مقداد مسعود: هناك من ينافسني على الحليب، الشاعر “رعد زامل” في “أنقذوا أسماكنا من الغرق”

الى… فراشات محمد الحمراني
 منذ (ربما الشمس رغيف حار) والشاعر رعد زامل أختار طريقا شعريا مغايرا، للتعامل مع الكدمات ألأجتماعية،فهو لايتوعدها ولايعدنا بمصباح علاء الدين،ربما من جراء وعيه ألأخضر الندي،لايراها لاتستحق غير السخرية والهزء،لذا حتى حين يكون الشاعر في قعر الجوزة.. فهو ينتج لنا الرحاب،التي
لاتحد،وهكذا ينال الشاعر رعد زامل  وهو يوظف السخرية توظيف  شعريا انتصارا مزدوجا،ف(السخرية هي ألأنتصار الحقيقي والوحيد،على الحياة والموت)حسب الفيلسوف(ميشال سيوران)،بالسخرية،يفقد ألألم هيبته،فالسخرية،ممحاة صنعتها تراكم التجربة ألآنسانية.وذات ملامح سوريالية لذيذة،كما نلاحظ في قصائد رعد زامل:(لم أشهر مخالبي
               في وجه ألأرانب،
              لكنها مرعوبة 
              ترتجف امامي
               وكلما صادفتني
               اصابها الفزع/ص7)،الى هنا،لاجديد لدى الشاعر ،اللغة ،لغة تواصل،وليست لغة شعر..لكن حين نكمل قراءة القصيدة،ان اللغة التواصلية،ذات وظيفة تمهيدية للغة الشعر
(الصحراء
ذئب
يعوي
من
شدة الجوع/قصيدة تنويه)..ماالذي يدعو رعد زامل،لرعاية حزنه ومداراته:(لن تغريني ألأرض بالمكوث
            ولا الجبال بالقمم
           بل أمينا على حزني
           سأعود الى الكهف )
ان الشاعر يفعل مزاوجة بين ألألم والسخرية،لنتعرف على أحدى
مرجعيات الحزن في هذه القصائد
:(ألأب يفتح حقيبة المساء
   يضع أبناءه فيها
        

       كذلك ألأم
        تضع بناتها
ثم تغلق عليهن الحقيبة وتنام
        وفي الصباح
        عندما يستيقظون
          على قلق ونحيب
 يصرخ ألأب بزوجته
 قائلا:
(من أي شرخ بليغ
تسلل الجوع
ألى أفراد الحقيبة.. من قصيدة_من دفتر الجوع والعائلة)
اولا نلاحظ كيف ان مفردة حقيبة ازاحت مفردة عائلة واصبحت البديل،الأضطراري..
من جهة التقنية،نلاحظ ان اشتغال القصيدة قائمة على نسق ثلاثي،في النسق ألأول
*(ذهب ابي يشتري قمح
  كي يعيد للعائلة مجدها)
لكن القارىءسيفاجىءوكذلك ألأ ب:(ان ألأرضة ،قد أكلت اواصر العائلة)،ومر علينا النسق الثاني،حيث تسلل الجوع الى داخل الحقيبة المغلق،
في النسق الثالث،سيتفضح القصيدة مرجعية التخريب
الخارجي:(ليس لأن البحر
             كان غاضبا
             ولكن جيراننا
              جميعهم قراصنة/ص33)
نحن هنا امام حكاية شعرية بسيطة وجميلة،عرفت كيف توظف ما حدث بعيدا عن النبرة العالية،بل من خلال دفىء الحكاية الشعرية.وهو دفء ساخر..
يعود الشاعر الى  المهيمنة، ذاتها: عبر حكاية شعرية عائلية اشد مرارة من هذه في(حدائق ساخنة):

(وجدي مولع بالحدائق
 زرع مساحات شاسعة
     من البطيخ
      لما كبرنا
وجدنا تحتها جماجم)..
هنا سندخل بين متوازيين: انتاجية العائلة/استهلاك السلطة..الجد(مولع بالحدائق)وتخبرنا القصيدة بذلك مر  ةواحدة،والسلطة،من خلال ألأفعال ألأستهلاكية التالية
سيشخص القارىء نوعية انتاجها الوطني :
*هذه العظام الرقيقة
لأخي الطفل
الذي ألقاه الفرعون
في اليم.
*هذه الجمجمة
 لجدي ألأكبر
الذي قرر ان يموت
كقرد في حديقة الحيوان
بعد ان سقط من شجرة العائلة.
*هذه اليد المبتورة
لأخي ألأوسط
التي فقدها
 قبل  ان يرفع بوجههم
 أصبع اتهام ..).
ثم تأتي الضربة الشعرية/القفل في هذه القصيدة،حين يقرر سارد الحكاية كسر نسق التكرار العائلي:
(ولأني لااريد لأحفادي
 ان يجنوا جماجم
 سأموت على ألأرض
 وادفن
عظامي
في المريخ/ص38)
هنا تبلغ القصيدة :ذروتها الغرائبية السخرية،السارد يفضل الموت هنا على ألأرض..لكنه يختار كوكبا آخر كمدفن..حتى لاتكرر السلطة انتاجيتها الدموية..
نلاحظ ان القصيدة مقوسة بين مفردتين تختلفان بالمعنى..تتجاوران صوتيا،اعني…:البطيخ——المريخ.
في قصيدة(أصلع الذاكرة) يعاود الشاعر،عزفه العائلي/شعريا،أقصد ألأشتغال على معاناة المثقف عائليا،أقترض من (ليفي شترواس)،واقول اذا كانت
ألأساطير تفكرمن خلال الناس،فأن البنى الدلالية التى
تحكمنا تفكر فينا،والتقاليد التي تطوق حيواتنا تتفكر ذاتها،مثل الأب في هذه القصيدة،
:(لقد أحرق أبي المكتبة
   ليس لأنه يكره دستويفسكي
          بل لأني
أطلق صريرا عاليا في الليل
      منذ دخانها )
نلاحظ ان ألأب لاعلاقة له بدستويفسكي ألأ..من خلال تأثير الروائي على ألأبن،ويتضح التأثير من خلال جرثومة الرؤيا التي اضاءت الأبن:
(ان منزلي
 تسد نوافذه العناكب
وبابه لايفضي أليه)
ومن جراء هذه الرؤيا يقذف، ألأب ابنه الى عراء،يوصله الى رطوبة منغلقة العتمة
(أتحدث آلآن من قبري
اطلق ضحكة مدوية
 كلما تذكرت أبي
وهو يرميني من النافذة)..
ولايكتفي ألأب بذلك،فهو سيلاحق ألأبن(يلاحقني
بقنابل مثيرة للضحك)..ومن جراء هذه الملاحقة،سيكون
تسكع ألأبن في وحشته(لماذا قدر لي التسكع بين القبور؟)ومن هذا التسكع يتشوك السؤال التالي
(لماذ تركني ابي
بلا خوذة
اواجه الكارثة) نلاحظ ان ألأب على سيادة حضوره
الفظ،..فأن القصيدة لاتتراسل معه ،بل مع الطرف العذب
المحذوف من الأب والقصيدة،اعني ألأم،وهي المرسل،
أليه، في هذه المرسلة الشعرية:
(ثم أين انت ياأمي)،وبعد هذا التساؤل عن الغياب ألأموي..تشتغل القصيدة على نسق ثلاثي
في النسق ألأول والثاني..يتكرر(تعالي)
1- (تعالي قبيل ان اصبح
 اصلع الذاكرة)
2-(تعالي واحملي تحياتي
   الباردة الى ألأب)
3-(قولي له
    انني لم أكن اسود السريرة)

هو توعز لي سيرورة القصيدة،بأحصاء افعال ألأب، امتثل واحصيها للقراء:
1- حرق المكتبة
2- رمي ألأبن من النافذة
3- ملاحقته بقنابل مثيرة للضحك
4- ترك ألأبن دون سقف
5- محاولة ازالة سوء الظن بألأبن في نهاية القصيدة
*نلاحظ ان الذات الشاعرة،لاتتباهى بترف تأمل ميتافيزيقي،بل هي ذات جردتهاألأستلابات ألأجتماعية والعسكرتارية،من ذاتيتها….ونبذتها في هامش التشيوء:
*(انا البائس القروي
  أنا لمحاط بالسكاكين
  ارى كل ذلك
 فلا احرك ساكنا
 ولااحفر خندقا
   حول نفسي/ص71- ق الفريسة بأنتظارحتفها)

*(الحمار وحده لايأبه للطبيعة
           اما نحن
         فليس في أيدينا
     من ألأصابع والرمل
          مايكفي
        لبناء قامات لاتنهدم/ص65-ق-دراجة العمر)

*(هكذا يموت الشاعر
    ثم لااحد يندبه
     سوى الفراشات
       لاسيما
   تلك الفراشة
التي همت به
 وهم بها
 ثم تركها عذراء
تتسكع دونه في الحديقة/ص73-ق الفراشة العذراء)  
هذه السخرية الشعرية..لاتتوقف عن البث على مدار(انقذوا اسمكانا من الغرق)..وثمة اسطر شعرية، السخرية  ،بكامل اناقتها توجه افق القارىْ ..منها العينات التالية:
(لم أكن أسود السريرة
  بل كان هناك
 من ينافسني
على الحليب/قصيدة أصلع الذاكرة _ص68)
*(سأغير مجرى حياتي
   فقط أبعثوا لي
  بمعول/قصيدة-مجنون هاملت/ص61).
*(يوم لم يكن بيننا وشاة
    غير فأر كبير
    اسمه ألأفلاس /ق-علاقتي ببتهوفن/ص57)
*(تسقط شجرة شاحبة
فتسمع صوت ارتطام وعويل
         أقول:
لاتفزعي يا أمي
 انها حياتي
 وقد أكلت جذورها الفئران/ق.علاقتي ببتهوفن)
والفئران،هو ألأسم الثاني للبرابرة:
(كانت هناك شجرة
  تماما على
  هذا الرصيف
 وهذه بعض دمائها
 فالبرابرة
 وعلى رأسهم ذلك ألأبلة الخريف
كلما اقتحموا قريتي
حملوا أشجارها كالغنائم
وتركوا
شاعرها
يترقب كطفل
وطفل اغرورقت ع
عيناه بالأسئلة والدموع/ص28-ق-نشيد رقم -1-).
كيف اذن يتواصل الشاعر رعد زامل معنا شعريا ،اذا كانت حمولته بكل هذا الرماد..لو لم يفرغ هذه الحمولة،بأوعية السخرية الرجراجة..معتمدا على مافيه
من نرجسية ايجابية،والتي هي حسب فرويد شبكة البنية التي تمكن الناس من ان يحدودا ويحتفظوا بهوياتهم ،من
خلال صيانة الذات عبرالفن،فهو يقوي من استكشاف
مصادر قوة الذات..
&رعد زامل/انقذوا اسماكنا من الغرق/الطبعةألأولى/بغداد/2009

شاهد أيضاً

مرتضى محمد: “اعراس حديقة زينب*” ! زفرات (الْيِشِن) عشبة فوق الاسفلت

*استهلال* تفكيك خلجات النص، واستدعاء الرمزيات التي باحها خيال الشاعر ليبتدع بها وفيها مفاوز شتى، …

الرومانسية بين الجمالي والتحريضي في نصّ الشاعرة السورية لمى بدور
كتابة : غادة سعيد – سورية

كيف تُسرد حكاية في قصيدة؟ كيف يجمع الشاعر بين التحريضي والجمالي ولا يتوه؟ كيف يكتب …

شوقي كريم حسن: مجاهد ابو الهيل..الشعر إجابة!!

الكثير من المتغيرات تصاحب الفوضى الشعرية التي عمت ارواح اولئك الذين وجدوا في وسائل الاتصال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *