آلاء الخيرو : مخلد المختار .. رحيل بعد إنجازات باهرة، إنسان مفعم بالأمل وفنان محب للجمال (ملف/8)

إشارة :
رحل المبدع العراقي الكبير الفنان التشكيلي “مخلد المختار” (1948 الموصل- 2017 النمسا) بعيداً عن وطنه بعد أن أغنى مسيرة الفن التشكيلي العراقي والعربي (رسماً وخطّاً) بمئات اللوحات الرائعة التي أخلص فيها للروح العراقية ولرموز حضارة بلاد الرافدين العظيمة والذي قال عنه شاكر حسن آل سعيد: “إن اعمال مخلد المختار لها صلة كبيرة بالحضارة والتراث وخاصة السومرية منها ومدرسة الواسطي”. هزّ مخلد الأعماق الإنسانية بلوحته الشهيرة “بغداد تحت القصف” التي أدانت الغزو الأمريكي الوحشي. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّأب والقرّاء إلى إغناء ملفها عن الراحل الكبير.

مخلد المختار .. رحيل بعد إنجازات باهرة
إنسان مفعم بالأمل وفنان محب للجمال
آلاء الخيرو
ينتسب الفنان مخلد المختار لجيل الرسامين العراقيين من العقد السابع وتواصل مع الرسم على ضروب مختلفة، كالرسم الواقعي والتعبيري والرمزي, وانشغل كثيرا في رسم المواضيع الوطنية او مايطلق عليها بالمواضيع التعبوية, تلك المواضيع المتواشجة مع الاحداث الملتهبة، ونقصد بها الاحداث والوقائع التاريخية التي توالت على بعض البلدان العربية منذ نكسة حزيران ومرورا بمعارك تشرين, انتقالا الى سنوات الحرب العراقية الايرانية في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي.
وكما يعرف الجميع، بان العراق وبعض البلدان العربية، مرت بظروف قاسية، وشهدت حروبا لا طائل منها، ادت في نهاية الامر الى نتائج كارثية، فلا رابح في الحروب على الاطلاق، الا ان هناك لفيفا من الادباء والفنانين، اخذوا على عاتقهم مسؤولية تسجيل الاحداث من منظور وطني ملتزم يوثق للتاريخ صيغ الالتزام المشرف بقضايا الناس الاساسية، والملحة غب اخطار مداهمة، وكان الفنان مخلد المختار، معنيا بوظيفة تسجيل الاحداث والمشاركة بها ميدانيا، في سوح الوغى، والفن على مدى تاريخه العام هو هكذا دائما، مشاركات تاريخية عمليا وانتاج فني يكون انعكاسا منطقيا لحقائق وجود وحياة فعلية، ولنا ان نتذكر الفنان بابلو بيكاسو، عندما رسم لوحته الشهيرة ( الجورنيكا) او نتذكر الفنان جواد سليم عندما انجز نصب الحرية، وهذا الضرب من الفن يطلق علية بالفن السياسي. لقد كان الفنان مخلد المختار منشغلا بالفن المتداخل مع القضايا القومية والوطنية وعبر عنها بخطوطه الفنية، والوانه القوية وتكويناته المبهرة وانشاءاته التصويرية المتماسة مع القضايا الجوهرية والمصيرية، وعندما نتصفح سفره الفني ونتطلع للنماذج التي صاغها عبر مسيرته الفنية وننعم في النظر في بعض منجزاته الفنية وسبل صناعة اللوحة الفنية الناجحة فسنجد فيها تنوعا ومغايرة واسلوبا فنيا مجترحا مما كان معمولا عليه في الفنون العراقية والعالمية، وكما اشرنا قبلا، بان الفنان استفاد من خبراته الكبيرة في مجال توظيف المواد الخام على نحو اكاديمي متقن وانه زاوج بين النهجين الواقعي والتعبيري في ان معا، وخلص الى فائدة تؤكد اسلوبه الفريد في الرسم، فماذا نرى في في لوحاته؟ نرى وجوها بتعبيرات مختلفة، ونبصر حركات لرجال ونساء متلفعون بالازياء العراقية وربما نشاهد انماطا من النباتات او الكائنات الخليقية او الازاهير، وكل ذلك حتما يخلق نوعا من الانسجام والالفة ويسهم بلا ادنى شك بالتاثير البصري القوي على المتلقي لاعماله، لانه هذا الانتخاب للوحدات الصورية والمفردات البصرية من شانه تاسيس صيغ جديدة للغة التي يبتغي البوح بها والنطق بالمعاني التي يريد بلوغها.
تسجيل احداث
ان الفنان مخلد المختار، حريص على تناول المواضيع التي تهتم بشؤون الناس واحوالهم، وكان ينجز فنه بصدق وحرية وشغف، لا لشيئ الا ليسهم في تسجيل الاحداث والمواقف، لانه يتمتع بخبرات مثيرة للاعجاب في الامور الفنية والتقنية ولانه مصمم من الطراز الاول ويستطيع ابتكار ذاته الابداعية من خلال التصاميم الشكلية التي طبعت بصمته المتفردة والفـــت اسلوبه الجديد المكفول برؤية حاذقة للواقع والحياة العراقية الاصيلة.
شعور نفسي
وعندما نستحضر مشاهدات من أعماله يرافقنا شعور نفسي وروحي، بمحاكاة الاحداث، والتفاعل مع القضايا العامة التي تجسد تاريخ المجتمع في اخطر مراحله، وعن الكيفيات الممهدة لانتاج عمل فني معين، نجد الفنان مخلد المختار يستخدم الالوان المتضادة، ويكرس الوحدات الصورية والمفردات الملائمة ليجعل من الانشاء التصويري على شكل صيغ سردية تحكي قصة مشخصة ويمكن قرأتها على نحو واضح جدا، وعلى الرغم من الأشكال المختلفة، والالوان المتضادة والتكوينات المتباينة، الا ان الفنان مخلد المختار اشتغل في منطقة الواقعية السحرية التي ترينا الاشياء التي حولنا والتي لايمكننا ادراك قيمها الموضوعية لولا تجسيد الفنان لها، وعندما نتعمق في النظر إلى لوحاته الفنية، تتجلى امامنا بوضوح رؤية الفنان الفلسفية والبصرية المتواشجة بين صيغ الموروث الشعبي وبين التوصلات العالمية في فنون الحداثة وما بعدها. لعل لجوء الفنان مخلد المختار الى المواضيع السياسية والاجتماعية والتاريخية، هو انتخاب اسلوبي محبب لجميع المتلقين للفنون، وهذا حل وسطي وحيادي، غير ان العلامة الفارقة تكمن في طبيعة الاداء الفني والتقني، ولان الفنان بخبراته الكبيرة يستطيع تحويل المواد الخام الى صيغ تعبر عن ذاته وعن المواضيع التي ينوي تجسيدها، وطريقته في الرسم تعتمد على تقسيم اللوحة الى سطوح متعددة ومن ثم يرسم الوحدات الصورية كل على حدة ولكن بدقة وقوة ضبط للخطوط والالوان.
سطور
ولد المختار في مدينة الموصل عام 1948 من اسرة موصلية عريقة. ابوه المرحوم يحيى الخطاط مختار محلة باب لكش في الموصل ومن وجهاء محافظة نينوى وهو من مؤسسي النهضة الثقافية في العراق ونسبه إلى عشيرة العبيد وهي من العشائر الكبيرة في العراق والوطن العربي.
في عام 1973 حصل على شهادة البكالوريوس في فن الرسم من أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد.
اصبح مديرا عاما لدائرة الفنون ورئيسا لجمعية الفنانين التشكيلين العراقيين وعميدا لمعهد الفنون الجميلة ببغدادعضو المجلس المركزي لنقابة الفنانين العراقيين . اقام اكثر من عشرين معرضا شخصيا.شارك في المؤتمرات والندوات والبينالات والمعارض الوطنية والعربية والعالمية.في عام 1977 حصل على الدبلوم العالي في الديكـــــور والتزيين / اربع سنوات دراسية ما بعد البكلوريوس / أكاديمية روما للفنون الجميلة .. وتخرج بدرجة امتياز وقد اكمل دراسته في روما على نفقته الخاصة.حصل على شهادة دبلوم الكفاءة في الفن التشكيلي من المركز العالمي، إيطــــــــــالياحصل على شهـــــــــــادة دبلوم الكفاءة للفنانين المعاصرين وتوفي في النمــــــسا في 2017/9/29 .

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء (ملف/9)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

عماد جبار: ذكرياتي.. يوسف الصائغ (ملف/8)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *