الرئيسية » مقالات » رمضان مهلهل سدخان : بين الرياضة والسياسة

رمضان مهلهل سدخان : بين الرياضة والسياسة

بين الرياضة والسياسة
رمضان مهلهل سدخان

هناك مَن يقول بأن الرياضة أفضل من السياسة، وهناك مَن يقول بأن السياسة أفضل من الرياضة. وبين هذا الرأي وذاك تقف حقائق لا يمكن إدراكها إلاّ بعد وضع الرياضة والسياسة جنباً إلى جنب، ومن ثمّ عقد مقارنة بينهما “فالضدّ يُظهر حسنه الضدّ” كما يقال. لذا اسمحوا لي أن أدرج بعضاً من هذه الحقائق عبر هذه المقارنة التي أتمنى من كل قلبي أن لا يزعل منها السياسيون لأنها ربما تغيضهم وبذلك ربما أيضاً يصدرون أوامرهم بتحريم كل أنواع الرياضة ما عدا رياضة الركض الطويل وراء المناصب التي لا تغني ولا تسمن.
أقول: في الرياضة فوز حقيقي وخسارة حقيقة، وفي السياسة خسارة دائماً بدون فوز، فحتى الذي يبدو فوزاً هو في الواقع فوز مزيّف تصنعه أيدٍ لخدمة مصالح معينة.. في الرياضة يتبادل الفريقان القمصان بعد انتهاء مباراتهما ، ولم يحدث مثل هذا ، ولن يحدث أبداً ، في السياسة.. في الرياضة يكون قرار الحَكَم واحداً ولا سبيل إلى العدول عنه أو تغييره حتى لو كان غير صائب ، وفي السياسة يُتخذ القرار اليوم ليتم نقضه غداً وبذا تكون عملية نقض القرارات أو تبديلها هي الخبز اليومي للساسة.. في الرياضة يكون الفريق وحدة واحدة وهدفه واحد وتطلعاته واحدة ، وفي السياسة تراهم جميعاً وقلوبهم شتى..
في الرياضة إذا تخاشن لاعبان (خصمان طبعاً) وسقط احدهما بادر الآخر إلى مدّ يد المساعدة إليه والاعتذار منه ، وفي السياسة إذا سقط زميل (ولا أقول خصم) أتته الطعنات من حيث لا يحتسب من اجل إبقائه على كبوته.. في الرياضة تتبارى الفرق حتى في المباريات الحساسة أمام الناس بلا رياء ولا نتائج زائفة ، وفي السياسة يتبارى الساسة معظم الأحيان خاصة في القضايا الحساسة في اجتماعات خلف أبواب مغلقة لإعداد طبخات للنيل من بعضهم البعض أو للنيل من شعوبهم.. في الرياضة يحضر السياسيون بعض المباريات ويجلسون في المقاعد الأمامية، وفي السياسة ممنوع على الرياضيين حضور اجتماعات السياسيين..
في الرياضة تسود (روح) تسمى بـ (الروح الرياضية) ، بينما لا روح من أي نوع في السياسة.. في الرياضة يكون الخصم واضحاً ، وفي السياسة يتعدد الخصوم حتى ضمن المجموعة الواحدة.. في الرياضة ليس هناك كبير اهتمام بالكاميرات لأن التركيز يكون على مجريات اللعب، وفي السياسة يكون الاهتمام كبيراً بالكاميرات فيضحكون أمامها ضحكات اعرض من آمال الفقراء من المواطنين ويشدون على أيدي بعضهم البعض بقوة ولبعض من الوقت كي تكون الكاميرا شاهداً على إخلاصهم الزائف.. في الرياضة هناك حسم بحيث يخرج المتباريون بنتيجة ما ، وفي السياسة ليس هناك حسم ولاهم يحزنون بحيث يخرج الجميع بدون نتيجة وأحياناً يخرجون مثل الأطرش بالزفة..
في الرياضة هناك وقت بدل الضائع ، وفي السياسة لا وجود لمثل هذا الوقت برغم إضاعة الكثير من الوقت على قضايا تافهة أو شخصية.. في الرياضة هناك حكم يراقب ما يجري لحظة بلحظة، وفي السياسة ليس هناك رقيب نهائياً فالرقيب أولاً وأخيراً هو الله وقد قلَّ مَن يخشاه هذه الأيام.. في الرياضة لا أثر للون أو الطائفة أو العرق ضمن الفريق الواحد فالمقياس هو الأداء الراقي داخل الملعب ، وفي السياسة يكون اللون والطائفة والعرق هي الهاجس الوحيد الذي يبني عليه السياسي جميع أفعاله وردود أفعاله.. في الرياضة هناك أفضل رياضي في المباراة أو في الدورة أو في الموسم فيُمنح درعاً أو حذاءً ذهبياً أو كرة ذهبية ، وفي السياسة لا وجود لأفضل سياسي ليس لأنهم سيئون بالفطرة أو الاكتساب بل لأن الذهب في جيوبهم فلا داعي لمنحهم أية صفة..
في الرياضة يعتزل الرياضي عندما يدرك بأن أداءه قلَّ وضعف ، وفي السياسة لا يعتزل السياسي إلا عندما يداهمه الموت أو تداهمه قوة عظمى.. في الرياضة يسود العمل الجماعي الفرقي فيحس بحلاوة الفوز جميع اللاعبين ، وفي السياسة نجد كل سياسيّ يغني على ليلاه والفوز الذي يحققه احدهم سيكون بلا شك مثار حسد زملائه الآخرين.. وأخيراً في الرياضة يسير النجم الرياضي محفوفاً بالمعجبين والمعجبات وهم يهتفون بحياته إعجاباً ومحبة فيوقّع لهم على سبيل الذكرى ، وفي السياسة يسير النجم السياسي محفوفاً بالحرس بينما تهتف له الجماهير تملقاً وتزلفاً وقضاء حاجة من حاجات الدنيا وهيهات أن يوقّع لأحدهم ولو من باب الذكرى..
وبعد كل هذا ، ألا تعتقدون معي ، وبروح رياضية عالية جداً ، بأن الرياضة هي أفضل وأسمى مليون مرة من السياسة؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *