فؤاد قنديل*: المصيدة ..

* قاص وروائي من مصر العروبة
 مثلث جغرافي لا يكاد يعرف غيره، البيت والمقابر وسوق الجمعة.. ثلاثة أماكن ـ مرتبة حسب الأهمية ـ يتدله في حبها.. ليست مجرد أماكن وإنما معالم في جسده وروحه، وقلبه وعقله، كل منها له أدواته ولغته وناسه وأحبابه، وهو فيها جميعا صاحب كلمة وهيبة.. له أيضاً حب راسخ وإعجاب.
     الأماكن الثلاثة لا يحتاج للحركة بينها إلى وسيلة انتقال، رجلاه تكفياه، ولا يحتاج ليؤدي دوره، ويلتقط لقمة عيشه إلى نظر، وربما لذلك حرمه الله منه قبل أن يولد، ومتَّعه بعقل وإحساس ولسان.. تعود الرجل أن يحمد الله آناء الليل وأطراف النهار على النعم التي لا يحصرها حصر. بكت أمه شهراً كاملاً عندما انتظرت أن يفتح عينيه بعد ولادته، فلم تفتح، وعندما ـ بعد شهور ـ انفرجت الجفون نصف انفراجة بدت العين بلا إنسان.. مجرد مساحة رمادية تتحرك فيها سحابات غامقة كخرقة للمسح طال بها العهد، لكنه يسمع دبة النملة وتثاؤب الشياطين وحوار الملائكة، وكم أمسك بعضها متلبسة بتسجيل بعض أفعاله ـ إبان سنين الصبا ـ التي قد لا ترضي عنها السماوات السبع، وهو لا يجد غضاضة فى الاعتراف ـ في ساعات الصفا والسمر ـ بأنه بدأ طريق الخطيئة مبكراً.
   لا يغضب لأنه في السوق يسمونه “المفتح” ويقولون:
ـ المفتح كان هنا من شوية.. المفتح جاء.. المفتح راح.
لكنه فوجئ بضابط الشرطة يسأله:
ـ قوللي يا مفتح.. تعرف محسنة ؟
   رفع وجهه إلى السماء نصف رفعة، كأنه يتأهب لاستقبال المدد ثم ابتسم، ولا يدرك من لا يعرفه إذا كانت الابتسامة سخرية، أم إنها دلالة على ثقته بما لديه من معلومات.. قال وهو يفرك كفيه الغليظتين:
ـ جارتي
ـ عرفت إنها اختفت ؟
ـ لم تختف.. ذهبت لتزور أهلها فى شبين.
ـ إيه رأيك ؟
ـ في خلق السماوات والأرض ؟
تنهد الضابط، ثم قال:
ـ في سبب اختفائها ؟
ـ تعددت الأسباب والاختفاء واحد 
ـ ركز يا مفتح
ـ أكثر من كده
ـ عندك سبب محدد
ابتسم المفتح من جديد، وسأل الضابط:
ـ هل تعرف سبب تسمية الضابط بهذا الاسم ؟
ـ نعم وحياة أمك !!
ـ أجبني إذا كنت تعرف ولا تأخذك العزة بالإثم
ـ ح تعمل مفتح علىّ يا أعمي
اسود وجه المفتح
ـ إذن أنت كالعادة لا تدري.. الضابط ليس من يضبط السارق أو الهارب، الضابط من يضبط نفسه.. وواضح إنك لست بضابط.
احمر وجه الضابط ونفرت عروقه وجمع أصابع يده في قبضة غاضبة، وهم بأن يدفعها لوجه المفتح، الذي قال له:
ـ هيا.. اضرب
     فوجئ الضابط واضطرب وأدرك أنه وقع في شرك مع هذا الرجل المشكلة، فاستدار على عجل وتبعه فريق الشرطة والمخبرين.
 في اليوم التالي جاء ضابط آخر يطلب منه الحضور للتعرف على جثة امرأة مشوهة الوجه، ربما كانت جثة محسنة، فقد وصلت إشارة مجهولة بذلك من فاعل خير.. اضطرب المفتح وارتعد فقد ثار بركان بأعماقه.. لم يتصور الخبر، لكنه تماسك وقال:
ـ يا مندوب الحكومة.. كيف أتعرف عليها والمفتحين بحق وحقيقي لم يستطيعوا التعرف عليها؟
ـ تعالي يا مفتح يمكن يكون لك فايدة
ـ إذا كنت أنا مش شايفك وأنت زى فلقة القمر
ـ تبقي شايفني
ـ إنت صدقت يا حضرة الأنباشي
ـ ضابط يا لوح.. غور.. عنده حق اللي عماك.
لم يشعر بأنه أعمي إلا هذه الأيام، ولم يتيقن أن الدنيا معتمة إلا هذه الأيام، بل لم يحس أبدا أن الحياة مقبلة على أيام سوداء وظالمة إلا هذه الأيام، ومع ذلك فهو على ثقة أن الجثة ليست لمحسنة.. إحساسه لم يخنه أبدا.. قالت من قبل إن أهلها يقاطعونها ولم تشرح الأسباب.. لم يدفعه الفضول لحفر البئر.
  تنهد بعمق واحتضن بكل جوارحه وأعصابه سيرة محسنة التي ترحم كثيراً على من سَّماها، وكأنه كان يعلم ـ وهى لا تزال قطعة لحم في حجم قطة ـ إنها ستكون فعلا محسنة، تطبق ببساطة وتدفق كل دلالات الكلمة.
  تذكر حنانها وأكلها اللذيذ وسؤالها الدائم عنه.. ولول برأسه يميناً ويساراً، كأنه في حلقة ذكر.. لا تنسوا الفضل بينكم.. لأول مرة دمعت عيناه التي لم تدمع إلا على أمه فقط من دون خلق الله، وكانت حضنه الدائم، وسنده وحماه، وهى التي شحنت قلبه بالجسارة ودفست فيه جمرة نار لا تطفئها المياه.. لكن المياه فيما يبدو ـ أخيرا ـ تسربت.. سبحانه علام الغيوب.
   عندما سكن عندها.. دخلت عليه وسألته:
ـ إزى الحال
ـ فى نعمة ما لها نظير
ـ أمال فين دولاب هدومك ؟
ـ لا لزوم له.. توب علىّ وتوب على الوتد
   خرجت فاشترت له جلبابا وكوفيه، وشبشباً من جلد متين تتحرك فيه براحتها قدماه الكبيرتان. ابتسمت أعماقه أولا ثم ابتسم جسده ونضحت الابتسامة على شفتيه.
  عندما أحضرت له بطة محمرة هجم عليها وهو يقول:
ـ ونزعنا ما في صدورهم من غل.
  ولما قضى على معظمها. توقف وحمد الله.
قالت:
ـ كل كمان.
ـ شبعت.. يجعل بيت المحسنين عمار.
ـ خللي بالك.. المثل يقول: الأكل على قد المحبة
ـ إذا كان على محبتي يبقي لازم آكل كل ما على الأرض.
ـ يعني مبسوط.
ـ لم أكن أتصور إن ربنا راضي عنى لهذه الدرجة.
قامت فحملت إليه الماء الساخن وأخذت تحممه بالليفة وتدعك له كعبيه بالحجر، ثم حلقت ذقنه وعطرته، وأخذت تغني له أغاني أم كلثوم التي يحبها وهى تقص أظافره، بينما كان يحاول بكل خياله تصور الأحوال في الجنة بعد يوم الحساب، وانتهي إلى أنها لن تختلف كثيراً عما هو فيه فبعض ما يستمتع به على يدي محسنة لم يخطر على قلب بعض البشر وإذا كانت الجنة كذلك فعلينا أن نبذل الجهد الخرافي لبلوغها، واستقر في وعيه بشكل غامض، أن الله ربما يذيقه فى الدنيا بعض ما فى الجنة ليدرك روعتها.
  شعر أن جسمه بعد عمليات التنظيف والتجميل يكاد يطير، وخامره إحساس إنه جميل.. ثم قال محدثا نفسه التي يحب الحديث إليها:
ـ يالروعة الدنيا إذا كانت فيها امرأة مخلصة تحبك، ويا لها من صحراء لعينة إذا خلت منها.
  محسنة جارته في السوق والبيت.. الباب أمام الباب. قلبها دائما على قلبه.سمعها دائما معه، وعينها عليه. قبل أن يفكر في شيء يتمناه يكون عنده.. لا يصدق هذا القدر من الخير الذي يتفجر منها.. ولول برأسه، وتنهد عميقاً لعل الأسى ينصرف ونور الحقيقة يشرق على الدنيا وعليه. 
   كان يجلس أمام بضاعته بعد فرشتها بحوالي عشر فرشات إلى جانب الخواجة أقدم بائعي السوق.. تحايلت على جارها بائع لوازم النجارة من الشواكيش والمناشير والفارة والكماشة حتى يتبادل مع المفتح مكانيهما ويأتي ليفرش جوارها حيث تبيع لوازم الخياطة.. الإبر وبكر الخيط والترتر والدبابيس والكباسين وخرج النجف والكستبان والدانتيلا والركامة والأزرار.. كما تبيع المقصات والقصافات والفيونكات.
فوجئ بها تقول له وهو جالس يقرأ القرآن أمام مصائد الفئران التى يبيعها:
ـ يللا بينا من هنا.
ـ إيه اللي جرى
  لم ترد عليه، مضت يدها في عجلة تنقل مصائد الفئران وتحطها في الأجولة الخيش. ندهت على الولد عزمي ابن سعد الكيال، حمَّلته جوالاً وسبقته بجوالين، واحد على رأسها والثاني ضمت عليه ذراعها، وانطلقت تشق الجموع بجسارة ولسانها جاهز للسب إذا اقتضي الأمر، وتكتفي مؤقتاً بقولها:
ـ وسَّع طريق.. وسَّع.
  اعتمدت يسراه على عكازه، ومضت يمناه الطليقة تساعده على تفادي الزبائن الذين هم في نظره عميان إلا عما يودون شراءه.. يسيرون بربع انتباه.
  كان المفتح أنصح ولد في كتاب الشيخ برهان.. يقرأ الشيخ السورة مرة واحدة. يحفظها المفتح في لحظات ويتلوها بالتجويد، كأنه منذ سنة لا عمل له إلا قراءتها، وحشو رأسه بها.. أشاع عنه بعض الأولاد ـ وقد تكون رواية صحيحة ـ إنه كان يتمتم قبل أن يبدأ الشيخ القراءة.
ـ سنقرؤك فلا تنس.
    ويكررها عدة مرات دون أن يدرك بالطبع معانيها إلا عندما شب عقله وامتلك القدرة على التأمل والتفكير..
   تعقبته الآذان وهو يتلو القرآن في البيوت وعلى المقابر، وفى ذكري الأربعين والخمسان، والجمع والعيدين، وفى معظم شهور رجب وشعبان ورمضان.. كان ذا صوت رخيم يجيد التنغيم.. يصعد ويهبط بالنبرات في اقتدار ويبتكر في تقطيع الكلمات، وفى الضغط على بعضها لفتا للعقول والأفهام، ويبدع في التواشيح والتسابيح ورفع الأدعية والأذان.. وهكذا أصبح مرتبطا بالمقابر دون الاقتراب من مسجد السيدة عائشة إذ حاربوا اعتلاءه المنبر من امتلأت نفوسهم بالحقد عليه إدراكا لقدرته الوحشية المقتحمة.
   كان أخوه قد نزل مصر منذ عشرين عاماً بحثاً عن رزق أكبر بدلاً من الفقر المدقع في قريتهم التي نسيتها الأيام.. ترك الأسرة الصغيرة تمضغ نبات الأرض الجافة وبين ليلة وضحاها أصبح تاجر حبوب، ولما مات الوالد والوالدة بعده، وتزوجت الأخت، لم يكن من بد أن ينتقل المفتح واسمه إبراهيم للإقامة مع أخيه سنوات إلى أن قضت طعنة نجلاء على حياة أخيه الذي اكتشف إبراهيم أن الأخ عاش على عمليات متواصلة من النصب والسرقة والكذب، ومنها إنه باع بيتهم بالقرية دون علم الشيخ، وأزيح الستار عن الخراب في القرية والقاهرة معا.
  بلغ محسنة أن صاحب العمارة التي يقيم فيها الشيخ قد منحه أسبوعاً واحدا مهلة وبعدها عليه إخلاء الشقة.. قفزت إلى عقلها فكرة، تتقرب بها إلى الله بإكرام عبده التقي الموشك على التشرد.
سحبت ولدها وذهبت إليه:
قالت لولدها: سلم على سيدنا الشيخ.
مد الولد ذو السنين الخمس يده الصغيرة وهو متوجس، فنامت في كف الشيخ التي في حجم رأسه.. قال: يا بشري..
 هذا غلام سحبه إليه وقبله.. أجلسه في حجره والولد يقاوم رعباً يستولي عليه.. طلبت إليه أن يتفضل مشكورا بالانتقال إلى بيتها فلديها شقة خالية، واعتذرت لأنها بالدور الثاني وليس الأول.
قال الشيخ: من فَّرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
قالت: ح أبعت لك اتنين شبان ينقلوا حاجتك بعد صلاة الجمعة.
قال في حسم: لا أتحرك إلا بعد الاتفاق على الأجرة.
قالت في رقة: ما بين الخيرين حساب.
قال: أبدا..
أذعنت وقد أضمرت خيراً: خلاص يا بركة.. ماشي كلامك.
 علم أن الغلام اسمه جمعه، ووالده خميس، وقد رحل، تحدثت عنه بالإعجاب محسنة.. لم يكن في مثله رجل، وقد أقسمت ألا تتزوج من بعده مهما شبع موتاً فلن تمحو ذكراه السنين .
 رصت المصائد على الترابيزة وجهزت كرسياً للمفتح، وطلبت له من سيدة العمشة واحد ينسون ولها واحد قرفة، ولمحت المصائد غير مرتبة، قفزت من موضعها لترتبها في صفوف، وغرست التسعيرة الورقية المكتوب عليها أربع جنيهات للمصيدة، حتى لا يسأله أحد أو يثرثر، من أراد المصيدة دفع الثمن في صمت ومضي مصحوباً بالسلامة.
  تنهدت راضية، فقد ألهمها الله أن تقوم بالواجب إزاء هذا الرجل “الوحداني” الذي ابتلته الأيام بالمصائب، وسوف تحصل بوجوده البركة لعلها تحميها وهى تستشعر أنها تمشي على الشوك والخطر.. فأر كبير دائم التجوال بأعماقها يثير القلق، ربما بسبب القطيعة بينها وبين أخواتها الذين رفضوا زوجها، وعداوتها لزوجة أبيها “مفراك الشر” وغيرتهم جميعاً من دعم أبيها لها قبل وفاته.. وفوق ذلك ألسنة كثيرة توغر الصدور ضدها فهناك من يكرهون بالجان.
  الولد جمعه إلى جوارها بالسوق مشغول بمص القصب الذي كسرته أمه عقلا صغيرة.. يمتص الرحيق ويدخل معه بأعصابه، ويمر به على شدقه وحلقه حتى يسلمه إلى البلعوم ومنه إلى بطنه، لتستمتع بلذة حلاوته السائلة ويواصل الشفط من العقلة.. قضمة بعد قضمة، يشد السائل الحلو كما يشد مدمنو الشيشة أنفاسها، ويروون صدورهم بالهباب المعشوق.
   كلما رأته أمه تذكرت أباه الذي كان يشفط دخان الشيشة شفطاً ويود لو أدخل الخرطوم بالكامل إلى رئتيه حتى قضي عليه عشقه الأسود.
  عندما نزل ببيت محسنة فوجئ بأن الفئران ترعي فيه بحرية كأنها المُلَّاك، وليس هو أكثر من ضيف عليها، وبالطبع غير مرغوب فيه.. بالليل لا تكف عن الحركة، ولا تترك موضعاً إلا اقتحمته وفتشت فيه بحثاً عما يلائمها من طعام، حتى عِمَّته لم تسلم من العبث وحملات التنقيب، كما أنها عبثت بوجهه وتفحصت معالمه وهو نائم، ونفذت داخل الجلباب، وكم من مرة استيقظ على قرضها سرواله الطويل الضيق!.. كم من مرة سقطت برطمانات وعلب فوق رف عال معلق على الحائط!.. وقد يصحو على جرجرتها مركوبه، وهو في حجم بطة، أو في حجم ذكر أرنب كبير لا يكف عن مطاردة الإناث.
  عاني منها إذن كل المعاناة، ولم يفلح في إصابتها إلا واحدا أمسكه وقذفه بشدة في الحائط، وعثرت عليه محسنة في الصباح محطماً وغارقاً في إبريق الماء الكبير، وأكمل كل منهما القصة للأخر.
  لا يعرف بالضبط منافذها ولعل لها في الشقة جحورا. ولما خربت له نومه، حكي للسيدة صاحبة البيت فأكدت له إنه لن يراها بعد الليلة، وأرسلت من يشتري لها عدة كيلو جرامات من الأسمنت والرمل، ومضت تسد كل جحر، وقبل أن تغادر.. قالت:
ـ غداك النهارده علينا يا عم الشيخ.
ـ يا خبر أبيض ليه التعب يا كريمة
ـ اسمى محسنة
ـ لكن بفعلك كريمة
  أقسم لها أنه رآها في الحلم قبل أن ينذره صاحب البيت بالطرد. رأى البيت ينهار على السكان وامرأة جميلة تجره من تحت الأنقاض.. سألته عن الأحلام كيف يراها؟ فأكد أنه يراها بمنتهي الوضوح وأنها في الأغلب ملونة واضطربت عندما قال لها:
 ـ أدعو الله أن أرى السيدة الجميلة التي أنقذتني في الحلم والحقيقة.
  بعد أيام فوجئ بالفئران تعود، خرج بنفسه فاشتري مصيدة، وعلَّق بلسانها قطعة جبن، وقبل منتصف الليل وفى عز العراك الجسدي انطلق باب المصيدة بعنف لينغلق على الفأر وتبدأ جهوده المحمومة للخروج، كما كانت هناك جهود محمومة لفأر آخر يحاول الدخول في مصيدة أخرى.
  برقت الفكرة في رأسه.. أن يتاجر في المصايد، يتخصص فيها دون غيرها، ويعرف بها ولا ينافس أحدا، لكم اشتكي من مساحات الوقت الفارغة.. سأل محسنة. أكدت له أنها لم تر أحدا يبيع المصائد. شجعته، وفى اليوم الأول باع عشر مصايد، وفى اليوم الثاني كذلك واستمر الإقبال عليه.
سأله مداعباً الولد عزمي ابن سعد الكيال:
ـ افرض حد سهَّاك وسرق مصيدة وما دفعش
قال على الفور:
ـ يبقي دخل المصيدة
لم يبد على عزمي إنه فهم إلا بعد أن أفهمه أبوه.
  مصيدة بسيطة عبارة عن صندوق من الأسلاك على قاعدة من الصفيح، وباب مشدود بياي إلى لسان تعلق فيه من الداخل قطعة الجبن أو الخيار أو الطماطم، ومن أعلى يتعلق اللسان بسن صغير في مقبض الباب تعليقة مرهفة جدا، يكفي الهواء إذا لمس اللسان لينطلق المقبض وينغلق الباب.
ـ هكذا الحياة.. البيت وصاحبته.. الباعة والسوق.. المقابر والموتى.. الآباء والأبناء.. الزوج والزوجة.. العربة والسائق.. كلها مصايد.. والله فعال لما يريد وهو أحكم الحاكمين.
  كان قد فكَّر في فتح كُتَّاب لتعليم الأولاد القرآن، لكن فكرة المصايد غلبت والفضل للفئران التي ألهمته الحل حتى يتحرك ويري الناس ويروه، ويسمع الأخبار ويتعرف على الحوادث والحكايات.. وليس من المقبول أن تكون حياته جميعها في المقابر، أما البيع في السوق فسوف يسمح له أن يكون مع محسنة دائما.. فهي دليله.. يخرجان معا ويرجعان..
  ـ شكرا لك يا رب على هذه البوابة الضخمة التي انفتحت وما أجمل الأمل!
توطدت العلاقة بسرعة غريبة.. فوجئ بها تغسل ملابسه وتنظف له الشقة وتعد له الطعام، واشترت له ملابس داخلية، وجلبابا صوفياً عندما هجم الشتاء، ولما حاول مرة تقبيل يدها، قبلت رأسه، ولما تكررت المحاولة فوجئت به يحوطها بذراعيه وتغيب في دفء أحضانه وجسدها ينتفض ويستسلم، ربما كان غياب بصره مشجعاً إذ تسلل إليها شعور بـأنها تتذوق بعض شهوات الجسد من وراء ستار ولا عين هناك تراها وهى في أمان حتى لو تعرت أمامه.
  جوعان، غاص في اللحم الجوعان ونهل من آباره. لكنه كان مشدوها باستشعاره أنه يبصر لا الجلد والأعضاء المشبوبة، ولكنه يبصر ما تحتها وما تحت تحتها من الأفران الموّارة .
   كان يتصور أنه يري شريان الشهوة كنهر الحمم قادماً من بؤر مجهولة ويشق طريقه مسرعاً ليشعل الحرائق في كل الأعضاء والعضلات والأعصاب والدماء، وما يلبث هذا النهر أن تلتهمه هوة سحيقة فتهب العواصف ويجتاح الجميع زلزال هائج.
سألته عن اسمه الحقيقي.
قال: لا اسم لي .. سميني
ثم استدرك:
ـ لا داعي أن تختاري لي اسم زوجك
ابتسمت واحتجت:
ـ ليه.. اسمه جميل.
ـ لأنك لو ناديتني به وأنت معي في خلوة أعتبرك خائنة.
ـ اسمك اللي فى البطاقة.
ـ لا يهم.. سميني أنت لإنى اتولدت على إيديك.
سكتت لحظات وإصبعها على فمها تفكر، ثم قالت:
ـ يوسف.
ـ ليه اخترت الاسم ده بالذات
ـ بحبه
ـ يبقي إنت زليخة.
  مضي يعاتب نفسه لأنه استغل وحدة الجارة وغياب الرجل عنها.. وها هي تسميه يوسف، لكن “يوسف” نبي حماه الله ونجاه  “ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء” وهكذا استعصم يوسف لما رأى برهان ربه، ولم أستعصم، واستحللت ما ليس لي. سامحني يا رب فقد كان مرادي الشكر فقط على ما بذلتْه لي..
رده عقله: يوسف أعرض عن هذا واستغفر لذنبك.
قالت نفسه: لقد شغفتني يا رب حباً، وأنا من صنعك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. إنك الغفور الرحيم. يا رب إن الشرور تملأ كل ركن، والذنوب تلطخ القلوب، فتجاوز عن سيئاتنا.
  نهض فتوضأ وصلي وأخرج من تحت وسادته خمسين جنيها ومر على الشحاذين والمعوزين الذين لا يسالون الناس إلحافا، ودعي الله أن يتقبلها عنه وعنها وإن ساور قلبه الشك، فليس بمقدوره أن يحسب الحسبة الإلهية فيما يختص بالغفران.. وإن مال إلى أن الحسنات يذهبن السيئات. ولكنه حسم الأمر قائلا: لا مفر من الزواج.
شعر بتوازن نسبي في نفسيته المرتجفة، لا يجب أن يسمح لنفسه وهو حامل القرآن أن يمضي في عكس اتجاه القرآن وأوامر صاحبه. انحط على الرصيف عندما أخبره شعبان الحانوتي أن زميلهم رضا الحانوتي وجدوه مذبوحاً في المقابر.. شملته رعدة وخوف من الزمن والأحوال.. لقد حضر زواجه بجارته مودة منذ شهر فقط.. يا حسرة على العباد.. لم يستطع أن يتذكر من قال له:
ـ الأيام كحصان سريع الركض، تحملنا إلى المعلوم كما تحملنا إلى المجهول، وهى تعرف كيف ترقص، كما تعرف كيف ترفس.
  تنهد ونادي ربه في الظلمات
ـ لازلت أسأل يا رب، هل هي الآجال أم فعل البشر ؟.. أستغفرك يا كريم وأعلم علم اليقين إنها الآجال.
  لم تكن في البيت عندما عزم على أن يبلغها قراره.. بحث عن ولدها فلم يجده.. الشقة عليها قفل.. إذن فقد سافرت إلى أهلها في شبين.. كم فكر أن يسألها عن التوتر الناشب بينها وبين أهلها، لكنه كان دائما يقول: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم، لتكن هي الراغبة في البوح ولا أرغمها عليه.
ـ هل تنوي يا رب بهذه السرعة أن تسحب عطاياك.
انتبذ له ركنا في الشارع يقرأ القرآن وظهره إلى المقابر، ثم آب إلى بيته ومضى يصلي ويدعو الله كي يحفظ محسنة من كل شر.. ثلاثة أيام غائبة ما أطولها!.. تغلغل في نفسه الإحساس بالظلام.
 خبطته بشدة طرقات ثقيلة على الباب.. أدرك إنهم الشرطة.. تلا قوله:
ـ ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه. لن أكتم الحق ولكني في رعب.. الموت أرحم من لحظة صادمة في أعز الناس.
  سار معهم إلى الثلاجة، قال:
ـ دعوني معها وحدي.
قال الضابط: خَلَّص.. عارفين اللي بينكم.
   مد يده تحت إبطها وتمني ألاَّ يجدها، لكن يده عثرت باللحمية التي تتدلي في حجم حبة الفول، وتحسس أسفل ظهرها وتعرف على المنطقة الخشنة بمساحة كف.
  عندئذ زعق وأطلق آهة طويلة يسيل منها الدم والدموع ونهر عريض من الأوجاع.
ـ يا سندي ونور عيوني، سيفتح الله نار جهنم على من أنزل بك السوء.
ظل طويلاً يبكي وينتفض.
ـ لماذا لم تأخذني أنا؟ ما ذنبها؟.. لا تبقني يوما بعدها.
عجز أن يوقف مسلسل الانهيار.
  عاونوه على الخروج من غرفة الثلاجة.. جلس وهو أسوأ حالا من طفل أبكم ضال.. رأى بكل وضوح خواء ناصعاً يملأ ما بين السماء والأرض، لا أحد على الإطلاق يمشي أو يتحرك أو يطير.. لا حيوان ولا شجر.. تسلل إليه حدس أن العالم انتهي وسينفخ في الصور.
ـ يبدو أني دخلت المصيدة وإنها أغلقت علىّ بإحكام. لابد أن أتزوجها فورا.. قولي ورائي: زوجتك نفسي.. قولي.. قولي..لابد أن تصعدي طاهرة.. قولي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بعد شهر تقريباً، ظهر مُلاك جدد للبيت، طلبوا منه سرعة الإخلاء.. تدخل بعض الجيران..قال الملاَّك لأحدهم وتكرر مع الآخرين:
ـ اضرب العمى واكسر عصاه.. ما انتش أحكم من اللي عماه.
ولم يجد المفتح من حل إلا اللجوء إلى المقابر حيث عاش مجاورا للراحلين، ومنهم محسنة التي لم يتوقف حواره معها، وما عاد أحد يناديه كما كانوا ينادونه فقد حرص على ألاَّ يري.

شاهد أيضاً

عبد الجبار الجبوري: -الوقتُ أنتِ والرّيحُ حِصَاني-

لم ينقصْنا المَوتُ، فالحزنُ يمَلأُ جِرارَ بيوتِنا ويَفيضُ،والجنود عادوا من الحرب مهزومين،وأنا الخاسر الاكبرفي الحرب …

د.عاطف الدرابسة: العمر الهارب

قلتُ لها : توقَّفتْ الرَّسائلُ من بلادِ السَّماء وأرى الوجوهَ شاحبةً كالضَّبابِ وألمح النَّاسَ تروحُ …

غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (3)

الـــثلـــوج كان الشتاء وكان كانون الثاني , والثلوج بدأت بالتساقط بكثافة غطت أرض الجبل واشجاره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *