الرئيسية » مقالات » عبدالزهرة علي: علي السباعي ومحاولة طرق ابواب التجريب في مجموعته القصصية زليخات يوسف (1-1)

عبدالزهرة علي: علي السباعي ومحاولة طرق ابواب التجريب في مجموعته القصصية زليخات يوسف (1-1)

علي السباعي ومحاولة طرق ابواب التجريب
في مجموعته القصصية زليخات يوسف (1-1)
عبدالزهرة علي
ناقد
جريدة (طريق الشعب)العدد169في21/5/2006

تأخذ قصص(علي السباعي) حقبتي الحرب موضوعا لها وتشكل المعاناة التي عاشها خطوطاً واضحة لرسم أفعال ابطاله وصراعاتهم النفسية.. ان اللحظة و (اللقطة) عنده لم تفتح منافذ توصيفها المكاني والزماني الا ما ندر.. بقدر ما تكون مفتوحة بين الحاضر والماضي. ساحبا منها ثيمة الصراع النفسي والاجتماعي، ومؤطرا اياها بشخوص تاريخية تارة واسطورية تارة اخرى. فاتحا ابواب مطالعاته حتى يصل به الامر ان يلبس بعض قصصه اثوابا فضفاضة تتعثر بها اقدامها.. وفي احيان اخرى يصل بلغته الى حالة القصيدة النثرية. فهو بهذا الشكل يستفيد من كل المساحات المتاحة في القصة. الا اني ارى بأنه لم يعتن بخيط من اهم مميزات القصة القصيرة وهو التركيز والتكثيف.. فأنه يسير في دروب قصته بحرية تامة حتى يتيه في ازقتها. مما يجعلها تتشظى وتلتم بعد ان يلبسها ثوبا اكبر من حجمها.
ان موهبته القصصية تحمل في جنباتها ثقافة واطلاعا واسلوبا وخيالا.. وهذه ذخيرة قيمة لبناء الهيكل القصصي حتى انه يطرق بقصدية او بغيرها حالة تجريبية لشكل جديد لو انه اخذ بإنمائه من قصة الى اخرى او الافادة من الاسطورة والرمز والايات التي وظفها في انما الحدث القصصي دون ان تكون في بعض الحالات اشارات عابرة او مقمحة.
ان تكرارها والاخذ برموز كثيرة متناثرة يصيب القصة من الترهل .. واني اعتقد بأن انفعالاته النفسية الداخلية تدفعه الى الافاضة والبوح بانفجارات يصعب عليه السيطرة عليها.
كتب لينين(عندما تثبت الضرورة سلسلة محددة من الحقائق. ينبري “الموضوعاتي” دائما بأخذ زمام المغامرة. لصبح مدافعا بالقول او الكتابة عن هذه الحقائق. ويكشف المادي عن التناقضات المادي عن التناقضات الطبقية.. ومن خلال فعلها يحدد وجهة نظرة..) ولو انه قام بانضاج ذلك الصراع والتناقض من خلال حركة وافعال شخوص قصصية والتعرف على امكنة وزمان الحدث من خلال عيونهم واشاراتهم لحصلنا على عمل ابداعي يحسد عليه.
ان قصصه وثيقة هامة لمرحلة صعبة من حياة شعبنا الذي عانى القتل والقهر والفقر والحرمان وادانة صارخة للممارسات اللاإنسانية التي ابتكرتها عقول الشر في سدة الحكم ومخططي السياسة آنذاك. فالحرب والحصار والعلاقات الاجتماعية المتدنية افرزتها صور ملأت سطور قصصه وسلوكية شخوصه…!
في قصة(مريم البلقاء) صراع بين اخذ الثأر (القتل) والانتماء الى الحياة صورة واضحة ان توظيف لوحة(فائق حسن) وخيوله الجامحة استخدام ذكي موفق. الا انه يمد شواطئ قصته التي يصيبها المد فتنثر آيات “لا تصعر خدك” (العاديات)، واسماء (زهور حسين. عنترة وابراج(الجوزاء. والاسد) مما جعلها تتشظى وتتناثر في عين القارئ. ولو بقيت خيول (فائق حسن) النافرة القوية وقمره الذي يشبه سبطانة مدفع والقطار الذي يسحق مريم لحصلنا على قصة مميزة بلا شك. ان رمزية القطار الذي يحمل مدفعا هي اشارة واضحة بان عجلة الحرب تسحق الحب وتقتله. وكذلك صورة الدم والافق ولون الشمس والمغيب ورداء الظلمة كلها تشكل زمنا يسحق امانيه المستقبلية وهي رموز ناطقة للاحباط الذي تلبسه..
اما قصة (مومياء البهلول)، فانها تعنى بما تركه الاجداد للاحفاد من ادوات القتل (البندقية) ولكن هذه (البندقية) غير فاعلة(ارثك بندقية متأبدة بلا انتصارات بلا هزائم. صدئة لا تطلق الرصاص) اذ هي عنجهية قاتلة.. وصراخ اجوف.. وانتحار منتظر..! وان هذه البندقية الصامته لا تمنع شراسة الذئب فعلام العبث معه؟ ان البهلول.. تلك الشخصية التاريخية كانت تتسم بالسخرية اللاذعة والموقف الحكيم.. فهل حصلنا على ذلك قصته(مومياء البهلول)..؟!
وفي قصة(وساخات ادم). هناك نوعان من المدن، احدهما يلفه صمت ينتظر المخاض واخرى حبلى باليأس.. وطفل يحاول خلع ضرسه واخر يبحث عن نفايات وسكراب للبيع.. وبما ان وجود هاتين المدينتين في زمن الحصار والحرب فوصفه لا يبتعد عنهما.. (تتعكز على غيمتين قضيتين) كجريح يعود من الحرب ضماداتها غيمات حمر) (انحنت الشمس مظهرة عجيزتها الملطخة بالدم).. وتبقى تدور احداث القصة بين ثنايا القصيدة النثرية والقصة القصيرة..
سريعة بإيقاعاتها ولقطاتها القصيرة وضربتها الاخيرة.. يجمعها معنى يستخلصه القارئ النبيه، قصة صبغت اسطرها باللون الاحمر.. والنفايات . وعندما تمتد النار لتحرق شجرة السدر يتم الصبي قلع اخر اضراسه ويحترق…!
اما قصة (وتبقى قطام..!) فأنها اتسمت بتاريخ واضح.. ووقعت محدد وصرخة احتجاج من قطام (- من يرفع عنا هذا الوقف؟ من؟!) (- اخلعن قيد عبوديتكن). ان اخر الدواء الكي واخر الصمت عود ثقاب مشتعل رمته قطام فأحرق عباءتها. قطام التي حركت في النسوة القابعات في المسجد انتفاضة ضد الرجل الذي كرع زوجته قنينة مملوءة بالبنزين وضغط على زناد قداحته. والتي حثتهن لنزع ظلمة العباءات ليستيقظ فجر اجسادهن الاشقر. كانت مطالبتها بوأد الرجال ورجال المدينة غير عابئين بالوأد..! حواراتها المقتضبة الموحية تعطي دلالات واسعة.
أمن اجل الألم تئدين الذكور؟ اقتربت منه هامسة..
– كل موؤود يعتبر “نصبا حيا” .. لخلودي.
لقد ادارات ناعورها مع دوران عقارب الساعة فكان الدم هو ما بدأ به الناعور دورته. هذه الصورة الناطقة عن الحالة المأساوية التي يعيشها المجتمع فكلهم شخوص مصغرة عن قطام. وما قطام إلا جب الخيانة والتي عمرته وعاشت بداخلة وعلّت بناءه واطالته، ليكون لكل واحد جبه الذي يقبع فيه.
لقد نخر الوضع الجاف ارواحهم ودواخلهم وبقيت قشورهم الخارجية وعندما ينجلي غمام الاشياء تتوضح الرؤى ويكون الذي مشى ضد التيار وحده الابيض الذي يفوز والخاسرون تماسيح تبكي حظها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *