الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » باهرة محمد عبد اللطيف* : حـجـر الـمـثـل* (إلـى خـالد كاكي، فـنانـاً مسكوناً بالإنسان)

باهرة محمد عبد اللطيف* : حـجـر الـمـثـل* (إلـى خـالد كاكي، فـنانـاً مسكوناً بالإنسان)

حـجـر الـمـثـل*
(إلـى خـالد كاكي، فـنانـاً مسكوناً بالإنسان)
باهرة محمد عبد اللطيف*

(منذ ساعات وأنا أحاول أن أشرح لصديقي المقترَح، معنى أن يجد المرء نفسه في هذا المكان، أن يبحث في هذا الصقيع عن دفء ما، قد تـمنّ به فرصة حديث كهذه. أبداً لن يدرك هذا المستعرب المفتون حجم لوعتي..!!
عبـثـاً أحاول أن أتقصى أسباب الكآبـة، فالشتاء كان دوماً سبباً لـحزن إضافي غامض يـجتاح روحي. كان موحشاً أيضاً في وطني، ولكنه الآن يبدو أشد وحشة وقسوة في الغربة. ما أن وطئت هذه الأرض حتى انزوت الشمس في السماء العاشرة. سحنات الناس الباهتة تشي بطول هذا الفصل اللعين، وأنا مازلت أقف متردداً حائراً إزاء الوجوه العاجية اللامبالية.
وجه محدثي المستعرب يحاول أن يبدو أقل عاجية، وهو يسعى لالتقاط كلماتـي التي اجتهدت أن أوضحها له قدر الإمكان بعربـيـة سليمة لم تنل منها نوائب الدهر وصروفه. أطلعته على بعض أحلامي ودافعت بـحرارة عن مشروعيتها، وأسرفت في انتقاء كلماتي وأنا أبسط فكرة (ملـتـون) الكونية: “وطن الإنسان حيث يكون سعيداً..”، وما دام العالم قد غدا قريتـي التي غادرتـها منذ أشهر فـلـن أُضام وسأجد، لأن من يبحث يجد دائماً.
لم أخبره بأن الباحثين عن الذهب يبحثون طويلاً ولكنهم في النهايـة لا يجدون إلاّ القليل، كما يقول (هيراقلـيـطس) لأنـي لم أشـأ أن أبدو متـشائـماً.
كان اقترابه من طاولتـي سبباً لانـتـشـالـي من إحساس تسلط عليّ بلا مقدمات، إذ شعرت بأني حيوان فظ وحيد حينما جلست لأكثر من ساعة احتسي الشاي الساخن والتهم بابتذال حقيقي أنكرته على نفسي قطع الحلوى التي حملها إلي النادل. وصلت الجلبة إلى أذنـي لأكتشف أنـي مصدرها، وأنا أزدرد الأشياء بشهية بدائية ذكرتنـي ببطل روايـة ” ذكريات التخلف” الكوبي الذي بلغت به الوحدة حد أن يتجشأ بصوت مرتفع ويقوم بما هو أسوأ، متناسياً الكائن المتحضر الذي كانه. فقد وجدتُنـي أفعل شيئاً مماثلا في وحدتي قبل أن يقطع علي هذا المستعرب الأسباني جلستـي بعد أن تصفح سحنتي وميزها دونـما عناء، ليكون ذاك مفتاح الحديـث الذي دار طويلاً ولم يفتح لي أي باب.
مشكلتي الآن هي فائض الحرية الذي لقيت نفسي فيه فجأة إثر عمر أمضيته هناك أتقصى أثرها واتنشقها بعسر شديد. برئتي طفل صغير أتنفس الآن وأقاوم عصف الحرية التي اندفـعت بضراوة على وعي يوشك أن يتداعى. مع ذلك فإن نـهار الحرية قصيـر ولا يتسع لكل ما أريد أن أراه وأفعله. غداً سأرسم الأفق من جديد وأعيد ابتكار الألوان. سأنحت العاج واستخرج الإنسان، فقد حلمت بذلك طويلاً والآن حانت لحظة الاستيقاظ.
للحـرية رائحة أيضاً، أتشممها اللحظة وأنا أصغي لصمت صديقي المقترح. إنـها رديف رائحة الأجساد البشرية التي اختزنتها ذاكرة المعطف الذي تدثرت به منذ أن ابتعـتـه هذا الصباح، وهي الرائحة نفسها التي استـقبلتـنـي وأنا أتـهيأ لدخول محل بيع الثـياب الـمستخدمة والتي سأتعايش معها إلى حين ثـمناً لحرية انـتظرتـها طوال حياتـي .
بالأمـس رأيت صفاً من سليلي حضارة النور يـبسطون لوحاتـهم على الأرض في ساحة المدينة العريقة ( بـلاثـا مايور ) أملاً في اصطياد سائح يبتاع لوحة تحمل دفء الشرق. أما أنا فلن أرضى بقدر أدنى من الحلم الذي طوح بـي إلى هنا، إذ ما زلت أعتقد أن المرء قادر على صنع غده وليت هذا العاشق القرطبي المفتون يدلي لي بحبل أتعلق بـه من بئري الجديدة هذه..!!(
* * *
(وجهه سيفضحه حيثما حل..إن به من الحدة ما يجعل متيماً كـ(غويـتـيسولو) يفرد له فصلاً في مذكراتـه ..!! ما كدت أدخل المقهى حتى استوقفني إحساس بأني اعرف إنساناً ما في المكان. شيء ما جعلني ألقي نظرة خاطفة على الوجوه لتستقر في الحال على عينين تفيضان غربة وحزناً شـفيفاً. أجفل متوفزاً حين ألقيت عليه التحية بعربيتـي الـمتعثرة ثم عاد سريعاً إلى استرخائـه الأول وهو يومئ بيده إلى الكرسي لأجلس.
أظن أنـي عاجز عن التقاط كلماته!! إنـها تتدفق من وراء شاربـين كثّين وأكاد أعيا عن متابعتها، غير أن لعينيه بريقاً يوحي بذكاء لم يفلح الحزن في حجبه. إنه سعيد كطفل يتهجى حريته بتفاؤل غريب. معطفـه المتهدل وشئ من بريّـة تغلف هيئـته يـمنحانه مظهر فنان متصعلك. والشِّعر الـمنـثال من حركة يديـه وعينيه بحماس لم أصادفه من قبل يجعلني أتوق لأن أكون (هـنــاك)..
يوم رسمت أول حروف النـور وقلت (الألف) خيل لي أني قد لامست سـماءً مضاءة بالإجابات. بكيت فرحاً ولثمت يديّ معلمي، وقلت له: كن أبـي ..! لكنه كان يـتيماً مثلي، فأعتذر. دلّني على ” المكتبة الإسلاميـة ” في شارع ( الملكان الكاثوليكيان) وغمغم بشيء لم يصلني. بعد أعوام ألحفتُ، فأعطاني قائمة فيها أسماء الوجود الحسنى، ومضى.
حملت أسئلتي وسريت في ليل الحيـرة وحدي، أستضئ بنور الألف، وأصغي لألـفِ ” لا ” من حولي. الناس يروغون من أسئلتي، والوحشة شـدقٌ فاغر يلـتهم أيامي ويحيل العمـر فقاعة أوهم نفسي بأنـها لم تنفجر بعد. لست هـنا، ولم أكن يوماً هـناك، صار صليبـي الذي نـئت بـه دهراً أشـد ثقلاً وأنا اتأملـه كل لحظة في ضوء هلال لا يغيب، فأدركت إذاك غربتـي.
في خواتم أيامـه كان أستاذي الجليل، شيخ المستعربين، يهذي بأشعار ” الشيخ الأكبر”، وحين عانق فناءه أودعني لوعتـه هو الآخر، وحيرتـه، وسؤالا لا يهدأ ولا يغيب: من الأصل ومن الفرع، من الباطن ومن الظاهر؟ متى سـأعرفـنـي ..؟
هذا القادم من صحراء الحيرة سيقودني إلى متاهـته لأتلاشى فيها، سأصمت وألازمه: “في الصمت وجودك، وفي النطق عدمك”.. كمال الحلم يكمن في إنسان، في وجه يرنو إلى النور وآخر يسـتـنطق العـتـمة. لعل هذا الـملوح بـهجير الصحراء سينجينـي من حيرتي ‍‍‍‍!! ما دام الشيء يعرف بـضده سـأصغي لوجيـبـه بـحـثاً عن حجر الـمـثل، عن إنسـانـنـا الكامل الـمنسي هناك. وما دام النور يحجب الظلمـة، والظُلمة تحجب النور، فلتكن أنت الخط الماثل بينهما.كن أنت إذن مجمع الحقائق !!. منذ أعوام وأنت تبحث عن قبس يضئ، وكل الدروب التي جربت لم تفضِ بك إلى ما حلمت ..أفيكون الرحيل إلى صحارى الحلم خلاصاً!
هاتف يصرخ من أعماقي بصوت الغوايـة، يلح ويزداد مع الزمن إيغـالاً في روحي:” الجـنّات في آخر الصحراء.. الجنـّات في آخر الصحراء..!”)

* * *
دفعنا دفتي الباب المتحرك بجسدينا وخرجنا من المقهى. صامتين مطرقين كعلامتي استفهام إنسربنا إلى الشارع. لم يجُب أي منا على تساؤلات الآخر التي لاحت في العينين وما باح بـها اللسان.
تلقفتـنا نفحة من هواء صقيعي أطاحت بدفء المقهى وأكواب الشاي التي احتسيناها، ونحن نتناوب الصمت والحديث لساعات قبل أن نـتـنبه إلى خلـو المكان من الرواد. فالوقت تأخر والليل أوغل، والطريق إلى محطة المترو لا يقل وحشة ووحدة عن أشجار الحور الممتدة على جانبيه.
أغمضت البيوت عيونـها منذ وقت وما بقي إلا نور يضاء هنا أو هناك في هذا الطابق أو ذاك، ونباح متقطع لكلاب ليلية يجرّح صمت الحي الغارق في البرد والنعاس.
صمت الصحراء يقطعـه عواء الذئاب أيضاً، ولكن الساري بـها يستهدي بنجمة، أما ليل المدن الثلجية فلا نجوم تضئ حلكته..!!
ارتجلت صفـيراً خافـتـاً لأبـدد وحشة أثقلت على كلينا ونحن نقترب من محطة الأنفاق الأرضية، وسرعان ما سمعت صديقي يرد بصفير أعلى وقد سرت فيه نشوة اللحن الذي ارتـجلت..
ما أن وصلنا فوهة النفق حتى برز لنا من السلالم بضعة شبان حليقي الرؤوس، ووقفنا لحظة وجهاً لوجه. هيئاتـهم الشيطانية التي اتشحت بسواد الليل البهيم أنذرتنا بالشر المستطير، فأشحنا عنهم بحركة غريزية خشية الاصطدام بـهم ووقفنا ننتظر أن يمروا بسلام قبل أن نـهبط سلالم محطة الـمترو لندرك قطار الليل الأخير.
لماذا تغدو هـيئة الإنسان، مصدر الأمان المفترض في لحظة ما، في وحشة الليل كوةً للفزع واستدعاء لذاكرة الخوف والأحاسيس البدائية..؟!
أصر بعضهم على اعتراضنا والصراخ في وجهينا استفزازاً. كانت الجماجم التي انـتشرت على ثيابـهم، والوشوم التي غطت أذرعهم وهم يلوحون بقبضات مزمومة، وسـيل الشـتائم الذي راح يـنهال بلا انـقطاع: “مـورو.. مـورو..”*،كافيـة للقضاء على أيـة فرصة للحوار قبل الشروع فيـه!!
في هذه الليـلة العمياء يغدو المرء “مورو” وتنتفي العلل والأسباب. وحدها الصدفة من تـهب الموت أو الحياة. وجوهنا تـشي بـنا، والـمهج غفل عن الخطر الكامن في العقول. كيف النجاة ومن أين ننفذ إلى أرواح ما كابدت يوماً الشوق إلى الانعتاق من طغيان النفس ولا غفت على وعد الخلاص؟! خصمك يرتدي وجهك وأنفاسه قد تكون لهاثك في لحظة الخوف هذه.
استل أحدهم شفرة وراح يطعن بها الفراغ، ودبت في الباقين حمى مماثلة، فكلانا ” ‎مورو” استحق اللعنـة الأزليـة منذ أبي عبد الله الصغير حتى آخر حفيد يذكّر به.. والذاكرات المنضفرة ببعضها لا بد لها من أن تقتسم أقدارها!!
اختفت رائحة الأجساد البشرية الأليفـة، وأنشبت في الهواء مخالبها، حيوانات ضارية تتشهى رائحة الدماء. تطلـعـنا إلى بعضنا بأسى، وطنت الكلمات في رأسي: “الباحـثون عن الذهب، يـموتون ولا يـجدون”!!. سرّ الـمرء قلبه وسحنته!! في الصمت وفي النطق فنـاؤك.. والجنات في آخر الحلم ..!!
التفتُّ إلى صديقي بصمت أسائله: ماذا سنفعل أيها الفادي..؟ والتفت إلي هو الآخر: ماذا سنفعل أيها الفادي..؟
السكاكين والمدى تلـتمع بأنصالها المرهفة على حافة السلم، في ضوء قمر شاحب، وحيد، حياديّ حد اللعنة!!

——————————————————————
*مورو: اسم قديم أطلق في أسبانيا على المسلمين عموماً، وعلى مسلمي المغرب والأندلس خصوصاً. والتسمية اليوم تحولت إلى مصطلح استحق دراسات تاريخية واجتماعية ونفسيـة معمقة نظراً لشحنة الاحتقار والاختـزال التي ينطوي عليها ليصبح، جهلا أو عنصرية، كل ما هو عربي أو إسلامي، “مـورو”، مرادفـاً لـصفة الوضاعة والغدر.

*من مجموعتي القصصية “تأملات بوذية على رصيف الموت”، دار الألف- مدريد.
*كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة باسبانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *