الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » حوارات مع شيخ القصّاصين “أنور عبد العزيز”
حاوره : غانم البجّاري (10)

حوارات مع شيخ القصّاصين “أنور عبد العزيز”
حاوره : غانم البجّاري (10)

س35 : لا فائدة من الحياة ، إن كانت تسير على النحو الحالي ، كما جاء في قصّة بيشام بائع الحلوى ، لأرسكين كالدويل ، ما الهدف من الكتابة إذا لم تستطع أن تؤثر وتغيّر في المجتمع ؟

ج35 : رغم مقولة أرسكين كالدويل في قصّة بائع الحلوى وهي مقولة فيها الإحساس بالألم والإحباط  فإنه _ أي كالدويل _  أستمر يكتب ، وكل الأدباء والكتّاب مستمرون على الكتابة ، فإن مقولة لكاتب مهما كانت صحيحة وصادقة وساطعة كالشمس لن تمنع مسيرة الأدب والإبداع من التوقف .. ويبدو أن مسيرة الحياة هكذا ومنذ الأزل وفي كل مكان وزمان وعند كل البشر .

س36 : هل كتبت عن المرأة  ؟  وكيف يكتب الرجل عن المرأة ، والمرأة عن الرجل ؟

ج36 : كتبت مقالات نقدية عن المرأة وإبداعها الأدبي وعن المرأة كمخلوق جميل وملهم ، وعن المرأة كأفعى وقدر غادر ! وعن المرأة الحنون والمرأة الفوضوية العاصفة ، وعن المرأة المؤنسة والأنيسة الهادئة تقابلها المرأة الشريرة الخبيثة المؤذية .. وقد كان لموضوعة الحب نصيب كبير في قصّة مخصّصة كلها لهذه الثيمة .. أقصد قصّة : الاعتراف والاعتراف قصّة قد تكون من إبداع المخيلة والقلب والروح وقد تكون واقعاً حياً بتشوقه ولذائذه الحسية الروحية ومثلها قصّة طائر الجنون . أما كيف يكتب الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل فأمر متروك للمعرفة الدقيقة لظواهر الآخر ودخيلته .

س37 : هل استطعت أن تحقق ذاتك من خلال مسيرتك الأدبية  الطويلة ، عبر نصف قرن ، ويزيد ؟ 

ج37 : كلا حتى لو كان عمر المسيرة مائة عام .. دُلّني أنت – يا غانم – على أيّ أديب على وجه الأرض استطاع أن يحقق ذاته ، إنها مسيرة تبدو عسيرة !

س38 : أنت من دون الكتاب ، كيف تجد نفسك ؟ 

ج38 : لا شيء .

المحاور الأستاذ غانم البجاري

س39 : كثيراً ما تكون الذاكرة ، مكتبة معرفية داخل عقل الإنسان ، على امتداد تاريخ وجوده ، فهل اختزنت حدثاً ثقافياً أثّر بك بعنف ، وغيّر مجرى حياتك الأدبية ؟

ج39 : الذاكرة أكبر من المكتبة المعرفية .. المخزون كثير وأكثر من حدث أما أنه من القوّة بحيث غيّر مجرى حياتي الأدبية فلم يحصل لي ذلك .

س40 : الأخ ليس فقط ذاك الذي يشبهك بوجهه وشكله .. الأخ هو من يدري بألمك ، من يفهم ، ويهب لعونك .. هذا نص من رواية عندما تغادر الحيتان للأديب يوري رايتخيو فمن هو أخوك ؟

ج40 : سأجتزئ فقرة من السؤال ففيها أجد الجواب :  أخي الحقيقي هو من يدري بآلامي ويتحسسها ويعمل بقدر استطاعته على تخفيفها ويمكن القول : أن مجّرد تعاطفه وحزنه لألمي تجعل منه أخاً يمكن الاطمئنان إليه والوثوق به وانتظار وتوقع أن يكون موقفه أبداً أرق حالات التعاطف الإنساني .

س41 : من المعروف أن الرمزية في الأدب شكل من أشكال التعبير ، وهي في أحسن الأحوال لا تفصح عن الحقائق ، بقدر ما تحاول إخفاءها والإيماء بها عن طريق الروابط اللفظية ، أو تغييب المحدود. فالأساس الجوهري ، الذي تقوم عليه الرمزية ، يتمثل في أن الفكرة لا تحاول أن تكشف عن نفسها .. كما يقول مورياس في بيانه الرمزي الذي ظهر عام 1886 ، فهل باعتقادك أن المدرسة الرمزية ، التي انشقت عن الحركة البرناسية تحدت المدارس الطبيعية ، والرومانسية الواقعية .. وأحدثت ثورة على الأساليب التي تتبعها تلك المدارس كما يقول بعض النقاد ؟

ج41 : وكما ذكرت فالمدرسة الرمزية هي انشقاق عن الحركة البرناسية ثم كانت تحدياً للمدرسة الطبيعية والرومانسية .. هذه مدارس متعاقبة فرضتها ظروف أوربا بعد الحرب العالمية الثانية . الرمزية كأسلوب وتعبير أدبي تبدو ضرورية ولكن الإغراق وخاصة الميثولوجية في بيئات أميّة جاهلة تجعلها غير مألوفة وحتى بالنسبة لشريحة الأدباء والقراء والعارفين فإن إغراق النصّ الأدبي بالرموز المعتمة تجعلها غير مقبولة . إن قليلاً من الرموز عربية وأجنبية قديمة وحديثة تبدو من محسّنات النص ، ولكن مع الحذر في عدم الإكثار منها ومع قدرة الكاتب في إقناع القارئ أن هذا الرمز كان ضرورة ملحّة احتاجها النص ولم يكن للتزيين أو جعل النص غابة مظلمة يضيع فيها أمهر الصيادين والمزارعين وحرّاس الغابات .. عندها سيرتاح إليها القارئ ويرى أنها فعلاً لازمة ضرورية ، أنا وإن استخدمت الرمز في حالات قليلة لا أدعو إلى استخدامه الكثير وطغيانه على النصّ .. يبدو لي أن الزمن الحالي يطالبنا بعدم المحاورة والمداورة والمنادرة للوصول إلى هدفنا ويبدو لي أن مشاكل ومآسي زمننا المعاصر تحتاج إلى واقعية المواجهة دون إطالة التلاعب أسلوبياً بعقل القارئ أو مشاعره وقدراته في التلقي .

س42 : من الأشياء التي حفّزت كثيراً من الأدباء إلى النظر إليك بإعجاب ، قابليتك العالية ، على الكتابة وأنت تعاني الطنين القاتل ، في رأسك منذ سنوات طويلة ، بينما الكثيرون يفتقدون تلك القابلية وهم أصحّاء لا يشكون شيئاً فهل مرد ذلك إلى عشقك للكتابة ، أو للتخلص من ذلك الطنين ، بقتل دقائقه المميتة بالعمل ، أم لشيء آخر ؟

ج42 : التواصل مع الكتابة هو أولاً – وكما ذكرتَ – هو عشق الكتابة والإحساس بديمومة الحياة وقد يضاف إليها المتعة والتسلّي بعملية الكتابة التي أراها سحرية وجميلة ومثيرة خاصة بعد الانتهاء من إبداع النصّ وقد تكون أيضاً رداً رادعاً ومخففاً من الثقل النفسي والإزعاج الذي سببه ويسببه الطنين ومنذ سنة 1982 كما ذكرتُ في إجابة سابقة .. هذا التواصل مع الكتابة كمريض بمرض أبدي ومدّمر بالمقارنة مع الأصحّاء هو حتماً أكثر من سبب وعامل ؛ عشق الكتابة وفرحة المغامرة بكتابة نصّ جديد وتحدي المرض والمتعة المتحصلة بعد اكتمال النص .. أما مسألة قتل الوقت فليست واردة فإن أثمن الأوقات وأكثرها ضرورة هي تلك التي أصرفها على القراءة والكتابة معاً مع الرغبة الجامحة في أن أظل مع فورة الحركة الأدبية وأخبارها وعناوينها وأسماء أدبائها موصلياً وعراقياً وعربياً وعالمياً .

س43 : هل الكتابة ، هي نتاج متولد عن هواجس في رؤيا الكاتب ، أم صور تتراءى أمام عينيه ، فيصبها ، على شكل كلمات وسطور فوق الورق ؟

ج43 : هي هواجس ورؤى وهي أيضاً صور تتراءى أمام عينيه .. قد لا يبدو الخيط الفاصل بين الاثنين واضحاً لدى كل القراء ولكن الكاتب المبدع والمثابر والمتطور في قصصه يحاول أن يخلق توليفة منسجمة متناسقة بين هواجس النفس والروح وبين الواقعية الحادة أمام ناظريه  عندها يكون قد أبدع نصاً جميلاً مؤثراً يرضي ذائقة عشّاق الهواجس والرؤى من القّراء بعد أن أستطاع أن يخفف من هذه الهواجس في مقاربة مطلوبة من واقعية الحياة وحركة البشر وأصوات الطريق ورائحة الأزقة والدروب .

س44 :  لقد أقبلوا

بعضهم من نيويورك 

وبعضهم من واشنطن 

وبعضهم من تكساس 

حملتهم البواخر .. إليك 

مجتازة بهم البحار والمحيطات 

لقد حملتهم جيوشاً ، وسرايا ، وكتائب لقد أتوا ليقتلوك يا شعبي .. 

لقد أتوا .. لكنهم لا يعرفون كيف يعودوا .. إلى بيوتهم ..

ناظم حكمت ..

السؤال : من برأيك ، من يجعلهم .. لا يعرفون كيف يعودوا .. إلى بيوتهم .. حملة الأقلام أم حملة البنادق ؟

ج44 : الاثنان معاً .

س45 : كتبت الكثير من القصّص القصيرة ، ومارست كتابة النقد .. لكنك لم تمارس كتابة الرواية ، ولو لمرة واحدة .. هل هذا يعني ، أن كتابة الرواية أصعب من كتابة القصّة القصيرة ، أم ماذا ؟
ج45 : في مسألة الفن ، لا يوجد صعب أو سهل .. توجد رغبات كتابية ومحاولات إبداعية ، أنا كما قلت في إجابة سابقة : كاتب قصّة قصيرة .. لست عاجزاً أو كسولاً عن كتابة رواية ولكنني أكرر : أنني كاتب قصّة قصيرة وأنا أعتز بهذا العنوان والوصف ، ولن أتحسس أو أشعر بأي عقدة من عقد كتّاب القصّة القصيرة في سعيهم المتخبط للحصول على لقب الروائي وأعيد التذكير باسمين لمبدعين كبيرين قالا في حواريات لهما أنهما يعتزان بصفة كاتب قصّة قصيرة وهما المصري يوسف الشاروني من قصّاصي ستينيات القرن الماضي والمبدع العراقي محمود جنداري .
س46 : مَن مِن النقّاد ، من كتب عنك ، ولم ينصفك وغيّر رأيه بعد سنين .. ومن أنصفك ، وعدل عن رأيه بعد سنين .. ولماذا ؟
ج46 : قلت في إجابة سابقة أن أكثر من ( 70 ) أديباً وناقداً كتبوا عن مجموعاتي وكلهم أنصفوني بعمق تحليلاتهم واحتفائهم بنتاجاتي من العراقيين والعرب .. أما من لم ينصفني وغيّر رأيه بعد سنين فهو وأمثاله لا يستحقون الذكر ، ولأن تغيير الرأي عند ناقد تبدو مسألة طفولية .
س47 : كتبت مقالات ، ليست بالقليلة ، عن النقد ، فهل كانت تلك المقالات ، محاولات أم احتراف .. وهل أن النقد يخضع إلى مدارس ، واتجاهات ، أم نتاج تراكمات ثقافية ، واطلاع واسع في مضمار أدبي محدّد .. أم منهاج أكاديمي ، بحت ؟
ج47 : بدأت تلك المقالات كمحاولات ثم استحالت مع السنين إلى احتراف . النقد طبعاً يخضع لمدارس واتجاهات وأهمها ما كان كما قلت – نتيجة تراكمات ثقافية – بالنسبة لي لم أدع مجموعة قصّصية أو ديواناً شعرياً صدر في الموصل إلاّ وكتبت عنه بنقد مفتوح على كل المدارس والاتجاهات النقدية وغير مقيد بالإضافة لكتابتي عن العديد من إصدارات قصصّية في غالبيتها صدرت في مدن عراقية مختلفة وأنا لم أقيد نفسي بأي منهاج أكاديمي أو غيره .. بل جال قلمي في أكثر من منهاج أكاديمي واتجاه نقدي وغيرهما .
س48 : لو وضعت نصوصك الأدبية – القصّة خصوصاً – على مشرح النقد بعد ما تكون قد عزلتها عن مخيلتك – وهذه استحالة حسب اعتقادي – فكيف تقوم بتحليلها ودراستها ، وكتابة النقد عليها وهل تتفق مع ما كتب عنها الآخرون من نقد ، أم تختلف عنهم ، ولماذا ؟
ج48 : أنا لا أضع نصوصي الأدبية على مشرح النقد الشخصي .. صحيح أن كاتب النص قد يكون أول وأحسن من ينقد نصّه فقد يتعقب الكاتب نصّه ويراه فتح الفتوح لذا فإن المسألة المهمة هذه متروكة للنقّاد بمختلف اتجاهاتهم وقدراتهم وأزمنتهم .. الاتفاق والاختلاف مع النقاد الذين كتبوا عن نصوصي مسألة واردة وأنا متفق مع غالبية هذه النقود التي كتبها نقّاد وأدباء محترفون وأساتذة جامعات لجدّيتها النقدية والتزامها بالخلق النقدي والمعالجة الرصينة .
س49 : مَن مِن الدارسين ، كتب عنك باستثناء الباحثة نفلة حسن أحمد العزّي وأستطاع أن يسبر أغوار نفسك ؟
ج49 : مع اعتزازي بجهود الباحثة ، السيّدة نفلة حسن أحمد العزّي في رسالتها للماجستير ، فأنا أجتهد بالقول أن الجميع كانوا مخلصين وجادّين في كتاباتهم النقديّة ، وإن أردت ذكر من أستطاع أن يسبر أغوار نفسي من خلال أبطالي وشخوصي في مجمل مجموعاتي القصصّية فأستطيع أن أقول : إنهم الدكتور فائق مصطفى الأستاذ في جامعة الموصل والمنقول إلى جامعة السليمانية والدكتور أحمد جار الله ياسين الأستاذ في كلية الآداب بجامعة الموصل والناقد الأكاديمي صلاح سليم والدكتورة سوسن البياتي من جامعة تكريت والدكتور أحمد العبيدي الأستاذ في مركز دراسات الموصل بجامعة الموصل والدكتور أحمد النعيمي الأستاذ بالجامعة الأردنية بعمّان والقاصّ الراحل موفق العسّاف والقاصّ والروائي حنّون مجيد والناقد شاكر رزيّج فرج والناقد كمال لطيف سالم والقاصّ والناقد المسرحي حسب الله يحيى والناقد التونسي محمد الهادي والشاعر عيسى حسن الياسري والشاعر كرم الأعرجي والشاعر عمر عنّاز والناقد السوري محمد قرانيا والقاصّ الراحل موسى كريدي والقاصّ محمد الأحمد والقاصّة كليزار أنور والكاتبة منى أحمد والناقد ياسين نصير .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *