الرئيسية » نقد » سينما » بهاء بن نوار : كمْ أنتَ مُكلِفٌ أيّها الكمال!

بهاء بن نوار : كمْ أنتَ مُكلِفٌ أيّها الكمال!

كمْ أنتَ مُكلِفٌ أيّها الكمال!
بهاء بن نوار
“حبّ المرأة الساقطة يقتل غيرَها، وحبّ المرأة الشريفة يقتلها هي.”
الكاتبة الفرنسيّة “جورج ساند” G. Sand

منذ زمنٍ طويلٍ لم أشاهد عملا سينمائيّا عميقا، ومحرِّضا على التأمّل والتفكير، كما هو الحال مع هذه التحفة الإبداعيّة الخالدة: “البجعة السوداء” Black Swan للمخرج الأمريكيّ “دارين أرنوفسكي” (Darren Aronofsky).
تأتي مقولة “ساند” الاستهلاليّة هذه لترصد واحدا من أهمّ إشكالات هذا العمل وأسئلته: إشكال التشتّت والصراع الذي يعتري البطلة “نينا” بين وجهها الحقيقيّ الوادع والمسالم؛ وجه البجعة البيضاء البريء، وبين القناع الشرير الذي عليها أن تتقمّصه؛ قناع البجعة السوداء، الماكر والمراوغ.
بين الوجه والقناع تدور أحداث هذا العمل، وتتالى مشاهده، محمَّلةً بكثير من الأبعاد الرمزيّة، المنصبّ أغلبها في صميم هواجس الفنّ، وتحدّيات التجاوز والاختلاف.
“نينا” شابّةٌ، تناهز الثامنة والعشرين من العمر، وتعمل راقصة باليه في إحدى الفرق المعروفة، رغم نضجها الظاهريّ إلا أنّها ما تزال في طور الطفولة وجدانيّا؛ ما تزال أسيرة عناية أمّها، وخوفها المرضيّ عليها، ما تزال غير قادرة على حسم أيّ خيارٍ مصيريّ يخصّ حياتها، غير قادرة على فعل أيّ شيء بعيدا عن وصاية الأم وإشرافها، والنتيجة طبعا: تعثّر أدائها الفنيّ، رغم إجادتها على مستوى الصنعة، ووقوعها ضحيّة هلاوس سمعيّة وبصَريّة مزمنة، أتت انعكاسا لتقلّباتها الوجدانيّة، وتهلهل ثقتها بنفسها، وقلقها الزائد من احتمال فشلها في أداء دورها الجديد الذي تحسدها عليه الأخريات؛ دور ملكة البجعات، أو بالأحرى دور “البجعة السوداء” البعيد كلَّ البعد عن ملامح شخصيّتها الحقيقيّة.
على النقيض منها، نجد زميلتها في الفرقة: “ليلي” التي تأتي بوجهها الماكر اللعوب، وشخصيّتها المرحة الجريئة، خير مَنْ يمكنه أداء هذا الدور المعضلة: دور “أوديل” الشريرة، السوداء، وإنْ كانت ستعجز حتما – حسب ما أرى – عن أداء دور “أوديت” للسبب نفسه: ملامح وجهها غير الملائمة.
يبدو الشبه المظهريّ شديدا بين الفتاتيْن، ولذا، وبسبب اختلاف نمط شخصيّتيْهما، نجد إحداهما: نينا الوادعة/ أوديت لا ترتدي سوى ثياب فاتحة، أو بيضاء، في حين لا تظهر ليلي الماكرة/ أوديل إلا بطلّةٍ سوداء قاتمة.
الفرق شاسعٌ جدّا إذن بين الفتاتيْن، فالأولى نينا/ أوديت ابنة أمّها؛ ابنة الحذر، وربيبة التوجّس، تطيع الوصايا، وتحترم القوانين، ولا تجرؤ أبدا على فعل ما تريده هي حقا: لا تسهر خارجا أبدا، ولا تتأخّر في العودة إلى البيت، وإن حدث ذلك ولو لبضع دقائق، فلن تتوقف اتصالات أمّها الرؤوم بغرض الاطمئنان عليها. إفطارها الصباحيّ لا يزيد على بيضة واحدة ونصف ليمونة هنديّة (pamplemousse) معروفةٍ بانخفاض سعراتها الحراريّة تفاديا لأيّة زيادة في الوزن. القلقُ يحاصرها، والتحرّزُ سيّدها، والأسوأ من كلِّ هذا أنْ ليس في حياتها حبٌّ، أو رجلٌ معيَّنٌ يهتمّ بأمرها، وتهتمّ هي بأمره. وقتها كلّه تستهلكه ساعاتُ التدريب الشاقة، التي لا تنتهي، ويا لهذا الهدر!
أمّا الثانية: ليلي/ أوديل، فهي ابنة المقامرة، والانطلاق، أتت من مدينة بعيدة “سان فرانسيسكو” ليس لها أهلٌ يزعجونها، أو يرهقونها بقلقهم، ووساوسهم؛ ابنة الليل والتمرّد، يشهد عليهما الوشمُ الغريب الذي يشغل جزءا كبيرا من ظهرها، وحبوب المخدّرات التي لا تخلو منها حقيبتها؛ السيجارة التي تشعلها رغم منع التدخين في المكان، والهامبورغر الدسم، المضاعف الجبن، الذي تتناوله بنهم غير مبالية بأيّة زيادة غير مرغوبة قد تعتري وزنها، أو تغزو قوامها.
تلتقيان رغم الاختلاف، وبالتقائهما تتبرعم شيئا فشيئا شخصيّة “نينا” القاصرة، لتبلغ النضجَ في الختام.
الجميل في هذا الفيلم أنّه جعلنا نتتبّع مراحلَ هذا التطوّر والنموّ ونواكبها، وسأحاول في هذه العجالة الإشارة إلى أهمّها:
– فضلا عن عناية الأم الزائدة، وحرصها المبالَغ فيه، تبدو ملامح عدم النضج الوجدانيّ لدى البطلة من خلال تصدّع ثقتها بنفسها، ونزوعها اللاشعوريّ نحو تقليد سابقتها “بيث” والاقتداء بها إلى درجة “الفيتشيّة المرضيّة” (Fetishism) فنجدها تحرص بولعٍ على الاحتفاظ ببعض أغراضها الشخصيّة، الحميمة، كقارورة عطرها شبه الفارغة، ومبرد أظافرها، وأحمر شفاهها، ذلك الاحتفاظ الذي يصل حدود التوثين، فلا تجرؤ – مثلا – على مقابلة مسؤول العرض “توماس” إلا بعد أن تصبغ شفتيْها ببعضٍ من أحمر شفاه “بيث” وكأنّها بذلك ستغدو “بيث” نفسها، أو ستتقمّص طاقات “بيث” الخارقة، وتضمن حصولها على الدور!
– يبدو فضاء البيت الذي يُفترَض أن يكون أكثر الأماكن هدوءا وإراحةً للنفس والأعصاب فضاءَ شدٍّ، وقهر نفسيّ ضاغط على البطلة، فلا تني تهاجمها فيه الكوابيس والأشباح، ولا سيما تلك التي تتفجّر من غرفة نوم الأم، وتعكّر عليها صفو نومها ويقظتها. وغير خافٍ هنا ما ترمز إليه غرفة الأم من كونها الرحم، الذي طال احتباسُ البطلة فيه، وآن لها أن تتمرّد عليه، لتخرج مجدّدا إلى الحياة، أو بالأحرى: لتولد من جديد، هي التي وُلدت بيولوجيّا، وما تزال جنينا تحبسه جدرانُ الرحم الافتراضيّ وجدانيّا.
– اللافت للنظر أيضا أنّها – البطلة – كلّما طاردها واحدٌ من تلك الأشباح، وما اكثرها! فإنّها تفرّ غالبا إلى غرفة الحمام، وهناك فقط تجد ذاتها، وتستعيد قواها، وهذا أيضا ترميزٌ يتكرّر كثيرا، ويوحي بما تحمله تلك الفسحة المكانيّة من حميميّةٍ وأمانٍ؛ إنّها الفسحة التي لا تكون فيها الذاتُ إلا منفردة؛ تخلع أقنعتها النهاريّة، المراوغة، وتحدّق بصدقٍ في وجهها الحقيقيّ، دون أصباغٍ أو رتوش. إنّها المعادلُ المكانيّ للزمن الليليّ: الزمن الوجوديّ الصميم بامتياز.
– تبدو كلمات مسؤول العرض “توماس” ونصائحه في أثناء التدريبات على غايةٍ من الأهميّة، إنها بالضبط ما ينقص “نينا” وما عليها أن تتعلّمه: عندما أنظر إليك لا أرى سوى البجعة البيضاء/ فاجئي نفسَكِ لتفاجئي الجمهور/ أنتِ متيبّسةٌ كالجثة. تحرّري… لا تصنّع! أطلقي العنان/ حان الوقتُ كي تنسي نفسَك… انسلخي عن شخصيّتك… هذا فعلا ما على نينا أن تتعلّمه، ولكنْ هل أثمرت نصائح المعلّم؟ ليس بعد، فما زالت شخصيّتها غير ناضجة بعد، وبالتالي غير مستعدّة لتقبّل أيّ وعظ أو إرشاد، هي نفسها أدرى به من غيرها.
– تأتي الراقصة السابقة “بيث” لتزيد من هواجس البطلة وتوجّساتها؛ إنّها تمثل إنذارات الزمن وأصواته القاطعة: ستهرمين أنتِ أيضا يا “نينا” وسيُستغنى عنكِ، نجاحكِ المرتقَب تجنينه اليوم، أو لا تجنينه أبدا. لديكِ تاريخ صلاحيّة محدّد، وبعده لا شيء سوى الإهمال والنسيان.
– تستمرّ لغة هذا الفيلم في رمزيّتها، وتستمرّ الضغوط المسلّطة على البطلة: أمّها من جهة، ومنافستها من جهة ثانية، وذاتها الحقيقيّة المقموعة من جهة ثالثة. وبين هذه الأطراف الثلاثة الكبرى تبدو محاولات التحرّر والانعتاق حاضرةً بقوة، ومتراوحةً بين الخفوت والهدير، والرخاوة والشدّة؛ ولنا أن نتأمّل مشهد خروجها للعشاء مع زميلتها/ منافستها: إنّه أول خرقٍ صريحٍ لوصايا الأم وتعاليمها، يليه مشهد ذلك القميص الأسود الذي تهديه لها تلك المنافسة، إنه ليس مشهدا مجانيّا – وليس ثمّة مشهدٌ مجانيٌّ في السينما – فالأسود هنا ترميزٌ لما ينقصها، إنّه إيماءٌ بصَريٌّ لبعض المشتهيات المقموعة، والمغيّبة دائما خلف حذر الأم وعنايتها؛ إنّه إيحاءٌ بظلٍّ شيطانيّ ما من ظلال “أوديل” التي لا بدّ أن تطلّ، رغم مقاومة “أوديت” وملائكيّتها. تقبل “نينا” الهديّة، وترتدي الأسود، ولكنْ دون أن تخلع الأبيض اللصيق بجلدها، فلا يكون هذا الأسود سوى قشرةٍ عابرةٍ، وإنْ كانت مهمّةً جدّا في سياق ما سيرد من تحوّلات.
– تبلغ قمّة تلك التحوّلات في ذلك المشهد الإيروتيكيّ بين الفتاتيْن: إنه أول تصالح صاخب بينها وبين أعماقها الدفينة، وأعمق قطيعة بينها وبين سلطة الرحم الأموميّ، ولذا نجدها في اليوم الموالي تحمل جميعَ دببتها وألعابها، وتلقيها في مكبّ النفايات المنزلي: لم تعد جنينا، ولا طفلةً؛ إنّها ناضجةٌ بما يكفي لأنْ تقرّر ما تريد، وقد قرّرت أن تكون ملكة البجعات.
– قبل أن تحقّق ما تريد تتالى الهلاوس وتتصاعد، وتظلّ تلاحقها حتى في أثناء العرض؛ ومن ذلك – مثلا – أصابعها التي تدمى دون سبب من حين إلى آخر، وجسدها الذي يتكسّر كجسد الدمية قبل يومٍ واحدٍ من العرض، وأصابع قدمها التي تلتصق ببعضها البعض بشكلٍ غريب، وتلك الأصوات الساخرة، أو المهدّدة التي تفاجئها دائما، ووجهها الذي يحلّ في وجوهٍ أخرى ويتداخل معها، فتارةً نجده يتماهى مع وجه “بيث” اليائسة وهي تدميه بمازوشيّة باذخة، وتارةً نجده يحلّ في وجه “ليلي” المتوثبة، وأخرى يحلّ في وجه عابرةٍ مجهولة، وغير ذلك من أوهام هي نتاج قلقها الفادح، وشكّها المستديم في إمكانيّة نجاحها. وهذا أمرٌ متوقّعٌ، فبقدر التطلّعات تكون المقاومة، وبقدر الأحلام تكون الوساوس، وتتضخّم الضغوطات التي يمكننا تصنيفها بقراءةٍ نفسيّة إلى شقيّن رئيسيْن، أولهما: شخصيّة الأم التي تمثل سلطة “الأنا الأعلى” ووصاياه الصارمة، وثانيهما شخصيّة “ليلي” التي تمثل “الهو” بكامل اندفاعها، وجموح رغباتها. وبينهما تقع شخصيّة “نينا” التي تمثل “الأنا” الحائرة بين هاتيْن القوتيْن المتناقضتيْن، فلا هي تنتمي إلى عالم الأنا الأعلى الموغل في الدقة والنظام، ولا هي منتميةٌ إلى عالم الهو المتمادي في الفوضى والانفلات، إنّها تتوق فقط إلى أن تكون ذاتها، لا أكثر ولا أقلّ. وهو ما تمّ الترميز إليه بصَريّا عن طريق الألوان أيضا؛ فكلٌّ من “الأم” و”ليلي” لا تظهر إلا بثيابٍ قاتمة سوداء إيماءً إلى تضخّم التطرّف والتسلّط القاطع في حضورها، والبطلة منهكةٌ من كليْهما، ولا تودّ الانصياع إلى أيٍّ منهما، وقبل أن تتمكن من إيجاد ذاتها الحقيقيّة تتالى نصائح المدرب ووصاياه حول ما يجب أن تكونه: إنّه محقٌّ في كلِّ ما يقول، ولا شيء ينقص بطلتنا هنا سوى جرعٍ قليلة من الثقة بالنفس وإعلاء طاقاتها، ومع ذلك لا تجدي نصائحه كثيرا، لماذا؟ لأنّها تظلّ صوتا خارجيّا بعيدا، إنّه صوتٌ مذكّرٌ، مختلفٌ، يكمّل الأنا، ويجمّلها، ولكنّه يظلّ بعيدا نسبيّا عن هواجسها وهمومها الذاتيّة الحميمة.
– هنا يبلغ إيقاع الفيلم أقصاه، وتصل الأحداث إلى ذروة تعقّدها واشتباكها، ولا حلّ سوى تحرّر البطلة، وانطلاق روحها من قمقم الحذر والشكوك، وهذا حين تعلن تمرّدها على كلتا القوّتيْن الضاغطتيْن عليها: على الأنا الأعلى؛ أمّها، وعلى الهو؛ زميلتها. تتمرّد على الأولى بأنْ تعصى أوامرها، وتمضي قدما نحو المسرح رغم النحيب، والتحذير، وتتمرّد على الثانية بأنْ تقتلها – رمزيّا – في غرفة تبديل الملابس، لتتصالح مع ذاتها الحقيقيّة، وتبلغ الكمال أخيرا. لقد بلغته فعلا، وهاهم جميعا منبهرون بأدائها، وهاهي وللمرة الأولى تنتزع ذلك اللقب/ الأمنية: (My Little Princess) أخيرا حصلت على ما تريد، وحقّقت ما تتمنّى، وتخلّصت من هلاوس الفشل، ودوّامات التعثّر. ولكنْ ما تلك البقعة الحمراء التي تتوسّط بطنها؟ إنّها تذوي… هل حقا قتلت نفسَها مثلما فعلت البجعة البيضاء في الحكاية؟ طبعا لا، هي لم تقتل نفسَها، وما بقعة الدم تلك سوى إيماءٍ رمزيّ إلى قتلٍ افتراضيّ، طعنت من خلاله تاريخها الشخصيّ كلّه، وتوحّدت ولو مؤقتا بمصير الشخصيّة الحزينة التي تؤدّيها؛ إنّها لم تقتل نفسَها، بل قتلت جسدَ البجعة الذي يحبس روحَها، تماما مثلما كان يحبس روحَ “أوديت” الطيّبة، التي يكبّلها السحر الأسود بكلِّ ظلاميّته، وينقذها الحب الحقيقيّ، الصادق، وهو عين ما تحياه “نينا” التي تكبّلها دائرة العناية الأموميّة المشدّدة، ويعذبها الخوف من الفشل والارتعاب من التعثّر، ولا ينقذها سوى أن تفهم ذاتها ولو قليلا؛ أن تعرف نفسَها، وتتعرّف إليها. هي ليست بحاجةٍ – على الأقلّ في هذه المرحلة وفي هذا السياق – إلى حبٍّ خارجيٍّ يحتويها – على أهميّة هذا الحب ومفصليّته – بقدر ما هي بحاجةٍ إلى حبّ داخليّ تسخو به على نفسها، وتحتويها من خلاله. إنّها بحاجةٍ لأنْ تولد من جديد، وتكون. وقد وُلدت… وكانت.

وبعد: ها قد تحقّق الحلم، وها قد كُسِر الخوف، وأمكن المتمنّع، وبُلغ الكمال… ولكنْ: كم أنتَ مكلفٌ أيّها الكمال!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 البطاقة التقنيّة للفيلم:
Titre original Black Swan
Réalisation Darren Aronofsky
Scénario Darren Aronofsky
Mark Heyman
John J. McLaughlin
Acteurs principaux Natalie Portman
Mila Kunis
Winona Ryder
Vincent Cassel
Barbara Hershey
Sociétés de production Cross Creek Pictures
Phoenix Pictures
Protozoa Pictures
Pays d’origine États-Unis
Genre Thriller
Drame
Sortie 2011
Durée 108 minutes

نشر للمرّة الأولى في: صحيفة قاب قوسيْن، جويلية 2014.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *