في ذكرى رحيل المبدع (موسى كريدي): شبح الموت والخراب في (غرف نصف مضاءة)

* حسين سرمك حسن

* موسى كريدي يتنبأ بموته:
في كتابه الهام «وجع الكتابة» يتحدث المبدع الراحل «مهدي عيسى الصقر» عن الأيام الأخيرة من حياة المبدع الراحل «موسـى كريدي» فيقول: «في نحو الساعة الرابعة من فجر هذا اليوم الأربعاء 21/تموز/1996، وفي غرفة الإنعاش، والهدوء يخيم على ردهات مستشفى «ابن النفيس» في العاصمة «بغداد» أغفى الصديق القاص «موسى كريدي» أجفانه، ليستريح في النهاية، وهو ما يزال بعد في الرابعة والخمسين “.
في قصيدته «الرائي» وهي واحدة من آخر قصائده «إذ جنح في سنواته الأخيرة إلى كتابة الشعر، مفتوناً بتجاربه الشعرية، أيام الشباب»؛ كتب يقول:
«ما طال زحامي في الأرض
إلاّ يوم غيابي
ووقوفي، الساعة، لو تدري
بدء رحيلي
أتلفّتُ في البرهة، نحوي،
فأرى وجهي
في مرآة الرمل
فأقول لمن هذا الوجه؟
من كان معي؟
أنا أسأل، في الوهم، تعاويذي
وأهدهد ، آونة ، وجعي ” .
ويعلّق الصقر على قصيدة كريدي هذه قائلاً:

«يقول البعض من أصدقائه، إنّ كريدي، بهذه القصيدة، كان يتنبأ باقتراب ساعة موته . أكان حقاً يتنبأ باقتراب الأجل؟ إن كان ثمة شك فلنقرأ له قصيدته «آن أن» والتي كتبها، قبل رحيله، بثلاثة أيام، وكانت آخر ما كتب:
«آن أن :
آن أن أطفئ آخر شمعة
أن أرحل في مداد اللا عودة
أن أقول للسنونوات البعيدات.. وداعاً
أن أزور مالك بن الريب في منفاه
آن أن استجير بالبحر
أن أحمل معي وثيقة صلبي
أن أهيّئ جسدي للنار
أن أؤبن شمس غدي
آن أن أدعو حبيبتي لجدراني الألف
آن أن أقول للطفل المستيقظ في عقلي.. نمْ
آن أن أقرّب كأس سقراط من فمي
……………………………
……………………………
آن أنْ المّ ماء الحداد وأبكي..»
وفي محاولة منه لتفسير سرّ هذه الروح التشاؤمية والإحساس الأسود باقتراب شبح الموت يقول الصقر: «هذا الإحساس المضني، بدنو الأجل، لم يأته وحياً، من السماء، بل كان حصاد معاناة يومية، مادية ونفسية، من بواعثها الحصار، وغير الحصار أيضاً. وكان هو ، مثل أيّ فنان مخلص لفنّه، يرى الكتابة محور حياته، ويروق له أن يجلس، ليكتب قصصاً، وروايات، وقصائد، يعبّر فيها عن أحلامه، ورؤاه. إلاّ أن الحياة فرضت عليه شروطها القاسية، وجعلت مشاريعه الأدبية تتعثر».
وموضوعة «النبؤات» لدى المبدعين هي مسألة ملغزّة في الإبداع، صحيح أنّها ليست وحياً من السماء أو إلهاماً تنفحه ربّات الشعر أو شياطين عبقر، ولكنها أيضاً، لا تخضع لشروط الحياة الموضوعية فقط، لأنّ هناك الكثير من الشعراء والقصّاصين العراقيين الذين اكتووا بسياط ألسنة لهيب الحصار الجائر ووصلوا إلى مراحل من العوز شديدة الأذى وبعضهم كان يفترش الرصيف ليبيع كتبه ، ولكنهم لم يكتبوا قصّة أو قصيدة «يتنبؤون» فيها بقرب مغادرتهم الحياة. اعتقد أنّ هذا الأمر بحاجة إلى مراجعات ودراسات مستفيضة تركز على عوامل عديدة في البناء الشخصـي الذاتي وفي مقدمتها صراعات ودوافع لاشعور المبدع . لقد أثبتنا في دراسة سابقة أن المبدع «مهدي عيسى الصقر» نفسه كان يعيش طوال حياته تحت مطارق قلق الموت والرحيل ، وإنّ هذا الصراع الـلاشعوري قد انعكس على أحلامه واختياراته ونتاجاته الإبداعية التي جاءت كلّها – أو الكثرة  الساحقة منها – تدور حول موضوعات الموت والخراب، هل كان «الصقر» في كل ذلك يكتب مرثاة طويلة لنفسه؟ وسنرى أن «الصقر» الذي عزا القصيدة السابقة التي يتحدث فيها «كريدي» عن قرب رحيله الأبدي وحسّ النبوءة الفاجع فيها إلى الإحباط الذي أصاب حياة الراحل، يناقض نفسه بعد قليل حين يشير إلى تفاؤلية «موسى» وكيف أنّ كلماته المتفائلة تحمل الأمل لليائسين والمحبطين. يقول «الصقر»:
«قال لي «موسى»، مرة،: إنّه اضطر أخيراً أن يجعل من سيارته الخاصة، سيارة للأجرة، ينقل بها الركّـاب، من مكان إلى مكان، في شوارع العاصمة من أجل أن يوفر المال اللازم، لتدبير شؤون بيته. قلت له: «إنني أعرف كثيراً من الناس، يفعلون هذه الأيام ما يفعل، من أجل مواصلة العيش، بكرامة، تحت وطأة الحصار (أساتذة، ومهندسون، ومدّرسون..)»؛ إلاّ أنه – هو بالذات – بطبعه المتسامح، وعدم خبرته، في التعامل، مع رجل الشارع، ليس مهيئاً لمثل هذا النوع من العمل، وربّما تعرّض للاعتداء، على حياته، فقال لي: «إنه لا يتأخر في الليل ولا يذهب إلى أماكن غير آمنة، ولا يحمل، في سيارته، ركّاباً لا يطمئن إليهم».
سألته: – «شلون تعرفهم؟»
– «من وجوههم».
فضحكت لطيبته، وثقته غير المشروطة بالآخرين..».
وسيلاحظ القارئ أنّ قلق الموت قد انتفض في أعماق «الصقر» فخاف على صديقه «موسى» من الموت لأنه حوّل سيارته إلى سيارة للأجرة، وكان عذره/الغطاء الشعوري هو أنّ «موسى» غير مهيّأ لهذا العمل بفعل تسامحه، فهل الأساتذة والمهندسون والمدرّسون الذين ذكرهم «الصقر» مهيئون لمثل هذا العمل ولديهم خبرة في التعامل مع رجل الشارع أكثر من «موسى»؟
لقد عرف عن «موسى كريدي» طيبته المفرطة وبياض قلبه الذي يشبه الثلج، وبراءة سريرته التي تشبه براءة الأطفال، حتى أن بعض أصدقائه المقرّبين كانوا يمزحون معه في لقاءات الجمعة في مقهى «حسن عجمي» فيقولـون لـه: إنّ وجـهه هـو وجـه طفـل «مربرب» وله شارب كثّ. لكن لا أدري لماذا كنت أشعر، شخصياً، ورغم لقاءاتي المحدودة جداً معه، أنّ ثمة خيط مرارة خفياً في روحه، وأنّ موجات انطلاقته ومرحه تخفي خلفها حزناً دفيناً، وأنّ أحلامه الكبيرة وآماله الكثيرة كانت تكويناً مضاداً لإحباطات وانجراحات مكتومة.
يختم «الصقر» حديثه عن طيبة «موسى كريدي» ورحيله قائلاً: «كان «كريدي» إنساناً حالماً، وكان وسط معاناته اليومية، يطلق – كلما أتيحت له الفرصة – كلماته المتفائلة، مثل فراشات ملوّنة، تحمل لليائسيـن، والمُحـبطين، بشـائـر خير قادم؛ إلاّ أن عضلة قلبه المكدودة كان لها منطق آخر، فانهارت سريعاً، وخذلته وخذلتنا معه. وهكذا، رحل فجراً، يتبع «خطوات المسافر نحو الموت» وترك لنا رؤاه ومشاعره، تلك التي أطلقها عالية النبرة، في مجموعته الأولى «أصوات المدينة» وتلك التي تركها تنساب هادئة في «فضاءات الروح» أو متخفية، وراء قناع من الكلمات، في «غرف نصف مضاءة»، وفي عدد من القصص والقصائد، لم يجد من ينشرها له . ترك لنا أيضاً روايته البكر «نهايات صيف» وصفحات من مسوّدة، رواية جديدة، كان يعمل بها، قبل أن تدهمه المنية، فماتت بموته، وبجانب كلماته، عاف وراءه، أحلامه الكبيرة.
لقـد تنبـأ المبدع الراحل «موسى كريدي» بموته بعد أن مزقت وجوده مخالب الحصار الأمريكي الجائر – كما لاحظ ذلك صديقه المبدع الراحل «مهدي عيسى الصقر» – وكان نزوله إلى شارع تعمّه الفوضى وتتسيّده أرواح الذئاب – مثل الشارع العراقي آنذاك – وكسائق سيارة أجرة، يشكل ضغطاً نفسياً واجتماعياً هائلاً على روحه المرهقة الحسّاسة. لكن هذا الضغط النفسي والاجتماعي والاقتصادي الهائل جاء كوخزة دبوس حادّة ليفجر «دملّة» احتبست طويلاً في أعماقه التي كانت تعتمل فيها توجّسات قلقة ملتهبة من الموت الوشيك. كان «موسى» «يُصعّد» و«يُعلي» تلك المشاعر المؤلمة والمربكة لتماسكه النفسي من خلال الفعل الإبداعي الخلاّق، فيقدم لنفسه – ولنا أيضاً – «ممارسات» في الموت ومحاولات للتقرّب من المثكل تطفئ، ولو قليلاً ووقتياً، شيئاً من ضرام ذلك الإحساس الموجع. وهو يذكّرنا هنا، على سبيل المثــال، بما يقوم به طفلنا الصغير الذي يخشى قلع ضرسه من قبل طبيب الأسنان فيقلّل درجة خوفه بممارسة دور الأخير في لعبة مع طفل آخر، أو – وهذا أكثر دقّة – بما تجريه القيادات العسكرية من ممارسات تشبه أجواء المعارك الحقيقية لقتل الخوف في نفوس جنودها ويسمّونها «تطعيم المعركة»، وقد يكون المصطلح الأخير «التطعيم» وفكرته مأخوذة من فكرة التحصين الطبّي ضد الأمراض حيث يحقن الفرد بجرعة صغيرة من جراثيم مضعّفة يستنفر الجسم قواه المناعية ضدها تدريجياً إلى أن يصل إلى مستوى الحصانة الكاملة. لكن الأمر في الإبداع أكثر تعقيداً. صحيح أنّ إعلاء قلق الموت وتشكيله في صورة نتاجات إبداعية مؤثرة يقدم خدمة كبرى للحركة الثقافية العامّة في المجتمعات البشرية لأنه يوفر مسارات نافعة لتصريف هذا القلق، لكنه يمثل بالنسبة للمبدع الممتحن معضلة مؤلمة وباهضة الأثمان، حيث لم يثبت عبر مسيرة الوجود البشري كلّها أنّ هناك عملية «تطعيم» ناجزة ومضمونة تحصّن الإنسان ضد “مرض” الموت – إذا اتفقنا مع بعض الفلاسفة الذين يرون أنّ الإنسان هو حيوان مريض -، هناك آليات نفسية دفاعية تخديرية تطيل من الحياة السكرة وتقصّر من الموت الفكـرة، لكـن لا جرعة بلسم تزيل الحرقة والعبرة، فلا عاصم من أمر الموت. وهكذا، ومع كلّ نصّ قصصي، كان «موسى كريدي» ينفّس عن مكبوتاته ويخفف من ضغط قبضة قلقه الخانقة، يتلاعب برهاوة بمصائر أبطاله وشخوصه، إنّه يميتهم وفق الضرورات «الفنية» ووفق تصميمه الرؤيوي، لاعباً الدور الذي يُغيّب وعيه عن الانتباه إلى الأقدار الجائرة التي ستلعب به يوماً ما قد يكون قريباً، ولكن هذا الاقتدار وجيز ويمتد بقدر زمن ومسافة الخلق النصّي، حيث ما يلبث المبدع أن يصطدم وعيه بصخرة الحقيقة العارية المسنّنة التي نقش عليها الموت الحقيقة الوحيدة والأكيدة في الحياة وهي أنّ الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، ولأنّ العقل البشري نما ونضج مع إدراك حقيقة الموت، وبالتالي فهو عقل شقي بطبيعته، فإنّ المبدع هو صاحب أعلى درجة على مقياس هذا الشقاء. وهذا ما كان يستولي على «موسى كريدي» مستنتجاً ليس من خلال ملاحظات صديقه المبدع الراحل «مهدي عيسى الصقر» وذكريات أصدقائه الآخرين فحسب، بل، وهذا هو الأهم من وجهة نظرنا، عن طريق رصد وتحليل نتاجاته الإبداعية أيضاً.
لقد أصدر المبدع الراحل «موسى كريدي» أربع مجموعات قصصّية، ورواية واحدة هي «نهايات صيف». ما يلفت انتباه أي قارئ مدقّق في مجموعاته القصصيّة هو سيطرة موضوعة الموت على الأغلبية الساحقة من قصصها إحصائياً ومضمونياً. تنطبق هذه الملاحظة الحاسمة على مجموعته القصصية الأولى «أصوات في المدينة» التي صدرت في بيروت عام 1968، مثلما تنطبق على مجموعته القصصية الرابعة والأخيرة ” فضاءات الروح ”  التي صدرت في بغداد عام 1986 . أما مجموعته القصصية الثانية التي صدرت في النجف عام 1970، فيكفي أن نقول إن عنوانها كان معبّراً وشديد التركيز والارتباط بافتراضنا وهو «خطوات المسافر نحو الموت». ويهمني هنا أن أتوقف طويلاً عند مجموعته القصصية الثالثة: «غرف نصف مضاءة» باعتبارها أضخم مجموعاته حيث تقع في (353صفحة)، وتضم عشرين قصّة، بعضها من الصعب عدّها قصصاً قصيرة، فقد احتلت القصة الأولى: «غرف نصف مضاءة» (58صفحة)، والثانية وهي«أوراق ضاّلة لرحلة قصيرة»(59صفحة)، أمّا الثالثة وهي قصّة «الكلب» (47صفحة) وكأنها روايات قصيرة “novel” . وعندما نحاول تفحّص موضوعات هذه القصص العشرين سنجد أنّ أغلبيتها الساحقة تدور حول موضوعات الموت والخراب ودوافع تدمير الذات والمصائر الفاجعة، وعلى الشكل الآتي:
1- قصة «غرف نصف مضاءة»: تتحدث عن شاب مُحبط ممتحن بين التزاماته العائلية تجاه أخته المحتضرة وضغوط واقعة القاسي واندفاعته تجاه العانس الجميلة، وبين شعوره بأنّ الخلاص يكمن في الفرار والسفر إلى الخارج، البطل «نافع سليمان» هو أنموذج للبطل «الستيني» في القصّة العراقية، هذا البطل المحاصر بالغثيان والصداع والاشمئزاز والتشاؤم من كلّ شيء. وهو، أيضاً، أنموذج لشلل الإرادة والشعور بالخواء والإحباط المزمن، والقصّة قصّة موت وخراب من البداية حتى النهاية، شقيقة «نافع» المشلولة المحتضرة تموت ولا أحد، في بيئتها المتخلفة يؤمن بعرضها على طبيب، ثم يموت أبوه في الحلم ويحمل نعشه على رأسه بمفرده في الوقت نفسه الذي يجلس فيه في المقهى ذات الروائح الفاسدة، ويفكّر بمقتل صديقه «رهمة البديري» الذي جاء مشياً لمئات الكيلومترات لزيارة المرقد المقدّس، بعدها تُقتل العانس «سنية» التي يتعلق بها بقوّة وحرارة، طعناً بالخناجر لأنّها تعيش بمفردها وترفض الزواج… بهذه المآسي وغيرها الكثير.. الكثير يحاصر القاصّ بطله بصورة لا تخلو من انفعال وافتعال في بعض الحالات كي يكمل مشهد الخراب، ويجعلنا نقف مع بطله «نافع» في قراره النهائي بالسفر.. وها هو، قبل ساعات من السفر وقد حزم أمره نهائياً ولم يخبر أحداً في المقهى، ويضع جواز سفره على الطاولة، ويفكر: «ستظل كل الأشياء مرهونة لخيوط العنكبوت وزوايا الحجرة المائلة، لا أبعث بعنوانـي، لا أستقبل أية رسالة، لا أريد إيضاحاً من أحد ولا استفساراً، لا أريد أية مساعدة. أريد فقط أن أنسى كل شيء يربطني بهذه البقعة الرمادية.. وأطلّ في رأسه شبح التنين وهو يقعي داخل إطار المقهى. ونظر ..كان الناس يروحون ويجيئون كالعادة.. وجوه تتكرر مفرغة من أيما تعبير تضعه ريح بغيضة مستمرة..»، وحين يقرّ قراره على الخلاص، وكالعادة، تتدخل الأقدار – أو قبضة الخراب الماحقة – لتجهض كل شيء، حيث يأتي مخبر ليبلغه بالحضور غداً أمام هيئة  التحقيق من دون أن يحدّد التهمة الموجهة إليه.. فالجرائم التي حصلت حوله كثيرة وخطيرة.. وقد ارتبط بها بشكل أو بآخر لأن إرادته الخائرة المشلولة هي التي  أخّرت قرار الخلاص. «نافع سليمان» هو أنموذج، أيضاً، للبطل «الكافكوي» المتهم دون أن يرتكب أي إثم، والذي لابدّ أن يتهم، رغم ذلك، لأن عالمه عبارة عن ملفات مُحكمة من الآثام والمعاصي.
2- أوراق ضالة لرحلة قصيرة: من هذه القصة اقتطع القاص فقرة «متفائلة» جعلها مقدّمة لمجموعته (صفحة5) وهي:
«حين أضأت مصباح الغرفة، لمحت شرفتي، عبر الريح تغرق في الضوء. رأيت الغرفة نظيفة وهادئة ومكتظة بنور أبيض، شديد البياض، أبيض مثل الكواكب في الظلمة ينير من بين نافذتيها المفتوحتين. كانت الريح تأتي باردة، وكانت الغرفة تطلّ على سفح من الثلج، وليس ثمة ثلج…».
والبياض هنا، وهو قرين الأمل والتفاؤل، قد يربك توقّعات القارئ التي قد يؤسّسها على افتراضاتنا السابقة التي طرحناها حول سطوة قلق الموت على المكونات النفسية الداخلية للقاص وانعكاسها على نتاجه الإبداعـي، لكنّ الأمر عبارة عن مخادعة نفسية دفاعيّة، إنّه تشكيل عكسي لسواد وقتامة العالم الداخلي الذي قلبته الآلية المخدّرة إلى بياض شديد. وستتعزّز قناعتنا حين نقرأ القصّة كاملة، فبطل القصّة «صالح» هو، حاله حال بطل القصّة السابقة، مثال للفرد المأزوم المهزوم، المحاصر بالخيبات والإحباط، ويعاني من أعراض مؤلمـة لا يجد لها الأطباء سبباً، فجذرها نفسي مرتبط بصراعاته وإحساسه بالخواء وقلقه من المجهول. و«صالح» الموظف في دائرة بسيطة هو صورة للمثقف غير المتصالح مع مجتمعه والمغترب عن الآخرين الذين لا يستطيعون فهمه ولا يستطيع فهمهم مهما حاول:
«كنت أتحاشى وجوهاً بعينها، بل كنت أهرب من بعضها متوارياً مثل شخص لا يريد أن يراه الدائنون، مع إني لا أحمل في دخيلة نفس أيّ كره لهذا البغض…».
إنّ جانباً من سلواه تكمن في مراجعة رواية «دستويفسكي»: «رسائل من العالم السفلي» مرّة ثانية. وفي هذا الاختيار ما يعكس أزمته العميقة، فبطل الرواية الذي يصفه «دستويفسكي» بأنّه مصاب بلوثة الإدراك الحاد، يصير كل همّه الشاغل تعقّب الجنرال العسكري الذي لا يكترث له: «.. ثم يهيئ له خياله كل أسباب الهجوم ا لمدبّر، وهذا يقود إلى عشرين عاماً من الأشغال الشاقة، يقضيها ثم يعود شيخاً مسناً ويمضى إلى الجنرال نفسه بعد كل تلك السنوات وما أن يقترب منه حتى يمزّق صدره الرصاص ويقتل في اللحظة نفسها هو أيضاً، ولكنه في الواقع لم يستطع أن يحقق أيّ شيء من هذا ، فقد استمر ينـزف كيدٍ مقطوعة ويشتبك مع الكلاب في كل مكان.. كان الرجل يقاوم تياراً أقوى منه ولم يفعل الآخرون سوى أن يحصوا دموعه، ويترقبوا موته».
و«صالح» يقاوم، أيضاً، تياراً أقوى منه، لكن مع فارق أساسي هو أن هناك آخرين يساندونه ويحاولون تدعيم وجوده وخلق وشائج إنسانية معه، لكنه يضيّع كل الفرص التي تسنح له في هذا المجال وبشكل خاص مع «سميّة» الموظفة المثقفة والمُحبطة أيضاً لأنها امرأة جميلة جداً وذكية في مجتمع يريدها دمية للمتعة ووعاء للرغبة، رغبة الذكور الذين يستبيحون الجسد الأنثوي بلا رحمة. إنه يشعر بحبها له ولكنه معتقل الإرادة معطّل المبـادرة، مثـقل الـروح، وحتى جسده أصبح عبئاً عليه. وهو لا يصحو إلاّ بعد فوات الأوان، فهو لا يستجيب «لسميّة» في لقائهما الأخير وقد عزمت على السفر للخلاص أيضاً إلاّ بعد أن يفترقا.. فيقرر بعد أيام أن يزورها لتكون مفاجأة سارّة لها ويذهب إلى منـزلها لتخبره أمّها بأنّها سافرت.
ومن أجل تعزيز أجواء الاكتئاب والخراب التي تحيط ببطله، يعمد القاص إلى تصعيد وتائر الخيبة المريرة التي تطيح بالشخوص الآخرين ممن تربطهم علاقة بصالح لكي يمزّق نسيج صلاته الاجتماعية. فـ«مسعود» صديقه الوسيم يفكر بالانتحار.. وصديقه الآخر «عامر»، رفيق مغامرات طفولته، ينتحر غرقاً في النهر الذي مرحا فيه طويلاً.
3- الكلب: وهي واحدة من أهم قصص المجموعة وتدور حول عائلة صغيرة تتكون من أم مطلّقة وابنتها «أرواد» وابنها الصغير ذي الإثنى عشر عاماً «سمير».. الأم امرأة فاتنة ذاقت الأمرّين من زوجها المحامي الذي أساء معاملتها جنسياً وعاطفياً، كان بديناً.. قميئاً.. يغرق نفسه في كؤوس الخمرة ويتفنن في إهمالها وإثبات عدم قيمتها، كان يريدها جسداً فقط، ويسوءه أن تكون امرأة مثقفة لها حضور اجتماعي بارز. بعد الطلاق كرّست حياتها لطفليها وحرمت نفسها من زواج ثانٍ رغم إلحاح أختها «سعاد»، ورغم ميلها للشاب «أنور» الذي يعمـل معـها في الدائرة نفسها ويصغرها بعشر سنوات. ذات يوم يعود ابنها «سمير» وبصحبته صديق – كما يقول – هو عبارة عن كلب وجده في الطريق ويقرّر إيواءه في بيتهم فيصبح جزءاً من العائلة. من هنا يبدأ القاص بطرح موضوعة في غاية الجرأة والتفرّد، بطرحها تلميحاً وتصريحاً، وتتعلق بطبيعة العلاقة التي تبدأ بالتنامي بين الأم التي تعاني من الحرمان النفسي والجنسي والكلب الذي تعهّد ولدها برعايته ، وأعتقد أن مهدي عيسى الصقر قد سبقه في ذلك في مجموعته الأولى ” مجرمون طيبون ” التي صدرت قبل ذلك بعقدين تقريبا :
«وفي إحدى المرّات كانت «أم سمير» ترمقه بعينين خجولتين. فقد أقعى على قائمتيه الأماميتين وعيناه في عينيها..كانت عيناه القطّيتان ترمقان الأم بشيءٍ من الفراسة.. بشيء من الرغبة. كان يقترب منها كلما واتته فرصة للاقتراب لاسيما حين تكون المرأة وحيدة لا تجد من تكلمه وكان يشمل جسدها البض بنظراته (…) كانت فتحة الصدر تكشف عن فجوة ضيقة ما بين النهدين.. حين تعابثه.. لم يدر بخيالها أن تنظر إلى مجرد كلب.. كان هناك خفق واضح، تحسّه، في داخلها، كانت تكتمه بينما الكلب يقترب…»..
كان الكلب «نونو» كما يلقبه ابنها، هو الزائر الذي جاء متأخراً فملأ الفراغ العاطفي في حياتها وعوضها عن غدر الرجال، الرجال جميعاً. ويصل حضور هذا الزائر والوشائج النفسية التي امتدت بين الأم وبينه مديات شديدة الإيحاء تظهر جلياً حيناً ومستترة مربكة حيناً آخر في الحوار الذي يدور بين «أم سمير» وأختها «سعاد». فحين تقول الأخيرة إنها تحب خطيبها.. تقول «أم سمير» إنها تحبّه أيضاً وحين تدهش «سعاد» وتسألها مصعوقة تقول لها: «نونو».. وعندما تخبرها «سعاد» بأنّ خطيبها يغار عليها كثيراً، تشرد نظرات شقيقتها الأم وتقول: «إن نونو لا يغار»، فتختنق الكلمات في حنجرة الأولى، ثم يصل التصريح حدّاً صادماً حينما تودعها «سعاد» وتقول لها إنّها تتمنى أن ترى رجلاً يملأ البيت، فتردّ عليها «أم سمير» بالقول: «إن نونو يعيش بيننا»!.
ويبدو أنّ كلّ وقائع القصّة مصممّة لتمرير هذه العلاقة بدليل أنّها تصل الذروة بها وترسم نهايتها. ويمرّر القاص ذلك تحت أغطية العلاقة الحميمة التي تربط «سمير» «بالكلب»، وتكون مصدراً لسعادة العائلة التي أهملها الأب. لكن هذه السعادة لا تدوم حيث يدخل ساحة  القصّة عنصر عدوان وسادية هو الشاب المنفلت «هدّاوي» الذي يتميز سلوكه بالشذوذ والسيكوباثية، فيحاول خنق الكلب بلا رحمة وأمام أنظار أهل المنطقة الذين لا يستطيعون فعل شيء، لكن «سمير» يتصدّى له ويرميه بحجر يشجّ رأسه فتتدخل الشرطة، ثم يحاول المنحرف الأفاق إشعال النار في بيت «أم سمير» فيردعه أحد الرجال. تشكو «أم سمير» حالها للشاب «أنور» الذي يحبّها ويتمنى الزواج منها.. وحين تخـرج العائلة في نـزهة، تعود فلا تجد الكلب فقد سحبه «هداوي» بعنف إلى منطقة بعيدة ليقتله هناك، لكن الكلب يقاوم ويعضّه في ربلة ساقه ويطلق ساقيه للريح.. وتبحث العائلة المحطّمة عن الكلب في كل مكان.. يبحثون عنه بحرقة وتضرّع كفرد من أفرادهم.. وفي نهاية القصّة يصّعد القاص لعبة الإيحاءات المسمومة بتعبيرات رائعة فيقول:
«… خلال هبوط الظلام المتدّرج كان لابدّ من العودة. كانوا مسكونين بالصمت والخوف. كان عليهم أن يتركوا الغابة للريح والعدم، تدرّجوا في خطوهم مبتعدين، وفجأة، توقفت «أم سمير» في مكانها إذ رأت وسط الظلام والهدوء ابتسامة مضيئة، ألفتها تكبر وتكبر كقوس قزح. كان «أنور» يستقبل بالهمس والقبل عودتها».
لقد حلّ «الكلب» إلى الأب، محل الحبيب والزوج المقبل، وتربّع على عرش قلب «أم سمير» كرمز للوفاء والإشبـاع بعـد أن حطّم الزوج السابق روحها وثقتها بالآخرين، إنّها نهاية متفائلة في ظاهرها، لكنها تتضمن، في باطنها كل معاني اندحار الحب بين المرأة والرجل وتغليب الشك والتوّجس على الثقة والطمأنينة في العلاقات الإنسانية.
ولأنّ القاص يحبّ أبطال قصّته بصورة مفرطة، فقد دفعته حماسته إلى نسيان بعض الشروط الموضوعيّة وبشكل خاص في مجال رسمه لسلوك الطفل «سمير» فوضع حوارات معقدة وعالية المستوى على لسانه ولا تتناسب مع عمره ومعارفه. فهو يقول لـ«أبو عليّة» صاحب الحانوت:
– يا عمّ، لماذا أنت حزين؟… إني أقرأ الحزن في العيون!!.
وحين ينكر «أبو علية» أن يكون الكلب قادراً على أن يحلم.. يقول «سمير»:
– يكفي أن تتأكد أن كلّ الأذكياء في العالم يحلمون!!…
4- الحيّة: ينتقل القاص هنا إلى معالجة موضوعية ذات مدلولات وإيحاءات دينية وأسطورية من خلال معاناة بطله «عامر سعيد»، المدرّس الذي يعيش في مدينة دينية هي عبارة عن مقبرة كبيرة جداً والناس يؤمونها لمزارها المقدّس. «وعامر» امتلأ حسّه منذ صباه بطوفان من البكاء.. بسبب طقوس المدينة التي لها لون الدم».. ومصدر همّه الأساسي هو تفكيره المضني والمؤرق في التكاثر الهائل لقبور الأموات:
«كان الناس في المدن القريبة يشتلون في كل منعطف شجرة، أما في مدينته، فإن كلّ قبر يعلو قامته يراه ينمو كالأثر فلا تكاد تخلو من هذا الأثر البارز للعين حديقة أو باحة أو جامع، حتى البيوت فإنها تضم في أحشائها أكثر من لحد لميت مات أو ميت يجيء.. لقد تكاثر الموتى في المدينة، قال ذلك لنفسه وتساءل مثل الطفل: «ألا يمكن لهذا التكاثر أن يشكل خطراً؟.. إنّ هذا يعني أنّ الموتى يحقّ لهم أن ينتشروا ويتكاثروا، وأن يغطّوا أرض المدينة بمسحوقهم الأصفر الدقيق، ويستبيحوا ما تبقى من المساحة المتاحة لسكنى الأحياء من الناس..»
.. إنّه يشعر بأنه مهدّد شخصياً من قبل هؤلاء الموتى وإنهم سيزحفون ببطء نحوه ليغطوه بعريهم وقاماتهم. وهذا الإنهمام المستمر والخوف من الموتى الذي يربك حياته ويحرق أعصابه هو ، دون غيره، يعكس قدراً كبيراً من الشعور بالذنب. إنه يحاول، عن طريق هذا التفكير، استباق العقاب ودرءه، وقد هيأت له مصادفة تكليفه بإلقاء محاضرة على أهالي المدينة فرصة للقيام بفعل استباقي في هذا المجال، حيث قرر أن تكون المحاضرة عن همّه الوحيد المقلق: مخاطر تكاثر الموتى في المدينة على سكانها الأحياء، لكن موقفه هذا يشعل شعوره بالذنب بفعل سلوكه التحرّشي بقيم ونواهٍ في أعماق لاشعوره الجمعي، وهنا يقدّم لنا القاص لمحة عن الكيفية التي تتشكل فيها الأسطورة، حيث يبدأ «عامر» بمشاهدة حيّة حمراء بلون الدم تتلوى في السماء، حيّة بلا رأس تحيط به بقبة المزار المقدّس، هنا دهمته رغبة في البكاء وافتقد حاسة النطق وشاهد عيون مئات الأشخاص من المحيطين به تبرق بالضراعة. إنّ جانباً كبيراً من دوافع «أسطرة» الواقع يرتبط بعملية التكفير بسبب الشعور المتأصل بالذنب اللائب في اللاشعور الإنساني ، هذا الشعور الذي يقوم في جزء كبير منه على ضغوط الرغبة في قتل الأب. في النهاية يقول له أحد المسنّين إن ما شاهده ليس بحيّة ولكنه ذيل لطيارة من ورق علقت بالقبّة. لكن كيف شاهدت مئات العيون تلك الحيّة وخافت منها ؟ المهم أنّ «عامراً» عاد إلى بيته بعد أن أضاع محفظته التي تحتوي على المحاضرة، أي بعد أن نفض يديه من مشروعه التحرّشي بالسلطة الأبوية.
5- الحلم: قصة فيها لعب فنتازي وحلمي، بطلها «خليل السعد» يحلم أنّه يتجّول في مدينة فاضلة هي الفردوس بعينه، النور فيها مضمخ بنثار من العطر، الناس نظيفون وشفافون كالنور، كانوا يتحدثون إليه بودّ ويلعبون معه لكنهم رفضوا السماح له بالعيش معهم، لأنه – كما قالوا له – عنصر شرير قد يرتكب جريمة في أيّ وقت وذلك لأنه مازال يحمل في معطفه خنجراً. لكنه ينكر ذلك فهو لم يمسك خنجراً طوال حياته مطلقاً. وحين يستيقظ مذعوراً يفتش جيب معطفه فيجد الخنجر فعلاً، ووسط دوامات الدهشة تخبره زوجته بأن أخويه قد تشاجرا واستل أحدهما خنجراً لكنها عاجلته بضربة طوّحت به ثم أخفته في معطفه. وبعد أن يلقي «خليل» بالخنجر إلى الأرض يعود إلى سريره علّه يحلم بالمدينة الفردوس مرّة أخرى حيث سيتقبله سكانها حتماً بعد أن تخلص من الخنجر لكن الشمس كانت قد بدأت بالبزوغ.
إنّ الرسالة النفسية التي تصلنا من خلال تفحص وقائع هذه القصة الغرائبية تتمثل في أنّ الأنا الأعلى/الضمير/السلطة الرقابية التي لا تنام في أعماقنا ممثلة بسكان المدينة/الفردوس قادرة على الإمساك بالآثام والأفعال المخالفة والعدوانية حتى التي لا نعلم بها، فالأنا الأعلى يحاسب حتى على النوايا وعلى مجرّد التفكير بالتصرفات الآثمة. وفي الفردوس نفسه كان «خليل» (يفكر) بأفكار شيطانية كثيرة ويحاول تنفيذها. فعلى سبيل المثال حاول أن يقتنص سنونوة واحدة من طيور «الجنّة». يضمها إلى معطفه ليخبأها، فيما بعد، في قفصه المعدني، كما حاول لمس عنقود متدلّ من شجرة دانية، فنصحه طفل نظيف واسع العينين – كان يمرّ مصادفة – ألاّ يفعل ذلك، فسحب يده خجلاً. ومن واجبات الفنظازيا «تعقيل» ما لا يُعقل و«وقعنة» ما هو خيالي وفوق الواقع، لأنّ ما هو منطقي هو أكثر غرابة من ما هو لا منطقي. الفنطازيا تأخذ مادتها من الواقع ثم تتلاعب بها وتشكّلها حسب ديناميكية الصراع بين أطراف الجهاز النفسي الثلاثة. وفوق ذلك فإنّ في القصّة درساً هاماً عن القدر الذي يتلاعب فيه بمصائرنا «الآخر» في حركته «غير المقصودة» في الظاهر والتي تحركها حتميات اللاشعور حيث كان بإمكان الزوجة أن تضع الخنجر من أيّ مكان من البيت، لكنها وضعته في معطف زوجها الذي لم يُمسك خنجراً طوال ثلاثين عاماً من عمره. إنّها تعزّز القدرة «القضيبيّة» لزوجها المسالم( وقد يكون هذا الفعل تعبيرا رمزيا عن رغبة محارمية في الشقيق ) . وفي الحلمين اللذين حلمهما «خليل» كانت النهاية كابوسية مكافئة للعقاب الذي يوقعـه الرقيـب اللاشعوري. وتشي النهاية، نهاية القصّة، بقدر الخسران الذي كُتب على الإنسان ، والذي لا يمكن تحجيم جوره وتعسّفه إلاّ من خلال العمل المثمر، فبعد أن فات أوان الحلم لم يعد أمام «خليل» غير أن «يفتح عينيه على رحبهما»: «ثم توجه نحو الماء. شرع يغتسل بينما الضوء بدأ ينتشر في كل مكان».
6- المظلّة: قصة جميلة تدور حول رجل لم يكن يقتني طوال عمره مظلّة رغم تعرضه للبلل أكثر من مـرّة، لكن زوجته تشتري له واحدة.. وعندما يخرج لزيارة صديق له تعرّض لمطر شديد فحاول فتح مظلته ولم تنفتح رغم محاولاته المتكررة.. وعندما وصل إلى بيت صديقه الذي دهش من منظر رجل مبلل بماء المطر وبيده مظلة.. مظلّة فتحها الصديق بسهولة. إنّ الرغبة الضاغطة في تدمير الذات يمكن أن تضع غشاوة على البصر وعلى البصيرة أحياناً بحيث أنّ الأفعال اليسيرة التي لا تتطلب سوى حركة «آليّة» بسيطة، تصبح معضلة خانقة، لا يفلح الفرد في إنجازها مهما كرّر المحاولة.
7- الحصان: وتدور أحداث هذه القصّة حول «منعم العزّ» المنبهر بفتوة حصانه ذي الغرّة البيضاء والذي يقوده إلى الغابة حيث الأعداء المتربصين. في النهاية تنطلق ثلاث رصاصات باتجاه رأس الحصان.. ويهبط «منعم العز» من مخبئه في الليل ويمضي «حاملاً شيئاً من صاحبه الذي أُعدم أمامه قبل هنيهة من الزمن، كان «العزّ» وهو ماضٍ إلى رفاقه، يحمل معه رائحة الحصان».
8- مغنّي الكورس: قصّة بسيطة تقوم على أساس المفارقة حيث يظهر «المغنّي» في النهاية وهو يحرك فمه حركة مجانية تنم عن عادة التمثيل أمام الحشد ذاته تمثيلاً صامتاً.
9- النسر: وتتحدث عن سائح أجنبي يزور بلدة «نفر» الأثرية وفيها هياكل لآلهة سومر، وهناك يحاول السائح استسهال صيد نسر محلّق، لكن النسر يقتله في النهاية.
10- الوسادة: وهي واحدة من بين أجمل قصص الحرب وفيها يقدم لنا القاص وصفاً شافياً وساخناً لمشاعر امرأة سافر زوجها إلى جبهات القتال، وبقيت مع طفلها الرضيع، وحين يبدأ القصف الجوي تحمل رضيعها وتهرع راكضة للاحتماء من الشظايا، لكن يبدو أنّ للرعب منطقاً آخر، فقد «مدّت يديها لتضع طفلها كي يستريح هو الآخر، حين وضعته برفق فوق الفرشة وحدّقت فيه لم تصدّق.. وحين عرفت في اللحظة ذاتها، أنها لم تكن تحمل سوى وسادة الطفل البيضاء، صرخت فاهتز المربع الصخري بمن فيه، ودارت الأرض كالدّوامة».
11- حركة في مجال الموت: وهي قصّة أخرى من قصص الحرب وكتبت في عام 1969 ويبدو أنّها تدور حول حرب حزيران عام 1967.
12- ذات صيف: وفيها معالجة أخرى لمعضلة «أو مهزلة» الموت وبطلها اسمه «محسن الشطري» ونلاحظ أن القاص يستخدم الأسماء الكاملة لأبطاله في أغلب قصصه، ولا نعرف هل لذلك علاقة بدفاعاته تجاه قلق الموت وتوكيد (كليّة) الشخص وهويته بوجه الفناء!. ينطلق «محسن» مكرهاً وبإلحاح من أخته وعمّته في رحلة إلى البصرة بعد أن تسلّم برقية تدعوه إلى الحضور لأن والده المريض في خطر.. «تساءل كم هو محزن للقـلب أن تقـام في بيـته منذ الآن مناحة لن تكون سوى مصدر تعب آخر، وخطر في روحه أن غياب أبيه، وغيابه، هو، من بعده، لا يغيّر من استدارة ورقة عباد الشمس نحو الضوء، ولا أن يجعل أزهار النيلوفر تكف عن إرسال عطرها».. كان أبوه مريضاً منذ سنوات ويتوقع رحيله في أي وقت. في السيّارة التي أقلته يتعرف إلى السائق الذي كان صديقه سابقاً ويسكنان الزقاق نفسه.. كان السائق ممتلئاً بالحيوية ومتهوراً في السياقة بسرعة.. وفي الطريق لم تسيطر على ذهن «محسن» سوى أفكار وذكريات الموت.. يتذكر المرأة العجوز التي قتلها أخوها المجنون.. والسائق يقول له إنه حمل أكثر من أربعمائة جنازة خلال ثلاث سنوات.. ثم يتصور نفسه تاركاً التدريس وعاملاً كمتعهد لنقل الموتى.. وأخيراً يفاجيء السائق بسؤال عن رأيه في الموت فيجيبه هذا بأنه «أقوى من الموت»:
«- عجيب؟
– لا تعجب إذا قلت لك إنّ الموت نفسه يخشاني.
– يا لك من أسد مجهول في هذا العالم.
– لست شجاعاً غير إني لا أخاف الموت.
– لابدّ أن لك قلباً معيناً..
– أبداً.. إنك تنظر إلى ضخامة جثتي فقط.. إنّ لي قلباً صغيراً رقيقاً. إنّ لي حبيبة رغم أني متزوج وأحب زوجتي وأطفالي.. ليست لي فرصة لأنفرد معك وأحكي لك قصّة صراعي الرهيب مع الموت. تستطيع أن تقول إني قاهر الموت».
ويظهر العدوان الأوديبي على الأب واضحا ، فالابن لم يكن راغباً في زيارة أبيه وهو في محنته، حتى عندما يصل البصرة يذهب إلى الفندق ويقرّر العودة في صباح اليوم التالي دون أن يرى أباه، وهو لا يقدّم لنا أيّ مبرّر لهذا الموقف سوى أنه لا يجد أهمية لذلك، وإنّه قد ضيّع عمراً وهو يؤجل أحلامه ليداري عواطف الآخرين في حياتهم ويزور موتاهم:
 «في يوم قائظ يراد أن تزور الموتى. فما الذي تغيّر؟ والآن ما الذي تستطيع فعله؟ أبوسعك أن تعيد إليه الدم؟ إذا لم تستطع فلمَ تحضر؟ سيقول الناس إنك عاق، جاف، معقد..».
إنّ بطل «موسى» هذا يذكرنا في جوانب من تصرّفاته بسلوك «ميرسو» بطل رواية «ألبير كامي» – الغريب – في غثيانه وصداعه الدائم وشعوره بالخواء واللاّجدوى، والذي كان يرى أن من العبث أن يحضر جنازة أمّـه. ولا يكتفي «موسى» بذلك بل ينهي قصّته بلحظة صادمة ذات تأثير مزدوج,، فعندما يحاول «محسن» العودة إلى بغداد دون أن يرى أباه المحتضر يسلك شوارع خلفية كي لا يراه أحد، لكنه يواجه حشداً كبيراً من معارفه يحملون تابوتاً ضخماً فيشرق بدموعه معتقداً أنّ الميت هو أبوه، لكن المفاجأة الحادة تحصل حيث يعرف أنّ المتوفى هو «أبو جبّار»، السائق الذي أوصله إلى البصرة والذي كان يلقّب نفسه بـ«قاهر الموت»!!. وهي ضربة عنيفة يتلقاها «محسن» الذي سحرته حيوية السائق واستخفافه بالموت وكان كل تطلعه مركّزاً حول حقيقة أنّ أباه هو الضحية المتوقعة للموت من دون شك، لكن المثكل الماكر لا يقتطف الثمار التي حان أوان قطافها كأبيه بل «يسرق» تلك الثمار البعيدة التي نعتقد أن ساعتها لم تحن بعد، ليجعلنا، جميعاً، صحيحين معافين وسقيمين محتضرين سواسية في التحسّب والخوف من منجله الباشط. ومن وجهة نظر ثانية فإن موت السائق المعافى الذي صارع الموت وقهره حسب قوله يضعنا أمام الوجه العبثي للعبة/المهزلة التي تسمى الحياة.
13- الحاجز: وفي هذه القصّة مفارقة معاكسة، فبطلها «عدنان ياسر» يعتقد أنّ أخته التي مرضت مرضاً شديداً ونقلت إلى مستشفى في بغداد سوف تموت. وعندما يذهب لزيارتها وبسبب القناعة المسبقة نجده يصرخ: أختي ، حين يشاهد الممرضات يدفعن جثة على نقالة، وفي المرّة الثانية تنهار قواه ويجلس على الأرض عندما يرى ممرّضَين يحملان جسداً ملفوفاً بقماش أبيض، لكن الأخت تتحسن صحتها وتشفى وتنفتح أمامنا معضـلة جـديدة من خلال المريضة الشابة الجميلة التي تشارك أخته الغرفة والتي تنفجر بالبكاء كلّما شاهدته، ويترك القاص نهاية القصّة مفتوحة.
14- الغرفة: وبطلها «ظافر سنان» الذي تتحدّد حركته اليومية، بل حياته كلّها بغرفة العمل وغرفة السكن. وهو يعاني من القلق والصداع، يذهب لزيارة بيت عمّه فلا يجد راحة فيتركهم دون وداع، ثم يذهب إلى صديقه ليحصل على حبوب تريحه من الصداع فلا يجد.. ولكن حالته تتحسن، وينسى آلامه في لحظة توحّد صوفي مع الطبيعة يشعر خلالها وكأنه «يحضن العالم».
15- غبار الطلع: ويتحدث فيها القاص عن «ناصر علوان» المولع بقراءة الكتب واقتنائها في وسط يعتقـد أنّ مـن يقـرأ هذا الكم من الكتب فإنه سيصاب بلوثة عقلية. وهي قصّة فجّة ومفتعلة – من وجهة نظري – ولا تصل إلى مستوى قصصه السابقة.
16- إزاء السور والجسد: وهي قصّة تدور أحداثها في مقبرة، ولا أعلم هل أنّ لحياة «موسى كريدي» في مدينة «النجف» المقدّسة وفيها أكبر مقبرة في العالم إسمها يحمل مفارقة كبيرة ” مقبرة السلام ” !! ، دوراً في سِطرة موضوعه الموت وهاجس الفناء على أفكاره، والقصّة تتطلب وقفة طويلة مستقلة .
17- سنديان: و«سنديان» هي الفتاة/ الحلم التي فارقها «حارث» لسنوات ثم بزغت في ذهنه فكرة اللقاء بها في محطة قطار جنوبية… لكنه يصاب بالخيبة عندما لا تأتي الفتاة، وهي قصّة فجّة وعادية.
18- البحر: وتتحدث عن صديقين يتوجهان نحو البحر، وهناك يشاهدون ثلاث فتيات من بلدهم الأصلي، يرتدين فساتينهن الطويلة ويختلفن حول كيفية النـزول إلى البحر دون الحاجة لارتداء مايوهات السباحة.. كانا يحاولان التقرّب من الفتيات والحديث معهن.. يطول الإقدام والإحجام.. إلى أن يغادرن المكان.
19- الأرنب: وهي من القصص القليلة التي تروى بضمير المتكلم وتدور أحداثها حول رجل يشعر بالنقص ويصفه أحد الأطفال بـ«الأرنب» فتعلق هذه الوصمة بذهنه، وهو يدور في حلقة مفرغة من الإحباط والانتظار، انتظار شخص لا يأتي، وتتجلى مخاوفه أخيراً في صورة ثور يسد عليه الطريق.
20- صوت بلون التراب: ويحكي فيها القاص عن رجل عجوز يبيع الحلوى عند باب إحدى المدارس ليرى طالباً صغيراً، يحاول ملاحقته عند خروجه من المدرسة لكنه لا يقوى على ذلك، عيناه تترصدان نمو الصبي وتدوران فيما حول خطاه،  وتتبعان بشيء من الخجل خط سيره كل صباح. أخيراً ، نكتشف أن هذا الصبي هو ابن البائع العجوز المتجوّل ، الذي اختفى بعد ولادة الصبي الذي تبنته عائلة أخرى. في النهاية يسقط العجوز ميّتاً ويلقي عليه الصبي نظرة سريعة ثم يهرول ليطويه الزحام.
تبقى ملاحظة أخيرة في غاية الأهمية: وهي أنّ المبدع الراحل «موسى كريدي» يكون في قمة تألقه الفني عندما يعالج موضوعاً ذا علاقة بمحنة الموت والفناء، في هذه القصص التي تدور حول دوافع العدوان ومظاهر الخراب من الحياة  البشرية تتوهج لغته وتكون حبكتها متماسكة ونفسه السردي فيها طويلاً ومحكماً، أمّا عندما يعالج موضوعات ذات علاقة بمباهج الحياة وتنحو منحى تفاؤلياً فإن هذه القصص تكون قصيرة وتشعر وكأنّ القاص يريد إنهاءها بأية صورة، حتى إنك، في بعض الأحيان، تراها مفككة وفجّة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.