غزاي درع الطائي : قمر على رأس كزار حنتوش (ملف/8)

إشارة :
كلّما مرّت ذكرى رحيل الشاعر الكبير “كزار حنتوش” ازداد حضوره من خلال الإحساس بالفراغ الكبير الذي خلفه غيابه المؤلم في خارطة الشعر العراقي والعربي وأكاد اقول العالمي لو توفّرت الترجمة المقتدرة. لقد طبع كزار بصمته الفريدة على جسد الشعر ومضى. كان ماكراً – شعرياً – كفأر السجن وكتوماً كطبيب الأمراض النسائية كما يقول في إحدى قصائده. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّاء للمساهمة في ملفها عنه .

قمر على رأس كزار حنتوش
غزاي درع الطائي

( 1 )
كأنَّك غريقْ
وللوداع في عينيك بريقْ
إلى أين يا كزار حنتوش ؟
هل أنت على سفر ؟
إنها الساعة التاسعةْ
والتاسعة لاسعةْ ،
الصغار في الصفوف
والكبار في الدوائر
وأنت في المربعْ
اسمع …
إن أردت أن تقوم فقمْ
وإن أردت أن تتربَّع فتربَّعْ
وكزار لم يقم
ولم يتربَّعْ
ولم يسمعْ
فكزار …
لم يعد يمشي على اثنتين
ولا على ثلاث
ولا على أربعْ ،
كزار أصبح خارج المربعْ .

( 2 )
في ليلة موت كزار حنتوش
انفرط الديوان في الديوانية
وانعقد الحزن في أرجاء الشعر
وانعدمت الجاذبية ،
في ليلة موت كزار حنتوش
انتحبت لامية العرب
وانكسرت سبع جرار في نصب كهرمانة
وتبعثرت حبوب العنبر من عنابر الشامية
في كل اتجاه
وانقطع الوتر الخامس
في عود زرياب .

( 3 )
لا مسرَّة في المعرَّة
ولا سمر بعد غياب القمر
وليس في الريح
إلا ما هو قبيح ،
والأحزان تتسلَّقنا
وتقضم قلوبنا ،
الأحزان فئران
وقلوبنا أخشاب قديمة ،
والوحوش في كل مكان ،
وهذه صيحة كزار حنتوش
تأتي من كل الأركان :
ما أكثر الوحوش
ما أكثر الوحوش
ما أكثر الوحوش .

( 4 )
كزار حنتوش …
نقيا مثل ماء المطر كان
ودودا مثل شجرة كافور
بسيطا مثل رغيف خبز ،
وكان على العموم
معتادا على احتساء الهموم
وكانت الفراشات
معتادة على ارتشاف رحيق أشعاره ،
كان يتحدّى الذباب بمضربه المطاطي
ويتحدّى خمبابا بشعره الحر
وكان لا يتأخر عن رمي الجميلات
بقرنفل كلماته
حين تشرق وجوههن أمام عينيه ،
ولم تكن له صنعة غير الشعر
بل لم تكن به حاجة
إلى صنعة أخرى غير الشعر
كان صانع قصائد ،
وقصائده كانت تتعرَّج مع الفرات
وتَزْوَرُّ مع دجلة
وتلتوي مع الملوية
كانت عراقية …
عراقية .

( 5 )
قفصه لم يكن من ذهب
وقلبه لم يكن من حديد
ومرآته لم تكن مستوية
ولم يكن له برج من أي نوع
وحزنه كان خارجا
على الوزن والقافية ،
كان يقول لا
ولا يدري أنها نافية ،
وكان يخمد جمر الحياة بخمرها
ولم يتخذ يوما قرارَ فرار
كان مستلقيا على ظهره
في النسيم وفي الغبار ،
تحمَّل لسع النحل
ولكنه لم يحصل على العسل
أعطوه البصل ،
وتحمَّل مشقة الصعود
ولكنه لم يحظ بالبلح
أعطوه الوعود .

( 6 )
سبعة شيَّعوا كزار حنتوش :
الصباح
الربيع
النقاء
الحب
الجَمال
الأمل
والشعر ،
وسبع بكين عليه :
رسميَّة
وأمُّه في قبرها
وخالته في تعاستها
وبغداد في عذابها
والحقيقة
والسعادة
والديوانية .

( 7 )
بعد أن شقَّ كزار حنتوش
عصا الطاعة
عاد
فشقَّ عصا العصيان
ولكن بعد فوات الأوان .

( 8 )
في مهب الشعر
وجد نفسه
ودائما كان يجد نفسه في مهب الشعر
وكان شعره فوق كل سِعر ،
وهناك أسَّس مملكة
وجعل رسميَّة عليها ملكة .

( 9 )
اثنان اشتهرت بهما محافظة الديوانية :
عنبر الشامية
وكزار حنتوش .

( 10 )
إذا ذكرتم رسول حمزاتوف
فاذكروا فاطمة
وإذا ذكرتم أراغون
فاذكروا إيلزا
وإذا ما ذكرتم كزار حنتوش
فاذكروا رسميَّة .

( 11 )
لم تكن الدنيا عند كزار حنتوش
تعني شيئا
إنها دنيا
أما القصيدة فهي العليا .

( 12 )
كان حرّا مثل الحاء ..
لم تكن فوق رأسه نقطة مثل الخاء
ولم تكن تحت رأسه نقطة مثل الجيم
كان مثل الحاء
الحاء الذي جرَّه إلى الحياة
وجرَّه إلى الحب
ثم إلى الحرب
وأخيرا جرَّه
وكان معه كتفا إلى كتف
إلى الحتف .

( 13 )
لم يكن لكزار حنتوش مثوى
قبل مثواه الأخير
ولم يكن له عنوان قبل قبره
كان عراقيا
من الشمال إلى الجنوب
وكان عاشقا
من النخلة إلى رسميَّة
وكان شاعرا
من الوريد إلى الوريد ،
ومثل المعرّي
كان رهين محبسين
ومحبساه :
الشعر والخمر ،
كان ( أسعد إنسان في العالم )
كان ـ باختصار ـ
مالكَ السعيد .

( 14 )
كزار حنتوش …
كان من الذين تُضرب إليهم
أكباد الإبل ،
وكان كالكبريت الأحمر
بين الشعراء ،
وكانت أجيال الشعر
تلتقي عنده
كما يلتقي الساق بالقدم عند الكعب ،
وكان يحب النخل
من الطلع إلى الجمّار ،
كان يكتب الشعر كما يجلس
وكما يقوم ،
وكان إذا ملَّ من الكتابة على الورق
كتب على الغيوم .

( 15 )
كزار حنتوش …
طرد الرتابة
من الكتابة
وعلَّم الربابة
أن تسكب الصبابة
في إناء الصباح ،
فشعَّت في شعره
صورة ارتفاع الشمس بعد نزول الأمطار
وانبثاق الماء من بين الأحجار .

( 16 )
شُقّي عليه الثوب يا ابنة محيبس زاير
يا رسميَّة ،
شُقّي عليه الثوب
وتذكَّري صيحة طرفة بن العبد
(… شقّي عليَّ الثوب يا ابنة معبدِ )
شُقّي عليه الثوب
فالكثير
على كزار حنتوش قليل .

غزاي درع الطائي
________________________________________
*عن مركز النور

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *