تحسين علي كريدي : ميول شرقية

                          ميول شرقية

أوربا 1989

 تشاركت كابينة الدرجة الأولى ذات المقاعد الستة الحمراء الوثيرة  لقطار رجال الأعمال السريع المغادر إلى فيينا، مع زوج إيطالي وولدهما الذي يبلغ الخامسة من العمر. ورجل في عقده الرابع، جلس على المقعد المقابل لي.

كان الوالدان الإيطاليان منهمكين بضبط تصرفات طفلهما الشقي. بينما تحاشيت أنا والرجل الجالس قبالتي تبادل النظرات بصرفها نحو جمال مشهد الطبيعة الآسر في الخارج.

 قطع قطارنا طرقا جبيلية مكسوة تارة بغابات كثيفة الأشجار وأخرى عبارة عن مروج من مزارع الكروم. وبعد ساعة أبطأ وحشنا الصاخب من سرعته ثم توقف عند نقطة الحدود. صعد رجال الجمارك والشرطة لأداء واجبهم الروتيني .وعندما طالبونا بإبراز أوراقنا الثبوتية، عرفت حينها أن جليسي كان سوريا وهو الآخر علم بأني من العراق. لكن ذلك لم  يكن مدعاة لتجاذب أطراف الحديث بيننا، فهو بمثابة خوض لحديث ودي مع عدو، نظرا للوضع المتأزم بين بلدينا. فعمدنا إلى صرف نظرنا ثانية نحو الطبيعة. لكن هبوط الظلام سرق منا متعة تلك المشاهدة. وثمة إحساس بوطأة الوقت الثقيل بدأ يتشكل داخلنا ،دفعنا في نهاية المطاف لعقد هدنة مؤقتة. تبسم لي وبادرني يسأل من أي مكان في العراق أتحدر، فتحاشيت أن أخبره بأني من الجنوب لأن ذلك الشيء لربما يقرن  بإيحاءات لها نكهة معارضة للنظام، وادعيت بأني من بغداد، فسكانها هم فسيفساء المشهد العراقي.   

 أخبرني بأنه من دير الزور القريبة من مدينة (البوكمال) المتاخمة للحدود مع العراق. وأنهم يلتقطون بث التلفزيون العراقي بشكل أوضح من نظيره السوري، وإنه بالكاد يستطيع لجم صغيره عن ترديد أغان تمجد ب(صدام)، الشيء الكفيل بتعريضه لمساءلة من قبل أجهزة الدولة الأمنية.

فذكرني ذلك الموضوع بنكتة عن سكان الأهوار الذين زارهم صدام ذات مرة وعندما سأل أحدهم هل تعرف من أنا؟ رد عليه ، أنت الزعيم ويقصد بذلك (عبد الكريم قاسم).  فقرر إهدائهم تلفزيونات تعمل على البطارية، تجعلهم يواكبون تطورات الزمن وأحداثه. فرغبوا لاحقا، بتقديم الشكر له لأنه مكنهم من متابعة القنوات الإيرانية ومشاهدة (السيد)..

 بعد بلوغ وجهتنا ذهب كل منا في سبيله دون كلمة وداع واحدة.

شاهد أيضاً

القلم
الإهداء إلى ابنتي: “جودي”
شعر: ياسمين العرفي

كتبْتَ الحروفَ رسمْتَ الرُّقَمْ أنرْتَ الطَّريقَ شحذْتَ الهممْ وتدري حقيقةَ بوحٍ بحبرِ فسبحانَ ميْتٍ بحيّ …

زيد الشهيد: الحكيمُ الذي أُسَمّيه فَجراً

(1) في مَسْاراتِ التَّعبِّد ، على بُعدِ مَتاهةٍ مِن التَّفكِّرِ تَتلَبَسُكَ الجذورُ غائبةً ، تَتوارى …

عِشْـــــــتُ الأمــــــاني
شعر: فالح الكيـــلاني

اللهُ يَخْـلُــــقُ في الانْســــانِ مَـكْرُمَــــةً فيهــا المَفــاخِرُ بالايمـــــــانِ تَختَـلِـــقُ . تَـزْهــو مَغـاني ظِلالِ العَــزْمِ تَرْفَعُـهــا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *