جابر خليفة جابر: نصوص قصصية

إشارة:

لا أعرف كيف يكون القاص قاصا إن لم يكن حكاء!! وقد أدرك ( جابر خليفة ) هذه الحقيقة منذ أول قصة له .. أصدر كتابا قصصيا هو ( طريدون ) الذي لو صدر في بلد عربي آخر لهز أسس الفن السردي .. في هذه القصص يتمسك خليفة بخلاقية عالية بالمرتكز الأساس لفن السرد الذي غيبته موجات ما بعد الحداثة فتحية له  ..

((السلحفاة))

صغار عديدون متدرجو القصر ، تسطروا بموازاة بحر تراب صاخب وهم يعرضون على الأرض بضاعتهم أو يلوحون بها للمارة وللسيارات بأسعار سوداء تتصاعد تدريجا مع تقاصر قاماتهم المنتظمة في خط تنازلي ينتهي عند أخرهم الذي تقرفص على بلاطة رصيف ترتفع قليلا عن مستوى سطح البحر ليراقب مندهشا تكسر أمواج الغبار المتلاصقة عند قدميه من دون أن تغرق أية عين من العيون العديدة التي تنشرها جدته على حافات التراب وحول البضاعة المعروضة أمامه .
كان الصغير متكورا جنب علبة سجائر داكنة الزرقة وهو يرنو بعينين حمراوين إلى الأشباح المارة أمامه منتظرا – كعادته كل يوم – ظهور الملاك من بينهم ليأخذه بعيدا عن الرصيف وعن الغبار .يذهبان للتنزه في شوارع المدينة أو في أزقتها العتيقة ، يسيران جنبا إلى جنب يمسكه الملاك من سبابته الصغيرة وهو يتقافز جذلا ، وأحيانا يحمله على ظهره أو على كتفيه ويطير به إلى فناء البيت ؛ يلف به حول أمه ، يعاكسانها ، وكلما بلغ الصغير ذروة نشوته كان يقلد فرسان التلفاز ويلكز بقدميه خاصرتي أبيه وهو يصيح مثلهم ها .. ها .. ليجد نفسه على الرصيف مرة أخرى بينما الرائحة المضيئة للملاك ملأ خياشيمه فيعاود الانتظار .
هكذا كان يسيح بخياله كل يوم منذ أن اصطحبته جدته معها للجلوس قرب البضاعة ، أمام البحر كي تتفرغ هي لنشر عيونها على الرصيف طيلة النهار ، بحثا عن وجه ابنها الذي افتقدته ، تراقب وتتفحص . من كارتون سجائر إلى وجه عابر ومن سيارة مارة أو متوقفة إلى غيرها الفاصل بين حافات الرصيف وبين التراب الصاخب الذي يتسع ألان شيئا فشيئا ً، يأكل في اتساعه أعمدة الكهرباء ، أسلاك الهاتف والرصيف المترب ويأكل البيوت والشناشيل وانهار المدينة متداخلا بزرقته الداكنة مع زرقة السماء الصافية الوادعة التي ماان تلتقي بالبحر المكهرب حتى تضطرب برقا ورعدا وتدلهم سحبا حمراء كامدة يثور لها البحر فيبلل برذاذه لافتات السجائر الزرق المنشورة على طول الطريق وهي تعلن – عبر زاوية نظر منفرجة – عن ارقى التبوغ الإفرنجية . وتحذر من زاوية حادة . إن التدخين سبب رئيس لأمراض الصدر والسرطان.
لم ينتبه المادة للتحذير لكنهم اهتزوا طربا حينما اهتزت اثر تبللها أوتار القيثارة المرسومة على احد العلب وأرسلت أنغاما عراقية حزينة متهادية ودافئة ثم سرت عدوى الحزن الدافيء والاهتزاز إلى قيثارات علب السجائرالمجاورة فتآلفن جميعا لتعزف سيمفونية – لم يسمع لها الغاق مثيلا – وصدحت مارشات جنائزية مهيبة أحاطت الصغير المنكمش – كفرخ دجاج مبلل – بدفء كان أقصى ما حلم به في زرقة البرد الكانوني القارس ، وشكلت خيوط أشعة لشمس ما ، وذرات غبار أثارها البحر ، انحناءات ملائكية وأقواس قزح متعرجة حمراء وبيضاء وسوداء وهالات من الاخضرار البهيج كانت تشعشع حول الصغير المحاصر بالأزرق .وكانا ، أقصر الصغار وجدته وجهين يترنمان مع أعماق البرد والغبار بحزنها الأزلي ويشكلان علامة إدانة عميقة للبحر الصاخب الممتد طوليا أمامها ككابوس مثقل بالعتمة يجثم بزرقته المخيفة على رئتي العجوز ويصادر الهواء الإلهي الطليق ، محفزا إحساس ألام بأن مكروها ما أصاب وحيدها ، وان البحر الأكل لليابس والأخضر أكله أو بلله ، ففزعت هاربة بعيونها . أفزعها زعيق سيارة زيل توقفت – بقوة أمام الباعة الصغار – ببدنها وزجاجها الملطخ بالوحل عدا فتحات دائرية تسمح للسائق بالرؤية ، قاطعة بوقوفها المفاجيء إمتداد مجرى السيارات المتدفق مما أخاف أعين العجوز وأضطرها إلى الطيران بعيدا عن الرصيف وعما يلقيه البحر الهائج من تراب وبشر وسيارات ،ومع أن التوقف لم يدم سوى دقائق فقد تعالت الأبواق وهي تحث سائق الزيل على التحرك ، لكن العجوز لم تع ما رأت إلا بعد أن دفع الجندي الجالس في صدر الزيل سعر علبة السجائر التي اشتراها وارتد برأسه إلى داخل قمارة السائق تماما كما تفعل السلحفاة حينما يداهمها خطر ما ، عندها ركزت العجوز نظرها على صورة استلتها من طيات يوم قائظ أسمته إحداهن – حمارة القيظ – وكان ما يجري يوم ذاك يزيد القيظ إشتعالا ، فقد إحترقت أجساد طرية لآمال وآمان بسيطة تجاوزت مساحاتها الارضين وتصاعدت رائحة الاحتراق من ملاين الأجساد الأخرى وبالت الحمير دما أحمر حتى صبغ تبولها اللاإرادي ، الأرض والأجساد المحترقة بلون لزج ثقيل .
كانت ارتال المدافع والمجنزرات تتدفق في طوفان النار دون أن تبالي بكتل العباءات المتكدسة عند بوابات الحرب جزعا على أبنائهن ، ولا بالتبول الدموي الكبير ، لكن العجوز استطاعت أن تجبره على تخفيف سرعة مجنزرته بعد أن عرفها كما عرفته رغم حمارة القيظ ورغم الغبار وخرائط الملح التي تزركش وجهيها عرف كل منهما صاحبه. مد رأسه ليخبرها بما جرى لصديقه ، ابنها الوحيد، قال وسط الدوي والغبار [ رأيته يس… لم أستطع .. كان الوقت جهنم …] ثم ارتد برأسه إلى درعه السلحفاتي المجنزر .. كما فعل قبيل قليل بعد شرائه السجائر – عائدا إلى الطوفان المتلاطم بعد إن أجبرت الارتال الثقيلة عربته الفولاذية على التحرك إلى الأعماق عبر بوابات النار .
كانت للأمهات عيون لاترى من الطوفان سوى جهنم المبسوطة تحت أقدامهن ، وكانت أفواههن وآذانهن وعباءاتهن تتكوم حول أية سيارة عسكرية تتوقف ، وحول وفوق كل هيكل بشري حي ينجو من الحرب او يقذفه فوران التنور قريبا منهن ؛ بينما سحلت العجوز أقدامها لتقضي بقايا العمر على الرصيف تترقب ظهور السلحفاة ثانية وهي تجمع عيونها وتنشرها ألاف المرات في الرمشة الواحدة ، علها تراه كما كانت تراه أحيانا متماوجا مع دخان المبخرة كل ليلة جمعة وكما تراه أو تلمسه أحيانا غيرها في الشعاع المنبعث من دعواتها الحارة حتى تغوص بعيدا في أعماق شخيرها فتحذرها السلحفاة قائلة [ أن زوجة ابنك، حمامته البيضاء تحتاج إلى عش دافيء ليضمها فحذار ] تفز العجوز مذعورة وتغادر فراشها لتتفقد قن الطيور . لكنها وجدته فارغا فقد غادرت الحمامة عشها وراحت رغم حلتها السوداء ورغم برد الأزرق القارس تلعب وتتقلب مع طيور أخر متنقلة بأساها من عش إلى آخر ومن فراش لغيره تاركة صغيرها يبيع السجائر مع جدته وسط غبار الحرب والزرقة الداكنة .

((المقعد الثامن))

دقائق معدودات تفصله عن موعد حركة القطار ، وأمتار قلائل هي كل ما يفصل قاعة انتظار المسافرين عن القطار الرابض الان على القضبان الفولاذية ، كأنه إنموذج عملاق لتمثال أسد بابل وقد مطته من نهايتيه قوى جبارة خفية ،. تملاه للحظات ، ثم وضع حقيبته وقفصا لطيور الحب على دكة المرمر المموج بالأبيض والرماني وجلس بينهما . رأى وجوها نضرة وكرنفالا زاهيا من الملابس والألوان ، أطفالا يتقافزون بفرح وابتهاج ، حقائب بإشكال وأحجام مختلفة وثمة بطاقات ملونة بأسعار متباينة لرحلة الساعة الثامنة لم تبق بينها وبين قبضات أصحابها فواصل تذكر .
راوده إحساس بليونة المرمر تحته وبأن تلك الدقائق الفاصلة طوفانات من الأوقات الرقيقة السائلة وفيضانات مسالمة من الأزمنة المتسربة مع أفاق هذه الليلة الرائعة . إحساس بالسيولة في كل شيء .، في الزمان وفي المكان . الأمتار القلائل سالت .، وعصير فواكه وسوائل مثلجة غادرت علبها وقنانيها لتذوب في دفء أطفال تنحى بهم آباؤهم بعيدا عن كافتريا المحطة ، وأقداح شاي مهيل عادت إلى أباريقها متلوية لان حامليها لم يرتشفوها برفق . بينما كانت عربات القطار وعجلاته المعدنية الباردة تتميع وتتهدل ذائبة كسلسلة من التلال الشمعية الملونة من دون أن تفقد الاتصال مع نهاياتها القصية المرققة التي سالت وتلاشت في هواء الليلة المشبع بالندى والحلاوة ؛ وثمة كرات زئبقية بدأت الانفصال عنه متدحرجة على الأرصفة المرمرية اللماعة للمحطة . كرات من لحمه ودمه انفصلت عنه بعد أن عجز منظر القطار الممطوط ولغط المسافرين عن منعه من الاستحمام بدوش موسيقى منعش تناثرعليه من مكان ما وأصابه – ربما – بعدوى السيولة .
لم تكن المرة الأولى التي يستقل فيها القطار ، أنها السابعة أو الثامنة ، لكنها الأولى التي دفع فيها ثمن البطاقة ،فقد كان السفر للجنود مجانا أيام الحرب، كما أنها أول سفرة يراوده فيها هذا الإحساس الغريب بالسيولة … ربما لاقتنائه لوحة رسمت عليها ساعة سائلة ، وربما لأنه اندهش بحرارة مرتفعة جدا عندما رأى محطة القطار الجديدة بأرديتها القشيبة المزركشة وركابها المتأنقين . فقد اعتادت عيناه على صور لوجوه جنود مغبرة وأبعاد متورمة كانت ظلال قطارمحطة الشعيبة الصحراوية الكئيبة ترممها بقسوة وتحفرها في ذاكرته . لا يدري لم كانت تلك الأبعاد تبدو له ليلا كساق منتفخة لجريح عملاق هائل الجثة ملأتها الغنغرينا بالقيح والدم الفاسد . ذكرى موحشة طردتها الصور الجديدة وأدهشته بحرارة مرتفعة إلى درجة الانصهار فأذابته مع ما يحيط به وجعلت الدقائق الفاصلة مائعة ومرتخية وهي تتثنى أمامه سائحة في طريقها إلى التلاشي في مسارب الزمن لولا إن الدقيقة الأخيرة طالت .. بل أفرطت في الطول والارتخاء حتى إن المسافر لم يعد يرى نهاياتها فأنتبه لنفسه .
حاول المسافر الهرب إلى خارج حدود الزمن السائل بتصفحه مجلة ابتاعها من مكتبة المحطة ، لكن كرات زئبقية أخرى واصلت الانفصال عن جسده المرتفع الحرارة والذي ازداد سخونة واشتعالا لتركيزه النظرفي احدى الصفحات على مجموعة من الصبيان كانت اكفهم تطرز الفراغ بينها وبين مجاميع الخوذ والهراوات بالحجارة . قادته نظراته إلى عيني صبي كانتا تطاردان شعلة من البنزين المتوهج تلوت في طريقها إلى سيارة جيب متبرجة السلاح .
أثار الفراغ المطرز بالتوتر حماس زوج من طيور الحب الملونة كانا في القفص ، فعدلا عن موجة من القبل تعانقا خلالها بمناقير لينة إلى موجات من النقر الحاد على قضبان القفص المذهبة مما أدى إلى حالة من الهرج والمرج سادت قاعة انتظار المسافرين فاستغلتها خوذٌ وبنادق سيارة الجيب في الانقضاض على صبي الشعلة واعتقاله . لحظتئذ تمكن الطائران من تحطيم قفصهما وانطلقا بريشهما الى الفضاء الحر البعيد، واستطاعت الأنثى أن تزرع بيضها في الأعالي قبل أن يسقطها الرصاص .
لم ينتبه المسافر لما حدث فقد كانت الكرات الزئبقية تدور حوله وتشغله مكونة ما يشبه حلقة ذكر للصوفية ، سرعان ما تقاطرت وجوه كثيرة ، لدراويش بلحى بيضاء مرسلة ومسافرين بذقون حليقة ، للانتظام فيها والدوران رقصا ونشوة ضمن مدارها البيضوي . دار معهم ، دار ودار وطوَح برأسه مع تهليلاتهم وشطحاتهم التي تواصلت حتى خفَت طبول الهيوة وإيقاعات الزار وأخذت تتهابط تدريجيا ، فانفرطت خطوات الراقصين وبدأوا بالتسرب إلى خارج حلقة الذكر ، واتجهوا إلى أبواب العربات المشرعة ، مشدودين إلى صفير القطار الذي شد الدقيقة الأخيرة وطواها كما طوى المسافر مجموعة الصبيان والفراغ المطرز بالتوتر ووضع المجلة في جيب سترته ثم أسرع ، وهو يحمل حقيبته وقفص الطيور،تجاه العربة الثامنة . توقف مأخوذا ، عيناه جاحظتان ، فقد استطال سلم العربة الحديدي القصير . فاجأه وذاب ليصل إليه ؛ حمله السلم المائع إلى العربة ثم عاد إلى صلابته المعدنية قصيرا وقاسيا ليصعده الآخرون . نظر المسافر إلى السلم مندهشا وانعطف يسارا فاستقبله الباب الداخلي فاتحا ذراعيه بإيعاز من العين السحرية ثم ضمهما ليضيف إلى دهشة المسافر المرتبك أمواجا متلاحقة من الدهشة والمفاجآت لم تنته الا حين استقر في المقعد رقم (8) . عندها أعلى المذيع الداخلي أن القطار بدأ الرحلة توا وأشارت ساعة العربة إلى الثامنة مساءً.
– كم لهذه الرحلة من غرائب :
همس كمن يحدث نفسه وهو يودع المحطة بنظراته . اطمأن المسافر فور جلوسه واندفع ساردا على مقعده كل ما صادفه في الرحلة من السيولة والغرابة ؛ تحدث له متقززا عن الأبعاد المتورمة لقطار المحطة الصحراوية وعن ركابه الذين يزاحمون الحقائب في أسرتها ويفترشون المقاعد والممرات ببساطيلهم وشخيرهم الثقيل ، وبدوره اطمأن المقعد الثامن لصاحبه وأفضى إليه بمعلوماته عن القطار الجديد الذي يحث عجلاته مغادرا المحطة المحاذية للشاطيء ، وروى له حكاية عن سرب من الأسماك النهرية تتقدمه سمكة كبيرة الزعانف مركزة حركتها التموجيِة على اجتياز ما يتعرض طريق السرب من الأسلاك الشائكة والمعرقلات وأشباح القذائف غير المنفلقة التي خلفتها الحرب.
– كم لهذه الرحلة من المفاجآت والغرائب :
همس ثانية وعاود الاستماع إلى مقعده الذي اخبره أن سائق القطار يركز أفكاره في قيادة القطار باتجاه معاكس لاتجاه سرب الأسماك الذي كان يبتعد متجاوزا أكواما من عظام الجنود المتعانقة بمحبة . رغم انتمائها لسلالات عرقية مختلفة .
تحدثا عن كل شيء وأفضى كل منهما للأخر بما يعرفه وتحاضنا بألفة غريبة ورائعة ، ولم ينس المقعد الثامن أن يعتذر لصاحبه لان ثمن البطاقة ِِمفتش القطار . فتحسس المسافر بطاقته وهاله أنها سالت مع بقية أوراقه الشخصية ولم يبق منها اثر . بينما روي عن المقعد الثامن فيما بعد أن جموعا من القبضان الصغيرة واصلت تطريز الفراغ بالتوتر ، وان جنودا حاسري الرؤوس انزلوا من القطار عند منتصف تلك الرحلة تحيط بهم أردية زيتونية باردة .

((ماراثون))

إرتجت أضلاعه لارتجاج بدن ( السكس ويل ) وكاد قلبه المترنح جنوبا ويسارا أن ينقذف خارج صدره حينما لاحظ شقوقا وتصدعات تغزو السقف الكونكريتي لحجرته . وحبس أنفاسه وهو يراها تتوسع وتنحسر عن حصيرة حديد التسليح التي تقطعت قضبانها وتوزعت ببطء شديد على جدران الحجرة مشكلة شبكة من العوارض الحديدية في أعلاها تاركة السقف يواصل تصدعاته تطايرت إلى الأعالي في اتجاهات مختلفة مما ترك الجندي – الذي استغل إجازته ليساعد عائلته في نزوحها – تحت السماء مباشرة في ماراثون جماعي حاشد تزاحم الجنوبيون على مضاميره وتقاطرت الشاحنات مع تساقط أمطار الفولاذ وغزو الشظايا لبيوتهم وبساتينهم فاضطر إلى أن يوصل عينيه نصف المغمضتين بخيوط ضوئية مشعرة لنجوم غادرت أبراجها كي تراقب عن كثب خط ( السكس ويل ) المتجه إلى أواسط الفرات ، ولتتأكد من عدم إصابتها بداء الشظايا .
كان الجندي النائم في بدن الشاحنة قريبا من موضع المراقبة وكانت النجوم كما تراءت له في متناول يديه ألا انه ركز أنظاره على مكان المروحة السقفية التي أحس من تيارات الهواء البارد إنها لم تزل معلقة في مكانها وحسب رغم عدم رؤيته لها إنها لم تنسحب مع الحصيرة الفولاذية إلى أعلى جدران الحجرة ؛ واكتشف بعد لحظات حينما فرك عينيه نصف المفتوحتين إن شبكة العوارض الحديدية لبدن ( السكس ويل ) وليس جدران حجرته هي التي تحيط به على الطريق المعبد بين الجنوب وأواسط الفرات تتبع بنظره الغائم قليلا خيوط الضوء التي خلفتها النجوم دليلا إليها وقطع عدوا بهدي تلك الأدلة مسافات طويلة اعترضته خلالها مصاعب ومطبات كاد في إحداهن أن يغرق في احد تلك الانهار المنتشرة في الجنوب لولا إن ( السكس ويل ) كانت بعيدة عن ذلك النهر بآلاف الأيام ومئات الأميال كما كان هو بعيدا عن جرف النهر وعن دكة جذوع النخيل التي تتخذها النسوة محلا لغسل الملابس والأواني والحصران : ولولا انه – لم يتجاوز يومها أعوامه الأولى – كان قريبا من ذراعي أمه فسارعت إلى انتشاله من تحت الماء ليمتطي بعد أكثر من عقدين بدن الشاحنة المتجه إلى أواسط الفرات وخلفه على مسافة قريبة منها كانت حجرات البيت الأربع تعدو لاهثة وكانت أكثرهن لهاثا وأسرعهن عدوا الحجرة التي تزوج فيها وولد أطفاله على بلاطها الموزائيك ، بينما كانت الديوانية في أخر القافلة البيتية لكبر مساحتها وثقل ما تحتويه من دلال القهوة والكتب والسجاجيد لكنها اقل لهاثا وأدق تركيزا واستقرارا من نظره وقلبه الذي انفلت وضاع بين الأغراض المكدسة وقضى وقتا ليس قصيرا خارج جسد الجندي العداء وهو يتجول في زوايا البيت ويقبل حيطانه شبرا شبرا وطابوقة بعد طابوقة قبل أن يعود إلى صاحبه المضطجع على ظهره فوق عفش البيت المكوم في بدن الشاحنة ليمكنه من النوم ثانية وتركيز أنظاره على مكان المروحة السقفية التي أدى دورانها بسرعة رهيبة إلى توليد قوى طاردة مركزية استجابة لحثها قوى غير محسوسة جذبت الجيران بيتا اثر بيت وزقاقا بعد زقاق ، حتى انه حين رفع رأسه النائم رأى الحي كله بأهله وبيوته وسباخه وهو يتبع ( السكس ويل ) كنهر طويل متعرج تبعته انهار عديدة تحمل أحياء المدينة واحوازها وهي تتدفق في ماراثون خوفهم الكبير .

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

2 تعليقان

  1. وديع شامخ

    تحية الى الصديق القاص جابر خليفة جابر ، وهو يعود الى حقل الابداع
    تحية لموقع الناقد

  2. جابر خليفة جابر

    والف تحية لك صديقي العزيز والشاعر الجميل وديع شامخ ومثلها للناقد المتفرد الدكتور حسين سرمك ولكما المحبة كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *