أ.د. فاضل عبود التميمي : حين تكون الرحلةُ سردا روائيّا

حين تكون الرحلةُ
سردا روائيّا
أ.د. فاضل عبود التميمي
جامعة ديالى:العراق
ملخّص:
تريدهذه(المقاربة)بمنهج وصفيّ وآليّة تحليل سرديّ أن تقرأ رواية(بحرأزرق ..قمر أبيض) للروائي حسن البحّار الصادرة عن الدار العربيّة للعلوم ناشرون :بيروت 2014،منطلقة من زاوية نظر ترى أنّ هذه الرواية تشقّ لنفسها حقلا جديدا في الإبداع ينتمي إلى:(رواية الرحلة)التي تغطي بجمال بلاغتها متنا مرويّا زاخرا بالتجارب الانسانيّة التي تنفتح اسلوبيّا على مجريات السرد الخاص بالمواءمة بين الواقعي والمتخيّل،وطرائق تشكّيل الخطاب،بلغة تنتقي تمثيلاتها من فضاء الرحلة إذ تحضر الحياة،وتشتغل البواعث في العين اللاقطة،والقلب المجيب بحثا عن مدوّنات تأخذ على عاتقها تنظيم الوجود،والمتصوّر بوساطة التشكيل السردي المفعم برائحة الجمال ،والرؤى الانسانيّة المرتبطة بالتوثيق،وإعادة انتاج التأمّل.
العرض:
لم يكن أدب الرحلات جديدا على الأدب العربي،فقد قُدّر لابن فضلان أن غادر بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر صفر من العام(309هـ)إبّان القرن الرابع الهجري ( )،متوجّها إلى بلاد الترك،والخزر،والروس،والصقالبة،وبعد عودته كتب رحلته الشهيرة في وصف تلك البلدان لتكون ايذانا بظهور أدب جديد في حياة الثقافة العربيّة الإسلاميّة سُمّي بـ(أدب الرحلات)الذي هو(سرد نثريّ يعتمد آلية الوصف المشهدي،ويقوم الراوي المرتحل الذي ينتقل بين المدن والأماكن بوصف مشاهداته،وهو يسخّر حواسه كافّة،ويشحذ إمكاناته لتعمل بأقصى طاقاتها في الملاحظة ،والتصوير،والسماع،والمشاهدة،والتحسّس،والتذوق ليعكس نتائج ذلك في مدوّنات أدبيّة تصف ،وتصوّرالمشهد الاجتماعي،والإنساني في حدود زمكانيّة الرحلة)( )التي تنفتح على علوم كثيرة منها:الجغرافية، والتأريخ، والاجتماع، والأدب واللغة ليكون الانفتاح شكلا من أشكال تجاور،أكثر من نوع أدبيّ وتداخله،في بنية أدبيّة شرطها التمازج الشكلي المؤثّر في المضمون الذي يتيح للمتلقي فرصة العثور على أنواعيّة أجناسيّة،ومعرفيّة متعدّدة سواء أكانت من الشعر أم من النثر،أم من الفنون المعروفة.
ويبدو لهذه المقاربة أنّ ابن فضلان الذي بدأ رحلته من بغداد سنة 309هـ كان من أوائل من استوقفته إشكالية تجنيس الرحلة بوصفها أدبا فقد احتار في تحديد نوعها النثري،وأين يضع نصّها في ما عُرف من أنواع أدبيّة يوم ذاك،وحين حانت لحظة اكتمال الرحلة بوصفها متنا لم يجد حرجا من وضعها في نوع:(الرسالة) الأدبيّة، وهو نوع من الكتابة التي عرفت في عصور سابقة له،وهي تتشكّل على وفق حاجات مختلفة تصنعها رغبة المرسل في الإخبار،أو الحكي، أو تمثيل واقع ما، لكنّ هذا النوع خرج في العصر العباسي عن شكله التقليدي إلى نمط من الكتابة السرديّة التي تُعنى بتمثل حالات مختلفة مثل:رسالة الغفران لأبي العلاء المعري(449هـ)التي كانت رحلة تخيليّة إلى العالم الآخر،وغيرها من رسائل اكتسبت شهرتها من خلال مضامينها.
ورحلة ابن فضلان كانت مزيجا من المشاهدة،والتوثيق التاريخي،والتسجيل الذاتي ،وقد جمعت بين الانطباع،وتقرير الحقائق، وغيرهما كثير،فضلا عن أنّها عنيت بطبائع الشعوب التي وقفت عند ثقافاتها،وأنشطة أهلها،وهذا يعني أنّ ابن فضلان كان قد وقف مليّا أمام نفسه،وهو يكرّر عليها السؤال المهم: ما الرحلة؟ والى أيّ أدب تنتمي؟.
اختار ابن فضلان لرحلته وصف(رسالة)ليكون مضمونها متّسعا لقراءات مختلفة فيما بعد، مثلما قُدّر لـ(حسن البحّار)أن جعل رحلته نصّا يصبّ في قالب روائيّ يحتمل قراءات مختلفة ليكون ذلك النص:(رواية الرحلة)التي تتوازى من الناحة الشكليّة و(رواية السيرة)أو(رواية التخيل التاريخي)،وهذا يعني استنادا إلى ما قام به ابن فضلان،وحسن البحّار أنّ الرحلة بوصفها نصّا مشبعا بالثقافة،والمشاهدة، والوصف، والحوار، والعواطف، والزمان ،والمكان يمكن أن تكتب رسالة، أو رواية ،أو تحول إلى فيلم ،أو مسرحيّة ،أو متن خاص بها،أو أي شيء يتّصل بالفن والأدب، فالرحلة في الأساس نوع ينفتح على سياقات جغرافيّة، وأخرى تاريخيّة،وثالثة ثقافيّة فضلا عن سياقات الذات الناظمة للمتن نفسه.
تمتاز الرواية من الناحية الشكليّة بوجود مقدمتين الأولى وضعتها الناقدة المغربيّة د.تيماء العلوي عنوانها(بحر أزرق ..قمر أبيض)وقد أشارت فيها إلى تطوّر الكتابة الروائيّة في القرن العشرين في مستوييها التقني،والأسلوبي،وارتباطها بالحياة العربيّة، ورأت الناقدة أنّ ذلك لم يكن ممكنا لولا جماليّة الرواية التعبيريّة، وأسلوبيّتها الفنيّة،ورأت أيضا أن رواية(حسن البحّار) المنفتحةعلى الظاهرة الأجناسيّة خطت خطوة إلى الأمام بوساطة احتجاجها ،وتأمّلها،وتعبيرها عن المخاوف،والإحباط سامحة للآخر التعبير عن ثقافته،وتفوّقه دون أن تنسى نقدها للذات، والآخر معا،حتى قُدر لها أن تقرّبنا من نبض الواقع وآلامه،وآماله،وهي تدري أنّ الرواية بدلالتها الخاصّة قرّبت الشخصيّة من المكان،واعتنت بالتناص الديني،والاسطوري الذي بث روح التسامح في نصّها،فضلا عن عنايتها بالمشهد المرتبط بالحوار،وايمانها أنّ الحياة لن تزدهر في بيئة تمتلك لغة واحدة استعلائيّة،وبهذا التقديم الدقيق صارت مقدمة د.تيماء جزءا من الرواية.
أما مقدمّة الروائي حسن التي كان عنوانها(تقديم لا بدّ منه) فهي ضروريّة لمن يروم قراءة الرواية، وقد أكّد في استهلالها أنّ ما كتبه(رحلة)،وهذا اعتراف مهمّ جنّب المتلقي تأويل دلالة النصّ الأجناسية،وإن بقي التأكيد ناقصا فهو بحاجة إلى عبارة (روائية)أي(رحلة روائية) أو(رواية رحلة)،وأنّ أهميّة المقدمة تتمثل في كشفها إيديولوجيا المؤلّف ،وقناعاته الراسخة فيما كتب،فضلا عن أنّها بيان موجز عن مسوغ كتابته،وانفتاحها على عوالم جديدة تأخذ المتلقي إلى سرد مدهش وجميل،فمقدّمة (البحّار)عتبة مائزة حملت أكثر من إشارة دالّة على أهميّة الرواية،وفكرة تأليفها ،ومشكلة السرد فيها، وقد تنبّه(جيرار جينيت)( )إلى علاميّة المقدمة فرأى فيها فكرة تصديريّة،أو اقتباسا يتموضع(ينقش)على رأس الكتاب،أو في جزء منه،ثمّ حدّد أربع وظائف للمقدمة،اثنتان مباشرتان هما:
1-التعليق على العنوان:ويكون مرّة بشكل قطعي،وأخرى بشكل توضيحي،وهو لا يسوّغ متن الكتاب بل يسوّغ عنوانه،وهذا ما لم تفعله مقدمة(البحّار)التي انشغلت بالمساعدة في فكّ اشتباك معالم(الرواية)دون أن تتطرّق إلى إشكاليّة العنوان التي تركتها إلى متلق لبيب.
2-التعليق على متن النصّ ليكون أكثر وضوحا،وجلاء من خلال قراءة العلاقة الرابطة بين المقدّمة والمتن،وهذا ما انفتحت عليه مقدمة(البحّارحسن)التي لم تكتف بقراءة ظاهرة الرحلة في عنوان الرواية،وإنّما انفتحت على ما في متنها،فضلا عن جهرها بدوافع الرحلة التي أوجزها(البحار)في الهرب من ضغوط توغلت في خياله، فضلا عن تفوهات أخرى عن مصادر سردها التي وجدها في:التخيّل السردي واستنطاق الواقع.
أمّا الوظيفتان غير المباشرتين فهما:
1-وظيفة الكفالة وهي منحرفة؛ أي غير مباشرة؛لأنّ المؤلّف يأتي بها لغرض دفع شهرة المقدمة إلى الكتاب،وهي في رواية (البحار)كانت قد أخذت شهرتها إلى المتلقي، وهو يتحسّس متن الرواية بلا كفالة،أو ضمانة بسبب سرعة الدخول إلى نصّ الرواية.
2-وظيفة الحضور والغياب وهي عند(جرار جنّيت)من أكثر الوظائف انحرافا بسبب ارتباطها بحضور المقدمة الميسور كما أراده المؤلف؛لأنّ حضورها،أو غيابها يدلّ على جنس الكتاب، أو عصره، أو مذهبه، فحضور المقدمة علامة ثقافيّة وجوازٌ تثاقفيٌّ منقوشٌ على صدر الكتاب،وقد أدّت هذه المقدمة وظيفتها غير المباشرة في رواية (البحّار) من خلال علاماتها التي أحالت على أنّ الكتاب رحلة، ولكنها رحلة في قالب روائيّ.
بُني نصّ(الرحلة: الرواية)على عدد من العنوانات الداخليّة التي يمكن عدّها فصولا، أوأجزاء لها وهي:(ريتا) و(رائحة الرغبة) و(دوماي) و(قرية ساترن) و (نسيوس) و(العاصفة)و(رغبات مكبوتة)و(مسافات صمت)و(لحظة تأمل)و(نعاس الليل المعتق) و(الساعة الخامسة) و(اليوم الأول) و(زحمة الأفكار) و(قادم الايام)، وهي أجزاء غير متساوية الحجم؛لأنّ الذي تحكّم في حجمها الأفكار ليس غير،فمقدار اتساعها يتوقف على نمط الفكر،وقدرته على الولوج في جسد الكتابة،وهذا يعني أنّ للفكر سلطة تحديد الشكل الذي أسهم في إدامة النص وتحديد مقتربه،ونهايته، بأسلوب نسق التناوب السرديّ الذي ما أن يقفل فيه السارد في فصل،أو جزء من سرده حتى ينتقل إلى فصل آخر،أو جزء يختلف عن السابق،وهكذا الحال حتى الخاتمة.
يُعَدُّ النسق السردي السابق من أكثر أنساق البناء رقيا،وقد أشار(تودوروف)إلى أنّه من الأنساق التي قطعت صلاتها بالحكي الشفوي الذي لم يعرف التناوب، فضلا عن أنّه يشترط وجود قصتين يرويهما السارد( )،وبهذا الأسلوب تمكّن سارد(بحر أزرق ..قمر أبيض) من تجزئة سرده تاركا لذاته حريّة الاختيار الخاص للأحداث دون أن يخلّ بطبيعة الفضاء الكلي للمادة المسرودة.
ويجد متلقي الرواية أنّ كلّ جزء من الأجزاء السابقة معنيٌّ بسرد حالة مختلفة عن الأخرى،ولكنّها جميعا تلتقي في نقطة واحدة هي :سرد الرحلة،وهذا يعني أنّ للأجزاء قدرة على تقديم المسرود بشكله النهائي ضمن اللغة التي كتبت الرواية بها؛أعني لغة التشكيل السردي التي انتقت مجموعة من التمثيلات التي استمد الروائي فيها وجه الحياة من فضاء الرحلة حيثما يتمدّد البحر،وتعلوالسماء،وتنبسط الأرض،و تظهر الكائنات الحيّة،والجامدة في العين السرديّة اللاقطة التي تؤالف بين عنصري الماء، واليابسة، بحثا عن حكايات معنيّة بصور تجتمع في أطرافها خصائص الحياة تحديداً، وتشكيلا،وهنا تتدخّل المخيّلة ثانية بأن تدع للسارد حريّة التأمل لإنتاج صورة سرديّة تنتمي إلى أسلوب كتابة الرحلة؛اذ تعتمد في سياقها الحكائي اعتماداً شبه كليّ على وقائع سير ذاتيّة،أو مفارقات استرجاعيّة،أو مدوّنات أحداث متخيّلة منتخبة، ومنتزعة من أطلس الحياة،كي تكتسب الرواية صفتها الأنواعيّة،وتدخل في فضاء المتخيّل السردي على النحو الذي دفع بكاتبها إلى وضع كلمة(رواية)على الغلاف،في إشارة أجناسيّة ملزمة للمتلقي توجّه سياسة التلقي التي تُنتهج في القراءة( ).
ينهض نصّ الرواية على بضعة مظاهر لعلّ من أهمّها اللغة،فلغة البحّار التي تنهض ولا ينافسه فيها سوى انسان امتهن ركوب البحر،وخبر أخطاره،وكشف اشكالاته تنبئ عن انحياز خاص نحو شكليّة وظيفيّة،ولك أن تقرأ:(المحيط الهندي يحمل سفينتي الخائنة بإبحارها المتسارع ،يلقيها بكف كبيرة على بحر جاوة)ص79،فهذه الجملة على يسرها لا يمكن أن يتفوّه فيها سوى أديب تمرّس على ركوب البحر،وما فيه من مفارقات،أو أن تقف عند نصّه الآخر:(خرجت مهرولا ورجل اللحام خلفي يتبعني إلى غرفة المولدات تأكدت من عملها مثل ما نريد عدت إلى غرفة القيادة الألكترونية،وأطلعت رئيس المهندسين على ما أنجزنا)ص98التي لا يمكن للتصوّر المجرّد أن ينتجها من دون خبرة مسبقة، فهذان النصّان وغيرهما ممّا يصعب الإتيان بها،بسبب ضيق المقال يأخذان المتلقي إلى فضاء التخييل الذي تشتبك في سياقاته لغة بحّار محترف.
وتبرز في الرواية لغة التخيّل وهي الطاقة التي تؤدي في سرد الرواية إلى ابداع مجموعة من الصور التي تنثال على المتن، ويكون مصدرها الخيال الذي يعمل على تفعيل القدرة على إنتاج تشكيلات نسقيّة ترتبط في إنتاج الأدب بوساطة استرجاع المعاني،أوإعادة تركيبها ،أوإنتاجها،أو ابتكارها على وفق رؤية متقدّمة تتولى الجمع بين ما هو حسيّ،وعقليّ في مهمّة لا يقوى على توصيفها الأديب نفسه،فالتخيّل مرهون بحالة الأديب واستعداده النفسي لأن ينتج أدباً عابراً حدود ما هو مألوف وساذج، بمعنى أنّ التخيّل مجموعة من المهارات النفسيّة التي يستعملها المبدع بعيداً عن إرادته الاعتياديّة لغرض إنتاج نصّ أدبيّ ملوّن بحدود التجربة الحياتيّة، لكنّه خارج عن إطار قالبها الحقيقي في جملة من التفصيلات، والتشكيلات التي تتّخذ من السياقات اللغويّة حيزاً لها.
جاء في مقدمة الروائي:(أنّ ضغوط الحياة توغّلت في خياله بطريقة الخلق، والتخيل والاعتراف،والمحاورة،وصيغ اللغة التي تتلوّن بنكهة ذات الروائيّ المغامرة ،والتوّاقة الى صناعة الحدث)ص11،وهذا يعني أن التخيّل عند البحار قاده إلى أن يكتب نصّا روائيّا متخما بمعالم الرحلة التي طاف من خلالها أرجاء من الشرق، وأخرى من الغرب ليكون نصّها منفتحا على نمط من التمثيل التخيّلي الذي يتناغم ومهام التخيّل الجمالي الذي أضفى شحنة المغايرة على الحوارات التي خرجت في قالب فنيّ منظّم انتمي إلى عالم الأدب،فضلا عن تأثيثات المكان التي فعل التخيّل بها فعل ريشة الرسام في اللوحة.
ويمكن للمتلقي نفسه أن يقرأ النص الآتي:(سمّرتني عيناها المتألقتان بمكاني. أصغي وكأنّ ثمّة همسا يحلّق فوق رأسي:هلمّ تعال سنبتهج معا!)، ليكتشف مقدار تدخل الخيال في صنعه،وقد علّق السارد على هذا النص بقوله:(ولكنّ هذا من بنات الخيال؛لأنّ الطائر الذي ظهر من بين عتمة الأشجار صدح بصوته الرنان بغتة ثمّ ابتعد) ص17، فهو يدرك أبعاد(اللعبة اللغويّة)التي من خلالها يستطيع الروائي أن يؤكّد ذاته أمام العالم في ممارسة اتفق الجميع على جمالها، وانتمائها إلى عالم الأدب.
وينهض في لغة الرواية الوصف الذي أسهم في تحديد الصورة البصريّة للمكان ،وموجوداته،ساعيا إلى((تحويل المرئي إلى مقروء))( )بحسب رؤية عبد اللطيف محفوظ،وهدفه الاتصال بالمتلقي،ووضعه في قلب المكان من خلال الإحاطة بالجغرافيا،وتفصيلاتها النفسيّة ،عندها يصبح الوصف-والكلام لمّا يزل لمحفوظ- خطابا يسم كلّ ما هو موجود بالتحديد معطيا إيّاه التميّز الخاص،والتفرّد داخل نسق الموجودات المشابهة له،أو المختلفة عنه:(كانت زرقة السماء الصافية تلقي بالهم بعيدا عن وضوح الرؤيا لحظة مشاهدة أسراب الطيور المختلفة الألوان، والاشكال تهبط من رؤوس الأشجار تختلط مع الناس بأمان عجيب غريب عند الحدائق)ص86،ففي هذا النص السردي يحضر الوصف من خلال التشكيل اللوني المجلوب من مصادر مختلفة:السماء، والطيور، والشجر،واختلاطه بالبشر مشكّلا أُلفة تجمع مخلوقات الله في نسق سرديّ محبّب ودّ السارد استعارته من الطبيعة تخيّلا كي يدخله متن الرواية.
ويُعنى الوصف بملاحقة المكان الذي يُعدّ عنصرا مهمّا من عناصر البناء السردي الروائي، وهو في الآن نفسه عنصرٌ قارٌّ في نصوص الرحلة التي تعنى بتحديد الأمكنة، وتقديم الموجودات وصفا،أوتخيّلا أو تحقيقا،ففي رواية:(بحر أزرق ..قمر أبيض)يظهر المكان واضحا ومحددا بتسميته الدقيقة(كازينو يونغ تو) في اندونوسيا، وما يتفرع منها من أمكنة أخرى(دوماي)و(قرية ساترن)و(نسيوس)،ثم تنتقل الرحلة إلى(سنغفورا) و(البحر الأبيض) و(جنوا الإيطاليّة) و(لشبونا) و(بلجيكا)وغيرها،وهي جميعها أمكنة حقيقيّة كان الروائي:الرحّال قصدها بسفر مزدوج الأهداف انفتح على العمل،والمتعة معا،والهرب النفسي،ففي هذه الأمكنة التي خبرها السارد تنبض الحياة بجمال وجودها متّصلة بمشاركة البحار لها، وهو في أبهى صورة قرّرتها الحقيقة ليرسمها السرد.
في النص الآتي المقتطع من الرواية يمكن للمتلقي أن يمسك التمثيل الحقيقي للمكان الواقعي حين يقرأ:(في أوّل خطوة تجاوزت فيها مستطيل الباب لمحتها بابتسامتها الواسعة الحلوة تحدّق بي بتمعّن،وثبات عجيبين)،فالتمثيل الحقيقي مجموعة المشاهدات الحقيقيّة التي استقبلها نصّ البحار،وجعل منها إطارا عامّا لروايته التي تتمثّل في فضاءات المدن التي زارها،أو الموانئ التي حطّ فيها رحل سفينته، وصارت جزءا من ذاكرة سرده، فضلا عن الحوادث،والشخصيّات التي التقاها،أو عاش معها،وحملت أسماء محدّدة ليس مهمّا أن تكون حقيقيّة،أو مستعارة.المهم أنّ الشخصيّات الورقيّة في سرد الرواية انتمت إلى فضاء الحياة بوصفها جزءا مقتطعا اختار الروائي أن يتلاعب بشكله، وأن ينقله من فضاء التجربة إلى فضاء الورق.
وتنحو لغة الرواية منحى شعريّا في الكثير من سياقاتها لتتّسع إلى مزيد من التشكيل التركيبي الذي يخرج عند قسم من الروائيين إلى طبيعة جماليّة تفارق السمة الإبلاغيّة المحضة المبنيّة على الإخبار،والإعلام،أي إلى أداء ينهل من مصادر رقراقة عالقة في فضاءات أخرى كان الروائيّ يتأمّلها سردا،فتستجيب له مع عنايته الشكليّة بالكتابة لتشكّل فيما أرى(حالة شعر)في الرواية؛أي أنّها تسعى إلى تحقيق خصيصة الخطاب الذي ينفتح على لغة الحكي،وهو يتّسم بحلول روح الشعر في الرواية التي تستجيب الى توظيف علامات لغويّة،وبنائيّة غرضها صوغ متن سردي مميّز، كما في قول(أنطونيو)وهو يصف كازينو(يونغ تو)التي تشبه:(بركة ورد غارقة في عتمة المساء، ذات مصابيح متناسقة الألوان تسرق الأبصار، تكنس الآهات، يقصدها البحّارة من كلّ مكان)ص17الذي صيغ بسياق في أعلى درجات التماهي الجمالي مع مجاز مخصوص اتسم بالإيجاز،والتكثيف التصويريّ ذي الإيقاع النفسيّ المبني على جملة من الاستعارات التي تمّ تخيّرها،وفيها انبثقت تصويريّة حسيّةٌ تبادلت المواءمة والتشكيل مع عناصر مغيّبة سهل تأويلها،وتقديرها،وعناصر محسوسة في النصّ،على الرغم من إدراكها إلا أنها تؤدي أثرا واضحا في تحفيز التخييل بسبب سلطة المعنى الشعري المبني على استدعاء رؤى تتدافع مع ما يليها من رؤى أخرى لغرض تشكيل دلالة متخيّرة تفارق الطبيعة النثريّة بتركيبيتها التي تغادر نمطيّة النثر المحض.
وللمتلقي أن يقرأ ما جاء في الرواية:(دخلت دوامة الهوى، اتقلب على جمر السرير ليس بي نعاس )ص45، فشعريّة النصّ هنا ما كانت لتكون لولا تجوهر المعنى في نواة قابضة على فكرتي الادعاء،والعدول المنتجة لمعنى المعنى في(دوّامة الهوى) و(جمر السرير) المحيل على دلالة التشكيل الشعري، أو يقرأ النصّ الآتي:(رأيت الأفق خيمة ساكنة صافية بلونها الأزرق تغطي فراشا يتموج في وجهها المتلألئ تحت جلدي الصحراوي الذي أفزعته قطرات ماء كانت مالحة)ص105 الذي يتّضح من سياقه أنّ اللون السماوي-وهو مدرك بالنظر-له قوّة الهيمنة،وأنّ الفراش له قدرة التموّج والانعكاس التي يتّسم بها الكائن الحي للتعبير عن عواطف كامنة في النفس أراد الروائيّ بلعبته اللغويّة أن يغاير بها طبيعة النثر في محاولة منه للوصول إلى شعريّة قائمة على الإيحاء بجمال المكان الأليف الذي تُستجمع صورته من محسوسات الطبيعة.
وللسارد أن يعترف في قوله:(لا أستطيع انتزاع ريتا من زحمة أفكاري)بما يحمل من عناء واصفا إياه بـ(جملة من الشعر رائعة رافقتني أينما أروح كنت فيها سفحا يطفح بالأمنيات ليلا على أجنحة الأسرار المتخمة بالجمال،ألوذ بالوحدة،والصمت الطويل أكلّم الأمواج وحيدا أحسد الأنهار المتدفقة فرحا بعيشها المغرورة كما الأشجار المنحنية للمدى تحت الأفق هناك راضية تبصر القمرالأبيض كيف يطرّز بضيائه الفضي طرحة يغطي بها كؤوس الأزهار مثل عاشق قديم) ص 107.
وللمتلقي أن يقرأ كذلك:(الظنون تراقص الليل،وأنا وحيد استغيث من صراخ الأمنيات المتأججة في داخلي مثل فتى صغير في مكان ليس مكانه يجوع، ويقاوم ،ويعطش، ويقاوم ،ويريد ،ولا يقول ما يريد..) ص126كيف يمكن للظنون أن تراقص الليل،وكيف للأمنيات أن تصرخ؟،هي بلا شكّ تتّخذ من السلوك الإنساني وصفا لها،وهذا لا يتحقق إلا في تشكيل لغوي انزياحي يأخذ بالسياق إلى تنظيم شكليّ مجازيّ يمكنه أن يبث الحياة في المعقولات،ويتعامل معها تعاملا لا يمتّ إلى المنطق بصلة، وهذا ما يتواءم مع بنيات اللغة الشعريّة القائمة على خرق الوظيفة الخاصّة بالنثر؛أي الانزياح الذي بنى(جان كوهين) أطروحته على فلسفته التي تتمثّل في الفرق بين الشعر والنثر بوصفهما رسالتين متعارضتين في المادّة والشكل غير أنّ الشكل هو الفارق الذي عوّل عليه الناقد في إظهار وهج الشعريّة( ).
ممّا سبق يتبين للمتلقي أنّ الرواية في بنيتها،وخطابها كانت قد خضعت لسلطة التأثير الاستعاري،والتشبيهي المصوغين في صور نفسيّة مشبعة بالحس،والحركة، والجمال المتخيّل على وجه التأويل،ولعلّ المجاز،والتشبيه بوصفهما مظهرا من مظاهر البلاغة العربيّة متمكنان من النهوض بلغة السرد بسبب شعريتهما العالية،وجنوح نصوصها نحو الانزياح،وقد نجح الروائي في استحضارهما،وتلوين لغة الرواية بأنساقهما رغبة منه في إضفاء أجواء حلميّة على سرد لم يبتعد عن الواقع كثيرا.
وتجد في لغة الرواية(أسلبة)الاختيار واضحة،ومحددة في جمل متناثرة ردّدها السارد لتكشف فيما بعد جزءا من عنايته الشخصيّة التي شكلتها اللغة استجابة لما يعتمل في عقل الروائي،وقلبه معا،فهذه المرأة التي اسمها(ريتا)خفق لها قلب السارد فخطفت لبّ عقله،وهي تتموج بقوامها الرشيق تحمل عبارات التحيّة ص18،ولك أن تضع خطّا أحمر تحت كلمة(الرشيق)لتكتشف فيما بعد مقدارهيمنتها على عقل السارد،والروائي معا،فـ(ريتا) تتكلم بلكنتها الآسيويّة،وتمضي تتمايل بقوامها الرشيق ص21،لقد أُخذ السارد برشاقة المرأة،وهو لا يدري أن الرشيقة لا تتمايل بل تميس ميس الرشا،المهم هو رآها هكذا رشيقة القوام بشكل لذيذ ص21،وهي على حدّ قوله: ثمرة ناضجة مكتملة النمو شهيّة كلّ شيء فيها متناسق،ورشيق ص21،وقد فعلت به ما لا يعرف لحظة عودتها بقامتها الممشوقةص21والقامة الممشقة بلا شك رشيقة،وهي هدف السارد،واهتزّ السرور في قلبه لحظة قرصت خدّه،ومضت تتموّج بقدّها الرشيق ص23،وليس له إلا أن يتفحص(ريتا)منتشيا بقوامها الرشيق،وهي تنتقل في أجواء المكان مثل النسيم ص28.
ويجد السارد الذي يتماهى في الرواية مع الروائي في قوام(روستوريتا)وهذا اسمها الكامل ما يشبه سنبلة، أي أنّه لم يغادر الوصف السابق في تحديد رشاقتها ص30،وهي تعدل من قامتها باهتزاز مباغت تم تنتصب مثل رمح تضع باطن يدها على خصرها الذي كان يهتزّ هو الآخر على رنين صوتها ص32،وصورة الرمح تحيل على الرشاقة أيضا،وحين ترقص تقف على شاكلة غصن،ثمّ تنحني برشاقة ص34،وكان وزن (ريتا)خفيفا يلفّه دفء اللقاء،ولهذا حطها على صدره بحب وحنان ص51،والخفة التي عناها السارد بلا شك سببها الرشاقة ليس غير،وهي من النساء اللطيفات اللائي يشبهن قطرات العسل ص 54،وهو تشبيه لا يغادر الوصف الرشيق.
وهكذا تأخذ(الرشاقةُ)الروائيّ إلى العناية الخاصّة بواحد من أساليب الاختيار التي عاشت في ذهنه، فكرّره،وهو لا يدري أن التكرار،ولاسيّما في العبارات الواصفة يحيل على ما في باطن النفس من شعور فضّاح.
الخاتمة:
رواية الرحلة التي تمكّنت هذه المقاربة من قراءتها في(بحر أزرق ..قمر أبيض)اتّسمت بانفتاحها على المكان،وتأملها في الزمان،فضلا عن استيعابها تقاليد الإنسان البعيد،وانشغالها بشكل من أشكال المغامرة والادهاش،والإظهار الخاص لصورة الآخر وهي تنتمي إلى جماليّة عذبة سببها نفسيّ،وهو ما يؤدّي بالنتيجة إلى اكتشاف الذات الساردة لجوهرها في ظل التحفيز النفسي الذي ينقل الحوارات،والمشاهدات، والممارسات من منطق التأمّل إلى حقل التحقّق الذي تجهر به الرواية.

الإحالات:
1- ينظر: موسوعة السرد العربي:ج3:عبد الله إبراهيم: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم:ط1 :2016 :97.
2- معجم مصطلحات السيرة: د. محمد صابر عبيد: المؤسسة الحديثة للكتاب: بيروت: ط1: 2015: 42.
3- ينظر: عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص):عبد الحق بلعابد: ناشرون: منشورات الاختلاف: ط1: 2008 :107-112.
4- ينظر: القراءة والتجربة حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب: سعيد يقطين :دار الثقافة: المغرب: 152، البناء الفني في الرواية العربيّة في العراق (بناء السرد-1-) : د. شجاع مسلم العاني: دار الشؤون الثقافية: بغداد: 1994: 34.
5- ينظر: معجم مصطلحات السيرة: 15.
6- وظيفة الوصف في الرواية: عبد اللطيف محفوظ:21. منشورات الاختلاف ط: 2009:1: 21 ،13.
7- للمزيد ينظر: بنية اللغة الشعريّة: جان كوهين: ترجمة: محمد الولي ومحمد العمري: دار توبقال المغرب 1986: 28.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي …

| صباح الأنباري : ميكافيلية الغزل في حكايات حميمة (*) .

  العنونة (حكايات حميمة) تشي هذه العنونة بوجود مجموعة حكايات أو مرويات ينقلها لنا الحكواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *