حميدالحريزي : طريق الشهادة والتحول
مشروع رواية (الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة) للكاتبة نرجس عبد الحسن الكعبي

طريق الشهادة والتحول
مشروع رواية ((الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة ))
للكاتبة
نرجس عبد الحسن الكعبي

((في بلادي فقط الموت نصر ، في بلادي فقط العذاب شرف …))
نيلوفر
حميدالحريـــــــــــــزي

العنوان ودلالته :-
عنوان أي نص أدبي او علمي إنما هو عبارة عن المفتاح السحري الذي يمتلك القدرة على فتح أبواب المؤلف حينما تعترض طريق القاريء او الناقد ، ويمكننا القول ان العنوان هو مكمن روح النص وعصارة مضمونه، وحامل رسالة الكاتب عبر كتابه المقروء او المدروس …
وإذا أردنا ان نتفحص عنوان رواية ((الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة )) للشابة نرجس الكعبي عبر تفكيكه الى مكوناته فالليل هو دلالة الظلام وانعدام الرؤيا ، والإشارة الى حالة من الكبت والقهر باعتباره طاردا لنور النهار ، وخانقا لضوء الشمس بعد ان يهدر دمها عند الغروب ، الشمس رمز الحرية والدفء والعدالة …
وبذلك يفتح أخر أنفاسه بمعنى انصرامه وانهزامه أمام نور فجر قادم ، وهذه دلالة لنهاية الرواية من خلال انهزام روح الحقد والكراهية لدى ضابط الأمن ((ادم)) بعد ان شهد إنسانية ومحبة وسمو أخلاق من جندته السلطة لتعقبهم وقتلهم والإيفاع بهم ، مما جعله يعيش حالة من تأنيب الضمير والندم على فعلته بتصفية عائلة ((نيلوفر)) وغيرها من المناضلين ضد الديكتاتورية ، حيث قرر في أخر المطاف ان يضع بين صفوف عصابة القتل من مسؤولية مظروفا ملغوما قضى عليهم معلنا انصرام أخر أنفاس القمع والقهر ، خمود أخر أنفاس الليل ليشهد بزوغ فجر جديد وقرب انهيار النظام الديكتاتوري في ابريل 2003.
وبذلك يفتح لنا العنوان مغاليق النص ، وقد كان اختيار الكاتبة للعنوان موفقا .
حبكة الرواية عبر استحضار شخصياتها :-
الإمساك بخيوط السرد عبر استحضار الشخصيات الرئيسية في الرواية وهي نيلوفر ، مريم ، وادم ، حيث تمكنت من متابعة سلوكيات وأحاسيس كل منهم .
حيث حضرت نيلوفر في ص11 22- يناير 1980 الخامسة وتسعة عشر دقيقة صباحا ، ثم حضرت في 30 يناير- 1980 في ص 177.
نيلوفر ((زهرة الماء البرية ، زهرة تطفو على البرك والأنهار ، لها ألوان زاهية وأوراقها طويلة وقد تكون دائرية )) ص92، اسما يبدو قريبا من المسمى في عطائه وجماله ، نيلوفر شابة تحترف العمل الصحفي ، من عائلة معارضة للنظام الديكتاتوري الذي كان قائما آنذاك ، راح اغلب إفراد أسرتها لابل جميعهم ضحية لاستبداد النظام وقمعه ، نتيجة معارضتهم او بسبب فرارهم من الجيش وحروب الديكتاتور العبثية كما حال شقيقها ((إحسان )) الذي اجبر على إعدام صديقه ((سماح)) بيده ، ومقتل شقيقها الأصغر((مؤيد)) بحادث سيارة مدبر من قبل السلطة ، وموت والدها ووالدتها كمدا وألما ، فلم يبقى من العائلة سواها ، وقد اختارت طريق المقاومة السرية للنظام …
تميزت بشخصية جذابة ومثقفة ذات رصيد معرفي كبير ، محاورة قديرة في الدفاع عن مبادئها وأفكارها ، وقد تجلت هذه القدرة من خلال حوارها مع ابن خالتها وخطيبها المسيحي ((ميسم)) وحوارها مع صديقتها مريم ، وكذلك مع رجل السلطة الجريح ((ادم ))…
لا ندري هل حكمت الصدفة ان يسقط ((ادم )) ضابط الأمن جريحا في باب دارهم ، او ان الأمر مخططا له لم تتطرق الكاتبة الى بيان ذلك … تهرع نيلوفر بدافع الإنسانية لمساعدته من خلال سحبه لدارهم والاعتناء به وهي لا تعلم من هو ، لا تعلم انه من أزلام السلطة واحد الأسماء المطلوب تصفيتها من قبل المقاومة الإسلامية جراء إجرامه وحماسه المفرط في مطاردة وتعذيب معارضي النظام ، والإيقاع بهم بمختلف السبل الشيطانية لتتم تصفيتهم في زنازين النظام ومعتقلاته .
(( جراء ثقل الجسد وارتخائه فتح الباب على اتساعه وذلك الجسد ينام بهدوء على الأرض ، غارقا بدمائه)) ص17
أسكنته غرفة أخيها ((إحسان))، وباشرت بضمادة وتنظيف جروحه وتعقيمها ، وإعطائه الدم والمغذي والأدوية اللازمة الأخرى حتى تماثل للشفاء التام ، ولم تسمح لصديقتها وخطيبة شقيقها إحسان ((مريم)) بالكشف عن هويته واحتمال كونه من أزلام النظام ، فتحاول الانتحار لاحقا عندما تكتشف هويته كضابط امن في أجهزة الدولة القمعية .(( علمت كل شيء، لذلك اختارت الانتحار، علمت إنني جاسوس عفن، علمت إنني سافل تافه، علمت إنني سفاح)) ص233.
تلقى ((نيلوفر)) مصيرا مجهولا بعد ان هرعت مع من شارك في تظاهرات الاحتجاج على إعدام السيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى ، حيث قتل وغيب كل من أعلن تضامنه مع الشهيد آنذاك ، وقد وجد ((ادم)) جثة صديقتها ((مريم)) ولكنه لم يعثر لها على اثر .
((مريم ))
الشابة السافرة المرحة المتجاوزة صديقة ((نيلوفر)) وخطيبة شقيقها إحسان حضرت في ص 53 وص 131.
وقد كانت من شخصيات الرواية الرئيسية ورفيقة نيلوفر في الكفاح ضد السلطة، رغم أنها صحفية تعمل في احد صحف السلطة ((العبثية ))، زارت نيلوفر في الساعة العاشرة من صباح اليوم الثاني للحدث في 23 يناير 1980 إي بعد يوم واحد من إيواء ((ادم)) في دار نيلوفر ، اثر قلقها لغياب صديقتها عن الحضور للعمل في الوقت المعتاد في اليوم السابق …
ترافق مريم صديقتها في سفراتها وتنقلاته في العديد من الأماكن الأثرية ، وزيارة بعض المراقد الدينية ، وتعرضها للاعتقال بسبب ذلك لولا تدخل ((ادم )) للإفراج عنها دون ان تعلم ذلك … كانت مريم مستاءة من وجود ((ادم)) الشخص الغريب الوسيم مجهول الهوية في دار ((نيلوفر))وفي غرفة خطيبها ((إحسان)) بالذات ، نالت الشهادة في مقاومتها للنظام كما ذكرنا بعد استشهاد الصدر الأول …
لا تظهر ((مريم)) منسجمة مع دلالة اسمها ووصفها في متن الرواية من خلال مواقفها المتشنجة والمتطرفة الغير متسامحة ، حيث تبدو ك فتاة ((شيعية )) محافظة وطاردة للأديان الأخرى فتستعيذ بالله من ان تكون مسيحية ، وتعمم موقف عدم الثقة بكل يهودي ؟؟!!!
(( ادم ))
ضابط الأمن الذي قادته الصدف الى دار ((نيلوفر)) حث تعرض للتصفية في باب الدار ، ربما لكونه كان دائم المراقبة وملازم لهذه الدار ، دار ساهم في مقتل وملاحقة إفرادها ، تشاء الأقدار ان تكون ابنتهم الثائرة المكلومة المحزونة الناقمة على السلطة ان تكون منقذة لهذا الضابط ((ادم)) الذي تدحرج مصطدما بباب دارهم في 22 يناير 1980، وقد لقي الحنان والعناية والرعاية والعطف الذي لم يكن يتوقعه من الناس عموما فكيف من أناس قتلهم وترصدهم ، هذا الحاقد على كل البشرية لأنه عاش ظروف الفقر والاحتقار والإبعاد ، فابتدع مختلف الأساليب لإيذائهم وتعذيبهم وإذلالهم انتقاما لانحطاطه ودناءته ورفضه من قبل المجتمع …
(( هذا إنا الطفل الذي لم يعرف انه طفل ، أعود للمنزل الخالي من اب وأم فتواجهني أختي بنظراتها الساخرة من القذارة التي تغطيني ومن كسلي في تحصيل الدنانير التي تطلبها …)) ص226
أصيب بالصدمة لان من تعتني به وأنقذت حياته من الموت هي بنت من قادهم للعذاب والقتل … يتداوى على يد ابنتهم الإنسانة عالية الثقافة والأدب والمعرفة ، جريئة ذات شخصية قوية ، فاتنة الجمال ، ذات العينين الساحرتين اللتان تمكنتا من سرقة قلبه ، وهو يستذكر مقولة احد الفلاسفة التي تقول (( اكبر لص تحت قبة السماء هو الجمال الكامن في عين المرأة)) ص26، وهذا مالم يعهده عند اغلب النساء جمال ورقة وفطنة وثقافة عالية ، حيث لقنته درسا بليغا في التعريف بالمرأة وقدرتها وعلو شانها عبر التاريخ الإنساني الحاضر والماضي
مما جعله يفكر بالتكفير عن ذنبه وانجرافه لخدمة النظام الفاشي ساعده في إدراك ما هو عليه من حالة انحطاط وسفالة تولعه بقراءة الكتب((تعاطي الكتب كمدمن لا شفاء يرجى منه ، وهو إنني علي ان أكون ساحرا يتلاعب بالواقع والخيال ليسحر من حوله وهذا ما وفرته الكتب..)) ص227
انه حاول ان يستغل ثقافته وعلمه للإيقاع بالآخر وخداعه وإيهامه ، ولكن السحر ينقلب ضد الساحر في الكثير من الحالات ومنها حالة هذا ((الادم ))، فقرر الانحياز الى صفوف المعارضة والعمل على إسقاطه وهلاك عناصره بطريقته الخاصة ، حيث نفذ توجهه هذا عبر تفجير جمع من مسؤولية بواسطة طرد ملغوم وضعه وسطهم(( لم يمر بخاطري ان أهبهم هذه الميتة البسيطة من دون إي الم ، لكني في النهاية لم املك خيارا أخر للانتقام )) ص235 ، هنا تأتي تسميته بآدم ، هذا المخلوق القابل للتحول من حال الى حال حينما تتوفر ظروف معينة تصدمه او تحيط به فتغير من قناعاته ، الم يستشهد الحر الرياحي بين يدي الحسين ، بعد ان كان من أنصار يزيد بن معاوية وقد أغلق طريق العودة على الحسين وصحبه في واقعة ألطف ؟؟
لكن هناك سؤال قد يثار من قبل القاريء الناقد ناهيك عن الناقد المختص الا وهو :-
ماهي البيئة التي حفزت (( ادم)) على القراءة ؟؟
كيف تمكن ((آدم)) ان يكون في هذا العنوان الوظيفي كضابط كبير في جهاز امن السلطة ، وهو الفقير المعدم المنبوذ اجتماعيا ، وليس من عائلة او عشيرة الديكتاتور أومن الزمرة المقربة منه ؟؟؟
بالإضافة الى الشخصيات أعلاه ضمت الرواية العديد من الشخصيات الثانوية كالدكتور المخدر، وميسم ، وسائق التاكسي ، والشاب المسيحي عازف الكمان ((ألبرت ))وسليمان رافائيل من المهتمين بالآثار العراقية القديمة …
أحداث الرواية عبر الزمكان :-
اهتمت الكاتبة بتوثيق زمن الإحداث باليوم والساعة والدقيقة فالرواية عموما استغرقت حوالي 23 عاما من 22 يناير 1980 الساعة الخامسة و19 دقيقة صباحا حتى الأول من يناير 2003.
الكاتبة هنا توحي بواقعية أحداث الرواية عبر توثيقها الدقيق زمنيا ، ودلالات هذا التوثيق ليكون العرض واضحا إمام القاريء ، واثر ودوافع سلوكيات شخصيات الرواية عبر هذا الزمن والمكان المعلوم …
ينحصر الزمن خلال فترة حكم صدام حسين واعتلائه كري الحكم وتفرده بها وسعيه لتصفية كافة قوى المعارضة سواء كانت دينية او يسارية او قومية ، وبداية تؤشر العلاقات بين العراق والجارة إيران بعد اندلاع الثورة الإيرانية في 1979 ، وهو عام عزل البكر وتفرد صدام بالسلطة بعد انفصام عرى الجبهة الوطنية مع الشيوعيين ، وتجنيد كل إمكانيات البلاد لمناهضة المد الثوري الإسلامي الإيراني وبدفع وتشجيع من قبل قوى الغرب بقيادة أمريكا ومساندة دول الخليج بقيادة السعودية لاستنزاف قدرات البلدين وثرواتهم الطبيعية والبشرية في حرب مدمرة دامت أكثر من ثماني سنوات …
تتابع الأحداث الدامية والإرهابية ضد الشعب والوطن والمنطقة حتى عام 2003 وانهيار الديكتاتورية وانصرام ليل بهيم أملا في انبلاج فجر الحرية والخلاص، هذا الأمل الذي لم يدركه الشعب العراقي رغم طول انتظار …
الكاتبة طافت بالقارئ في العديد من الأماكن في مختلف مناطق العراق بغداد ، سامراء ، الموصل ن كربلاء ، النجف ، بابل ليكون للمكان اثر في تشبع السرد في بنية الحدث عبر المكان الموصوف بدقة اثناء السرد وتنقلات شخصيات الرواية وخصوصا ((نيلوفر)) ومريم رغم إنها تفتقد للمعادل الموضوعي وكما سنتطرق إليه لاحقا ، كما إنها رسمت صورة مجسمة لدار ((نيلوفر)) التي جرت داخلها اغلب الإحداث ، الغرف ، السرداب ، مكان اختفاء شقيها إحسان ، أثاث المنزل والغرف في الدار حيث تتجسم الحركة عبر فتح وغلق الأبواب والتنقل من غرفة الى أخرى ، مما يجعل القاريء يتخيل الحدث بكل تفاصيله من حيث الحركة والسكون …
تمكنت الكاتبة من تجسيم صور وأشكال وحركات وشخصيات الرواية الهامة لتخلق منها شخصيات بروح وجسد واضح المعالم أمام القاريء يمكن ان يجسدها في صورة حية في مخيلته …
المبنى الفكري للرواية ورسالتها القاريء :-
واضح من خلال أحداث الرواية ان المؤلف لم يكن محايدا بل هو منحازا الى درجة الترويج لأفكاره وتبنيه منهج فكري وايدولوجيا محدد…
تسليط الضوء وفضح أساليب السلطة الديكتاتورية في قمع وكبت معارضيها ، وتكميم أفواه الشعب والحجر على حرية الفكر والتفكير خارج إطار الحزب الحاكم وسيده المطلق ، ليميز بين شيخ او شاب او طفل او امرأة فلا رحمة تحت طائلة التعذيب حتى الموت ، واستئصال حياة ليس الفرد المعارض ذاته وإنما قتل كل إفراد عائلته ومقربيه وهذا ما حصل لعائلة ((نيلوفر))
معالجة نفسيات وأسباب قوى الأمن والجريمة وتبعة الديكتاتور ، لتقصي أسباب الحقد والضغينة وحب الانتقام من قبل عناصر الأمن والمخابرات والاستخبارات والجلادين ، حيث ترى ان اغلب هذه النماذج ارتضت ان تجند كل طاقاتها في خدمة السلطة وكرسي حكمها إنما هو نتيجة لمعاناتهم من الفقر والتهميش والاحتقار وعدم الاحترام والرعاية من قبل مجتمعهم وبيئتهم ، والعيش في كنف عوائل مفككة ومنحطة ، مما يشعرهم بالدونية والنقص والمهانة ، فتكون ردة فعلهم مرضية سادية انتقامية عبر فرض سطوتها وعنفها وانغماسها في إيذاء الآخرين والحط من قيمتهم ومحاولة إذلالهم ، مثال ذلك ((ادم)) وبذلك فالرواية ترسل رسالة تحذير للمجتمع عموما وللسلطة داعية الجميع للقيام بمهامه الإنسانية في رعاية أفراده وصيانة كرامتهم وفتح أبواب العلم والعمل أمام الشباب خصوصا لحمايتهم من الانحراف والضياع … وان هذه الشخصيات معطوبة الذات يمكن إصلاحها وعودتها الى الطريق القويم ، بمعنى ان الكاتبة تحاول ان تفتح نافذة التوبة والغفران والتكفير عن الذنوب بالنسبة للعناصر الداعمة لقوى الفاشية ، وإمكانية التحول من حال الى حال عند تغيير الظروف وتوفير القناعة الكافية للفرد لإصلاح ذاته ..
* الكاتبة تنتصر وبقوة للمرأة وحقها في الحياة الكريمة ومساواتها في حق العلم والعمل وعدم الحط من كرامتها ، من خلال محاضرة طويلة حول دور شخصيات نسائية بارزة في التاريخ الإنساني الحديث والقديم . (( النساء كما الزهور تماما ينبغي ان توضع في مكان يليق برقتها وان ترسم بأكثر الألوان شفافية )) ص63
* دعوة لتحفيز أصحاب الشأن والاختصاص لبذل المزيد من الاهتمام بالآثار العراقية وفك رموزها التي لازالت مطمورة لانعرف عنها الا القليل .
* فتح باب الحوار وإمكانية التعايش بسلام بين مختلف الأديان السماوية ، في عراق متعدد الأديان والقوميات والعقائد .
* الإشادة بالزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ، وانحيازه للفقراء ونزاهته .
* ركب موجة النقد للشيوعيين كونهم يحملون فكرا غربيا وغريبا عن واقع المجتمعات العربية والإسلامية ، رغم أنها حجة دحضتها الوقائع التاريخية وانخراط آلاف العراقيين في صفوف الحزب الشيوعي ، والتضحية بأرواحهم وأموالهم من اجل فكرهم ومبادئهم حيث ورد على لسان مريم (( انظموا بموجات هائلة للحزب الشيوعي، وتلبسوا المفاهيم الغربية ، الغريبة والشاذة عن عالمنا الشرقي)) ص131
يلاحظ ان سلوكيات ومواقف مريم تتناقض مع مظهرها المتحرر ومنها مثلا الموقف من المسيحين حيث استعاذت بالله ان تكون مسيحية ، وكذلك موقفها من اليهود أيضا وعدم الثقة باليهودي ، مما يعني عدم تركيز الكاتبة في رسم صورة مريم وتركتها في حالة تناقض غير مفهوم .
احترس أيها الكاتب عندما تكتب ، فحبر قلمك ، عندما يعانق الورق لا يمكنك ان تعيده إليه ثانية
يمكن القاريء والناقد ان يؤشر بعض ثغرات لايمكن تجاوزها في متن(( الرواية)) ومنها باختصار :-
* الكاتبة أثقلت الرواية بكم كبير من المعلومات التاريخية والعلمية لا نراه من مهام الرواية مثقلا عليها بما ليس منها ، فكان يمكن الإشارة الى هذه المعلومات دون التفاصيل وترك الخيار القاريء حرية البحث والتقصي حول المعلومة التي لم يكن مطلعا عليها ..
فلو إننا رفعنا هذه التفاصيل من الرواية لا يترك ذلك أثرا او خللا على سير السرد بل بالعكس يجعل الرواية رشيقة خفيفة الظل على القاريء .
كما إنها لم تذكر مصادر هذه المعلومات .
* وجود خلل علمي غرفتها مع الأحداث فعملية نقل الدم تحتاج الى خبرة خاصة لا يمكن ان تكون متاحة لصحفية لا علاقة لها بالطب علميا لا يمكن حفظ قناني الدم في ثلاجات المنازل من قبل طيي مخدر بل لها ثلاجات حفظ خاصة ، لئيمكن نقل الدم من فرد الى آخر الا بعد أجراء عملية مطابقة خاصة داخل المختبر حتى وان كان المريض من نفس فصيلة المتبرع (( أكملت تمزيق القميص من يده اليسرى ووضعت له الأنبوب الموصل لعلبة الدم )) ص51 .
* هناك غموض حول شخصية من حاول ((قتل)) ادم هل هو من المعارضة او من أجهزة السلطة ، خصوصا وان اسمه كان مدرجا على قائمة المطلوب تصفيتهم بالنسبة للمقاومة ، رغم ذكر اسم ((فارس)) دون ان ينسبه الى جهة من قبل ((ادم )).((ليس أنا من يموت بهذه البساطة او حتى يكون بكل هذا الضعف، ليس على يد او لائك الأوغاد ، ليس على يدك يا فارس صدقني سأطعمك التراب حين انتهي من هذا )) ص25. رغم ان مجريات أحداث الرواية ترشح ان يكون القاتل من المعارضة ، خصوصا وقد استعمل الخنجر بدلا من السلاح الناري في محاولة القتل ، فالسلطة لا حاجة لها لمثل هذه الأساليب لتصفية من تشك به من عناصرها .
فشخص مثل ادم لا يمكن تركه بدون تغطية من قبل أجهزة السلطة ، وعندما يتعرض لمحاولة اغتيال فلابد ان يكون للسلطة علم بذلك ، ولاشك انه يمتلك الوسيلة للتواصل مع مرؤوسيه ، فكيف يترك ملقيا في باب عائلة ((نيلوفر)) وفي بيتها لمدة ليست بالقليلة دون التحري والبحث عنه وتعقب أثره ، ولو كان الفعل من قبل المعارضة لأخبرت ((نيلوفر)) بذلك . كما يثار سؤال هنا كيف لم تتعرفه رغم ان صورته كانت موجودة في غرفتها باعتباره احد المطلوبين للمعارضة ؟؟ حيث وجدها ادم في غرفتها مع مجموعة صور أخرى لوالدها وشقيقيها اللذين كان هو سبب قتلهم ، حينما أنقذها من الموت عند محاولتها الانتحار (( مددت يدي المرتجفة نحو صورة أخرى كتب عليها قاتل مطلوب للمعارضة قلبتها على الوجه الآخر … كان أنا )) ص2يعني ادم !!!
وليس هناك إشارة ترهب السلطات بينها وبين آدم بعد إنقاذها من الموت ؟
لا واقعية عدم معرفة هوية ((ادم)) ولا الاستفسار عن سبب طعنه وهوية الفاعل ، وعدم السماح لمريم بمعرفة ذلك ، على الأقل محاولة إخبار ذ ويه بالحادث للقيام برعايته …
((آدم)) رجل الأمن القاسي السادي المجرم ، يوصف بالقاريء النهم وعاشق الكتاب ، ويتمنى ان يجالس امرأة مثقفة (( كنت أحلم أحيانا ان اجلس قرب أمرآة قارئة تلتهم الكتب كتناولها حساء بعد مجاعة عام…)) ص97.!!! وتحت مظلة نظام قد يوصل الكتاب قارئه الى حبل المشنقة (( وطن تعد القراءة فيه جرما وخيانة ، كتاب يوصلك لأقسى زنزانة في السجن وأكثر الضباط وحشية الذي يقرر إذابة لحمك وعظمك في الاسيد وهو في مزاج رائق)) ص99!!!
ربما هي مقدمة ليكون تحوله المستقبلي مقبولا وممكنا ولكن قد يبدو ذلك غير مقنعا للقارئ ، وهو العارف ان أغلب رجال الأمن لا يمتلكون غير الفضاضة والجهل والأمية الثقافية .فالثقافة والمثقف ترهب السلطات الفاشية أكثر من إي شيء آخر .
هناك أخطاء فنية في اختيار بعض المواصفات ، وبعض الأجهزة لم تكن موجودة في زمن النظام السابق في ثمانيات القرن الماضي ((كلون السيارة ، واستخدام ألسيدي )).
الرواية ليست عملية رصف للكلمات ووصفا للصور والأحداث دون مراعاة للمعادل الموضوعي للحدث وانسجامه مع الواقع المعاش، خصوصا في جنس الرواية الواقعية .
كل ماسبق من ملاحظات يؤشر تفكك حبكة السرد وافتقارها للمعادل الموضوعي للأحداث وكيف جرت بهذه الطريقة ، وهل هي منسجمة مع الواقع ومجريات مثل هذه الحوادث كان يفترض للكاتبة الوقوف عنده وتلافي هذه الثغرات الهامة . خصوصا بالنسبة لكاتبة وثقت الأحداث بالسنة واليوم والساعة والدقيقة .
الكاتبة تمتلك خزينا ثقافيا ومعرفيا جيدا يمكنها ان توظفه بشكل أفضل ، وبصورة وأسلوب أكثر رشاقة وانسجاما مع الفن الروائي والتمييز بين أسلوب الأديب وأسلوب المعلم في توصيل المعلومة . خصوصا وهي قادرة على اختيار المفردة الأكثر تعبيرا على الحدث وترجمة الصورة الى كلمة مكتوبة ومقروءة ، وهذه علامة جيدة …
كنا نتمنى ان تكون رواية ((نرجس)) الأولى أكثر اتقانا ، واحكم حبكة ، واصدق تعبيرا مما هي عليه في ((الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة ))، فالروائي يجتهد كثيرا من اجل ان تكون روايته الأولى هي الأفضل ، حتى يكون حريصا ، لتكون أعماله التالية لا تقل عنها جودة وكمالا ان لم تتفوق عليها .نتمنى على الكاتبة ان لا تكون هذه الرواية أكثر من مشروع تجريبي بدائي ومرحلة انتقالية لما هو أفضل ، حتى لا يلفظ الجمال والإبداع أنفاسه الأخيرة في مثل هذا المنتج الذي خرج للنور قبل ان يستكمل بناء شكله ومحتواه بشكل مقبول .
ويمكننا القول إننا أمام مشروع روائية تمتلك مؤهلات السرد الروائي ولكنها بحاجة للمزيد من التجربة والمران والاطلاع المعمق على الفن الروائي للتمكن من الإمساك بناصية الرواية وإحكام حبكة السرد ، يمكنها ان تبدع الأفضل والأكمل في أعمال روائية قادمة . نختتم بالقول :-
احترس أيها الكاتب عندما تكتب ، فحبر قلمك عندما يعانق الورق لا يمكنك ان تعيده إليه ثانية

شاهد أيضاً

قيس كاظم الجنابي: مقالة السيرة والموضوع.. قراءة في كتاب (مقالات في الأدب والثقافة)

-1- المقالة الأدبية فن نثري ، محدود الطول والموضوع ، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية …

شوقي كريم حسن: ولام العطار.. السرد المقهور؟

*منذ صباها، وجدت مدرسة فكرية تغذيها، وتجيب عن اسئلة الصبا التي كانت تحيرها، يمنحها المعلم …

العربي الحميدي: ما موقع شعر د. محمد حلمي الريشة وسط الحداثة الشعرية؟

صفة التفرد يقول الدكتور قاسم البرسيم عن التفرد في الصورة الصوتية في شعر السياب؛ يعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *