د. قصي الشيخ عسكر : القاموس الثلاثيّ المشترك عربي دنماركي إنكليزي (1)

إشارة :
ببالغ الاعتزاز، وبعد أن انهينا نشر حلقات الكتاب المهم للمبدع د. قصي الشيخ عسكر ” قاموس المنقلب والمتحوّل من الكلمات” الذي خصّنا بنشره، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر كتابه الجديد الفريد “القاموس الثلاثيّ المشترك – عربي دنماركي إنكليزي” الذي يحاول فيه أن يجد بعض المتداخلات بين تلك اللغات الثلاث التي تبدو متباعدة لكنها اقتربت من بعضها في بعض النقاط على مرّ المراحل والعصور. فتحية وشكر للمبدع د. قصي الشيخ عسكر.
الدكتور قصيّ الشيخ عسكر
القاموس الثلاثيّ المشترك
عربي دنماركي إنكليزي
(1)
تقديم
قد يتبادر إلى بعض الأذهان أننا نعني بكلمة القاموس الثلاثي المشترك أنّ الكلمات التي وردت في هذا القاموس جاءت من أصل عربي فقط،وهو أمر بعيد كلّ البعد عن الواقع،فقد يكون أصل هذه الكلمات دخل العربية من منابع مختلفة خلال فترات زمنية متباعدة،كالأصول التالية:
1- المنبع اللاتيني حيث امتداد اللغة اللاتينية على رقعة واسعة من الأرض مما جعلها لزمن طويل لغة العلوم والدبلوماسية.
2- المنبع الإغريقي،وما يقال عن اللغة اللاتينية يمكن أن ينطبق على اللغة الإغريقية،أما اللغة الآرامية فقد تغلغلت في شمال جزيرة العرب حتى حدود الحجاز وبقيت اللغة الرسمية طوال قرون قبل الميلاد في بابل وآشور وفارس ومصر والشام 1.
3- المنبع الحبشي كورود كلمتي الطاغوت Tawotوكلمة العمالقة التي تعني في اللغة الحبشية الآلهة للدلالة على آلهة الوثنيين 2.
4- المنبع الفارسي إذ انتشرت اللغة الفارسية في زمن ما على بقاع كثيرة حتى لقد قيل إنّ معظم الألفاظ الدالة على الحضارة والملك والأثاث في اللغة العربية منقولة عن الفارسية 3 .
5- بعض اللغات السامية كالآشورية والعبرية والأثيوبيّة وهي لغات تنضوي تحت عبارة العائلة اللغوية ذات الاصل المشرك.
والحق إننا لانريد أن نغصب اللغة العربية حقها كذلك حقّ اللغات الأخرى على الأقل من الناحية التاريخية،فقد دفع التعصب في كثير من الأحيان وحسن النية في بعض الأحيان بعض باحثينا إلى أن يرجعوا أصول اللغات الأخرى إلى صوت عربي،وهذا تفكير غير سويّ يجانب الواقع والصواب،ونستطيع أن نضرب مثالين على ذلك الأول :مما نحمله على التعصب وهو ما تبثه بعض القنوات الفضائية العربية وماتنشره بعض وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة من برامج ومطبوعات تحاول فيها أن تثبت الأصول العربية للغة الإنكليزية وبعض اللغات الأخرى ، أما المثال الآخر الذي نحمله على حسن النية فهو ماكنا نقوم به في مراحل دراستنا الجامعية الأولى من محاولةٍ لقراءة صوت عربيّ في كلّ كلمة إنكليزية حتى إذا اطلع أحدنا على معارف جديدة غيّر في الكثير من قناعاته السابقة.
إنّ النصوص الآشورية القديمة ذكرت كلمة بدو وعرابا أي العرب مقترنتين بكلمة ثمود،لكننا لانعرف كيف كانت تركيبة لغة هؤلاء العرب الذين بادوا واندثرت أخبارهم كما ورد في القرآن الكريم “وإنه أهلك عادا الأولى وثمودا فما أبقى ” 4،ولم يصل إلينا شيء ما عن طبيعة نطقهم الكلمات،أما لغة اليمن القديمة أو لغة سبأ فمن التجني أن نجعلها المصدر الذي تشعبت عنه سائر اللغات السامية 5،لكونها اندثرت أيضا ولم يبق منها إلا شذرات لاتدلّ على كونها أصلا لجميع اللغات السامية،وما ينطبق على سبأ يمكن أن يقال عن حمير وهي قبيلة لايمكن لأحد أن يفهم كلامهم،ويقول العرب في أمثالهم من دخل ظفار حمر 6 إذ نُسِبَتْ كلمة الطمطمانية إلى قبيلة حمير سخرية منهم 7.
أما الذي نميل إليه نحن،فهو أنّ لغتنا العربية قد وصلت إلى مرحلة النضج من حيث القواعد والفصاحة والنطق وتركيبة الجملة كما نلزم به أنفسنا الآن وصلت إلى ذلك على وجه التقريب زمن الملكة الزباء أو زنوبيا أو زينب أم وهب اللات التي عاشت إلى حدود عام 285 بعد الميلاد أي قبل وصول أقدم النصوص الشعرية الجاهلية إلينا بـ 150 عاما،تلك الملكة التي ورد اسمها في كتب التاريخ والشعر والحكم والأمثال 8 ،ومن زمن النضج إلى الآن منحت لغتنا إلى اللغات الأخرى كلمات،واستوعبت أيضا كلمات،لاعجزا من الآخرين ولامنّا – نحن العرب – لكنها سنة التبادل والاخذ والعطاء،وقد جاء هذا القاموس ليبين ما اشتركنا فيه مع الإنكليز والإسكندنافيين سواء ماأخذوه منا أم مااستعرناه منهم من دون تعصب أو انحياز.
وخلال مراجعتنا للقواميس التي أشارت إلى الغريب في اللغة الدنماركية كذلك القواميس الإنكليزية التي أشارت إلى أصول الكلمات وجدنا أنّ القواميس الدنماركية اشتملت على مايقارب من ثمانين كلمة عربية يمكن أن ندرجها ضمن الآتي:
1- بعض هذه الكلمات هي مصطلحات إسلامية أو عربية قد يوجد مرادف لها في اللغة الدنماركية والإنكليزية مثل لفظ الجلالة.
2- بعض هذه الكلمات هي مصطلحات إسلامية بحتة ليس لها من مرادف دنماركي أو إنكليزي مثل شيعي،سني،فقه،سيرة،حديث،وحج إلخ…
3- بعض الكلمات أصبحت معجمية فقط مثل كلمة Chabirالتي يلفظها القاموس الدنماركي Zabir ويعرفها بأنها تعني مرشد القافلة أو دليلها.
في الحالات المذكورة أعلاه لم نعدّ الكلمات السابقة من المشتركة،وقد وضعها مؤلفو القواميس لفائدة الباحثين والمختصين وعامة الناس من أجل أن يشرحوا لهم ماغمض عليهم من فكر عربيّ إسلامي اللهمّ إلاّ إذا وجدنا مصطلحا أدرجه قاموس ما ضمن تعريف خاطيء فإننا نشير إلى ذلك في موضعه.
ولو قارنا بصفة عامة بين القواميس الدنماركية والإنكليزية التي ذكرت الكلمات العربية لوقفنا عند الحالات التالية:
1- قد يختلف القاموسان الدنماركي والإنكليزي في نسبة كلمة ما،مثل كلمة ليمون التي ينسبها الدنماركيون إلى الإنكليزية والإنكليز إلى العربية.
2- قد يخطيء القاموسان في التعريف مثل تعريف كلمة المهدي.
3- قد يذكر قاموس ما صحّة نسبة كلمة ما لكنّ تعريف القاموس لتلك الكلمة يبدو مشوشا وغير دقيق،كما سنجد ذلك في موضع كلمة حنّاء.
4- وربما يتفق القاموسان في نسبة كلمة ما إلى لغة ما لكنهما يختلفان حول أصلها في تلك اللغة مثل نسبة كلمة ابن Ben وهو اسم مشهور في اللغتين ويحمله الكثير من الإنكليز والاسكندنافيين،غير أنّ القاموس الدنماركي ينسبه إلى ابن Son في اللغة العبرية أما الإنكليزي فينسبه إلى بنيامينBenjamin .
5- ولعلّ بعض القواميس الدنماركية تتجاهل الإشارة إلى أصول كلمة مشتركة مثل كلمة ياسمين الموجودة في اللغات الثلاث والتي ترجعها القواميس الإنكليزية إلى أصول فارسية،كذلك قد لايذكر قاموس ما في اللغة الإنكليزية أصل كلمة ما وتجدها في قاموس آخر،فالأمر بحدّ ذاته تتحكم فيه سعة المعرفة والشمولية والنهج والموضوعية.
6- وبغض النظر عما سلف فإنّ القواميس الإنكليزية والدنماركية تتفق في الإشارة إلى الأصول العربية لعدد كثير من الكلمات مثل الجبر والحناء والسمت وغيرها من الكلمات الأخرى.
7- ولعلّ القواميس الإنكليزية راعت في بعض الأحيان مانسميه نحن في لغتنا العربية بعملية النحت في إرجاع أصول بعض الكلمات بشكل يبدو مقبولا ومألوفا ويتلخص ذلك في دمج كلمتين عربية وهندية لتصبح الكلمتان كلمة واحدة على سبيل المثال كلمة طـاشلدار التي يذهب القاموس الإنكليزي إلى أنها مركبة من كلمتين طـاشل = جامع وهي كلمة هندية أوردية ودار العربية أي بيت الضرائب أو مديرية الضريبة والكلمة Tashildar موجودة في القواميس الإنكليزية والدنماركية أو كلمة فلين التي هي دمج من كلمتين عربيّة وإسبانيّة كما سنذكره في موضعه.
وإذا كانت تلك الكلمات قد انتقلت من العرب إلى أوروبا في الزمن الماضي عبر الاندلس والتجارة فيجب أن نضيف عاملا مهما الآن هو الاستعمار المباشر الذي اكتسحت فيه بعض شعوب اوروبا مثل البرتغاليين والإنكليز والفرنسيين والاسبان العالم فقد أخذ هؤلاء بعض الكلمات من الشعوب التي احتلوها وأية قراءة متمعنة في القواميس الإنكليزية يجد القاريء عبرها كثيرا من الكلمات الاجنبية التي ضمتها بين طياتها تلك القواميس.فهؤلاء المحتلون نقلوا إلينا الكثير من مفرداتهم واكتسبوا منا بعض المفردات والمصطلحات.
ثم يجب ألا نغفل بعض التشابه في نمط لغتين أو أكثر، فلعل في طبيعة لغتين مختلفين أو بعيدتين بعض التقارب في قضية ما أو عدة قضايا نضرب على ذلك مثلا الأداة “en ” في الدنماركية وهي أداة للتنكير إذا جاءت في بداية الكلمة en radio لكنها تصبح اداة تعريف إذا جاءت في نهاية الكلمة radioen وفي لغتنا العربية إن التوكيد يخص الأفعال لا الأسماء وقد احتفظ به بعض سكان جنوب العراق يقول أحدهم أروحن اسمعن والنون ذاتها يلحقونها بالاسم كما يفعل الاسكندنافيون بخاصة كلمة راديو فهم يقولون راديون وقد سقت هذا المثال لأقول إن هناك تقاربا ما بين اللغات مهما كانت متباعدة مما يدل على أن هناك بعض القواسم والسمات المشتركة بينها.
وهناك أيضا الاحتكاك المباشر بين الشعوب بسبب التقدم العلمي الحاصل الآن وأكبر دليل على ذلك الأنترنت وشبكة التواصل الحالية الألكترونية التي تقرب المصطلحات والمعاني والمفردات.
توكيدا لما سبق أود أن أكون بوضعي هذا القاموس قد حاولت أن أجد بعض المتداخلات بين تلك اللغات الثلاث التي تبدو متباعدة لكنها اقتربت من بعضها في بعض النقاط على مرّ المراحل والعصور.

هوامش :
1-اللغة الأم،عبد العزيز بن عبد الله،مجلة اللسان العربي،مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي،الرباط،مج11،ج1 ،1974 ،ص8.
2-الألفاظ الحبشية في العربية،شفالية دي دعد،مجلة المجمع العلمي العربي،ج5و6 1923 ،ص158.
3-بين العربية والفارسية،حامد عبد القادر،مجلة المجمع العلمي العربي،ج3 ،1960،ص369.
4-النجم/51.
5-اللغات السامية في مجال علم اللغات،محمد سليم رشدان،مجلة اللسان العربي،دت،ج1، 1970 ،ص44.
6-معجم مقاييس اللغة،أحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون،القاهرة،1366 ،ص69 ،مادة ثب.
7-العقد الفريد،ابن عبد ربه،1/294 ،وانظر كذلك اللهجات العربية القديمة،جم رابن،ترجمة عبد الرحمن أيوب،مطبوعات جامعة الكويت،1986 ،ص97.
8-الطبري، المسعودي،ديوان عدي العبادي،مجمع الأمثال،للميداني،المستقصى المثل” أعز من الزبا ء”و “أمنع من عقاب الجوّ “وغيرها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

2 تعليقان

  1. قُصي الشيخ عسكر

    اعزائي وأصدقائي أسرة تحرير الموقع المحترمين
    انا عاجز عن شكركم لما تبذلونه من جهد كبير لا في النشر لي فقط بل لما تؤدونه من دعم وتعريف بالثقافة والفن والفكر في العراق وهذا يدل على مستوى وعيكم ونضجكم الثقافي فما تقدمونه قد تعجز عن دول ووزارات لما يتطلبه من ثقافة عالية وكوادر كفؤة وصبر وموضوعية هذه المؤهلات التي تتميزون بها
    أكرر شكري لكم مع تقديري
    قُصي الشيخ عسكر

  2. نيابة عن أسرة موقع الناقد العراقي أتقدم بالشكر الجزيل إلى الأخ الأعز المبدع د. قصي الشيخ عسكر على كلماته الطيبة التي تعبّر عن روحه النبيلة وعلى كتاباته ومؤلفاته القيمة التي يخص بها الموقع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *