جاسم عاصي: تشكيل نواة النص .. من خلال توالي الرؤيا

يحاول القاص – جابر خليفة جابر – تأسيس نهجه في كتابة القصة معتمدا على خزين من المعرفة المؤسسة على استقراء حواري جدلي لما هو متوفر في المتون حيث يوظف مثل هذه المعرفة داخل نصه، عن طريق استخدام تراكم الشفرات او العلامات التي تقود بمجموعها إلى فك أسرار النص موضوعيا أو فنيا، فإنه يختزل المسافة السردية نحو أسلوب إفراغ محتويات الذاكرة .
لكنه يبدو في هذا الجانب متحكما لربط أواصر نصه أو نصوصه التي تعتمد المتوالية أو الترتيب في علاقة هذا النص بالذي سبقه وهكذا.
في قصة – المسلة والمنظار – توجب على القاص ان يطرح موضوعه على أساس الانثيال  أيضا .
والذي أسس بنيته السردية على طاقة اللغة والنثر المركز الذي لا يوحي بلغة مركزة فحسب بل يطلق شفراته المعرفية التي تضيف إلى معجم القصة معلومة جديدة تلو أخرى كما تشد أواصر النص فرواته تتعد صيغ طرحهم وهم يحاولون بالنتيجة إلى ثقب جدار الظلمة نحو فضاء الضوء. أي أن محاولاتهم هي محض كشف واجتهادات تنقيبية أدتها اللغة والشفرة التي تعود إلى التوصلات .
فالمجهول لدى روايته يقود المتلقي وذلك بتنشيط الرؤيا والمخيلة التي تنتج طرائق الدخول هذا .
فقصة – المسلة والمنظار – ابتدأت باسلوب التدوين وبهذا يكون موضوعها طرح مشروع الإضافة المتتالية أي نحن نفترض كوننا أمام مصدر معرفي يضيف شيئا جديدا لمصدر سابق فالراوي هنا، هو ما يدون مادته و رؤاه معتمدا على مصادره، وهذه الخاصية توصي بمقابلة ذو معرفة يحفزنا للخوض اولا ولمقارنة التفاصيل بالاصل ثانيا، وباستقبال المعرفة الجديدة الكلية ثالثا وهو جهد غير يسير وسهل لذا اعتقد ان القاص جابر خليفة جاء يسير على ارض ملغومة بالحذر من بروز حالة مغايرة أو يقود النص باتجاه خارج معارف المتلقي لكن مما يوحي به نصه انه يبني ثيمته ودأبه على ذاكرة نشطة ومتحكمة ومرتكز لغوي ومعرفي متمكن لذا فقد أنتج القاص نصا إحتوى كثيرا من المميزات التي يصعب تأشيرها هنا. وجسد حالات إنسانية كبيرة، لعبت الحرب كواحد من المرتكزات الموضوعية التي دفعت بالقاص الى التشبث بخلق أنساق فنية وتشكيل بنى موضوعية مغايرة لما احتواه القص عامة، وذلك باتباع متواليات لأنساق تتقارب في نسيجها ودلالاتها او تتناقض، مما يشكل درجة من الإيحاء منه أي الأنساق، ما هي إلا إشارات دالة تزيح وتضيف رموزها ومسمياتها .
فيما بعد يعمد في – قصة تخطيط أول – الاعتماد على الزمن كمرتكز لدلالة الأشياء المحيطة أو الفعل الإنساني .. وهو باستخدامه هذا ما يشير إلى تحرك الزمن، إنما يربط هذه السلوكيات والتنامي إلى بعضها أولا، ويعكس الحالة النفسية ثانيا، والقاص في ترصده للتغير النفسي لا يعتمد التفاصيل التحليلية بقدر ما يخلق ترابطا شعوريا وإشاريا بين أقطابها. إذا ما عرفنا ان النص هذا في بنيته الموضوعية لا يعتمد على حالة واسعة بقدرما يشير إلى حالات موزعة تتطابق مع العلامة اللونية في اللوحة التشكيلية.
وبمجموع هذه الألوان والخطوط والحالات، والحركات تنتج الصورة الأساسية لحركة أبطال النص، خاصة – شهاب البحر – والذي استخدم دالة لدلالة أيضا .
إن القاص يقسم نصه إلى مقاطع رغم عدم تأشيرها. لكن الزمن ما يجزئها. وذلك باستخدام كلمات مثل ” فجرا – ضحى، بعد الظهيرة، غروبا ” وبذلك كان قد أعطى متوالي المفردات الدالة، ومنحنا قدرة على تخيل حالات نصه خلال يوم معتمدا في سرده على مستويين الاول راو غائب، وراو يتمثل في صوت – شهاب البحر – حيث تتماهى الحدود بينهما، وتتداخل الرؤيا حتى أثناء غياب ما يشير إلى – شهاب البحر- وما يرويه .
إن سر  نجاح النص هو تماهي هذه العلاقة بين الاصوات حيث إستلهمها النص على إنها وحدة مروية واحدة صادرة عن ذاكرة بحار – إذ استخدم القاص الألوان، والظلال لتشكيل لوحته، والزمن يلعب دور الفرشاة في تغيير واضافة على هذه الضربة او تلك، وهي رحلة للراوي بقدر ما هي واقعية أي متابعة الباخرة – طريدون راسية في الميناء وحركة – شهاب البحر – وهو يغادرها، كذلك اكتمال اللوحة باختلاف الالوان المتمثلة في بدلة البطل شهاب الا ان ذلك يدفع المتلقي إلى استلام نص متخيل يخفي ما يمكن في ذات النص المباشر. وطريدون، هذه رمزا مستخدما في نصوص القاص خاصة في هذه القصة او قصة – المسلة والمنظار – على اعتبارها وسيلة للكشف والتحول .
والقاص في تغيير بنى سرده، يعتمد الأفعال الدالة على ذلك قبل، ” أنجزت – رأيت توالت عدت – الخ ” وهي متقابلات لأفعال تنتج أفعالا مغايرة لأنماط سرد وبالتالي لرواة، وبذلك يظهر راو جديد قد يتماهى كما أسلفنا، مع راو أخر ، لكنه يشكل خصوصية، في المحصلة النهائية يندفع النص نحو حافة أكثر زحزحة وقلقا وهي كذلك بفعل كبير ” المجلد على الأرض محززة بالاسلحة ومدعوكة بعنف، ورأيت بصمات تملأ اللوحة كلها وبسطال اسود محفورة اخاديد بقسوة “. هذه الصورة تشير بداهة إلى الحرب كحالة مداهمة مشوهة خاصة ما استهدفته في النص لمتون المعرفة – المجلدات – وهي انما تتعلق انماط حركة النص ومعلوماته عند القاص والقصاصين الاخرين .
ولا تكفي صرخة – شهاب البحر – في النص ” من رسم هذا على سجل الباخرة ؟ من لطخ بدلتي بالوحل ؟ ” خلاصة للاحتجاج بقدر ما تفتحه من جديد لبناء نص جديد من المتوالية القصصية لانه أي المداهم – الحرب – قد أستهدف مصدرا معرفيا في نظر الراوي المتطابق مع رأي الراوي الاول. وجميع الرواة الذين يتوافدون ويتوالون على روي ما خفي عنا من عميق الكلام .. في سر الحكاية .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.