصة والرواية .
ـ الكلام على الشعر والغموض .
ـ الكلام على التراث والمعاصرة .
وهو في أحاديثه كلها يحاول أن يمد جسورا بينه وبين القارئ / المتلقي … كما يسعى إلى أن يلقي عليها ظلالا من الحلاوة المشوبة بالحزن منطلقا من قدرته على التحاور….. فضلا عن إتقانه فن المقامة ..
وهو يبدأ أحاديثه ـ عادة ـ بعبارة ( حدّث أبو الندى قال ) ويختمها بدعاء إلى لقاء قريب يجمعه وصاحبه مشفوعا بتحية الإسلام.
وهو كثير الاقتباس والتضمين من القرآن الكريم والاحتجاج بأبيات الشعر المشهورة أو أنصافها أو أشطارها ..لكنه ليس دائما (أبو الندى ) الذي يتحدث بالنصائح والمواقف بل هو تارة محـدث وتارة مستمـع بمعنى أن دور( المحاور ) لم يقتصر على أبي الندى وحذه ..وغالبا ما يكون الحديث المتحاور فيه موسوما أنه (حديث ذو شجون ) وان كنا لانعدم فيه طرائف أدبية .
ويقوم الأسلوب الكتابي لدى د. إبراهيم السامرائي على ما تختزنه ذاكرته من قراءات تراثية لكتب اللغة والصرف والمأثور القديم متمثلا بمقامات الهمذاني والحريري فهو من المتأثرين بـجزالة رواد النهضة الأدبية في نظم الشعر وديباجته .
وتتضح هذه التقليدية في أسلوب الكتابة عنده من خلال حديثه عن أدب القصة والرواية ؛يقول :” ذاك أدب جديد لا سبيل إلى أن تجد له أصولا في أرضنا العربية ،قرأه أصحابك ممن حذقوا لغات الأعاجم فأحبوه ووجدوا فيه ضالتهم ثم بدا لهم أن يحاكوه ففعلوها. وقفّى على آثارهم جمهرة من المتأدبين من ديار العرب فراحوا يكتبون القصة والأقصوصة والرواية مستهدين بطرائق الأعاجم في هذا الفن متخذين من الدنيا العربية الواسعة مادة هذا الأدب الجديد ” (3 ) .

فهو إذا لا يهمش هذا الأدب (أدب الـقصة )الذي لم يكن لينفصل عند الغربيين عن الفكر والفلسفة ؛ مشيرا إلى قلـة المبدعين العرب الذين يكتبون هذا الفن .
وقد سأله صاحبه قائلا:” ما تقول في أدبنا القديم الذي أداره أهله على الحوار في حكاياتهم وأخبارهم” (4 )…….. فردّ عليه ” أن الحوار الذي زعمت ،وأسلوب الأخبار في الحكايات والمقامات وما كان من ذلك من قريب أو بعيد أدب قديم لم يحسن أصحابك المتأدبون الإفادة منه وليس بينه وبين أدب القصة والرواية وشيجة رحم ولا ادري أكان في خاطرك أن تمــر على (حديث عيسى بن هشام للمويلحي …أم فاتك أن تشير إليه ” (5 ) .
وهو يرى أيضا أن هذا الأدب فتى غريب والجوائز التي تمنح لمبدعيه لا تخلده فأما الزبد فيذهب جفاء، إذ قد ينبع هذا المنح من أهداف مريبـة أو منحازة لفئة دون أخرى. (6 )

ورأى د. إبراهيم السامرائي وفي إطار نقده (الشعر والغموض ) أن الشعراء مالوا إلى الإغماض مقلدين غير مبتكرين ؛ مشيرا إلى ما يدعونه بالموسيقى الداخلية وان البحتري كان أوفر حظا في نظامه من نظم الجرجاني في دلائله وإعجازه .
(7 )
وذكر قول المتنبي على المتشبثين بالإغماض:”ابلغ ما يبلغ المراد به الطبع وعند التعمق الزلل ” (8 )
وقال عن شعر السياب ونهجه اللاتقليدي :” لقد أحسن هذا الناشئ الجديد في تصوير البيئة البصرية وكان فيها أدب هو أدب السياب وأنا أدلك إلى الشعر المنثور الذي زعم أصحابك انه يحوز في سداه ولحمته ضربا من موسيقى داخلية ..”( 9 ) وقد رأى أيضا أن التخلص من القافية وتجديد الوزن لم يفيا بحاجات النفس في تصوير ما يحز بالناس من هموم ” فأنت لا تجد شيئا تهفو إليه نفسـك في تصوير محنة ما نزل صبرا وشاتيلا مثلا ” (10 )
وتكلم عن “البنيوية” ..فقال :” لقد أعشى الجديد عيون المعاصرين فهم مأخوذون برعده وبرقه يستضيئون بنوره فيرون طريقهم نهجا جديدا يبصرون فيه شخوصهم جديدة ولا يدركون أنهم يعيرونها صورا ليست لهم “(11 )
فمنهج البنيوية ـ كما يراه ـ غريب علينا منقطع عن تراثنا ومثله كمثل قرية فقيرة شقي بها أهلها فلا يرون فيها من النعم إلا ما يستمتع به رئيسها وهم من اجل ذلك يقلدونه في مظهره ” (12 ) .
ورأى ناقدنا أن شعر نزار قباني مجرد رجز أكثر منه شعر ؛فقال :” أن القباني أراد أن يرتجز وكان حقا علينا أن ندعوه الراجز ولا ادري لم وصفت كلماته أو سيمفونيته بالخامسة أكان ذلك محاكاة على طريقة اللمح والإشارة …” (13 )
كما وجد أن نزار قباني لم يسلك النهج الذي سلكه أصحاب الجديد من التزام التفعيلة والانتقال من وزن إلى آخر ،قال :” صاحب القبان يدرك كيف يحتال على الوزن فيزن شعره في قبانه الخاص به فلا يكيله على نحو ما يفعل أصحاب الجديد ومن شان صاحب الكيل أن يكون غالبا من المطففين الذين يزيدون أو ينقصـون ،فويـل لهم كما ذهبت لغـة التنزيل ” (14 )
ونقد قصيدة نزار (السيمفونية الخامسة ) نقدا مفصلا واقفا عند اللازمة والمصاريع والرموز الدينية والتاريخية والعامية والسوقية وعيوب القافية المجتلبة والأخطاء التاريخية فضلا عن الأخطاء اللغوية .(15 )
وعود على بدء نحدد أهم المميزات النقدية في هذا المؤلف:
ـ أن نقده يجمع بين فنون الشعر وفنون النثر من قصة ورواية
ـ أن نقده غالبا ما يكون سريعا وبلغة كلاسيكية اتباعية مؤطرة بالاحتفاء بالمأثور من القول واستبعاد ألفاظ الحداثة والتجديد .
ـ إعجابه بالتراث اللغوي والنثري مع عنايته بالمتلقي جاعلا منه محور مادته الكتابية ؛يقول :” لكني أعود إليك صديقي القارئ لأقول لك وقد انتهيت من هذه الصفحات أتراني قد صدقت الظن حين عرضت لك صداقتي وزعمت أن بيننا مودة ..فذاك حسبي…والله احمد أن جعلني طلعة إلى الخير أتزود بزاد العلم اتخذه متاعا لا أعدله بشئ ” (16 )
وعلى الرغم من تشاؤمه في كثير من أحاديثه التي طرقها ؛إلا انه كان ساعيا إلى أن ينقل همومه وآلامه فيما يراه في ساحة الأدب واللغة والثقافة وربما يطغي صوته على سائر الأصوات الأخرى اعني المتلقي والنص الادبي ..حتى ليوهمنا أن ما يطرح من قضايا ليست من اختراعـه هو بل هي من بنات أفكار أبي الندى وهذا مايحمّل أحاديثه السمـة الابتـكارية الحاذقـة التي تحتاج قارئـا حصـيفا ..ليس إلا. ( 17 )

ثانيا
إن كتاب (الإسلام والأدب ) للدكتور محمود البستاني والصادر عن المكتبة الأدبية المختصة وبطبعته الأولى 1422، يتصدر قائمة الكتب النقدية المستقرئة للتيارات والمذاهب الأدبية الغربية والعالمية على وفق رؤية إسلامية تنتهج آفاق الإسلام العظيم وتصوراته السمحاء بما يتماشى مع الدعوة إلى تحدي فكر العولمة وتداعياته في العصر الراهن .
فكيف اهتدى المؤلف إلى تطبيق هذا التصور وتلك الرؤية على الأدب ودراسته ؟وهل يتعارض ذلك مع بعض دعاوى الحداثة والتطور في المنظومة المعرفية العربية ؟؟!
وقد حددّ المؤلف د.محمود البستاني مفهوما إسلاميا للأدب بوصفه ” لغة جمالية تستبطن هدفا فكريا لا ينفصل عنها مقابل الاتجاهات الأرضية المنعزلة عن السماء في تصوراتها المتفاوتة حيال ذلك من حيث عدّها هدفا بذاته أو مجرد أداة للمعرفة أو وهما ” (18 ).
فهل النصـوص الإبـداعية ـ التي لا تخـضع لهذا التحديد والوصف أو التي لا تصلح لمثل هذا الرصد ـ ليست أدبية ما دام هناك تساو بين النصوص جميعها ولا فاصل بين نص وآخر ؟؟؟!!
ويبدو أن المؤلف لو افترض ـ سلفا ـ الفصل بين دراسة النصـوص السماوية ودراسة النصوص الأرضية ، لكان أجدى في توصيل مضمون المفهوم الإسلامي للأدب لدى المتلقي، إذ أن لكل واحدة من تلك النصوص خصوصيتها وان كان تمييزه هذا قد جاء مقتضبا في بعض المواضع من الكتاب ولكن ليس في المقدمة .
وأشتمل الكتاب على قسمين جاء الأول تحت عنوان (نظرية الأدب) وحمل الثاني عنوان (دراسة الأدب أو النقد الأدبي) مع تباين حجم القسمين؛ ففي الوقت الذي شغل القسم الأول ثلثـي الكتاب شغل القسم الثاني الثلث الأخير .
وعالج القسم الأول مسألة التوصيل من خلال ربط الأدب بالمنفعة إذ ” يظل التصور الإسلامي للأدب متقاطعا مع الاتجاهات الأرضية الذاهبة إلى أن الأدب لغة جمالية وهدف بحد ذاته ؛ وتوافقا مع الاتجاهات الملتزمة التي تؤكد غائيته فحسب ،إلا انه ـ أي التصور الإسلامي ـ يفترق بطبيعة الحال عن الاتجاهات الملتزمة ، بكونه يمتلك مبادئه الخاصة وهي مبادئ السماء مما يترتب على ذلك تقاطعه مع التصورات الأرضية جميعا من حيث نمط المبادئ من جانب وانعكاسات ذلك على اللغة الجمالية من جانب آخر .(19 )
وعرّج الناقد في تضاعيف ذلك على الغموض في الكتابة النقدية وتعارض ذلك مع إحساس الكتّاب بالمسؤولية الاجتماعية ,وعلل أسباب هذا الغموض بما اسماه (التخمة الثقافية ) وعبثية الدراسة ل” مجموعة من المصطلحات المصطنعة والخطاطات والبيانات والرسوم الممزقة لأشلاء النص “(20 )
وهنا يقع الناقد في مفارقة ؛ إذ سرعان ما يكتشف ـ في القسم الثاني من الكتاب ـ انه قد أنساق إلى دراسة حداثية للمصطلحات والتقسيمات من قبيل السرد ولغته والبنائية ومصطلحاتها والحوار الداخلي والخارجي والمنقول والزمن الاستباقي والاسترجاعي ……..وما كان له أن يقع في هذه المفارقة لو انه ـ وكما اشرنا سابقا ـ قد فصل بين النصوص الشرعية والنصوص ذات التصورات الوضعية او الأرضية .
وقرر الناقد وهو يتحدث عن التيارات الادبي التي لا تنتسب إلى التصور الإسلامي أنها وليدة ظروف خاصة وبيئات ومتغيرات عدة قائلا:” إن التصور الإسلامي للأدب لا ينتسب إلى مذهب أدبي خاص بقدر ما يشكل لنفسه مذهبا مستقلا نسبيا يتعامل مع أدوات اللغة الجمالية ….وان الكاتب الادبي إذا ما حاكى واقعا ما، فانّ ذلك ينبغي أن يكون ضمن رؤية عبا دية …وقد يكون خلقا او تجاوزا لواقع ولكنه نموذجي للمبادئ العبادية المطلوبة “( 21 )
ويقوم التصور الإسلامي لمادة الأدب على أساس أنها تتكون من المهارة الذهنية في تحويل ما هو منطقي إلى جمالي مع ملاحظة تفاوت النصوص الأدبية في ذلك اعني في استخدام اللغة المنطقية واللغة الاشارية وان ” النص الشرعي قد نسج صمتا حيال الظاهرة المذكورة مما يعني انه ترك مبادئ مفتوحة للغة الجمالية ” (22 )
وحدد الباحث أيضا علاقة اللغة التخيلية والمجاز في التصورين الإسلامي والأرضي ، فإذا كان التصور الأرضي يراها تحلية او جوهرا للنص ؛فان التصور الإسلامي يراها أداة ” لتعميق فهم الحقيقة لكنه لا يلغي وجود هذه اللغة في النصوص الشرعية حيث التخيل المرتبط بالواقع الحسي او الذهني او النفسي ” (23 )
ويندرج التعامل مع اللغة العاطفية ضمن مستويين ؛ اولهما يشكل قاعدة عامة والآخر يشكل قاعدة استثنائية وأن التعامل العاطفي يجب أن ينضبط بالبعد العقلي من خلال (طبيعة الموقف والإيقاع والصورة والصياغة ) وقد فصل المؤلف بين مادة الأدب والمواد الأدبية ؛ ولا ندري ما الداعي لهذا الفصل ؟؟!! فقد جعل مادة الأدب تشمل: ( اللغة التخيلية والعاطفية والمهارة الذهنية )، وجعل المواد الأدبية تضم :( الشخصيات والحوادث والبيئات والمواقف والقيم ) وربما قصد بالأولى النصوص الإبداعية الشعرية وبالثانية النصوص النثرية …….ثم حدد مقومات النص عموما بما يأتي:
( الرؤيـة وموضوعها.. والدلالـة وترتيـبها.. واللـغة وتركـيبها.. ) . (24 )
وناقش هذه المقومات على وفق معايير معينة؛ فوجدها تنطبق على النصوص الشرعية كالنصوص القرآنية الكريمة والنصوص النبوية الشريفة ونصوص أهل البيت المعصومين..؛ إلا انه حين ناقش كل مقوم وفق الأنماط الأسلوبية، فانه طبقها على النص القرآني وحده..فمثلا :
أن الرؤية مباشرة وغير مباشرة ولها أنماط محددة وهناك الرؤية المعترضة؛ وان الدلالة تضفي عنصرا جماليا على اللغة من خلال التقديم والتأخير والأجمال والتفصيل والتوكيد والتكرار والوحدة والتنوع والتقابل.وان الصورة بوصفها ” علاقة بين ظاهرتين لا وجود لها في عالم الواقع بحيث تنتج ظاهرة ثالثة ” (25 ) وأنها تتخذ أشكالا عدة كالتشبيه والاستعارة والكناية ..واختار أمثلتها من النص القرآني الكريم ,كما أشار إلى مصطلحات حداثية بهذا الشأن كالرمز والانزياح والعدول وابتدع مصطلحات لا تخرج عن التنظير الذي قدمه الموروث البلاغي العربي القديم من مثل : المقاربة والتقريب والفرضية والتمثيل والاستدلال والتضمين والمبلغة والإحالة والتجوز والتورية والتسامح وما إلى ذلك ……
وفي ما يتعلق باللغة وتركيبها ؛ فإنها تتكون من تركيب لفظي وتركيب إيقاعي . وان البناء في النص القرآني طولي وافقي وأدواته التمهيد والنحو العضوي مستشهدا بنصوص قرآنية كريمة… كما طبق الباحث التصور الإسلامي للأنواع الأدبية على النصوص القرآنية مبتدئا بالقصة او السرد؛ فأشار إلى الشخصية وتعددها والحوار وأنواعه .
أما النقد الادبي بوصفه نوعا أدبيا يندرج تحته تاريخ الأدب ونظرية الأدب والأدب النقدي ؛ فقد حدده من خلال :
ـ التعامل مع النص بصفته بنية مستقلة .
ـ التعامل مع النص من خلال صلته بالمبدع .
ـ التعامل مع النص من خلال صلته بالسياق الاجتماعي .
ـ التعامل مع النص من خلال صلته بالمتلقي .
وأثار الناقد تساؤلات مهمة في هذا الصدد منها:” ما النص الذي يصبح موضع تعامل الناقد الإسلامي ؟؟ وهل تقتصر المقاربة النقدية على النصوص الإسلامية فحسب أو تتجاوزها إلى مطلق النصوص كالنصوص الإنسانية العامة التي تمثل خطا مشتركا بين التصورين الإسلامي والأرضي أو النصوص المحايدة التي لا تتعارض مع مبادئ الله تعالى..؟؟ (26 )
وحدد الباحث أربعة أنماط او اضرب للنصوص ؛ فهناك النص الإسلامي والنص الإنساني والنص المحايد والنص المنحرف .وان مهمة الناقد الإسلامي تتحدد ب:
ـ توصيل مبادئ الله تعالى إلى الآخرين من خلال كشف خصائص النص الفكرية والجمالية.
ـ رفضه التعامل مع النص المنحرف أساسا .
ـ تناول النصوص الإنسانية التي لا تنـفصل في حقيقتها عما هو إسلامي.
ـ تناول النص المحايد جماليا لا حرج فيه مع ضرورة تدخل الناقد الإسلامي لادلجته .
واقتصر الباحث في دراسته للنص السردي القصصي على عنصري الزمن والشخصية من دون الإشارة إلى عنصر الحدث والحوار والمكان مكتفيا بإحالة القارئ إلى كتاباته السابقة في هذا الشأن مثل كتابه “دراسات فنية في قصص القران “.
أما دراسته للنص الشعري فحددها من خلال فضاء القصيدة ، وصنّفها إلى وحدات دلالية ثم وحدات وظيفية ثم بيّن العنصر الإيقاعي والعنصر الصوري في البناء الفني للقصيدة ، وفي تعامله مع النصوص الأخرى كالخاطرة والخطبة والكتابة ووقف عليها بحسب ما تتضمنه من خصائص اللغة الجمالية ..
وهنا يلحظ القارئ العجالة في تناول هذا المبحث ولو تأنى الباحث قليلا لا سيما في تناوله لبناء الصورة القرآنية والشكل القصصي فيها ..لكان أجدى في ترصين المادة النقدية وإحكام البنية المنهجية لهذا الكتاب.

ثالثا
ويأتي كتاب (قضايا مطروحة للمناقشة في النحو واللغة والنقد ) للدكتور سعيد جاسم الزبيدي مكملا لإعماله البحثية الأخرى من مثل :(أبو حاتم السجستاني الراوية ) و(مصطلحات ليست كوفية )و ( القياس في النحو العربي نشأته وتطوره )…….وقد جاء في مقدمة الكتاب ” هذه أبحاث تطرح للمناقشة قد تلقي قبولا أو رفضا وحسبها أن تثير رد فعل يحرك الدرس اللغوي الحديث وازعم أنها تقدم رؤيا نظر جديدة……”(27 )
ومرد زعمه يعود إلى الاعتقاد أن المنهج الأكاديمي الاستقرائي لا يحتمل جمع هذه المباحث مع بعضها من منطلق أنّ لا رابط بينها لذلك يواصل في المقدمة قائلا :” لم يسبقني ـ في حدود ما اطلعت عليه ـ احد وتهيئ للدارسين والباحثين مادة في ضوء منهج قائم على الاستقراء والموضوعية وقد يبدو للقارئ أن لا رابط بين هذه الأبحاث إلا أننا وجدنا خيطا يربطها في أنها عنيت بقضايا صالحة للحوار والتأصيل كان لنا فيها رأي متواضع “(28 )
ولا يهمل المؤلف ما يكتبه ولا يفرط به ما دام قد بذل فيه جهدا..لذا قام بجمع كتاباته مع اختلاف موضوعاتها وضمها في هذا الكتاب ..
والكتاب الذي نسلط الضوء عليه هنا دليل على اشتغاله بقضايا كتبت في أزمنة مختلفة و لدواع متعددة.
ومن القضايا التي طرحت في هذا الكتاب :
ـ النحو عند غير النحويين :وقد اتخذ الكاتب من جهد ضياء الدين بن الأثير (ت637 ) مثالا ،ومن مؤلفاته منطلقا ، ليعرض لنا كيف تناول هذا الأديب مباحث نحوية متعددة ، وان أكثر الدراسات انصرفت إلى النحاة وأهملت جانبا خطير الشأن هو النحو عند غير النحويين . (29 )
ـ تعدي الفعل ولزومه بين الدرس النحوي والاستعمال القرآني : وهي القضية الثانية التي وجد الباحث فيها أن إشكالية التعدي واللزوم يمكن حلها في مقولة الرضي الاستربادي في شرحه كافية بن الحاجب (التعدي واللزوم بحسب المعنى ) فانطلق منها لينقد نظرية العامل . (30 )
ـ ليس بالإعراب وحده يتضح المعنى : فهناك مجموعة من العناوين تحكم النظم ومنها الإعراب ؛وقد قرر الناقد ما ذهب إليه القدماء من أن هناك أدوات أخرى تحدد المعنى مثل ترتيب الجملة( النظم ) إذ يصبح معه الإعراب لا دور له يؤديه وقد انطلق د.سعيد جاسم الزبيدي في عرض هذه القضية من مقولة أبي الفتح بن جني ((ت 392 ) “صحة المعنى في فساد الإعراب .(31 )
ـ المصطلح النحوي موازنة واستدراك : وفي هذه القضية وضّح الباحث الحاجة إلى إعادة النظر في المصطلحات النحوية وتصحيح ما لحق من وهم وخطأ وما ينبغي للباحثين في دراسة المصطلح دراسة جديدة ، تقوم على التسلسل الهجائي لتذكر كل مادة وما استعمل من مشتقاتها وموازنتها بما ذكر في معانيها ؛باختلاف المذهبين البصري والكوفي واختيار ماله سيرورة ودقة وطرح ما عداه لندفع بالدرس النحوي إلى الأمام . (32 )
ـ الخليل في شرح الحماسـة للمرزوقي : وهذه هي القضية الخامسة وهي ـ كما نرى ـ من أهم القضايا التي طرحها هذا الكتاب ؛ فقد أدى أبو علي المرزوقي (ت 421 ) خدمة جليلة لاسيما لكتاب العين للخليل حين كان ينقل عنه بعض الأصول اللغوية ليفسر بها ما أشكل من ألفاظ في أبيات الحماسة التي عرض لها بالشرح والتحليل ,. وانتهى المبحث إلى أن ليس هناك شبهة في أن العين للخليل مستشهدا بنصوص لغوية ونحوية وصرفية للخليل..(33 )
وهذا الذي يعرضه الباحث ـ هنا ـ يمثل خطوة تفتح المجال واسعا لتتبع أقوال الخليل وتوثيقها في كتب ومصادر أخرى نقلت عنه.. بغية الوصول إلى تراث الخليل بن احمد الفراهيدي .

ـ تحلـيل النـص : انطلق الباحـث من مسلمة أن الناقد جسر يوصل المبدع بالمتلقي وقد أبدى الناقد قدرة في ارتياد أغوار النص الـمقروء والكشـف عن تجلياته . وقد خصّ تحليله للنص الشعري بمدارات النقد العراقي الحديث و في محورين:
الأول :تحليل قصيدة قديمة هي (لامية الطغرائي وميمية المتنبي ) عند كل من الأستاذين علي جواد الطاهر وجلال الخياط . (34 )
الثاني :تحليل قصيدة حديثة هي (المواكب ) لجبران خليل جبران و( لغة الثياب ) للجواهري عند كل من د. الطاهر وعناد غزوان .

وقد استدرك الباحث الزبيدي تحليله بالتعريج على الجهد النقدي الذي أنجزه ناقدان تراثيان هما حاتم الصكر ود.ثابت الالوسي وبشكل مقتضب ومن ثم ختم تحليله بنظرة تقويمية لمسألة التحليل ومقارباته في محاولة منه لبيان موقف القارئ من الناقد والنص المقروء .

منتهى
إن الوعي النقدي في المجال الإنشائي أكثر أهمية ..وهذا ما أردنا الوصول إليه من خلال هذه القراءات؛ فقد لاحظنا أن النقد يتحقق من زوايا مختلفة في النظر النقدي والفكري الجمالي التي طرحتها الكتب الثلاثة……..التي تفاوت الفعل الكتابي فيها بين العمل الإبداعي الإنشائي والطرح النقدي الجمالي .
وإن تدخل الفكر النقدي في أثناء السعي نحو الإبداع والتجديد يعد أمرا مهما لانطلاق السيرورة الإبداعية عبر المصاحبة الإنشائية للإبداع وعن طريق المراقبة النقدية مما يدخل في ميدان ( نقد النقد ) .

The abstract

This research is dealing with one of the kinds of theory of Reading in Germany school or the criticism of the response of Reader in American school ….
It studies the verbs of criticism that the three researchers has been done it on some of literature and linguistic studies in order to know the methods of these three researchers and their ideas in criticism ….the three Researchers are;
D.Ibraheem alsammraee and D.mohood albustani and D.saaed alzobeadi…….

هوامش البحث ومصاﺩره
(1 ) مجلة الحياة الثقافية ،تونس ،السنة 30 العدد 165 ،الوعي الإنشائي والنقدي ،رينيه باسيرون ،ترجمة محمد ميلاد ،ماي 2005 / 58 .
(2 ) من حديث أبي الندى أحاديث وحوار في الأدب واللـغة والفـن والتاريــخ،د.إبراهيم السامرائي ،دار واسط للنشر ،طبع الدار العربية ،ط1 ،بغداد 1986 /11 .
(3 ) م.ن/25 ـ26 .
(4 ) م.ن/ 29 .
(5) م.ن/ 29 .
(6) ينظر م.ن/ 32 .
(7) الدلائل دلائل الإعجاز والأسرار أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني .( ت 474 ).
(8 ) م.ن/36ـ37 .
(9 )م.ن/ 37 .
(10 )ينظر: م.ن/30 .
(11 ) م.ن/42 .
(12 ) م.ن/42 .
(13 ) م.ن/ 50 .
(14 ) م.ن/ 48 .
(15 ) ينظر: م.ن/45 ـ60 .
(16 ) م.ن/203 .
(17 ) ينظر:م.ن/47 .
(18 ) الإسلام والأدب ،د.محمود البستاني ، المكتبة الأدبية المختصة ،قم ،ط1 ،1422 / 16 .
(19 ) م.ن/21 .
(20 )م .ن/ 28.
(21 ) م.ن/ 42 .
(22 ) م.ن/ 48 .
(23 )م.ن/ 51 .
(24 ) ينظر:م.ن/ 69 ـ70 .
(25 )م.ن/4 .
(26 )م.ن/ 323 .
(27 ) قضايا مطروحة للمناقشة في النحو واللغة والنقد ،د.سعيد جاسم الزبيدي ،دار أسامة للنشر والتوزيع ،ط1 ،الأردن ،1998 /5.
(28 )م.ن/7.
(29 ) م.ن/17 ـ30 .
(30 )ينظر م.ن/35 ـ55 .
(31 )م.ن/60 ـ77 .
(32 ) م.ن/ 79 ـ87 .
(33 ) م.ن/90 ـ132 .
(34 )م.ن/134 ـ199 .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صلاح زنكنه كائنات السرد الجريئة

كلما رأيت إليه، وجدته يتفحص مكونات وجوده التي تنقلت مثل عصفور مصاب من شدة حرب، …

صالح الطائي: التثقيف من خلال الترجمة؛ الدكتور علي عبد الأمير صالح نموذجا

منذ مراحل وعينا الأولى، وبدايات اهتمامنا بالقراءة؛ وموضوع الترجمة يشغل بالنا ويجلب انتباهنا، حتى أننا …

الأبعاد النفسية في رواية (عذراً… كوفيد 19 عائدون بلا أرواح)
للروائية أمل عبده الزعبي
الناقد/ محمد رمضان الجبور /الأردن

من الروايات الصادرة حديثاً ، والتي ترسم مشاهد الوباء والجائحة التي ألمّت بالعالم أجمع ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *