شكيب كاظم : حنون مجيد في بناه الطِباقية قص صوفي شفيف ولغة مكتنزة بالمعنى (ملف/6)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع الأستاذ “حنّون مجيد” الذي أثرى المكتبة السرديّة العراقية والعربية بالأعمال الروائية والمجموعات القصصية المميزة التي مثّلت إضافة نوعية وكبيرة إلى الفن السردي العراقي والعربي. تدعو أسرة الموقع الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من مقالات وصور ووثائق.

حنون مجيد في بناه الطِباقية
قص صوفي شفيف ولغة مكتنزة بالمعنى..
شكيب كاظم

يعد المنجز القصصي والروائي للمبدع والحكاء الرصين حنون مجيد، جزءا مهما من الرصيد الابداعي في العراق، فهذا المبدع المولود عام 1939، والذي بدأ جهده الابداعي في دنيا القص والحكاية منذ نهاية الستينات الماضيات، اذ نشر اول قصة له في احدى الصحف عام 1969، ومازال يواصل ابحاره الانيق والرصين في دنيا القصة والرواية، كان من المؤمل ان يلج هذا المعترك الجميل قبل هذا الوقت، لولا ايام الاحتراب السياسي التي عصفت بالعراق، بعد ذلك اليوم التموزي العاصف واللاهب.
لقد بدأ حنون مجيد الكتابة، الابداعية تحديدا منذ وقت مبكر قياسا بعمره، لكن تأخر تدوين هذا المنجز ونشره زمنيا، اذ كانت (تعاقب الفصول) اولى مجاميعه القصصية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 1986، اردفها بمجموعة رصينة فنيا عام 1988 هي (البحيرة) التي افصح فيها حنون مجيد عن امكانات جيدة في الحكي، ففي قصصها شيء من الفانتازيا والغرائبية السحرية، وفيها شيء من الكتابة الواقعية التي شغف بها حبا، فكانت مزاوجة جميلة بين الطبع والتطبع على ما يقوله الناقد الكبير الراحل عبد الجبار عباس، او هي نسغ من الجذور واخرى تحويم فوق افيائها والنهل من عوالم جديدة، ثم كانت (الطاائر) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 1999، وفيها اكثر من قصة نفسية، مما يشير الى تنقل في مضامير متعددة من مضامير القص، ودلالة على ولوج عوالم جديد لعل من ابقى قصصها في الذاكرة قصة (الطائر) التي اطلق اسمها عنوانا للمجموعة التي كانت وصفا دقيقا للجنون من خارجه، وسيحرص قاصون عديدون على ان يكتبوا مثلها وفي نفوسهم شيء من (حتى) وفي نفوسهم شيء منها ويغبطون حنونا الذي بزهم وسبقهم الى كتابتها كتابة قصة هذا الرجل المبتلى بدوي في الرأس فضلا على قصة (الوصية).
في عام 2000، اصدر حنون مجيد مجموعته الرابعة (العراف) وفي وقت تلا اصدر اولى رواياته (المنعطف) بطبعتين، التي حازت على اهتمام القراء والنقاد معا، ولاسيما اجواؤها التأويلية، وتلك المدينة المتخيلة، وفي الذاكرة الدراسية النقدية التي كتبها عن (المنعطف) الناقد المهم ياسين النصير، ايام كان يحيا في مغتربه بهولندا.
لقد قرأت كل المنجز الابداعي للقاص والروائي حنون مجيد، ولقد رأيت الوقوف عند الظاهرة الطباقية في منجزه، وانا هنا استعير مصطلح الطباق البلاغي، او بنى التضاد الصاعقة المكتنزة، التي زخر بها هذا المنجز، التي تأتي خلافا- غالبا- للمتوقع، ما يتوقعه القارئ، واذا كانت قصة (الجدار) للفيلسوف والمبدع الفرنسي الكبير جان بول سارتر، قد ابهرتني بنى تضادها الصاعقة، وجعلتني ابحث عن هذه السمة في كتابات مبدعينا، فأني وجدت هذه الظاهرة الطباقية بارزة ومتألقة في كتابات حنون مجيد الاخيرة، ففي مجموعته (لوحة فنان) الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 2002، تطالعنا العديد من القصص، التي اقامها حنون مجيد على هذا الطباق المدهش والانيق، مما يؤكد ولوع القاص بهذا اللون الكتابي، الذي لا يحذقه الا من اوتي من هذا الفن حظا عظيما وفي الذاكرة مجموعة (حديث الاشجار) للمبدع الكبير الراحل فؤاد التكرلي، ولي دراسة عنها نشرت في مجلة (الصوت الآخر) سنة 2012.
ففي قصة (لوحة فنان) طباقية انيقة مدهشة، اذ يصور فيها القاص هذا الباحث عن لوحة، رسمها احد رسامي المدينة المعروفين في وقت مضى، واعتداء بعضهم عليه وتصوره منكسرا جراء عملية السلب والاعتداء هذه، كما تظهر الفوز بالغنيمة البادية على وجوه المعتدين الثلاثة ومن ينظر الى الرجال الثلاثة الذين لم يظهر الرسام من وجوههم سوى جوانب غائمة يجد انهم كمن فاز بغنيمة، عبر عنها بالتمام اجسادهم على الشيء الذي بين ايديهم، وليس على الشيء الذي حصل للرجل خلفهم وتأتي الضربة غير المتوقعة، التي تشكل بنية تضاد جميلة، واذ لم يجد هذا الباحث جوابا عن مكان وجود اللوحة، وماهية فحواها، تأتي الضربة المفاجئة بوجودها معروضة في احد المقاهي “وهذا هو ما كان عليه حال مدينتنا التي احتفظت باللوحة في احد مقاهيها الرخيصة، من دون ان يفطن الى وجودها احد”.(ص30)
في (الفأر مرة اخرى) تطاعنا هذه الثيمة، وحنون مجيد، كتب ثلاث قصص عن عوالم الفئران، هي (الفأر) و (وبيت الفئران) فضلا على هذه القصة التي تصور الاسرة التي اقض مضاجعها هذا الفأر القارض سريع الحركة، حتى اذا تمكنوا منه بعد لاي ومشقة، يأتي قرار الاسرة المجمع عليه بأطلاق سراحه!!
“قالوا جميعا- كلا لقد قررنا وكفى. حملوا المصيدة… التقطوها كما لو ان في داخلها بلبلا غريدا لا فأرا وانطلقوا بها خارج الدار. هناك وفي ساحة واسعة بعيدة بعض البعد، عرف الفأر حريته من جديد..(ص37)
كما في الشعر، هناك القصيدة المدورة، والبيت الشعري المدور، هناك الرواية المدورة كما في (الاشجار واغتيال مروق) للروائي الراحل عبد الرحمن منيف، ثمة قصة مدورة يتحفنا بها حنون مجيد فـ (الصياد) تبدأ من حيث انتهت، اذ حينما افاق من حلمه الذي ارتكس في نهاية قصته هذه، واذ فلتت منه في الحلم سمكته الفضية الكبيرة، التي مثلت صدمة ايقظته من اغفاءته تلك قرر ان يعيد سمكته الصغيرة الى الماء “الى كونه الباذخ الفسيح، ويعود اليها حاملا في غدوه القادم سمكة الصياد العجوز (ص37) في تماه موح ومعبر عن سمكة الشيخ سانتياغو، الذي خاب في الحفاظ على صيده الثمين من مهاجمة سمك القرش الجائع التي ابدع في تصويرها النوبلي (عام 1954) ارنست همنغوي، وابدع في تجسيد الشخصية فيلما عجوز السينما الامريكية سبنسر تريسي (1958) والمتوفى عام 1960.
(القرين) قصة نفسية باذخة، وحنون مجيد مولع بهذا اللون من الوان القص، تمثل حوارا او هكذا اراه بين الروح وبين النفس الامارة، اوبين الروح وبين الجسد، او بين كل نقائض الحياة وطباقاتها، او هذه الثنائيات التي تزخر بها الحياة، ثنائية النور والظلمة والحياة والموت، فكل منهما يحاول جذب صاحبه نحو حقله واماكن اشتغالاته، في حين يجذبه القرين نحو حديقة العشاق، قامعا فيه متطلباته “اشهد انني قمعت فيك متطلباتك، واشهد انني كنت الاقوى، والاعنف، والاكثر رغبة وتطلعا ونزوعا، ولكن كيف تأتى لي ذلك ان لم تكن ثمة اسباب انك نفسك من بينها؟ لقد اضطهدتك نعم وكلا، فلقد تضافرت معي عليك وسلكت بمعيتي دروبي وزواياي..(ص56)
نرى الاخر يحاول جذبه نحو الاماكن التي يرغب فيها ويراها الانسب لحياته وافكاره يجذبه نحو دار الحكمة “وهي بناية شامخة مهيبة (…) كادت قواه تخور وهو يرى طرقاتها ومكتباتها (…) وقصدت به مكتبة مغلقة وضعت بيده مفتاح بابها (…) لكن الشيطان سرعان ما اغلق الكتاب، وتشبث بكتفي، وقال كالمطارد المأخوذ هيا لنخرج، انقذني من ما انت فيه (…) فقال مكررا سخريته الماجنة وثقته المطلقة، انني لا خشى عليك فالحقيقة التي تبحث عنها هنا، انما هي هناك كذلك، اجل هما شيئان لا ثالث لهما، وغالبا ما كانت الاشياء اثنين متضادين، لكنهما في النهاية يشكلون وحدة الاشياء.(ص58.ص59).
واذ خلنا والقراء، ان عوامل الخير قد احرزت تفوقا على عوالم القرين وعوامله، اذا به القاص حنون مجيد يفجئنا ويفجعنا بطباقاته التي اشتغل عليها في اعماله، خاصة الاخيرة لينقل لنا ان القرين، قد اغواه بالعودة الى غابة العشاق، فغلبني وغلبته كما اغوت تلك المرأة الغانية ذلك الراهب، الذي ذهب اليها لينصحها ويرشدها مما هو مسطور في الاساطير القديمة، وجسدها رواية رائعة اديب فرنسة الكبير اناتول فرانس في (تاييس) اذا بها توقعه في حبائلها وتحتازه الى نفسها، وليؤكد ان الحياة ستظل تحيا على وقع هذه الثنائية، منذ ان قتل قابيل اخاه هابيل وحتى ينفخ في الصور، ايذانا بالحضور بين يدي الرب الغفور، فالدنيا ستبقى سجالا يغلب هذا ذاك، كما يأكل الليل من جرف النهار، ويستعيد النهار لجرفه منه وكل في فلك يسبحون، مفندا مقولة جولات الحق في مواجهة جولة الباطل، فلهذا الباطل ايضا جولات وجولات ضد جولة الحق ذاك.
ولعلي اغرق في التأويل لارى ان القرين انما يمثل الفكر السياسي الذي تبناه القاص، والذي افترق عنه، واختلف معه- ربما- مرات، كونه كالثلج الذي ما اتقد يوما، وترك فرصا جمة للوصول الى الهدف، لكن هذا الاختلاف ما افسد للود قضية، فكلاهما يحب الاخر، ويحاول جذبه الى مواقعه.
في (الغريب) يواصل حنون مجيد الطرق على هذه الطباقات المكتنزة، التي لا تفصح عن مكنوناتها الا عند سطورها الاخيرة، فالرجل الغريب الذاهب الى محلته الشعبية القديمة تلك، التي عاش بها ردحا من الزمان، يشم رائحتها ويستاف عطرها، ان كان فيها عطر او بقي منه شيء سوى عطر الذكرى، ورائحة الايام الخوالي، يذهب الى لقاء سليمة، وقاصنا يكثر من ايراد هذا الاسم في اعماله، واذا كانت بعض الاسماء النسوية قد ارتبطت بعاشقيها، فما ان يذكر اسم المحبوبة، والمعشوقة حتى يقفز الى الذهن اسم الحبيب العاشق، مثل: عنترة وعبلة، وبثينة جميل بن معمر، وليلى قيس بن ذريح، ولبنى قيس بن الملوح، وليلى الاخيلية وابن عمها البراق، وولادة بنت المستكفي وابن زيدون وفوز معشوقة ابن الفارض، تظل سليمة معشوقة يرد ذكرها في العديد من اعماله، فضلا على اميرة، وورد اسم سميرة مرة واحدة.
يذهب الى لقاء سليمة حبة القلب، ايام شبابه وفتائه، لكن ويالبؤس الحال والمال اذ كانت المرأة التي تقتعد مكانا امام دارها، والتي شاخت وكبرت، هي سليمة ذاتها التي سأل عنها، واذ يغادر المحلة، بعد ان غادرت المرأة مكانها نحو دارها، واراها قد عرفته، فغادرته الى دارها وحيدا منتظرا جوابا، اعلانا خفيا محتجا على البعاد والهجران صدمه تعاملها ذاك واوشك ان يقع في عتمة مفاجئة، والناس يحاولون افساح الطريق للرجل الغريب “كانت ثمة يد حانية تأخذ بيد الرجل ذاك، تجنبه حفرة في وسط الطريق وواحدة او اثنتين على جانبيه، كان الماء الثقيل يخفيهما عن اعين الغرباء والرقباء.(ص71)
في هذه القصة (دعوة للراحة) يواصل الحكاء الانيق حنون مجيد بوحه الملتاع، في هذه القصة الملتاعة، ناهجا النهج ذاته، الذي اراه اصبح سمة واضحة من سمات الحكي والقص لدى المبدع الانيق، حكيا ولغة، ولغة حنون مجيد انيقة عالية مكتنزة بالصور والاخيلة والمترادفات الجميلة، مما يؤكد نهل صاحبها من كتب التراث وشوامخه: الجاحظ، والتوحيدي والمعري والتنوخي والمبرد مثلا، يواصل حكيه الذي اتسم ببنى تضاد موحية وصادمة فهو- بعد لأي وترقب وخوف- تمكن من اختلاس ورقة مطوية من هذا الموقوف الجالس وحده في سيارة مشبكة تعود للشرطة، داسا اياها في جيبه، قبل ان ينتبه الشرطي السمين ذو الوجه غائم السمات والقسمات على حركته السريعة، واذ يبدد ريبة هذا الشرطي السمين، وهي اشارة تأويلية موحية، فأنه يأخذ طريقه نحو السوق المكتظة ومنها نحو العنوان كي يوصل الورقة، الرسالة المطوية على سر- لاشك- خطير قياسا بالحال الذي هو عليها وعليه ذاك القابع في السيارة المشبكة، واذ تتنازعه اهواء شتى في ان يطلع على فحواها، لكن يقمع هذا الاهواء، بالامانة وضرورة ايصالها لاهلها، وبعد تجوال مضن يصل الى الدار المبتغاة، وتكون الضربة الفاصلة برمي الورقة المطوية في مجاز الدار “رميت الرسالة عند اقدام الباب، واسلمت خطواتي لسرعة عجلى، فيما كانت امرأة ذات رأس اشيب وعينين قلقتين، تتقدم نحو الباب لتفتحه على خطوات رجل متباعد غريب لم تعرف ما الذي وراءه في مثل هذا الوقت.
قبل ان تعود تغلق بابها وتفكر في طمأنة الرجل الذي تبعها، انحنت المرأة على ورقة صغيرة مدعوكة كادت تأخذ بها الريح، جذبت لامر ما انتباهها، والتقطتها، سوت طياتها وقرأت. (لا تقلقوا بعد الان… سلامي الى الجميع).
رمت الورقة، والقت برأسها على كتف الرجل الذي كان لحق بها ومضت معه صُعُدا في غيبوبة البكاء”(ص82). فلقد انتهى كل شيء ولم يعد ثمة ما يستدعي القلق.
قصة جميلة تلك هي الاخرى (بيت الفئران) فيها سياسة، وفيها فانتازيا فاجعة، وفيها شكوى من تصاريف الدهر، الذي سلط الفئران للعبث بمقدرات الحياة، وكان علينا ان نقول لهم قبل عشرين او ثلاثين عاما، ان اخرجوا، او نخرجهم من حياتنا بالقوة وبالمقاطعة، اما وقد تطامن الجميع وذلوا، وتخاذلوا امام اغراءات الفئران، التي تذكرنا بخنزير (مزعة الحيوان) للروائي المفكر جورج اورويل مبدع رواية (1984) وفيها فضح لشموليات الاخ الاكبر، ازاء هذا استحوذت الفئران على العباد والبلاد، وهو امر اكده بفنية عالية الحكاء الماهر حنون مجيد من خلال قصته (الفأر) و (الفأر مرة اخرى).
فيها شكوى من ايام الحصار، تأتي مدثرة بالتأويل، فها هو يلقم المصيدة (من جديد جلدة هزيلة من قصاب كانت لنا معه مزابنة ذات يوم بعيد.(ص97)
قول يشف ويوحي ان لنا- بسبب الحصار- طلاقا بائنا بينونة كبرى مع اللحم الذي كانت لنا معه والقصاب مزابنة ذات يوم بعيد، وليقف القارئ متأملا عبارة ذات يوم بعيد.
وها هي صرخة شاكية يطلقها ازاء سنوات الحصار المدمرة، فهم لعدم امكانهم تضييف شخص ما، تركوا الافرشة التي احتفظوا بها لاغراض ضيافة لم تحقق منذ سنوات.
وقريبا من اجواء قصة (القرين) تأتي بنية التضاد المؤسية لتستكمل اجواء الحكاية التي ادارها حنون مجيد بحرفية الحكاء الماهر ” كان حزني اشد الاحزان… ففضلا عما فقدته من رسائل حب قديم عطرتها ذكريات لا تنسى، وكتب ثمينة لا استطيع تعويضها، فلقد كنت اشاهد قصصها الجميلة واحاديثها المترعة وصور قديسيها وشهدائها تتضرع ملتاعة او تتلوى حزينة دون صوت، دون صدى تحت لهيب النار.
ما كان شيء يوازي حزني هذا سوى هم التخلص من فئران كأرتال الجراد بدأت تهبط السلم لتتسرب هذه المرة نحو غرفة المعيشة والمطبخ وغرف النوم، تتسلق الجدران وتتعلق بالستائر وتقتحم صناديق الساعات، توقف العقارب وتطل من خلف الزجاج، تقول بعين ماكرة لعوب، تذكرنا بما كان علينا ان نفعل قبل عشرين او قبل ثلاثين: اخرجوا من هذا البيت”.(ص105)
في (نتوء) لا يكاد الحكاء الماهر حنون مجيد يغادر عوالمه الطباقية وبنى تضاده، اذ تدهم المرأة الام الطلق، فتوقظ زوجها في ذلك الغبش الصيفي، الذي مايني حتى يذهب سراعا نحو الشارع بحثا عن سيارة تقلهما للمستشفى، يتصاعد الحدث، مع تصاعد الام الطلق، من دون ان تبرق بارقة امل، فحتى هذه الحافلة التي تقبل نحوهما مسرعة، مما تضفي عليهما املا او بعضه، تبخره حقيقة انها حافلة محملة بالجنود، اما تلك التي تظهر في الافق بعد انتظار فكانت يالخيبة الانتظار مكتظة بعمال بناء، حتى اذا جاءت اخيرا سيارة تنقلهما نحو المشفى، تأتي النتيجة مغايرة لما كنا نحسب، قياسا بالام المرأة وعذاباتها “تركت كل شيء يسير لحاله فلا هي الان تطلب من السيارة ان تطير، ولا من زوجها ان يفعل المستحيل، ولا من سرير اي سرير ان يقدم عليها على هيئة بساط الريح لقد تحول مقعد السيارة الى سرير، والسيارة ذاتها الى مستشفى، وهي ذاتها وقد ارتفعت فوق الامها الى ممرضة وطبيب، هكذا في دفقات كانت تساعد عليها مطبات الطريق، انزلق هذا الذي سيمسي رجلا فيما بعد (…) وهي تتحسس ما كان يرقد من نتوء صغير… صغير..”(ص110.ص111)
في كتابه القصصي (تأريخ العائلة) يواصل حنون مجيد الطرق على هذه الثيمة، لتكون سمة بارزة من سمات فنه القصصي، ولقد بنى عليها ثلاثا من قصص هذه المجموعة التي اصدرتها دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 2007 هي (الذئب) و (على ورق صقيل) و (استئصال عقل) التي اهداها الى الدكتور حسين سرمك حسن، ففي قصة (الذئب) التي نشرتها اول مرة مجلة (الاقلام) بعددها السادس/ تشرين الثاني/ كانون الاول/ 2002، وقد قرأتها وانا في خفارتي بعملي النفطي ايام الحرب الاخيرة في اذار/ 2003، وبغداد تحت القصف واشتعال الحرائق، كنت ابحر في عوالمها الصحراوية، مبهور الانفاس والتي بناها الحكاء المتمكن حنون مجيد، على تضاد صاعق فهذا البدوي الذي تمكن من ذئب البراري الاملح الفتاك، لا يلبث ان يفر من الذئب الانساني الذي شاء ان لا يفصح عن كنهه، وترك لنا نحن القراء، حرية ان نتأول، ونستبطن ونفسر النص الحكائي هذا الذي جعل البدوي هذا، صعب المراس، يفر امام الانسان الذئبي لا يلوي على شيء، مما يؤكد ان شراسة الانسان- ربما في احيان كثيرة- تفوق شراسة الذئب الامعط الفحل. كما لتؤكد قدرات الانسان الكامنة فيه، والتي يستخرجها العقل عند الملمات والشدائد، ولقد خَبَرنا ذلك ايام الحرب في الجبهات جنودا، ولعل- كما يقول حنون مجيد- من الاشياء التي لا يفكر فيها الانسان في يسره، ان الخطط تتوالد في الحيز الضيق، اكثر مما تتوالد في سواه، وان ما نام عنه العقل في نهاره، يستيقظ في الظلمة الدامية.(ص85)
اما في قصة (على ورق صقيل) التي نشرها في جريدة (طريق الشعب) اول مرة، وكتبت عنها حديثا نقديا نشرته الجريدة (الثلاثاء 25/ من نيسان/ 2006- العدد 153- السنة الحادية والسبعون) واراها من اروع ما كتب حنون مجيد، التي اقامها- كذلك- على تلك الثيمة الطباقية، اذ يأخذنا القاص وقراءه، يطوف بنا على مدى صفحات عديدة، وهو يحزم امره للثأر لصديقه، الذي قتله هذا البقال البليد المترهل، ويظل حنون مجيد يردف البلادة بالترهل، فقبل هذا كان الشرطي الموكل بمراقبة السجين ونقله مترهلا مكتنز الجسم باللحم والشحم، وتنفيذ وصيته، ونظل نبحر مع حنون مجيد كاتمين انفاسنا، ونحن نقلب معه خطط الثأر ووجوهه حتى اذا ازف الموعد والوعد يعن كما يقول الجواهري الكبير، رأينا ان اصحاب القلم لايعرفون الاقتصاص، بله ان يجيدونه، الا على الورق “ولكن عذرا يا صديقي.. فلقد كان ذلك كله على ورق صقيل، ذلك ان هذا ايها العزيز ما كان بميسوري ان افعله… ففي الفن وليس بسواه يستطيع امثالي ان يقتصوا وان يحاكموا وان يأخذوا بالثار…(ص102)
انا من المولعين بقراءة روايات الحيز الضيق ودراستها: رواية (الشيخ والبحر) لا يرنست همنغوي ورواية او مسرحية (اللعبة) للموهوب الراحل يوسف الصائغ، وكذلك روايات الصحراء التي برع فيها الروائي الليبي الطوارقي المغترب ابراهيم الكوني، فضلا على روايات البحر، وفي الذاكرة رواية (موبي ديك) لهرمان ملفل (1819- 1891) هذا النوع يفصح عن امكانيات الروائي الباهرة، فكيف سيكون الحال، لو كان العمل المكتوب، قصة ذات حيز ضيق، تجري احداثها في مكان محدد، سيكون الامر مدعاة لعجب وانبهار شديدين، لذلك عجبت لهذه الامكانات التي حبا الله بها هذا الحكاء الاصيل، وهو يشدنا نحو قراءة قصته الباذخة (استئصال عقل) التي كانت تجري وقائعها في حيز مكاني محدد ضيق، لا يتعدى غرفة جرداء مظلمة لا يدخلها الضوء، الا لماما ومن خلال كوة في اعلى الجدار، تجعل هذا الذي ازرى به الدهر ليكون معتقلا في بلدان تخلو من نسمة حرية، الضوء الكابي الضاج بالهباب يجعله يحسب نفسه، ان مازال حيا من الاحياء، وهذا السجان الحارس الذي يأتيه بطعام فقير له وللكلب الذي يقوم على حراسته في آن وهي اشارة محملة بالدلالات، وسوى اطلالة صباحية للذهاب الى الحمام، واذا كان الرجل، يشكو الجوع والمسغبة، ويسيل لعابه على طعام شهي يقدم للكلب الرابض عند باب غرفته، تحول الحال الى تجويع الكلب، وتسمين الرجل من خلال طعام وفير وشهي، وكأن ثمة امرا يدبر بليل، يستطيع القارئ الذكي الوصول الى كنهه، واذ تمر ايام على هذا المنوال، تأتي الضربة الطباقية الصاعقة، وغير المتوقعة، بدل ان يفترس الكلب المجوع المشرس، الرجل المسمن، ينقض على السجان، الحارس “حين تدانى الحارس وتصاعد ايقاع صفيره الموصول، ارتعد جسد الكلب وجعل يضرب الارض بقدميه.. لقد كل نظره حين لم يكن الحارس يحمل طعاما بيديه. ثم تدانى كثيرا ومايزال صفيره يدفع بالكلب نحو الجنون، حتى اذا نهض فاتحا له ذراعيه تحول عنه نحو الغرفة واعمل مفتاحه في بابها فانفرجت تماما.
فغر الرجل فاه وتراجع الى الوراء حين رأى الحارس يعود مسرعا ليمسد على رقبة الكلب ويغمره بصفيره المثير ويعمل مفتاحه في سلسلته من بعد.لم يكن الحارس ذكيا هذه المرة حينما انقض كلبه عليه.. (142)
لون جميل ومبتكر من الوان القص، هذا الذي يقدمه لنا حنون مجيد في قصته (ما سوف فعله غدا) ولعلي على كثرة ما قرأت من قصص او روايات، لم اجد من نحا هذا المنحا الذي نحاه قاصنا في قصته هذه، التي تمثل محاورة مع الذات، مع القرين المتلبس كل واحد منا، ولعلها ترتبط باكثر من وشيجة بقصته (القرين) من مجموعة (لوحة فنان) الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 2002، وجميل هذا الاسترسال والانثيال، وجميل هذا الوصف للمكان، فكما تتغير الازمنة، تتغير- كذلك- الامكنة، لذا دأبت الهيئات الدولية على الاحتفاظ بأجزاء من المدن القديمة، كي تبقى تحكي للاجيال القادمة صورة المكان، لذا يمكنني عد هذه القصة، صورة قلمية ستحتفظ بها الذاكرة الجمعية لبغداد القديمة، او لجزء منها، كان مسرحا لتجوال القاص وانثيال افكاره،ـ فضلا على العديد من اعمال الفنان الماهر فؤاد التكرلي، (الوجه الاخر) مجموعته القصصية مثلا، وروايته (خاتم الرمل)، فضلا على رواية (منزل السرور) للقاص والروائي والناقد ناطق خلوصي، وكذلك (قصة مدينة) للروائي الراحل عبد الرحمن منيف، التي فازت بجائزة اليونسكو كونها بحثت صيرورة العاصمة الاردنية وتشكلها منذ سنوات الثلاثين من القرن العشرين.
من لايقرأ (هؤلاء من شباكه العالي) بمسبار الناقد الفاحص، والقارئ المدقق قد لا يفطن الى هذه الانتقالات الذكية في الضمائر، وانا هنا استعير هذه المفردة من عوالم النحو العربي، فالقاص ينتقل انتقالات سريعة بين الذات والقرين، اذ يأتي القص بضمير المتكلم، الذي سرعان ما يغادره نحو ضمير الغائب، الذي هو القرين الذي اكثر من الاشتغال عليه القاص، وفي اكثر من عمل قصصي، انها قصة بحاجة الى مجسات دقيقة كمجسات النحل بحثا عن ما يشتار، كي يستطيع القارئ التقاط هذا التأرجح والانتقال، الذي يبدو طبيعيا ينساب بهدوء وخيلاء، كما اني ارى ان ما عناه، حنون مجيد، بهذا الذي ينظر الينا من شباكه العالي، انما هو ما عناه نجيب محفوظ بشخصية الجبلاوي في رواية (اولاد حارتنا) المثيرة للاهتمام.
انها قصة فيها كم وفير من الفانتازيا ممزوجة بوقائع حياتية ضاجة وصاخبة.
قصة حب جميلة هذه (عند بائع الورد) اجهز عليها تردد بطل القصة وخجالته. هي تواصل اطلالتها الشهرية عليه، في دكانه ذاك بحثا عن عطرها المفضل، لكن المصادفة تجمعنا ولكن بعد ان ذوت الروح، وشاخ الجسد، انها تشعر بالسعادة والحزن معا، فعندما تأتي الاشياء الجميلة في غير اوانها، يزداد الحزن بها وعليها، فمع الاحلام المستحيلة بسبب تسويف الانسان هناك قدر من الحزن وقدر من البكاء ولم تجد ازاء حب غدا مستحيلا، الا ان تفترق عنه، وغامت كالطيف في عتمة زقاقها.
لكن بعد ان عاتبته عتابا صاعقا، لكن شفيفا حييا دافئا، فمثلك ذكي نابه حساس يحدس الاشياء، فأنت اللماح كان عليك فهم مغزى تلك الاطلالة الشهرية انها ما كانت تبحث عن العطر في دكانه الفقير ذاك بل كانت تبحث عنه.
قصة جريئة هذه (تاريخ العائلة) كنت قرأتها عند نشرها اواخر التسعينات الماضيات في مجلة (الاقلام) الرصينة، خاف نشرها اكثر من مسؤول عنها، فتولى اطلاق سراحها الناقد والقاص حسب الله يحيى، فيها تورية وكناية كما يقال في علم البلاغة العربية، عن هذا الذي اكل اعمارنا، وزجنا في مشاكل لاحل لها ولا حدود، تطالعنا صوره ليل نهار، يضطهدنا وينغص عيشنا، ولا مندوحة لنا الا ان نقبل اطلالته الجافية علينا، فهو كالعدو- كما يقول المتنبي العظيم- الذي ما من صداقته بد.
قصة جميلة- هي الاخرى- هذه التي اسماها حكاؤنا الماهر حنون مجيد بـ (حين يباع البيت) تصور حال العراقيين، ايام الحصار، الناتج عن المغامرات العابثة، وعاقب الناس فقط، فالاب الذي ينوء اهابه تحت طلبات الابناء اليسيرة، يقرر في ساعة صفاء تجمعه بزوجه، ان لا حل لمشكلات الحياة الاسرية، الا ببيع البيت، والاعتياش بالمبلغ المتبقى من شراء بيت بمواصفات اقل من مواصفات بيتهم هذا، ويظل الاب يعيش حلمه الوردي هذا، دون ان يكحل عينيه بقدوم من يشتري البيت.
الجميل في هذه القصة، هذا التنوع في خاتمة كل فصل من فصول القصة، الذي تحول الى لازمة تدور حول ثيمة بيع البيت فهو يردد متأسيا، سأمسح كل هذا وسأغير كل شيء عندما يباع البيت.(ص143)
وهو اذ يطلب مشورة زوجه، سائلا اياها اين الحل؟ تقول همسا. سيظل كل شيء على حاله حتى يباع البيت.(ص144)
ثم لا يلبث ان يجد شيطانا دخل رأس احد اصحابه ليقترب منه، يشد على كفه قائلا: متى يباع البيت؟ ويتكرر هذا السؤال من صديقه اللعين، متى يباع البيت؟
واذ يغلق عن رأسه كل تفكير بحل اخر، اذ في الحقيقة لا حل لدى سوى بيع البيت.(ص146)
وحتى طال الزمان عليهم، زمان الجوع، ولا من يشتري البيت، يحاور الرجل نفسه.. الم تر الرقعة ما تزال تصرخ بفم مفتوح اناء الليل واطراف النهار: البيت معروض للبيع.
وحين يضربهم جوع الحياة المحاصرة، يقرر ان يجعل الرقعة الموضوعة في واجهة البيت اكبر ان اجعلها كبيرة واضحة اولا، وتتلألأ بالالوان ثانيا، وبحيث تملا العين وتنادي على الرائح والغادي: ان هلموا لشراء البيت.(ص151)
وحين تذوي الرقعة وحروفها تحت وطأة الشمس، يقرر كتابة رقعة كبيرة بحروف واضحة وفي اطار الرقعة الجديدة والامل الذي اطار من عيوننا النوم، نحن الذي ما عدنا نخشى يوما اذا اكلنا فيه، قد لا نأكل في اليوم الذي يليه، بتنا نترقب القادم الجديد، الذي سيشتري البيت.(ص153)
لكن مع مرور الايام يذوي المشروع ويضمحل، اذ ليس هنا من يقدم، وليس هناك من يشتري والرجل واسرته يحيون حلما بعيش هانئ، قد يأتي ولا يأتي ولعله لن يأتي ابدا .. لن يأتي ابدا.
اذا كانت رواية (شفرة دافنشي) للروائي البريطاني الاشهر دان براون، قد جعلتني منبهر الانفاس، وانا اجوس خلل احداثها الصاعقة، او بالحري انها اكثر رواية جعلتني منبهرا كضبي المنخل بن عبيد اليشكري البهير، فأن قصة (قيادة الاعمى) طواف في ما يشبه الحلم، والتي اهداها الى روح صديقه الاغلى الراحل الجميل حسني الناشيء، احداثها هذه القصة، التي تشبه الحلم، او هي طواف فيه قد جعلتني اقف منبهرا، وانا اجوس، بتوجس وترقب وتحسب لمآل هذا الاعمى الذي ينحدر في طريق جانبي لعمارة شاهقة، غير مسور ولا مسيج تعترضه العوارض والريح الهوج العاصفة، تتلاعب به وهو على ذلك العلو الشاهق، وصديقه على الارض عينه المبصرة يدله على الطريق، وليتفادى عوارضه، ويجنبه السقوط من عل، ولما كان في الطوابق العليا، لا يكاد يتعرف على نداءات صديقه ذاك، الذي يدله على الطريق، حتى اذا تدانى منه نزولا استطاع معرفة صوت صديقه صاحب الاسمين اللذين يجمعان بين كناية الحمد والحنان، وكانت له معه حياة حافلة بالمعنى، فالان وقد عرفت حق لي ان اسرع اليك لكن ذا الا سمين يفصح له عن الحقيقة الصادمة يناديه بأعلى صوته: حذار، حذار يا صديقي حذار… الان، اكتشفت انك صديقي الميت حسني الناشيء (…) انا صديقك، صديقك الخؤون الذي يقودك اللحظة سالما على الارض، بعد ان ترك لك الحبل على الغارب لتموت في السماء.
عتاب صوفي شفيف من الذات وللذات، التي- ربما- كانت مقصرة، او شبه مقصرة مع هذا الصديق الميت الحي في الذاكرة، فجعلته يطوف عليه طيفا في المنام، حلما ليتخلص من مكبوتات التقصير، تجاهه، وفي علم النفس ترد الاحلام- غالبا- تنفيسا عن مكبوتات وعتاب مع الذات، مع القرين.
اذا اردنا الوقوف عند من كتب في فن القصة القصيرة جدا في العراق والعالم العربي فلا بد ان نقف عند حنون مجيد، بوصفه مجليا في هذا الفن ومجيدا كذلك الى جانب: زكريا ثامر ووليد اخلاصي وابراهيم احمد واحمد خلف وعبد الستار ناصر وخالد حبيب الراوي وزهير بهنام بردى وفرج ياسين والراحل يوسف الحيدري، واذ نشر عددا من قصصه القصيرة في مجموعته القصصية (على الطائر) ومثلث جزءا منها، فانه جعل كتابه (وردة لهذا الفطور) الصادرة عام 2007 في ضمن سلسلة (افاق جديدة) التي يواظب الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق على اصدارها، خاصا بهذا اللون الابداعي، وكانت السمة الطباقية واضحة في عديد قصصها مثل: اللذة المستترة والعجوز التي تطربها مشاكسة الصغار، حتى اذ خلا الزقاق منهم صرخت اين يا ترى ولى الاوغاد، هي التي كانت تظهر برمها بزعيقهم ومشاكساتهم لها، فضلا على قصة (نصيحة) فحين ينتبه بائع الخضار العجوز الى ضرورة الانتقال الى الجانب الاخر من الشارع، لبيع بضاعته هناك لاينتبه للسيارات الغادية بسرعة، ليخلو منه الطريق بعد بضعة ايام.(ص11)
في (براءة) هو يرش حديقته بالماء، وعصفور صغير يتقافز امامه، يلتقط ما في ارض الحديقة، وبدون ارادة منه بوجه خرطوم المياة نحوه، فيحرمه حرية الطيران واذ يسعفه بتجفيف ريشه يطلقه نحو شجرة كثيفة الاغصان، لكن يفجعه ان وجده صباح اليوم التالي يرقد على الارض، وقد تسربت الى جسد، الذاوي اسراب النمل.(ص14)
في (مواجهة) يعقد الحكاء الماهر حنون مجيد مقارنة بين العقل والحذاء، فهذا الذي شمل المكان بنظرة فيها تعال وكبرياء، يطيل التحديق الى قبعته البنية، التي لاءمت لون بدلته، مزهوا بها، التي تمثل معادلا موضوعيا لرأسه، ولربما لما في الرأس من علوم وافكار وشهادات، يعقد قاصنا المجيد حنون، صورة طباقية مغايرة فاجعة اذ لا يلبث ان يجالسه في مقهاه ذاك، من يستخرج من علبة كان يحملها، حذاء جديدا يظل يتأمله مطيلا التحديق فيه كما اطال ذا التحديق بقبعته، وياللمفارقة يضعه قبالة قبعته، في طباقية مكتنزة بالدلالات مواجهة القبعة مع الحذاء، العقل ازاء البلادة، الاكتناز الجسدي، ازاء النحافة والرشاقة.
في (اعطنيها) كذلك بنية طباقية تكتنف اجواءها، حيث بشكو بطلها، صاحب الشهادة والشهادات، الما يدفعه لمراجعة مشفى عام مكتظ بالمراجعين، يحاول عامل الخدمة موفور الصحة تنظيم صفوفهم، واذ يتمادى الجمع بالفوضى، يصرخ به مشيرا الى رقعة على الجدار مكتوب عليها ضرورة مراعاة الهدوء والنظام، الا تقرا وتكتب؟ مخاطبا ذاته ان كنت تريد الحق فنعم، لابل شهادة وشهادات، فأعطني صحتك وخذ مني ما تشاء. (ص22)
(سكر) بنى طباق مؤسية، فالرجل يقتعد كرسيا وبيده قدح شاي، ينظره شخص اخر تهفو نفسه، لهذا الشراب الساحر، الذي يظنه مشبعا بالسكر، واذ تتحرك به السيارة يظل مناجيا ذاته عن سعادة هذا الذي يشرب شايا بدعة وهدوء، وما دراه انه يشرب شايا مرا، لانه مثله مصاب بداء السكر.(ص41)
وفي (سوق العميان) تصوير مأساوي لضيعة المرأة واساها في سوق العميان، الذين حاروا في اكتناه فحواها.
في (غراب) التي قرأتها منشورة في جريدة (الثورة) اول مرة تصور مفارقة هذا المعتز بعقله ونفسه، وقد ضربه جوع الحصار، يحاول وقد تأبط كتبه، اختراق اصحاب الدشاديش المكتنزة جيوبهم بالمال، واجسادهم باللحم والشحم، وكان يرى نظراتهم تتساقط على كتبه كالذباب ويسمع تعليقاتهم تقول: ماهذا الغراب؟
في (المستحيل) يلقم كتابه النار، بسبب كلمات خشي منها، او عليها، واذ تحول كتابه الى هشيم تذروه الرياح، وجد ان تلك الكلمات لم تأت عليها النار، وبقيت عصية عليها، لعل القاص حنون مجيد يرمز بذلك الى الحقيقة، او فكرة تروق لصاحبها فالنار مهما عظمت لن تستطيع ان تمحو حقائق الاشياء.(ص77)
هناك مفارقة تطل برأسها حتى في حلم اصحاب الكتاب وقارئيه ومحبيه، الذي يمثل ضرة لا بل ضرات للزوج، التي اختار لها زوجها بدلة جميلة انيقة تليق باناقتها وجمالها، حتى اذا ذهب لا لتقاط كتابه كان السارق اسرع منه اليها، اذ ذاك تصب الزوج جام غضبها على ضرتها، الكتاب.(ص77)
قصة مأساوية تصور حياتنا نحن المتقاعدين سنوات الحصار دوَّنها حنون مجيد في (كل ثلاثة اشهر من ذلك الزمن السعيد) اذ كنا نشعر ببعض غنى كل تسعين يوما، نشتري طعاما يكفينا يوما واحدا برواتب التسعين يوما، ونبتهج مرة واحدة كل تسعين يوما، وتمضي بقية ايامنا ببيع ما بقي من اغراض الدار ولوازمه. حتى لم تبق فيه الا انوفنا العالية، في مواجهة من اراد اذلالنا، وما دراه اننا كالاشجار فالأشجار وحدها تموت واقفة.

شاهد أيضاً

علي چاسب*: رواية “رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم في أستحضار الغائب العراقي (ملف/63)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *