جمال المظفر : اغتيال أمير الصعاليك (ملف/7)

إشارة :
كلّما مرّت ذكرى رحيل الشاعر الكبير “كزار حنتوش” ازداد حضوره من خلال الإحساس بالفراغ الكبير الذي خلفه غيابه المؤلم في خارطة الشعر العراقي والعربي وأكاد اقول العالمي لو توفّرت الترجمة المقتدرة. لقد طبع كزار بصمته الفريدة على جسد الشعر ومضى. كان ماكراً – شعرياً – كفأر السجن وكتوماً كطبيب الأمراض النسائية كما يقول في إحدى قصائده. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّاء للمساهمة في ملفها عنه .

اغتيال أمير الصعاليك
جمال المظفر

لأول مرة يغتال الشعر شاعره في غفلة من الزمن الذي اختلفت فيه الموازين، ولا اقصد هنا موازين الشعر العمودي وتفعيلاته وإنما موازين الأخلاق والقيم والمبادئ والوطنية.
قصيدة النثر الحديث اغتالت أمير الصعاليك كزار حنتوش ، طاووس ساحة الميدان وأسير الأرائك الخشبية لمقهى حسن عجمي .
كل تجارب التجديد في قصيدة التمرد النثري خرجت من تحت معطف الإمبراطور كزار حنتوش ، مثلما خرجت روائع القصص من تحت معطف غوغول .. خرج حنتوش من عنق زجاجة الخمر التي يحتسيها في نادي اتحاد الأدباء في بغداد والى آخر دمعة تنزل منها ليكمل خمارته في بارات الميدان التي غالبا ما تنتهي جلسات السكر فيها بمعركة حامية الوطيس بالقناني الفارغة والكؤوس والكراسي الخشبية والمعدنية ، ولا ترى أديبا متصعلكا إلا وهناك علامات فارقة على وجهه أو عينيه بدعوى انه أصيب إثناء ارتياده الباص بالعمود الذي تركه السائق دون أن يعلق يافطة عليه تقول:احذر في السيارة عمود ، كما يدعي بعض السواق عندما يصطدمون بعمود ألترفك لايت بأن شرطة المرور لم تكتب تحذيرا بأن هناك عمود ترفك لايت في منتصف الشارع .
اغتالت القصيدة شاعرها … فكزار حنتوش كان يلقي قصيدته بمناسبة تكريم زوجته الشاعرة رسمية محيبس التي لاتقل عنه طيبة ودماثة خلق وأنهما يشكلان ثنائيا شعريا حداثويا ، بل إن رسمية استطاعت وبأسلوبها الشفاف كشاعريتها أن تنتشل كزار من حالة الضياع والصعلكة في الحانات والملاهي الليلية إلا ماندر من أصدقاء السوء الذين يزخر بهم الوسط الأدبي – أن لم تكن خمارا فلست بأديب مبدع ولا محدث – …
لقد افسد الاحتفالية التكريمية لزوجته ، مات من السعادة المفرطة لأنه يرى من انتشلته من الضياع يكرمها صناع الكلمة والمفردة … صناع الحياة خارج نطاق هذا العالم المتناقض. فالصعاليك لهم طقوسهم وأسلوبهم في الحياة… هم المتمردون على الواقع ، صناع المأساة ومكتشفوا الإفلاس السياسي والنضج الفكري والمفردات الفنطازية ولغة السرد المفتوح كانفتاح حياتهم على العالم الدنيوي الواسع بعيدا عن الدين والسياسة .
اغتالت المفردات كزار حنتوش لأنه لاعبها وطوعها بأسلوب جعلت قصائده ذات متعة تشد القارئ وبقدرة على الإطالة مع الحفاظ على قوة الصورة والتسلسل – الزمكاني – الذي يتلاعب في فضائهما سابحا كنورس ابيض يلاعب أجنحته فوق شواطئ دجلة ..
لم يعرف كزار حنتوش أن القصيدة ستغتاله في يوم ما ، توقع أن تغتاله المافيات التي لاتهوى الحداثة والتمرد على قصيدة التفعيلة ، أو رجال المخابرات لأنه لم يمدح ملكا أو وليا للعهد ولم يبايع الزناة ، وفضل مبايعة الخمر على ولاة السياسة ، والمرأة على العهر السياسي ..
الصعاليك طردوا كزار حنتوش من مملكتهم لأنه تمرد على جمهوريتهم ، ترك التشرد والتسكع في الشوارع والنوم على الأرصفة والحدائق العامة وصار ينام على سرير يتسع لشخصين آدميين بمعنى الكلمة – ظل رجل وامرأة – ..
كيف للصعاليك أن يرضوا بأن يتمرد احد قادتها البارزين وينام على أسرة من الإسفنج ويلف وجهه بملايات من الديباج أو الفرو الناعم الذي يشهي للعراك الجسدي الغريزي لاعراك الأيادي والقناني الفارغة والمبيت في مراكز الشرطة لأسباب مخلة بالأمن العام والتجاوز على الحريات العامة وافتعال الأزمات السياسية والشعرية ..
كم صعلوكا طرد من جمهورية الصعاليك لأنه خرج منها دون استئذان ، وكيف إن البعض هاجم جان دمو ( الصعلوك رقم واحد بامتياز ) في هذه الجمهورية النافذة المفعول و( حسن النواب ) لأنهم غادروا العراق ودخلوا بلاد الفرنجة وأرسلوا صورهم عبر الانترنيت أو بواسطة البريد عن حياتهم الجديدة مما أثارت حفيظة زملائهم الذين لازالوا يبيتون لياليهم في الفنادق الشعبية التعبانة أو تحت نصب الحرية في ساحة الباب الشرقي ، أو على مصاطب انتظار الحافلات في ساحة الميدان ..
اذكر كيف كان كزار حنتوش يتناول غداءه لوحده عندما حضرنا مهرجان المربد للعام 2006 بينما زوجته رسمية تجلس على طاولة أخرى لتتناول غداءها لوحدها وسط ذهولنا ونكتنا بأن كزار لم ينس بعد انه صعلوك وان زواجه – حلم عابر -.
لم يتحمل كزار السعادة ، واصدر آخر وصية له بأنه أسعد إنسان في هذا العالم ، حلق عاليا بعيدا عن أرصفة الجوع والضياع ، عن صهيل الدروع والاباتشيات وطائرات الشبح المخيفة ، عن نظرات جندي أمريكي يلوح لحنتوش ( ستوب ) يا أمير الصعاليك ، ( ستوب ) ياايها الغريب في بلادك التي يحضنها الغزاة ، (ستوب )يامن يدور الحزام على خصرك النحيل دورتين من شدة الجوع ،ياأيها الطائر الشريد الذي تلاعب قذلتك الحمراء رياح الاباتشيات المحلقة فوق رؤوسنا كالخفافيش ، (ستوب ) ياثعلب الدغارة ،( ستوب) عن التمرد الشعري ، عن فضح الواقع والساسة الذين ماقرأوا شعرك يوما لأنهم لايجيدون قراءة المفردات الشعرية اللاذعة ..
لمن تركت رسمية ياكزار… للثعالب المنتشرة في ارض وسماء العراق الذي أدماك احتراقه ، للصراعات الحزبية والطائفية ، للموت ، للحرائق ، للدمار، لصهيل الدروع والاباتشيات ، لحيرتها في إعداد الطعام الذي ماعاد يشبع لشحة الوقود في بلاد الغضب الأسود ، أم للبرد الذي كوركما وجمدكما فلا تدفئة ياكزار في بلادك ، الشمس شمسك والعراق ليس عراقك ، النفط نفطك ويذهب إلى جيوب ولاتك ، هل مازالت صيحات رسمية ترن في أذنك ياكزار : لانفط ، لاغاز ، لاأمان ، لارواتب ، لاحصة تموينية ، لاحياة مثل بني البشر، لامستقبل ياكزار ، لانوارس فوق دجلة ، لاالمتنبي، لاابو النواس ، لاخمارات بعد اليوم ، لامدينة آمنة ، لارغيف خبز يشبه قرص الشمس ، لاحياة لمن تنادي ..
رحلت ياكزار وتركت لنا رسمية ، ظلك في الأرض ، كلما افتقدناك ننظر في عينيها فنراك مختبئا في داخلها تمارس طقوسك بعيدا عن الأضواء والشهرة ..
*عن مركز النور

شاهد أيضاً

في الذكرى الثانية عشر لرحيل شاعر فلسطين محمود درويش
*قصيدة رثاء لمحمود درويش، نشرها سالم جبران باسم سعيد حيفاوي*
نبيل عودة (ملف/26)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

في الذكرى المائة لثورة العشرين الخالدة . الثورة العراقية الكبرى (ملف/8)

القيادة والتنظيم كانت قيادة ثورة العشرين، تتكون من مجموعة من شيوخ الدين، وشيوخ العشائر، وبعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *