تابعنا على فيسبوك وتويتر

ناظم السعود يغرد بعكازة وجسد مشلول .. حين يكون القلم والذاكرة غرفة إنعاش

زيد الحلي

حياة هذا الرجل، تصلح فكرة لعمل درامي، يؤشر عصامية قلّ نظيرها .. شاب عشريني،
من طبقة معدمة، يغادر وطنه حاملاً معه شهادته الثانوية المصدقة وما أدخرته عائلته من مال بسيط، متوجها الى النمسا، حيث غنت أسمهان (ليالي الأنس في فينا) ملتحقا بجامعتها الشهيرة لدراسة ” الأدب الألماني ” ويكمل سنته الأولى بنجاح، لكنه يفشل في الحصول على معين مالي لأستكمال دراسته، فيعود خائباً الى بلده تملؤه الحسرة، فالعوز المادي كان غولا لم يستطع مجاراته، وبعد مدة من الزمن يعاود النمر الذي بداخله الى الصراخ، مناديا بمعاودة الكرّة للدراسة خارج العراق، وأين، هذه المرة ؟ الى القاهرة بعد ان جمع له الأهل والخلان مبلغاً من المال توقع ان يكون كافيا لدراسته في مصر … هدفه الأثير كان الحصول على شهادة عالية من خارج الوطن، وفي المعهد الازهري، بدأ اولى خطوات الدراسة، وما هي إلاّ أشهر حتى يخبره اهله بضروة العودة اليهم، فلم يبق عندهم ما يبعثون اليه من مال شحيح .. ويعود مرغما ً، لكن الأمل بأكمال دراسته الجامعية ظل يراوده، فقرر التقديم الى جامعة عراقية، مبعداًعن نفسه طموحه الشخصي بالحصول على شهادة من جامعة عربية او أجنبية، اليس الدراسة في الجامعات العراقية، مجانية وشهادتها محط اعجاب العالم ؟.. ويبدأ بتهيئة اوراقه وبضمنها اوليات دراسته في النمسا ومصر وشهادته الثانوية، وفي اثناء التقديم، كانت الحرب العراقية ــ الايرانية قد بدأت لتوها، في ثمانينيات القرن المنصرم، ولأن عمره كان ضمن الأعمار المطلوبة للخدمة العسكرية، فقد سوّق لأداء الخدمة الإلزامية، وطالت الخدمة ثمان سنوات، ومعها توقف الزمن عنده، وضاعت آماله في الدراسة، وخبت طموحاته، فشعر بالوهن النفسي وثقل المسؤولية العائلية، فألتفت الى حبه المخبوء في دهاليز نفسه .. الأدب والصحافة التي كان مارسها لسنوات قليلة سابقة، بخواطر ومقالات صغيرة وهوامش دللت على موهبة وذكاء ورهافة حس تحت اسم (أسعد العربي) بدأها بحوار أجراه مع الدكتورعلي جواد الطاهر، نشرته مجلة ” وعي العمال” لكن النشر كان ” مبتوراً ” ومشوهاً، وغفلت المجلة عن نشر اسم الصحفي الناشئ، وكان هذا الاغفال من صالحه .!
وتتداعى الآن صورته امامي، حين تعرفتُ عليه لأول مرة، في موقف غريب، فما هو ؟
في بدايات التسعينيات، انتهى تصوير فلم (الملك غازي) وبأنتهائه، هيأت دائرة السينما والمسرح عرضا فخماً حضره السفراء المعتمدون في العراق ونخبة من المثقفين والمهتمين بالسينما، كنتُ حينها مشرفاً على الصفحة الأخيرة في جريدة ” الثورة ” فطلبتُ من إحدى الزميلات في الصفحة (…) حضور العرض، وكتابة مشاهدتها لأصدائه . وفي اليوم التالي جاءت تلك الزميلة بموضوع جميل جداً، في فحواه وطريقة كتابته وأسلوب عرضه، وقبل ان أدفع به الى النشر، أعتراني فرح مهني كبير .. فامامي صحفية كبيرة لم أكن أنتبهتُ اليها، وبسرعة، ألوم نفسي عليها الآن سارعتُ الى رئيس التحرير طه البصري وبيدي مذكرة، أطلب فيها توجيه كتاب شكر ومكافأة للزميلة المبدعة .. ونشرتُ الموضوع، لأكتشف ان كاتبه الحقيقي ليس الزميلة (.. .) بل هو احد مصححي الجريدة الجدد، كانت المحررة أصطحبته معها لمشاهدة (الملك غازي) فكتب لها الموضوع الذي أثار أنتباهي .. كان هذا المصحح (ناظم السعود) … لم أعاتبه على كتابة الموضوع ونشره بأسم غيره، لكني سررتُ لهذه الموهبة ذات الأسلوبية الجميلة في الكتابة، وهذا عندي أهم من العتاب .. فطلبتُ منه الأستمرار في رفد الجريدة بموضوعاته، وقد فعل ..
وبدأت رحلة (ناظم السعود) في الصحافة، كاتبا في صفحات ثقافية، ناقداً ثقافياُ متمكناُ، فالحرف عنده كان أقوى من الرصاص الذي شهد لعلعته في الخدمة العسكرية، والرؤية النقدية أقوى من بارود المدافع وهاونات جبهة المعارك التي شارك فيها … قلمه كان مرحباً به في الصحف والمجلات .

زيارة بلا موعد !
ودار دولاب الهواء بيّ …
ومع دورانه كنتُ اتابع نشاط ” ناظم السعود ” بمحبة، وأتتبع أخباره من الأصدقاء، حتى صُدمت يوماُ ان ” السعود ” ضاقت به الدنيا الى الحد الذي أمتهن فيه ” الحراسة ” في احد مقرات الاتحاد العام لشباب العراق في شارع الكفاح ببغداد، من اجل الحصول على غرفة في المقر المذكور تؤويه وعياله مجاناً … ! يا لنكد الحظ الذي رافق ” السعود” منذ بداية مشواره الحياتي وما يزال .. وأنني أسأل: كيف ارتبط به لقب “السعود”، وهو لم يعثر يوماً على السعادة؟
ومرة أخرى تترى صورة السعود .. ففي احد صباحات عام 2000 يدلف الى مكان عملي البعيد عن الصحافة بعد تقاعدي القسري، صديق عمري القاص ” نزار عباس” قائلاً: جلبتً لك زائرا تحبه، ثم جلس، وطالت الدقائق، قبل ان يدخل الزائر، واخيراُ طل …. كان ناظم السعود ببرنيطته المعروفة، لكن هذه المرة تسبقه عكازة، وجسد مشلول، وصوت مبحوح، تملؤه التأتأه، فقمت لأقبله ودموعي تسبقني . ثم صمتُ، وصمت السعود قبل ان يكمل بعد ذلك الصديق نزار حكاية ما أصاب السعود بالقول إن ناظم تعرض لأكثر من جلطة، قلبية ودماغية، وأصاب الشلل نصفه الأيمن، مع صعوبة النطق، وأصبح قعيد غرفته، غير ان عزمه واصراره وإيمانه بأن الانسان يعيش مرة واحدة، ويموت مرة واحدة، جعله يثأر لما أصابه، حاملا ساقاً ثالثة تعينه في السير المتعرج، فقامت الساق الجديدة وهي عكازة حصل عليها من احد اصدقائه، بدور في دفع الأمل في ناظم السعود .. ولا زالت تلك العكازة معه منذ 15 عاما، حيث أنس لها وأنست له … لقد لمستُ عند زيارة ناظم السعود تلك، ومضات من التحدي، وكأن السعود يقول للحياة : ليس كل من حمل قلما كتب، وليس كل من كتب أبدع، وليس كل من وضع يده على خده فكر، وليس كل من جحظ عينيه رأى، وها انا أتحداك يادنيا … وفعلاً انتصر السعود بتحديه، مواصلاً الكتابه والمتابعة بشكل عجيب .. فهو موجود في الوسط الثقافي، ولا يعبأ بصعوبة الرواح والمجيء .. إنه يسكن حالياً اطراف مدينة كربلاء (قضاء الهندية) لكنه زائر يومي لبغداد، ولا أدري هل هو يحمل عكازته وكتبه، ام ان كتبه وعكازته تحملانه ..!

كتابان نتاج اليد المرتعشة..
وقبل مدة، شاءت الصدف، ودون ميعاد، ان التقي ناظم السعود، كان حاملاً كتبا في يده اليسرى، وفي يمناه عكازته .. فرح بيّ مثلما فرحت به .. وتعانقنا، لقد لاحظتُ ان الحيوية طرقت بابه لكن على إستيحاء، وطلب ان نتنحى جانبا، واضعا رزمة الكتب على الرصيف ليستل منها أثنان من تأليفه، ماداً يديه الراجفة ليسّطر حروف إهداء، تحمل وفاءا ومودة وصدق وأصالة، فارقت الكثيرين..!
الكتابان هما : (الرائي) ويضم دراسة عن الشاعر باسم فرات، وآخر بعنوان (الآخرون اولا / قطوف من كتابات ساندة) وبعد أن أفترقنا قلت مع نفسي ان ناظم السعود ربما يردد مع ذاته هذه العبارة (سأظل ابتسم ليموت الأغبياء والأعداء… قهرا!)
وفي المساء، طالعتُ “الرائي” ولي قراءة اخرى معه، وفي اليوم التالي تصفحت (الآخرون اولاً) فقررت الكتابة عنه بعد ان قرأت صفحاته الـ..410 من القطع المتوسط، سوى ان قراري تأخر، وهاأنا أكتب ..

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

ضم الكتاب مقدمة أخائية بقلم الشاعر والقاص عيسى حسن الياسري، فيما كتب خاتمة الكتاب المرحوم الناقد عادل الهاشمي، وحفلت صفحاته بموضوعات إستذكارية وإستقرائية وأبحاث عن عبد الملك نوري، السياب، نازك الملائكة، فؤاد التكرلي، يوسف الصائغ، زهير احمد القيسي، فهد الأسدي، محمد الجزائري، فاضل ثامر، لطفية الدليمي، حسين سرمك، حميد المطبعي، طه احمد الشبيب، خضر الولي، هادي الربيعي، ناجي التكريتي وغيرهم .
كما ضم الكتاب شهادات بحق السعود، ادلى بها خزعل الماجدي، عبد الزهرة زكي، علي حسن الفواز، كزار حنتوش، وجيه عباس، احمد خلف وغيرهم ..
وكأني أشعر بناظم السعود، بعد قراءة الكتاب، أراد القول بأن اللغة الناجزة ليست كاللغةالعاجزة، واللغة المعزوزة ليست كاللغة المهزوزة، والحقيقة لا تجرح إلاّ كارهها . ..
وناظم السعود، كماعرفته، يحس وجيب قلب عصفور، وزفرة مكلوم، ولهيب دمعة حرّى ولايأبه لضجة كبير، وضوضاء قوم، وجلبة سلطان وهو يقول ما يقتنع به وجدانه، وما يؤمن به، ويعرف كيف يحب لكنه لا يعرف ان يطري من أحب، يصرف لسانه عن الثناء، ويترك لقلبه هذه المهمة ..إنه أحد أعمدة الصحافة الثقافية .. يغذيها ويتغذى منها .
تحية للسعود، ناظم، الذي لم يكتف بالوقوف أمام المشهد الثقافي العراقي المضطرب في الرؤى والتوجهات، بل تدفق قلمه بمقالات تنبه النيام وتستحث العزائم ..

*عن موقع كتابات


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"