ايمان عبد الحسين : الاكواريوم وشعرية الخطاب.. رموز وعلامات تصوغ تصورات القاصّة (ملف/37)

إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.

الاكواريوم وشعرية الخطاب.. رموز وعلامات تصوغ تصورات القاصّة
ايمان عبد الحسين

ان الخوف من الكائنات غير المرئية ووجود الشخص الثالث يظل لصيقا في اغلب قصص القاصة ميسلون هادي، الذي تعبرعنه في اشكال ورموز عديدة تحاول من خلاله توصيل سلسلة من الاشكاليات الخاطئة، و طرح العديد من القضايا حول العلاقة المعقدة التي تحكم الانسان الحاضر وانسان المستقبل ، علاقة تدخل في تركيبتها وحدات دالة تستند في وجودها على مرجعيات متنوعة اجتماعية وسياسية واقتصادية، معتمدة القاصة على ابرازها حتى عبر ابسط المخلوقات، والتي وان كانت صغيرة الا انها مثقلة بالرموز ،متعددة الأبعاد تمتلك طاقات تعبيرية عن طريق تحويلها الى علامة ورمز توضح من خلاله ما تريد طرحه ، وان عند اختيارالقاصة ميسلون لهذه المخلوقات الا من اجل تحميلها المداليل المتنوعة اضافة الى السعي من خلالها الى تقديم تشكيل جديد يذهب بالقصة إلى مخيلة قوامها الخيال المغلف بالواقع ، مع غرابة المفارقة. ان القاصة ميسلون التي تمتاز بشعرية اللغة الحاضرة في ادبها دوما والتي تضيء قصصها بعلاقات التماثل بين الرموز والمعاني الذي تفرزها الكائنات الصغيرة ،فهي في كل قصصها لا تختار مفرداتها اعتباطا إنما تبحث لها في كل قصة عن محددات، وهذا ماتؤكد عليه (قصة الاكواريوم) من المجموعة القصصية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة بعنوان (ماما تور بابا تور) التي نحن بصدد قراءتها هنا،التي حاولت القاصة في هذه القصة تقييم اشكالية الخوف و فقدان الامان عبر الحوارالجواني للانسان مع ذاته ومع ما يحيط به من المخلوقات المتمثلة هنا بالاسماك ، وفي كلتا الحوارين نلمس مدى الخوف وعدم الامان الذي يحيط بالانسان المعاصراضافة الى انه يلامس حتى الكائنات الصغيرة ، ما يمكننا أن نتبيّن التشابهات الدلالية بين هذه الكائنات والانسان ، والذي تنبهت فيه القاصة بان الحكمة لا يصنعها العلماء والحكماء فحسب انما يمكن ان تصنعها كائنات صغيرة في هذا الفضاء ايضا.
ان في قصة الاكواريوم على الرغم ان الواقع الذي يحيط بالانسان والكائنات الصغيرة اشبه بحلم جميل تقدمه لنا القاصة في لغة بصرية غنية بالالوان تبرز من خلاله القيم الجمالية الا انه في الحقيقة هو كابوس ومحيط مراقب (عادة ما تكون اليرقات الحية لا ئذة في ذلك التراب بحثا عن الامان فتنتفض عليه السمكة الوردية مثيرة حولها عاصفة صغيرة من الفقاعات والهباء يتناثر رذاذها في الماء قريبا من تلك الاسماك البنفسجية اللماعة ذات الزعانف البرتقالية) ، وبهذا فان هذه القصة كبقية قصص المجموعة يمكننا تصنيفها ضمن الادب الرسائلي القيمي ،ذلك لان القاصة تتعامل مع الواقع المحيط بها بروح الناقدة مختارة عالم الاسماك هنا عن عمد كي ترسم من خلالها لوحة تباري اللوحات العالمية ونرى فيها صورا فنية تتناغم مع ماتوفره من تراكيب وصياغات جمالية وبما تمتلكه من امكانيات تنفتح على اكثر من اداة تعبيرية فتبدو مكونة فضاء واسعا يحتضن لغات وايقاعات عدة من الفنون من الفن التشكيلي الى الموسيقى الى السينما (يا الهي كيف تحول الزلازال في الخلايا الى هذه الالوان والصبغات الخلابة وكيف يمكن لهذه النجوم السرمدية ان تظهر بهذا الشكل الهين على هذه الحراشف والقشورالتي لا عقل لها ولا حيلة ولا تدري انها تحمل فوق ظهورها كل هذه المتاحف من الفن المتماسك المكتمل والمتكون دون عناء او فرشاة او نظرة واحدة الى المراة كان الانسان يفكر بان على الجدران التي تضم لوحات الرسامين الذي وصلوا الى درجة عالية من الشهرة).
تاسيا لما سبق ان القاصة التي تدعوا اصلاح الوضع الحاضر والقادم المتردي بمحاولة اظهارالعلاقة الازدواجية فيه من خلال المفارقة بين الكائنات الصغيرة والانسان الذي يكون هو الاخر مخترقا من قوى وانساق اخرى وان الاثنين يتلاقيان في حالة واحدة من اجل ابراز ما يهدد حرية وامن الانسان المعاصر،الذي نرى فيه ان القيود التي يضعها المجتمع على حريته الفردية تعد من أهم الأبعاد التي تتجلى في هذه القصة التي ما نلاحظه فيها ايضا أنّ ثقل وطأةِ الرقابة يتناسب عكساً مع اضطراب نظام البشر لنسيج الحياة، وان الدوافع الحقيقية الكامنة وراء خلق هذا النمط من الروابط ومحاولة تكرارها في اكثر من قصة دلالة على كونها عنصرا وظيفا مهما في البناء العام للمجموعة ككل، (هكذا كان الانسان غارقا بافكاره وهو يراقب السمكة الغارقة التي سكنت تماما في قاع الحوض وفي الوقت نفسه ثمة عينان بعيدتنان تراقبان للغاية نفسها الانسان الساكن بلا حراك).
اسماك ملونة
ان القاصة ميسلون هادي التي تسعى في هذه القصة حصر تجربتها ضمن عالم من الاسماك الملونة مشكلة منها رمزوعلامة للتوصيل، تبتدء من العنوان مشكلة منه مكونا دلاليا ننفتح من خلاله على عالم القصة، واداة نكشف من خلاله عن هويتها، فان كلمة الاكواريوم التي تمثل بالاتينية حوض شفاف لتربية الاسماك يجعل القارىء ينفتح على الفضاء المكاني الذي يمثل بؤرة لتركيز البعد الشعري والدلالي في القصة والى تكريس فكرة بعيدة عن النمطية موظفة فيه رمز الاسماك رمزا ترمزفيه إلى الإنسان المعاصر الذي يصارع من اجل البقاء حيا ، وهكذا تصبح هذه الكائنات منبع تشتغل فيها القاصة على حفرياتها الخاصة في اطار من الانزياحات والوصف المسهب الذي ينم عن اشتغال الحاسة الشعرية لديها معتمدة لغة تقوم على المفارقة،على يقين من ان الخلاص عند القاصة الحالمة بالمتغير يمكن ان ياتي عن طريق موجودات من عالم الطبيعة فتسعى من اجل ذلك الى رسم عالم تتماهى فيه الاشياء وتندرج الرموز من الكائنات الحيوانية لتكون مرجعا لتقريب المغزى التي تريد ايصاله الى المتلقي والتي من خلالها تحاول ابلاغ القارىء على قلة الثقة التي تحيط بانسان العالم المعاصر وتطرح رغبتها في ان تضمن للإنسان الحياة الحرة والبحث عن عالم واسع مفتوح خالٍ من الحدود والقيود، والذي يعد في اعتقادي هذا هدفا ومغزى والهوية الخاصة لقصص المجموعة ككل التي تسعى القاصة فيها ا لإبلاغ والاشتغال الدءوب الى توصيل رسالتها الرؤيوية، المتخمة بقضايا الحاضر والمستقبل الإنساني، وان القاصة في استثمارها الطبيعة لايعني إعادة إنتاجها بل لكي تستثمر إمكانات خلقها للصورة الشعرية عبر استخدام تقانات مختلفة لتشكيل الوصف في القصة تشكيلاً فنيَّاً مكونة من خلال الوصف الخارجي لعالم الاسماك الذي حظي بالنصيب الأوفى واحتل حيزا نصيا طويلا يمتد عبر مقاطع كثيرة مهيمنا على مساحة واسعة من القصة طارحة القاصة اياه ، انعكاسات جمالية لسياقات مبهرة من الالوان بجمالية يتلاعب فيه الضوء مع الظل والضوء والعتمة مكونة من خلاله نوعا من الوجود الذي يغيب ويحضر بحضور الضوء الذي تعكسه وترسله بعض الكائنات الحية من اجسامها فيصبح وجود السمك الملون في تلك الاعماق ممكنا ، هذا الوصف الذي يتسم بشاعرية ملحوظة تستثمر فيه القاصة آليات الانتاج الشعري، مثل الاستعارة القائمة على المشابهة وتوظيف الرموز الموحية بدلالة الحدث ( كتلك السمكة الوردية الفاتحة اللون التي تتقي الشر بالانطواء فان الخجل لا يمنعها من ان تهبط الان الى قاع الحوض لقضم حفنة هنية من التراب الابيض) ،(انها عجيبة تلك الالوان الخلابة التي تتلون بها سمكات الحوض والتي تتنوع بين البرتقالي الغامق والاحمر الزاهر والاورجواني الكامد والاصفر الفاقع والبنفسجي الداكن والاسود اللماع انها اجمل من الوان الفراشات وهذه السمكة الوردية المرقشة بنقاط سوداء ما اجملها) (السمكة الصفراء الذاهبة نحو اعالي الحوض فقد كانت مكحلة بخطوط سوداء ).
من الثابت مما سبق ان القاصة تصوغ تصوراتها ومواقفها ورؤاها المعاصرة انطلاقًا من شبكة العلامات والرموز محاورة ابسط الكائنات لتطرح عالما واقفا على حافة عالم يتشظى انها لعنة الكتابة التي تجر القاصة الى اسئلة وعوالم بسيطة في طرحها عميقة في معناها .

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

يحيى السماوي في محراب الحب والأسطورة والجمال
(قبل دخولي فردوسها)
مفيد خنسة – سوريا (ملف/131)

إشارة : يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ …

موسيقى الكائن للشاعر سعد جاسم
فانتازيا التنبؤات والتمازج مع اناشيد الروح
قراءة: سمر محفوض* (ملف/37)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *