حوارات مع شيخ القصّاصين “أنور عبد العزيز”
حاوره : غانم البجّاري (ملف/9)

س24 : الأصالة .. المعاصرة .. الحداثة .. القديم والجديد .. مفاهيم ومناهج ، واتجاهات جديدة وقديمة .. واقعية وخيالية .. تسميات كثيرة سادت الحياة الثقافية ، والأدبية ، وقد برزت على نحو خاص مع ما سمّي عصر الانبعاث ، في أوائل القرن التاسع عشر . ستستمر هذه المناهج والاتجاهات ، لا تتوقف مادامت ميكانيكية الحياة ، تأخذ بديمومتها من الحياة نفسها .. هل – برأيك – بأنها حالة صحية ، إذا ما تصارعت بينهما ، ورفضت إحداها الأخرى ؟ أم تعايشت وتآلفت لخدمة الثقافة عموماً ؟
ج24 : إنها أكثر من حالة صحّية .. السكونية في العمل الإبداعي مرفوضة .. الأصالة هي نسغ الإبداع .. المعاصرة هي التوافق مع تطور الحياة والحداثة هي واجبة أدبياً واجتماعياً وصناعياً واقتصادياً بالنسبة للأدب تبدو المسألة أكثر أهمية لأنها ترتبط بالتحديث . التحديث العقلاني الموسوم بروح تراثنا في مجمل إضاءاته وإبداعاته لكي لا يبدو غريباً عن الروحية التاريخية الحضارية لناس هذا المكان.. مع الانفتاح الدائم على كل تجارب الأمم والشعوب مع استذكار مقولة غاندي : لتهب عليّ كل ثقافات العالم ولكنني أتحداها أن تقتلعني من جذوري .
س25 : على ذكر القديم والجديد .. جاء في مقال الأستاذ حسب الشيخ جعفر تحت عنوان محاولة في الكتابة نشرت في مجلّة عمّان / العدد (92) .. مهما يكن التجديد صغيراً ، أو قاصّراً فإنه أجدى من التكرار .. هل تتفق معه ، أو تخالفه ، ولماذا ؟
ج25 : لا أعتقد أن أحداً يختلف مع مقولة الشاعر حسب الشيخ جعفر فهي مقنعة فعلاً لأن أيّ تجديد مهما كان صغيراً فهو أفضل مع التكرار الممل والعاجز ولماذا نكرّر ونحن نستطيع الإضافة من جديد الإبداع ؟!
س26 : تحت أهداف قريبة ، وبعيدة ، تتجمع بعضها مع البعض الآخر لتلتهم اللغة من منظور الحداثة ، كأن يكون النص مكوناً من بضع كلمات ، أو سطر واحد فقط .. ألا تتفق معي على أن جوانب الإبداع لا يمكن أن تكون مرآة على الصدق الفني لذلك العمل ؟
ج26 : مع إيماني بكل معطيات الحداثة فلست من المؤمنين القانعين بإبداع يتكون من سطر أو نصف سطر أو كلمات شحيحة ، ومن الطريف أنّ أحد كتّاب القصّة القصيرة جداً أخذ يتحدث عن التجربة الحياتية في نصّه وحركة الشخوص وتعيين المكان والزمان وصراع الأقدار .. وعندما تعود للنصّ تجده في ست كلمات .. فأي صراع وأيّة تجربة حياتية ؟! القصّة القصيرة جدا ً( ق . ق . ج ) هي كلمات قليلة مكثّفة ومركزّة تنتهي غالباً بمفاجأة ذكيّة جميلة ومشّوقة .. حادّة أو طريفة في حالات ، وهي لون من الإبداع وجنس حيوي ولكنها لا تحتمل أن نحّملها ما لا تطيقه وما هو قد يرتبط بالقصّة القصيرة أو الرواية .

المحاور الأستاذ غانم البجاري

س27 : ما مدى خطورة العولمة ، على الثقافة العربية التي تسعى لإدماج العالم ، في منظومة قيم موحدة تذوب معها ملامح الشعوب .. كما تعرفها د. زهور في إحدى مقالاتها ؟
ج27 : لن أقول : العولمة ولكن التحديث بمعناه الشامل شيء مقبول شرط – وكما ذكرت في جواب سابق – أن نقرن هذا التحديث بروحية حضارتنا وتراثنا عندها ستكون المسألة متناغمة فالتحديث هو المعاصرة والتطوير والتجديد هي كلها مسميّات مقبولة ومهّمة وحيوية ..
س28 : الصورة التي خزنتها ذاكرتك ، وأنت تعيش أحداث الاحتلال واغتصاب البلد ، وعرايا سجن أبو غريب .. الذي أبدع الفنان التشكيلي شاهين علي الظاهر ، برسم لوحة الغلاف لانكسار العراقيين عبر تلك الفضائح التي مارسها الأمريكان وراء الأسوار .. هل ستبقى في الذاكرة ، وتحتفظ بها طويلاً ، لنفسك .. أم هي مشروع كتابة ستلفظها مخيلتك ، بعد شهور ، أو سنين .. كوصمة عار في جبين المنادين بالديمقراطية الجديدة ؟
ج28 : كل الأحداث التي ذكرتها ليست شيئاً هيناً سهلاً وهي ستخلد في الذاكرة حتماً لسنين طويلة ، لأنها ليست أحداثاً عادّية مؤقتة بل مصيرية .
س29 : قصتك القصيرة حلم البلبل التي نشرت في الاتجاه الآخر بعددها ( 212 ) في 26/3/2005 هل كان هو حلمك القديم ، وصراعك للطنين الذي لازمك طويلاً فأفقدك لذة الاستماع إلى تغريده ؟
ج29 : بلوى الطنين بدأت سنة 1982 فأنا أحتفل بالذكرى التاسعة والعشرين لهذا المرض والبلاء .. ويقول الأطباء إنه من الأمراض النادرة في كل مليون من البشر .. وما دمت قد اكتشفت أن حلم البلبل هو الصراع مع الطنين الذي وظّفته فنياً لقصّة تتحدث عن المعاناة المدمرة ومعها حكاية البلبل ومعها مفهوم الحرّية عند هذا الطائر وعند بني البشر .. معها وصف مسيرة ذلك الإنسان المبتلى بمحن الحياة والتي لا يجد لها حلولاً تريحه .. معها علاقات ذلك الإنسان المتوحّد مع بلبله وبالروابط التي تربطه بالآخرين من ناس المحلّة والأقارب والعابرين دون هدف .
س30 : لمن أنت مدين ، بكل ما أنجزت من أعمال أدبية ؟
ج30 : لله تعالى المبدع الكبير لكل جماليات الكون الهائل المذهل .. ولرغبة أبي في محبة العلم والأدب والكتاب ، ولمواقف النّقاد والأصدقاء من الأدباء في تجاوز عدد مقالاتهم النقدية عن مجموعاتي القصصية لأكثر من ( 70 ) مقالة أدبية عبر عمري الأدبي لنصف قرن أو يزيد ، وأيضاً لعشقي للقصّة القصيرة والمأثورات الشعبية والمنجز النقدي الذي كتبته للعديد من الروايات والمجموعات القصصية ودواوين الشعر لأدباء من الموصل بل لغالبيتهم ومع أدباء آخرين من محافظات القطر ، كذلك مساهماتي في سبعينيات القرن الماضي في نقد أدب الصغار في جريدة الجمهورية ولأكثر من (15) مقالة نقدية ، وكذا لعدد من النقود لعروض مسرحية مختلفة في الموصل وبغداد وأيضاً لمعارض الفنون التشكيلية ، وأعتقد أنني مع كل تلك المنجزات والتي بلغت أكثر من ( 1000 ) مقالة وثمانِ مجموعات قصصية ومساهمات في سبع مجموعات قصصية مشتركة .. تعاملت معها بكل حرص وجديّة وإحساس كبير بالمسؤولية تجاه ما كتبته وما كتبوه عني حتى أدركت أنني قد تجاوزت مسألة الهواية إلى الاحتراف .. فالأدب حرفة ، وقديماً قالت العرب : أدركته حرفة الأدب .. أي حرفة الفقر والنكد والجوع والتعـب والإرهاق اللامجدي ، وجاءت غالبية هذه النقود من أدباء ونقاد الموصل والحلّة والسماوة والسليمانية وأربيل وديالى مضافاً لها عدّة نقود لكّتاب وأدباء ونقّاد عرب لمجاميعي القصصية أو للمنشور منها في الصحف والمجلات العربية ، وكان هؤلاء النقاد من دمشق وعمان وقطر وتونس والإمارات والقاهرة وباريس ولندن .. لهؤلاء جميعاً أنا مدين لفضل وكرم ومصداقية وجدّية وإنصاف نقودهم جميعاً مع محّبتي واعتزازي بما كتبوه دون أن أعرفهم أو يعرفونني وبخصوصية النّقاد من خارج العراق لهم جميعاً تقديري وللباحثة السّيدة نفلة حسن أحمد العزّي التي أعدّت عن قصصي رسالة ماجستير بعنوان : السرد في قصص أنور عبد العزيز القصيرة والتي نوقشت في 19/5/2005 على قاعة الأزدي بكلية التربية في جامعة الموصل وحصلت بها الباحثة على شهادة الماجستير وبتقدير جيّد جداً .
س31 : عملت في سلك التعليم ، ما يقارب الأربعة عقود ، تغرز نبتات العلم ، والفضيلة والأدب ، في نفوس طلابك ، فأينعت تلك النبتات ، وأصبحت أشجاراً باسقة ، أعطت ثمارها ، فمنهم من أصبح أديباً ، أو طبيباً أو مهندساً أو معلماً هو الآخر ، ومنهم من اتخذ التجارة عالماً له، ومنهم من آثر الحرف والكلمة على ذلك . كما أنك أسهمت في بناء أسس التعليم بإدارتك لمديرية الإعداد والتدريب بتربية نينوى ، طيلة السنوات الباقية ، لخدمتك في هذا المضمار الحيوي ، حتى إحالتك على التقاعد .. وكنت طيلة تلك السنوات تعمل بجد وإخلاص ، تجمع بين بناء أسس التعليم ، وثقافته في النفوس وفي رأيي أنهما – العلم والثقافة – متلازمان يكمل أحدهما الآخر .. فهل وجدت صعوبة في القبض على مستلزمات العمليتين ، في آن واحد ؟ أم كان العقل يضمهما معاً ، بكل يسر ، وكأنك خلقت لهذين العملين تتناولهما ، بكل حب وإخلاص؟
ج31 : العلم والثقافة عمليتان متلازمتان لا يمكن الفصل بينهما .. الثقافة هي العنوان الأكبر والعلم مكون من مكونات الثقافة وبه تتطور الحياة نحو الأفضل . أنا أحببت عملي كمدرس للّغة العربية في ثانويات خانقين وبلدروز وقره قوش والمجموعة الثقافية ومتوسطة الكفاح والإعدادية الشرقية وثانوية عبد الرحمن الغافقي من سنة 1961 ولغاية 1977 بعدها مديراً للإعداد والتدريب من سنة 1977 وحتى نهاية 1998 .. كمدرس احتضنتني تلك المدن وطلابها وأهليها بكل محبة ويعلم الله أنني كنت مخلصاً للغة العربية وتراثها وطلبتي الذين منهم الآن العديد من الأدباء والأطباء والمهندسين والمدرسين .. وفي الدورات التدريبية ولمختلف الاختصاصات كانت لي علاقات ممتازة مع الجامعة والمؤسسات الثقافية ومن خلال الندوات والحلقات الدراسية المشتركة ، لم أشعر أبداً أنني مدير لهؤلاء المعلمين والمدرسين في عشرات الدورات بل كنت أخاً محباً لهم ولمهنتي وعقدت مع كثيرين منهم أعمق الصداقات .
س32 : هل بإمكانك أن تذكر لنا بعض الكتّاب ، أو الأدباء ، أو الشعراء الذين ساهموا معك في بناء أسس الثقافة في المدينة ، وأبعدتهم رياح النسيان بقساوة ؟
ج32 : بناء أسس الثقافة في مدينة حضارية وتراثية كالموصل لا يعتمد على عدة أسماء لأدباء حتى لو كان تأثيرهم واضحاً إلا أنه يمكن القول أن عدداً من الأدباء ممن تحفظهم ذاكرة المدينة وعدداً ممن أبعدتهم وطوتهم وغيبتهم فعلاً رياح النسيان ، من أولئك وأولاء أذكر : ذنون أيوب وعبد الحق فاضل الصيدلي وأكرم فاضل الصيدلي ويحيى . ق وذنون الشهاب وعمر الطالب وغانم الدباغ وسالم الدباغ وطلال عبد المجيد ومحمد النعمان وغانم محمد شكري ومحمود جنداري وحمد صالح وصلاح حمدي وسهيل قاشا وسامي طه الحافظ ومحمود المحروق .
س33 : المرأة الأكثر تأثيراً عليك ، الأم ، الزوجة ، أم الحبيبة ؟ ومن هي التي ألهمتك الكتابة ؟ وهل هناك ثمّة امرأة تظهر وتختفي في قصصك ، أو بما معنى أنها لا زالت حاضرة ليس بالضرورة الأكثر جمالاً .. وإنما الأكثر والأعنف تأثيراً عليك ؟
ج33 : كلهن : الأم والزوجة والحبيبة .. ليس الجمال شرطاً جوهرياً وحيداً وإن كان مطلوباً بحدوده الضرورية .. الأحلى في المرأة : النباهة والذكاء وسرعة الخاطر والتآلف الروحي والبساطة والتواضع والحنان المشترك والإحساس الرقيق بمشاعر الرجل يقابله فهم المرأة .. باختصار المشاركة روحياً وجسدياً واحترام رغبات الآخر ومحاولة التكيّف مع هواياتها البريئة .. عندئذ لن تجد أي شرخ مما يعاني منه الرجال والنساء معاً .. أن تظهر امرأة أو حبيبة في بعض قصصي بشكل مباشر ملموس أو خفي مستور فهي مهمة النقّاد .. الكشف عنها لدى النقّاد سيكون له الوقع والأثر الجميل ، أما أن يصّرح القاصّ بأن قصته الفلانية خبّأت امرأة وقصته الفلانية جاهرت بوجود حبيبة مشتهاة ويصفها بتفصيل .. أرى أن ذلك يفسد ويشوّه عالم المرأة والقصّة معاً .. لندع المستور مستوراً إلا إذا توفر ناقد ذكي وحساس فكشف عن روحية عذبة لامرأة تختفي في قلب القاصّ وقصّته معاً .. عندها سيكون الأمر طبيعياً مفرحاً للقاصّ وربّما لعديد من القرّاء .
س34 : ذكر الأستاذ علي الوردي بما معناه : أن ثمّة أهدافاً مرسومة في مخيلته في بداية شبابه واستطاع أن يحققها عبر مسيرته الطويلة .. وفي أخريات حياته ، تبين أن تلك الأهداف هي ليست الأهداف الحقيقية وإنما ثمّة هدف واحد ، حقيقي ، كان غير مرسوم وقتها في مخيلته .. لم يستطع أن يحققه إذْ كان غائباً عنه .. فهل يا ترى ، أنت مثله ، وقعت في متاهات الأماني بعدما تجاوزت السبعين وما هو ذلك الهدف الوحيد الذي غاب عنك طيلة العمر ، ولم تحققه ؟
ج34 : نعم . نعم وكما تفضلت فأنا وقعت في متاهات الأماني ولكن مما يعزيني أنني لست الوحيد في خداع الأماني و(90% ) من الراحلين والباقين حالياً هم من ضحايا هذا الخداع اللذيذ الذي قلما نجا إلا القليل من أحابيله وشبكاته العنكبوتية .. وأؤكد ، نحن نعتقد أننا حققنا أشياء لوطننا ومدينتنا وأنفسنا ، ولكن ومع المراجعة الدقيقة الصادقة مع النفس نكتشف مع عالم الاجتماع الكبير علي الوردي أن ما حققناه في غالبيته لم يكن من الأهداف الحقيقية .. أي حزن وأي حرج وأي ندم وخذلان عندما نؤكد أن ما حصل لنا كان حقيقة ًوليس سراباً وخداعاً ، وأننا بعد كل هذا العمر نكتشف أن الأهداف الحقيقية التي سعينا إليها وبذلنا لها وفيها ما بذلناه من تعب وصبر وألم لم تكن هي ، وأن ما توصلنا إليه كان شيئاً غير ذلك .. ما الذي نستطيع الآن قوله بعد كل هذا العمر ؟! وهل نلجأ كعادة الخائبين للأسف والندم .. والله لن أندم على شيء ولن آسف على ضياعه وما صار قد صار .. و حصل الذي حصل ، وما قد فات مات .

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي: حوار مع الشاعرة اللبنانية “ناديا تويني”
أسعد الجبوري

كانت تمسكُ بنظارتها الشمسية،وتمشي على ضفاف نهر هادئ.لم يكن معها سوى قطة بفراء أسود وبعينين …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (6)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

نعوم تشومسكي:التظاهرات في أمريكا، حرية التعبير، كورونا، ترامب، لولا دي سيلفا، جايير بولسونارو، مناخ الكرة الأرضية
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم : في حوار صدر يوم 23 يونيو،يتحدث نعوم تشومسكي عن : “القوة و الأهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *