الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (31)

الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (31)

د. علي القاسمي

الأستاذ الدكتور عبد العزيز حميد
اللساني المصطلحي الأستاذ الدكتور عبد العزيز حميد، مسؤول الدراسات العليا تخصص علم المصطلح في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ومحرِّر مجلة “مصطلحيات” المغربية، وهو الذي نظّم اليوم الدراسي حول كتاب “علم المصطلح” الذي كان يدرّسه لطلابه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ ظهر المهراز. وقد أجرى الحوار مع القاسمي بمناسبة صدور كتابه “صناعة المعجم التاريخي للغة العربية” ونشرته مجلة “مصطلحيات”، وهذا نص الحوار:
حوار
مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي القاسمي
حاوره: الدكتور عبد العزيز حميد

الدكتور علي القاسمي غني عن التعريف لقراء مجلة “مصطلحيات”، فهو من رواد علم المصطلح العربي الحديث. فمنذ أن حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة تكساس في أوستن سنة 1972 بأطروحته “علم اللغة وصناعة المعجم”، وهو يدرّس المعجمية والمصطلحية ويلقي المحاضرات عنهما في عدة جامعات عربية، ويواصل نشر دراساته وأبحاثه فيهما، مما شجع على إدراج هاتين المادتين في معظم البرامج اللسانية في الدراسات العليا. وقد تلقت مقارباته النظرية دعما عمليا متيناً بعد أن اشتغل خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط المكلف بتنسيق المصطلحات العلمية وتوحيدها في الوطن العربي.
ويعدّ كتابه ” علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية”(1) مرجعاً أكاديمياً هاماً في مجاله، إضافة إلى اثني عشر كتاباً نشرتها له مكتبة لبنان ناشرون في مجال اللسانيات التطبيقية، ومن أبرزها كتابه الرائد “معجم الاستشهادات”(2). ولا ننسى دوره في “المعجم العربي الأساسي”(3) إذ كان منسق فريق اللغويين العرب الذين صنَّفوه.
والقاسمي، في الوقت نفسه، أديب متميز ترك بصمته على السرد العربي المعاصر بعد أن نُشرت مجامعيه القصصية في طبعات متعددة في الدار البيضاء والقاهرة وبيروت ولقيت ترحيباً واسعاً من النقّاد العرب. ويكفي أن نذكر أن روايته “مرافئ الحبِّ السبعة”(3) التي صدرت عن المركز الثقافي العربي في بيروت قبل أقل من عاميْن، نُشِر عنها أكثر من أربعين دراسة نقدية وكتابان هما: “بلاغة السرد في الرواية العربية”(4) و”دراسات نقدية مختارة عن المرافئ”(5). كما ترجم القاسمي بعض روائع الروايات الأمريكية إلى اللغة العربية. ويسعد هيئة تحرير مجلة مصطلحيات أن ترحب بالأستاذ الدكتور علي القاسمي، وتشكره لقبوله الدعوة للقاء بقراء المجلة في هذا العدد الجديد من مصطلحيات المخصص للمعجمية.
• س 1: في ظل التحدي المفهومي الذي يجابه اللغة العربية في العصر الحديث، إلى أيّ حدّ استطاعت المنهجيات المتبعة أن تكون في مستوى مواجهة هذا التحدي، ورفع الحواجز التي تحول دون مواكبة اللغة العربية لرهانات العصر؟
لا يوجد أي تحدٍّ مفهومي للغة العربية ولا لأية لغة أخرى مهما قيل عنها أنها “بدائية”. فقد تعلّمنا في الغرب، في الدروس الأولية لعلم اللغة الحديث، أنه لا توجد لغات “بدائية” وأخرى متطورة؛ فجميع اللغات تمتلك آلياتٍ للتعبير عن المفاهيم الجديدة التي يحتاجها الناطقون بتلك اللغات. قد تختلف هذه الآليات من لغة إلى أخرى، أو تتباين نسبة استعمال آلية ما من لغة إلى أخرى، ولكن كل لغة تستطيع التعبير عن جميع المفاهيم التي يحتاجها الناطقون بها. وهذه الآليات على نوعين: التوليد والاقتراض. فاللغة، أية لغة كانت، تستطيع أن تولِّد الألفاظ والمصطلحات التي تعبِّر عن المعاني والمفاهيم الجديدة أو تقترض تلك الألفاظ والمصطلحات من غيرها من اللغات. ويتم التوليد بالوضع أو الاشتقاق أو المجاز أو النحت. ويتم الاقتراض بطرائق عديدة وأشكال مختلفة. (لاحظ أن لفظي “التوليد” و”الوضع” كانا في الأصل للمرأة الحامل، وعندما احتاج علماء اللغة العرب الأوائل هذين المصطلحين للتعبير عن مفهومين استحدثا في الوصف اللغوي، استعملوهما على سبيل المجاز).

غلاف الكتاب من تصميم د. منتصر أمين عبد الرحيم وصدر عن دار الوفاء، الاسكندرية، 2017

صفتا “التطور” و”التخلف” لا تنطبقان على اللغة، بل على أهلها. وهذا مبدأ قرَّره العلامة ابن خلدون (ت 808ه/ 1406م) في “المقدمة”. التطور والتخلف قد توصف بهما الأنظمة الكتابية التي تستعملها اللغات، فقد كان أستاذي في درس اللسانيات في جامعة تكساس في أوستن الدكتور آرتشبولد أي هيل A. A. Hill، رئيس الجمعية اللسانية الأمريكية آنذاك، يقول إن النظام الكتابي للغة الإنجليزية متخلف جداً بالمقارنة مع نظام كتابة اللغة العربية المتطور، ويضرب مثالاً بالصوتية (الفونيم) /ك/، ففي الكتابة الإنجليزية، توجد طرائق عديدة لتصوير هذه الصوتية، مثل k في كلمة King، وq في كلمة Queen، وc في كلمة Cat، وch في كلمة School، وهكذا. أما في كتابة اللغة العربية، فإن هذه الصوتية تصوَّر بحرف واحد هو كـ(لاحظ أن مقولة أن الحرف ك له عدّة صور بسبب تغيُّر شكله حسب موضعه في الكلمة هو خطأ شائع، كما أثبت ذلك اللغوي المغربي المرحوم الأستاذ أحمد الأخضر غزال في رسالته “الطباعة العربية المعيارية”. فالحرف (ـكـ) في وسط الكلمة هو نفسه (كـ) في أولها وما الخط الزائد في بداية الكاف في وسط الكلمة إلا توصيلة تصله بما قبله من حروف الكلمة لتسريع الكتابة، وهو نفسه ك في آخر الكلمة، وما التعريقة التي بدت في آخره إلا علامة تدل على انتهاء كتابة الكلمة.
وخلاصة القول إنه توجد أنظمة كتابية صعبة كالإنجليزية والفرنسية، وأخرى سهلة كالعربية، ولكن لا توجد لغات سهلة وأخرى صعبة، فالطفل يتعلَّم لغة المجتمع الذي ينشأ فيه بنفس المدة والكيفية. أما صعوبة تعلُّم لغة أجنبية أو سهولته فهو قضية نسبية تعتمد على قرابة اللغة الأجنبية من اللغة الأم، وطريقة التعليم المتبعة، والدافع لدى المتعلِّم، وعوامل أخرى.
وكما لا توجد لغة متطوِّرة وأخرى بدائية، فإنه لا توجد لغة “جميلة” وأخرى “قبيحة”. وهذا مبدأ أرساه العلامة الأندلسي ابن حزم (ت 456هـ) وأيده علم اللغة الحديث. فقد قال ابن حزم في كتابه “الإحكام في أصول الأحكام” في أثناء ردّه على الطبيب اليوناني جالينوس الذي زعم أن “لغة اليونانيين هي أفضل اللغات، لأن سائر اللغات إنما تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع. “، فقال ابن حزم في كتابه المذكور: “وهذا جهل شديد، لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر جالينوس ولا فرق. “
وَكما تفضَّلتَ في سؤالك الكريم عن المنهجيات التي اتبعها العرب لرفع التحدي، فإن التحدي يواجه أهل اللغة، وليست اللغة نفسها. فقد فرض المستعمِر لغته الإنجليزية أو الفرنسية لغة للإدارة والتعليم العالي والمؤسسات الاقتصادية والمالية. وعندما “استقلت” البلدان العربية واجه اللسانيون العرب صعوبة إيجاد المصطلحات اللازمة للتعريب. فاتبعوا ثلاث منهجيات لتوفير المصطلحات العلمية التي تعبّر عن المفاهيم المستحدثة وهي:
الأولى، وضع المصطلحات العلمية من لدن مجامع اللغة العربية، والمنظمات المتخصصة بجامعة الدول العربية، والجامعات، والعلماء. وعمل مكتب تنسيق التعريب بالرباط التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على تنسيق تلك المصطلحات وتوحيدها وإصدارها في حوالي أربعين معجماً موحّداً، ينبغي اعتماد مصطلحاتها في جميع البلدان العربية تجنباً للازدواجية المصطلحية.
الثانية، ترجمة المراجع الجامعية في مختلف العلوم كالكيمياء والفيزياء والهندسة والطب وغيرها إلى العربية باستخدام المصطلحات الموحدة. وقد بدأ هذه العملية مجمع اللغة العربية الأردني بمبادرة من رئيسه الدكتور خليفة. كما أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أنشأت مركزاً متخصصاً في دمشق هو “المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر” الذي ترجم عشرات الكتب العلمية الجامعية الغربية إلى اللغة العربية.
الثالثة، ترجمة أرقى المجلات العلمية الأمريكية الشهرية إلى اللغة العربية شهراً بعد شهر. فمثلاً تقوم مؤسَّسة الكويت للتقدُّم العلمي بترجمة مجلة Scientific American وتوزِّعها بعنوان “مجلة العلوم” في جميع الأقطار العربية بأسعار رمزية. وهذه المجلة من أرقى المجلات العلمية الأمريكية وتُنشَر فيها أحدث البحوث العلمية وأهمّها في شتى المجالات، من ألغاز مرض السرطان وحزن الحيوانات لفقدان صغارها إلى أصعب البرامج الحاسوبية وكيفية اختراق نظام الطائرات من دون طيار. ولم تجابه المؤسَّسة أي تحدٍّ في إيجاد المصطلحات العربية التي تعبّر عن المفاهيم العلمية والتقنية الحديثة.
لقد أثمرت هذه الجهود الكريمة في إنتاج مئات الآلاف من المقابلات العربية للمصطلحات الإنجليزية والفرنسية الأساسية. ولكنها ذهبت أدراج الرياح، كما يقولون، لأن هذه المقابلات العلمية العربية لا تُستعمل في الإدارة ولا في التعليم العالي ولم يُكتب لها الانتشار والشيوع، بل بقيت حبيسة المعاجم والرفوف؛ ولهذا فأنا أسمّيها “مولَّدات” وليست “مصطلحات”. والفرق بينهما هو كالفرق بين المولود الذي يموت فور وضعه أو يولد معوّقاً لا يستطيع الحركة والتنقل، وبين المولود الذي ينمو ويكبر ويصبح شاباً مليئاً بالحركة والنشاط. فالمصطلح هو اللفظ الذي يُعبّر عن مفهوم علمي ولقي القبول والاستعمال والشيوع في الأوساط العلمية المختصة، أما المولَّد فهو اللفظ الذي تضعه المجامع أو أية جهة أخرى للتعبير عن مفهوم علمي معين، ولكنه لا يُستعمل ولا ينتشر.
والسبب في امتلاكنا المولَّدات اللازمة دون أن تصبح مصطلحات هو أن الحكومات العربية تصرُّ على الاستمرار في استعمال لغة المستعمِر القديم، الإنجليزية أو الفرنسية، في الإدارة والتعليم العالي والمؤسسات الاقتصادية والمالية، إيماناً منها بأن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق الًتنمية البشرية في البلاد، خلافاً لتوصيات جميع المؤتمرات العربية المختصة مثل مؤتمرات وزراء التربية ومؤتمرات وزراء الصحة، وخلافاً لتوصيات تقارير التنمية البشرية التي يصدرها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وتقارير التنمية الإنسانية العربية، وخلافاً لتجارب البلدان التي حققت التنمية البشرية مؤخَّراً التي تؤكِّد أن تحقيق التنمية البشرية يستلزم قيام الدولة بنشر التعليم باللغة الوطنية المشتركة على حسابها في جميع مناطق البلاد.
وفي دراسة أجريتُها على سلّم التنمية البشرية السنوي، ثبت إحصائياً أن الدول التي حققت التنمية البشرية خلال العقود القليلة الماضية من السنين هي تلك الدول التي تستخدم لغاتها الوطنية في التعليم العلمي العالي، مثل اليابان، وماليزيا، وفنلندة، وكوريا، وتركيا، وسلوفاكيا، وغيرها كثير، أما الدول التي لم تحقِّق التنمية البشرية فجميعها تستعمل لغة المستعمِر القديم في التعليم والإدارة، مثل الدول العربية والدول الإفريقية ودول شبه القارة الهندية (بنغلاديش وباكستان والهند) والفلبين. مع التنبيه إلى أن تعميم اللغة الوطنية هو متطلَّب واحد من متطلبات التنمية البشرية. وقد ناقشتُ بقية المتطلبات في كتابي “الجامعة والتنمية”(6).
• س 2: إلى أيّ حدّ استفادت اللغة العربية (أو بالأحرى اللغويون العرب) من تطور التقنيات المعلوماتية من أجل فرض وجودها ضمن سائر لغات العالم المتقدمة؟
إن الجهود المبذولة من أجل حوسبة اللغة العربية وتأهيلها لعصر المعلومات والتواصل محدودة وقاصرة، لعل أفضلها ما قامت به الشركات الأجنبية العاملة في مجال تصنيع الحواسيب والمعلوماتية بصورة عامة. وقد فعلت تلك الشركات ذلك بغرض تسويق منتجاتها وخدماتها في البلدان العربية. فالدول العربية منفردة ومجتمعة لم تقم بمشروعات كبيرة لإنشاء قواعد نصية عامة ومتخصصة أو لحوسبة اللغة العربية وتوفير برامج جيدة لتحليل النصوص، مثل المحلل الصرفي أو المحلل الدلالي. ولحد الآن لا يوجد برنامج جيد للتصوير الضوئي للنصوص العربية المخطوطة أو المطبوعة.
توجد بعض بنوك الكلمات (وليس قواعد نصية) في بعض البلدان العربية مثل بنك يعربي في معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط، وبنك المصطلحات في مكتب تنسيق التعريب وبنك باسم في السعودية. ولكن هذا لا يكفي.
أما من حيث استخدام العربية في مواقع الشابكة (شبكة المعلومات الدولية)، فطبقاً لموقع www. alexa. com المتخصص، فقد كانت اللغة العربية، سنة 2011، إحدى اللغات التسع الأكثر استعمالأ في مواقع الشابكة، وهي: الإنكليزية، الروسية، الألمانية، الإسبانية، الصينية، الفرنسية، اليابانية، العربية، البرتغالية. أما في سنة 2014 فقد تراجعت إلى الرتبة الثالثة عشرة، وتقدمت عليها اللغات البرتغالية، والإيطالية، والبولندية، والتركية، والهولندية. وتشترك العربية مع الفارسية في الرتبة الثالثة عشرة (في حين أن عدد سكان البلدان العربية يساوي خمسة أضعاف سكان إيران، ولكن الطلاب الإيرانيين يدرسون جميع العلوم بما فيها العلوم النووية وتصنيع الطائرات من دون طيّار بالفارسية فيفهمونها ويتمكنون من إقامة المواقع العلمية على الشابكة باللغة الفارسية فتنتشر المعرفة في بلادهم، أما الطلاب العرب فيدرسون العلوم بالإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو أية لغة أخرى ما عدا لغتهم، فلا يفهمونها تماماً ولا يستطيعون إقامة مواقع علمية على الشابكة لا بالعربية، ولا باللغة الأجنبية التي لا يتقنونها تماماً. )
وتكمن أهمية قياس المساحة التي تحتلها اللغة في مواقع الشابكة في كونه دليلاً على تقدم أهل اللغة في المعرفة فيُكثرون من المواقع العلمية والأدبية والفنية. فمجتمع المعرفة شرط أساسي لتحقيق التنمية البشرية. ولهذا نجد انسجاماً وتناغماً بين تراجع اللغة العربية في مقياس (ألكسا) للغات المستعملة في مواقع الشابكة، وبين تراجع البلدان العربية على سُلم التنمية البشرية الذي يصدره سنوياً البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. فبعض البلدان العربية كانت سنة 2011 في الرتبة 121 (وهي رتبة متأخرة، فالسُّلم يشتمل على 186 دولة فقط)، وفي سنة 2014 تراجعت إلى الرتبة 130.
• س 3: يلاحظ المتتبع للشأن اللغوي أن اللغة العربية واقعة في دائرة التجاذب السياسي والفكراني (الإيديولوجي)، وأبرز مثال على ذلك الجدال اللغوي الذي جرى في آخر اجتماع لاتحاد المجامع اللغوية العربية الذي حضرتموه بالقاهرة، فكيف ترون السبيل للخروج من هذا التيه اللغوي الذي يسهم في المزيد من تأزم وضع العربية؟
كان شيخي الأستاذ عبد الهادي بوطالب رحمه الله يقول لي: “السياسة كل شيء، فإذا سألتَ عن سعر البصل في السوق اليوم، فقد دخلتَ أو تدخّلتَ في السياسة، لأن سعر البصل تحدده السياسة الزراعية، والسياسة التجارية والخارجية من حيث الاستيراد والتصدير، والسياسة الاجتماعية من حيث تقديم الدعم لبعض السلع، والسياسة التعليمية من حيث تطوير التعليم الزراعي، وسياسة الإسكان والتعمير التي تؤثر في ثمن كراء الدكان، إلخ. ”
وأنا بوصفي معلماً، من حيث المهنة، أحسب أن الجواب على سؤالك الكريم يكمن في السياسة التعليمية التي تتبعها بلداننا العربية. فالنظام التعليمي في البلدان العربية نظام طبقي يشتمل على ثلاثة أنواع من المدارس:
أولاً، مدارس أجنبية (أمريكية أو بريطانية أو فرنسية، في الغالب)، تعلّم أبناءنا منهجاً أجنبياً بلغة أجنبية، ولا تعلمهم شيئاً عن ثقافة بلادهم أو تاريخها أو جغرافيتها أو لغتها (اللهم إلا ساعتين في الأسبوع بصورة اختيارية وللغة الدارجة). وهذه المدارس تتقاضى أجوراً باهظة لا يطيقها إلا أبناء السلطة والمال.
ثانياً، مدارس حرّة أو أهلية، أنشأها في الغالب رجال أعمال بغرض الربح، وتعلّم هذه المدارس منهجاً وطنياً مع عناية خاصة بتعليم اللغة الأجنبية المعتمدة في البلاد (الإنكليزية أو الفرنسية)، وتضم بعض المرافق الضرورية كالمكتبة والمختبر. ويؤمُّها أبناء الطبقة المتوسطة القادرون على دفع أجورها.
ثالثاً، مدارس حكومية تدرّس منهجاً وطنياً أو لا مدارس لبقية أبناء الشعب. وهذه المدارس الحكومية تكون عادة فقيرة التجهيز، ويكثر فيها غياب المعلمين، ويزداد تسرب التلاميذ منها. ومعظم خريجي المدارس الثانوية فيها، لا يستطيعون استعمال اللغة الأجنبية استعمالاً وظيفياً.
ولما كانت لغة المستعمِر القديم هي اللغة المعتمدة في الإدارة والتعليم العالي العلمي كالطب والهندسة، والمؤسسات الاقتصادية والمالية، فإن خريجي المدارس الأجنبية هم الذين يستطيعون مواصلة دراساتهم العلمية العالية وتسنُّم المناصب العليا في البلاد، ويكون خريجو المدارس الحرة/الأهلية مساعدين لهم، أما خريجو المدارس الحكومية فمصير معظمهم البطالة، لأن الواحد منهم لا يستطيع أن يشتغل نادلاً في مقهى ما لم يعرف اللغة الأجنبية. وهكذا فإن النظام التعليمي في بلادنا العربية يكرّس الطبقية وتوارثها بدلاً من أن يكون وسيلة لتعميم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتساوي الفرص التعليمية.
وهذه الأنواع الثلاثة من المدارس تخرّج شرائح اجتماعية بعقليات مختلفة، ومرجعيات متباينة، فإذا أضفنا إليها نوعاً رابعاً من التعليم هو التعليم الديني/ العتيق/ الأصيل، أدركنا أن هذا النظام التعليمي في البلدان العربية يحمل بذور الانقسام المجتمعي، وقد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، ولا يساعد في ترسيخ هُوية ثقافية وطنية مشتركة في البلاد. أضف إلى ذلك أن كثيراً من خريجي المدارس الأجنبية يشعرون بالاغتراب في بلدانهم، فيسعون إلى الهجرة إلى البلدان التي تربّوا على ثقافتها. ولهذا فإن البلاد العربية هي أكثر الأقطار المتخلفة تصديراً للعقول والكفاءات إلى البلدان المتقدِّمة، طبقاً للإحصاءات الدولية.
(ولو قارنا نظامنا التعليمي بما هو متبع في كوريا الجنوبية التي تقدّمت في مضمار التنمية البشرية على فرنسا وسويسرا وإيطاليا، لوجدنا أن الدولة الكورية تأخذ على عاتقها تعليم جميع أبناء البلاد باللغة الوطنية المشتركة وفي جميع المستويات ومختلف التخصصات، وتمنع قوانينها انخراط الأطفال الكوريين في المدارس الأجنبية، فهذه المدارس لأبناء الجاليات الأجنبية).
وخلاصة القول إن الإجابة على سؤالك المتعلق باختلاف مواقف الأفراد من التعريب، تكمن في طبيعة النظام التعليمي. كيف تريد من مواطن لم يدرس اللغة العربية ولا يجيدها أو يدير مؤسسة تجارية بفضل إجادته للغة الإنكليزية أو الفرنسية أن يدعو إلى تعميم التعريب؟ وكيف تريد من مسئول يملك سلسلة من المدارس الأهلية التي تدر عليه أرباحاً طائلة أن يدعو إلى إلغاء هذا النوع من المدارس. فكما قال عالم الاجتماع المغربي المرحوم الدكتور محمد جسوس في كتابه “رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب”، إن النظام التربوي ساحة تتصارع عليها مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة وتتنازع فيها أهدافها المعلنة والمضمرة، وكل طبقة تفضل النظام الذي يرعى مصالحها ويحفظها ويعيد إنتاج المجتمع الملائم لغاياتها. واللغة هي العمود الفقري للنظام التربوي برمته.
وإذا كنتَ ترغب في مزيد من التفصيل، أقترح أن تتفضل بالاطلاع على كتابي “السياسة الثقافية في العالم العربي”(7) الذي يجيب على سؤالك الكريم بصورة وافية.
• س 4: رغم شهرة العرب في التأليف المعجمي، وسبقهم فيه تاريخيا، إلا أن الملاحظ أن اللغة العربية تعاني فقرا مدقعا في هذا المجال رغم وفرة الإمكانيات والوسائل، فما نظرتكم لهذا الموضوع؟
• س5: وكيف تتصورون واقع المعجم العربي المعاصر في ظل تعدّد النظريات المعجمية وتنوّع المناهج الحديثة في التصنيف المعجميغياب التنسيق بين الباحثين المهتمين؟
(أقترح جمع السؤالين بواو الإضافة، لأن موضوعهما واحد)
صحيحٌ أن اللغة العربية غنية بتراثها المعجمي، فقد أورد المرحوم أحمد الشرقاوي إقبال في كتابه “معجم المعاجم” تعريفاً بنحو ألف ونصف ألف من المعاجم التراثية من مختلف الأنواع والأحجام والتخصصات. وكانت أولى المعاجم، مثل معجم “العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170 هـ/ 786م) وغيره، تقوم على منهجية علمية قوامها:
أولاً، جمع مدونة نصيّة عن طريق مشافهة الأعراب، ونصوص الشعر الجاهلي والإسلامي، والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
ثانياً، دراسة النصوص، ومقارنتها، وتصنيفها، وتحليلها، للتوصل إلى وصف اللغة العربية وتقعيدها.
ثالثاً، معجمة النصوص، أي تحديد معاني الألفاظ بواسطة التحليل الدلالي للفظ في استعمالاته المختلفة.
وهذه هي المنهجية التي تتبعها أحدث المعاجم الغربية وأرقاها اليوم. ولكن المعجميين العرب في القرن السادس الهجري وما بعده، أي في ما يسمى بعصر الانحطاط، تخلوا عن تلك المنهجية العلمية، واكتفوا بإنتاج معاجم تنقل من المعاجم السابقة مع شيء من الترتيب والتهذيب والتشذيب والإضافة والتعديل. واستمرت هذه الطريقة العقيمة في العصر الحديث، فمعظم المعاجم العربية الحديثة، سلكت ذلك الطريق، ما عدا “معجم اللغة العربية المعاصرة ” بإشراف المرحوم الدكتور أحمد مختار عمر الذي اعتمد على مدونة نصية حاسوبية. أما معجمنا “المعجم العربي الأساسي” الذي صنفناه مع مجموعة من اللغويين العرب في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي وصدر عام 1989م، فقد اعتمد جزئياً على مدونة يدوية خاصة بالتعابير الاصطلاحية والسياقية، جمعناها من الصحف العربية المعاصرة.
ثمة فرقان أساسيان بين المعاجم العربية التراثية الجيدة، وبين المعاجم الغربية الحديثة:
الأول، إن المعجم التراثي العربي كان من تصنيف عالِمٍ واحد، أما المعاجم الغربية الحديثة المعاصرة، فتتولاها مؤسسة متخصصة تضم عدداً كبيراً من اللغويين والمعجميين والمحررين والمساعدين والمصححين والرسّامين وغيرهم.
الثاني، إن المدوَّنة التي كان يعتمد عليها المعجم العربي التراثي الجيد كانت يدوية (قبل عصر الحاسوب)، أما المدوَّنات النصية التي تعتمد عليها المعاجم الغربية الحديثة فهي مدوَّنات حاسوبية. وكان أول معجم استخدم مدوَّنة نصية حاسوبية هو “معجم التراث الأمريكي” American Heritage Dictionary الذي صدر سنة 1969.

• س 6: تعتبر أعمالكم العلمية رائدة في مجال المصطلح وقضاياه، فكيف تنظرون إلى واقع الدرس المصطلحي تنظيرا وتطبيقا ومواكبة؟
(أرجو التكرم بالتخلي عن هذا السؤال، لأنني لا أحبذ التحدث عن نفسي، إضافة إلى أن مقدمة الحوار ذكرت ذلك).
• س 7: تشهد اللغات الحية تنوّعا في التصنيف المعجمي بحسب المجالات العلمية والفنية والمهنية المستحدثة، لكن اللغة العربية في حاجة ماسّة إلى هذا النوع من المواكبة المعجمية في شتى المجالات على غرار نهجكم في تصنيف “معجم الاستشهادات”، كيف يمكن تجاوز هذا الوضع؟
التنوع في التصنيف المعجمي يلبي الحاجات المتباينة لأنواع المستعملين المختلفة. فينبغي أن تكون هناك معاجم ومعلمات وموسوعات ودوائر معارف للصغار وأخرى للكبار، ولأبناء اللغة وأخرى للناطقين باللغات الأخرى، وللمثقف العام وأخرى للعالِم المتخصص في علم بعينه، وهكذا. وفي تعليم اللغة لغير الناطقين بها، هنالك ميدان يسمى “تعليم اللغة لأغراض خاصة”. فاللفظ الواحد، كما نعلم، يغيّر معناه من مجال علمي إلى آخر، كما أن كل مجال علمي يفضّل تراكيب لغوية على أخرى.
وفي الإمكان إنتاج معاجم عربية متنوعة إذا توافرت الموارد المادية بما فيها المدونات النصية العربية، العامة والمتخصصة، وتنوّعت البرامج الدراسية في الجامعات العربية بحيث لا تقتصر على تعليم النحو والبلاغة، بل تضع بين أهدافها إعداد معجميين ومصطلحيين متخصصين في مجالات متعددة وقادرين على استثمار المعلوماتية في صناعة المعجم.
• س 8: كيف تقيّمون المحاولات المتعددة بالأقطار العربية الرامية إلى تصنيف المعجم التاريخي للغة العربية؟ وهل تتوفر في المشروع الأخير الذي احتضنته دولة قطر سائر المقومات التقنية والمعرفية لتحقيق المبتغى؟
كما تعلم، كانت هناك محاولات متعددة، في النصف الأول من القرن الميلادي العشرين، لإعداد معجم تاريخي للغة العربية أسوة بالمعاجم التاريخية للغات العالمية الأخرى كالإنكليزية والإسبانية والألمانية والفرنسية. ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل، لأن متطلبات إعداده لم تكن متوفرة، ولأنه يحتاج إلى إمكانات مادية وبشرية كبيرة. وفي الوقت الحاضر، توجد ثلاثة مشروعات لإعداد المعجم التاريخي للغة العربية، هي:
أولاً، المشروع التونسي، الذي جاء بمبادرة من جمعية المعجمية التونسية التي كان يرأسها الدكتور رشاد الحمزاوي، بعد أن عقدت الجمعية ندوة علمية دولية حول المعجم التاريخي في تشرين الثاني/ نوفمبر1989م، وأوصت بضرورة البدء في وضع معجم عربي تاريخي. وانطلق المشروع بتمويل من الحكومة التونسية في أوائل سنة 1990م، فوضعت خطة علمية، وتم جمع الشعر الجاهلي، ولكن المشروع توقف بعد مدة قصيرة، ثم أعيد العمل فيه سنة 1996م. ويبدو أن التعثر سببه قلة التمويل وعدم وجود مؤسسة متخصصة للمشروع.
ثانياً، مشروع اتحاد المجامع العربية، الذي انطلق بعد كثير من التردد سنة 2004 حينما شكّل الاتحاد لجنة من أعضاء المجامع لوضع النظام الأساسي لهيئة المعجم التاريخي للغة العربية، وتشكيل مجلس أمناء ومجلس علمي لها، ووضع الخطة العلمية للمعجم التي كُلفتُ بتقديم مسودتها ونوقشت وعُدّلت في اجتماعات عديدة، ثم صدرت في بيروت في كتاب عنوانه ” صناعة المعجم التاريخي للغة العربية”(8) يقع في 650 صفحة من الحجم الكبير. وقد تبرع حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بنفقات المشروع، وقام بتشييد بناية وتجهيزها في القاهرة لتكون مقرًا لهيئة المعجم التاريخي للغة العربية. والعمل مستمر في المشروع، وقد انتهت اللجان من وضع قوائم المراجع والمصادر حسب العصور التاريخية لتخزَّن موادها في المدونة الحاسوبية.
ثالثاً، مشروع الدوحة، الذي انطلق سنة 2013، وهو أحد مشروعات (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) في دولة قطر ومديره العام المفكر الدكتور عزمي بشارة الذي تلقى الاقتراح من المعجمي اللبناني المعروف الدكتور رمزي منير بعلبكي واللسانيين، اليمني الدكتور محمد العبيدي والمغربي الدكتور رشيد أحمد بلحبيب، وفي اجتماع لاحق قدّم اللساني المغربي الدكتور عز الدين البوشيخي برفقة الزملاء المذكورين، عرضاً للتصور الأولي للمشروع، وتم اختياره مديرا تنفيذيا للمشروع. ويتميز هذا اللساني الشاب بالمعرفة والخبرة والنشاط، وكان قد عقد بالتعاون مع ابن عمه اللساني الفقيه الدكتور الشاهد البوشيخي مؤتمراً عربياً في فاس حول المعجم التاريخي سنة 2010. ولهذا المشروع مجلس علمي يضم حوالي أربعة وعشرين من العلماء العرب، ولديه التمويل اللازم والخبراء اللغويين والحاسوبيين والتجهيزات اللازمة لبناء المدونة النصية الحاسوبية. وطبقاً لخطته العلمية فإن إنجاز المشروع سيتم خلال خمس سنوات. ونحن متفائلون.
والمشروعات الثلاثة ذات منهجيات مختلفة وستنتج إن شاء الله معاجم تاريخية جيدة. ومعروف أن كل لغة عالمية تتوفَّر على عدد من المعاجم التاريخية. واللغة العربية أطول اللغات العالمية عمراً، وأثراها تراثاً، فهي تستحق أكثر من معجم تاريخي واحد، وينبغي أن تقوم على خدمتها مئات المعاجم من مختلف الأصناف والمنهجيات والأحجام.
الهوامش:
1) علي القاسمي، علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008)
2) لمعجم الاستشهادات ثلاث نشرات مختلفة في أهدافها، ومنهجيتها، وأحجامها، وهي:
ـ علي القاسمي، معجم الاستشهادات (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2001)
ـ علي القاسمي، معجم الاستشهادات الموسَّع (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008)
ـ علي القاسمي، معجم الاستشهادات الوجيز للطلاب (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2012)
3) علي القاسمي (المنسِّق) وآخرون، المعجم العربي الأساسي (تونس/ باريس: الألكسو/ لاروس، 1989)
4) إدريس الكريوي، بلاغة السرد في الرواية العربية: رواية علي القاسمي المرافئ نموذجاً (بيروت/ الجزائر/ الرباط: دار ضفاف/دار الاختلاف/ دار الأمان، 2014)
5) إبراهيم كراف (المحرر)، دراسات نقدية مختارة حول المرافئ (الرياض: شركة الارتقاء المعرفي، 2014)
6) علي القاسمي، الجامعة والتنمية (الرباط: المعرفة للجميع، 2002)
7) علي القاسمي، السياسة الثقافية في العالم العربي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2012)
8) علي القاسمي، صناعة المعجم التاريخي للغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2014)

2 تعليقان

  1. محمود سعيد

    اشكر الدكتور القاسمي من صميم قلبي على هذا العرض الشافي المهم

  2. علي القاسمي

    الأستاذ الجليل الدكتور محمود سعيد المحترم
    تحياتي الحارة وتمنياتي الطيبة لك بعام سعيد زاخر بالمسرات والصحة والنجاح
    أنا الذي أشكرك سيدي على إطلالتك البهية على الكتاب وكلماتك الطيبة.
    محبكم: علي القاسمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *