الرئيسية » ملفات » علي حسين عبيد : مواقف مضيئة كزار حنتوش.. في ذكراه الحادية عشرة (ملف/6)

علي حسين عبيد : مواقف مضيئة كزار حنتوش.. في ذكراه الحادية عشرة (ملف/6)

إشارة :
كلّما مرّت ذكرى رحيل الشاعر الكبير “كزار حنتوش” ازداد حضوره من خلال الإحساس بالفراغ الكبير الذي خلفه غيابه المؤلم في خارطة الشعر العراقي والعربي وأكاد اقول العالمي لو توفّرت الترجمة المقتدرة. لقد طبع كزار بصمته الفريدة على جسد الشعر ومضى. كان ماكراً – شعرياً – كفأر السجن وكتوماً كطبيب الأمراض النسائية كما يقول في إحدى قصائده. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّاء للمساهمة في ملفها عنه .

المقالة :
مواقف مضيئة
كزار حنتوش.. في ذكراه الحادية عشرة
علي حسين عبيد
كزار حنتوش من الأسماء التي تحفظها الذاكرة بسرعة لغرابة الاسم (حنتوش)، ويوحي هذا الاسم بالريفية أو الشعبية، قرأت له في السبعينات، وفي الثمانينيات، كان اسمه لامعا، يظهر في أهم الصفحات الثقافية، وغالبا ما أجد قصائده منشورة في مجلة الأقلام التي كانت تعد أهم مجلة أدبية عراقية ومن أكثر المجلات العربية رصانة، حتى منتصف الثمانينيات لم أر كزار حنتوش شخصيا، رأيت صوره المنشورة مع نصوصه، وحين رأيت وجهه لأول وهلة لاحظت التقارب العجيب بين شكله واسمه، وأضفت إلى هذا الانسجام الثنائي انسجام ثالث هو السلوك، عندما أتيحت لي فرصة أن أجلس معه في غرفة واحدة مع جمع من الأدباء في أحد المرابد، لقد كان سلوكه فطريا بحتا يتطابق مع شكله ( وجهه تحديدا)، واسمه الشعبي، وقد لاحظت هذا التطابق بين الشكل والاسم والسلوك، وسأضيف إليه (الشعر) لاحقا، وقلّما نجد ذلك متوافرا عند شعراء آخرين.فثمة الكثير من الشعراء الذين لا يتطابق شعرهم مع هيأتهم الجسمانية المتخمة، ولا مع سلوكهم المتبجح، في اللقاء الأول الذي جمعني مع كزار حنتوش في فندق المنصور ميليا، كانت غرفته تعج بأسماء شعرية لامعة منها خزعل الماجدي، وحميد قاسم، وحسن النواب، ومحمد حسين الفرطوسي، وبشير حاجم وغيرهم، أقيمت مطاردة شعرية بين الحاضرين، فيما يشبه الجلسة الشعرية، كنتُ في وقتها مرتبكا مبهورا ببعض الأسماء، ولأول مرة اسمع خزعل الماجدي يقرأ شعرا، واذكر قصيدة المسدس لحميد قاسم التي قرأها ونالت الاستحسان، لكن عندما قرأ كزار حنتوش كان الأكثر إثارة وتأثيرا، فقد اختلط شعره، بالسخرية والتهكم والجمع بين الفصيح والدارج خصوصا قصيدته التي يتطرق فيها لزوجته الشاعرة (رسمية محيبس زاير)، وكيف أنها جعلت من حياته مرهونة بها، وقد جمع في نصوصه القصيرة التي قرأها جماليات الشعر وسخريته اللاذعة، مع الاحتفاظ بالحب الكبير لرفيقة دربه رسمية. في ذلك اللقاء الأول يمتد بيني وبين كزار جسر روحي، ليصنع محبة كبيرة فيما بيننا، فقد تواصلت اللقاءات في بغداد كثيرا، وجمعتنا جلسات وسفرات أدبية لا يمكن أن تنساها الذاكرة، منها رحلتنا إلى مدينة حديثة، حيث أقيم فيها مهرجانا شعريا حضره وأحياه عدد كبير من الشعراء العراقيين، وقد قرأ في هذا المهرجان الذي امتد ثلاثة أيام عدد من الأسماء الشعرية المهمة في العراق من بينهم كزار طبعا، وكانت غرف الضيوف عبارة عن كرفانات خشبية متشابهة التصميم تجاور بعضها البعض، وأذكر أنني كنت ضيفا في غرفة الشاعر منذر عبد الحر في جلسة شعرية مسائية جمعت عددا من الشعراء منهم الشاعر العراقي الكردي خسرو الجاف وكزار حنتوش وعادل الشرقي وعدد آخر من الشعراء، وقبل أن تنتهي الجلسة شعرت بالحاجة إلى الخروج في الهواء الطلق، وبالفعل كانت الأجواء الربيعية مذهلة في ذلك المكان المنعش حيث الأشجار الوارفة والنسيم العذب والأضواء الفضية التي أنارت المكان وأحالته إلى نهار، أمضيتُ ساعات في تجوالي الليلي وقبل أن أصل الكرفان رأيت كزار جالسا على الثيل الأخضر ينظر إلى القمر ويقرأ الشعر بصوت خفيض، وعندما فاجأته بحضوري تبسَّم وقال، كنت أقرأ الشعر للقمر، وأعني لرسمية، كان كزار مغرما بها فعلا وكان يعيش معها حياة شاعر، وفي العودة من حديثة ذهبنا إلى كربلاء صحبة الشاعر حسن النواب، وهنا توطدت علاقتي بكزار على نحو كبير، وحدث نوع من الانسجام الروحي الإبداعي بيننا، وفي وقت لاحق أقمتُ له أمسية في اتحاد أدباء كربلاء حضرها جمهور غفير، فقد كان كزار حنتوش صاحب شهرة واسعة وله جمهور نوعي مهم في هذه المدينة وفي العرق عموما، وكان الجميع يجبونه ويبحثون دائما عن جديده في الشعر. في نادي أبي حكمت قرب حديقة الأمة كانت تجمعنا جلسات شعرية وكان كثير من الشعراء يرتادون هذا النادي كونه يقع في قلب العاصمة، جمعتنا ذات يوم جلسة مع كزار حنتوش ومنذر الجبوري وماجد موجد وماجد عدام وحسن النواب ومحمد جابر الفلسطيني وعقيل ابو غريب وجاسم كماش، وضجت القاعة الصغيرة بالشعر وكان الأكثر حضورا في الشعر هو كزار طبعا، وربما لهذا السبب شعر بعضهم بالحسد أو الغيظ لأنه لا يمتلك خصوصية الشاعر التي يمتلكها كزار حنتوش، ومع أن بعضهم أعلن (علانية) عن مقته لكزار وتجاوز عليه، إلا أن شاعرنا تجاهل الأمر وتعامل معه بحكمة وطيبة عجيبة، ولاذ بالصمت كأنه لم يسمع كلمة تجريح واحدة، حينها أتذكر ذلك الشعور الذي سيطر على عقلي وكياني كله، كنت في تلك الجلسة على ثقة كبيرة بأن كزار نال ما لا يستحق من الكلام والمواقف التي لا مسوغ لها، وقد رفضت شخصيا بصوت عال تلك التجاوزات على شخصه وشعره، لكنه طلب مني الصمت وعدم التدخل لأنه هو المعني بالأمر وليس أنا، فجاريته بالصمت احتراما لرغبته وموقفه، في حين تمادى الآخرون. هذا الموقف أعطاني درسا في كيفية الفوز على الآخر الذي ينزعج منك ويبغضك من دون أي مبرر سوى الشعور بالحسد أو الغيرة، فإذا كان كزار أفضل من الآخر، هذا ليس ذنبه، ولا هو بالأمر الفريد من نوعه، فالحياة في حالة مفاضلة مستمرة بين الأشخاص، وخصوصا في مجال الإبداع، وقد يتفوق هذا على ذاك وبالعكس تبعا للموهبة والخبرة والحنكة والكاريزما والحضور وسوى ذلك من عوامل التميز والإبهار. مثل هذه المواقف كثيرة في حياة شاعرنا الراحل، ولهذا كان محبوبا مطلوبا من حيث المحبة للجميع، إلا ما ندر، ولعل الموقف الأخير الذي لابد أن أدونه هنا في هذه الكلمة القصيرة، هو ما حدث في أمسيتهُ المزدوجة مع الشاعرة رسمية زاير التي أقمْتها لهما في اتحاد أدباء كربلاء المقدسة عندما كنت رئيسا لهذا الاتحاد في وقتها، فقد تهيأنا لهذه الأمسية بأفضل ما يمكن، وأعددنا لها ما يليق بقامة كزار حنتوش الشعرية وزوجته رسمية وبما يجاري حضوره وشهرته، وقد طلبتُ من كزار أن يقرأ شهادة عن شعره وتجربته، ويجلب معه نصوصا جديدة، ووعدني بذلك خيرا وأكد أنه سيقدِّم نصوصا كبيرة لم ينشرها سابقا بل لم يقرأها في أمسية سابقة، وقال بالحرف الواحد أنه كتب شهادة سوف يفاجئ بها الجميع، وعندما وصل الضيفان قادمان من محافظة الديوانية، كانت قاعة الاتحاد قد غصَّت بالجمهور، وكلنا سعادة وشغفا بهذا الحضور المتميز، وعندما استقبلْنا الشاعر والشاعرة، لاحظت أن كزار لا يحمل معه شيئا ولا حتى ورقة واحدة، وعندما سألته هل جلبت الشهادة الشعرية والنصوص، صفق يداً بيد وصرخ (أخ ولج رسمية، مو كتلج ذكريني بالأوراق)، ومع ذلك بشهادة جمهور كزار حنتوش كانت تلك الأمسية من أهم وأجمل وأثرى الأمسيات الأدبية التي أقامها الاتحاد في ذلك الموسم، ولا شك أن الجمهور ومعظمه من الأدباء والمثقفين والمحبين، لا زالوا يتذكرون تلك الأمسية وكيف امتلأت القاعة عن بكرة أبيها وظل كثيرون يتابعون كزار وقوفا، مبهورين بذلك الشعر الأصيل والحضور الغريب للشاعر.

*عن جريدة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *