أ.د. نادية هناوي سعدون : مسارب النزعة الواقعية في قصص (رائحة الشتاء) للقاص محمود عبد الوهاب (ملف/19)

إشارة :
تواصل أسرة موقع الناقد العراقي الإحتفاء بالمنجز الإبداعي للمبدع العراقي الراحل “محمود عبد الوهاب” في الحقل السردي عامة والقصصي خاصة ، وهي تدعو الأخوة الكتاب إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من دراسات ومقالات وذكريات وصور ووثائق لإغنائه وتوفير تراث الراحل الكبير وما كُتب عنه للقراء والباحثين .

المقالة :

مسارب النزعة الواقعية في قصص (رائحة الشتاء)
للقاص محمود عبد الوهاب
أ.د. نادية هناوي سعدون
كلية التربية / الجامعة المستنصرية
ملخص البحث /
هذا البحث دراسة في المجموعة القصصية القصيرة ( رائحة الشتاء ) للكاتب محمود عبد الوهاب وتضم هذه المجموعة عشرين قصة قصيرة وقصيرة جدا .
وقد امتاز القاص باهتمامه بالنزعة الواقعية في الكتابة القصصية مطبقا ذلك في التفاصيل الصغيرة للأمكنة والأزمنة.
وقد قسمنا الدراسة على ثلاثة أنواع في التعامل الواقعي وهي :
1. الواقعية الموضوعية .
2. الواقعية الفانتازية .
3. الواقعية الشعرية .

The kinds of realism in short stories (Raehit Al-sheeta) for the writer Mahmood abd Al -wahab
Assis .prof .Dr. Nadia Hanawai Saadun
college of Education / University of Mustansiriyah

Abstract /
This research is a study in the short stories (raehit al- sheeta) for the writer mahmood abd Al-wahab .
These stories contains twenty short and very short stories and the writer was very interested in a applications of reality writing especially in the details of the places and times .
So we divided this study into three parts of reality :
1. Objective realism .
2. Fantastic realism .
3. Poetics realism

تقديم
تضم مجموعة ( رائحة الشتاء ) لمحمود عبد الوهاب عشرين قصة قصيرة وقصيرة جدا ، وهذا القاص من جيل ما بعد الرواد وقد تجلت تجربته في عام 1958 .
وتعد قصة (خاتم ذهب صغير) أول قصة نشرت له في عام 1951 ، يقول :” بين خاتم ذهب صغير أول قصة ظهرت لي في صحيفة بغدادية عام 1951 وآخر قصة تضمها هذه المجموعة طقس العاشق عام 1997 ارتحالات في رؤى سردية متحولة ” ، وله رواية (رغوة السحاب ) وقد نشرت عام 2000 وكانت قبلها رواية (تخطيطات بالفحم الأسود) لكنها لم تنشر .
وتستفز مقدمة المجموعة ( رائحة الشتاء ) حفيظة القارئ كونها تتضمن قصة (القطار الصاعد إلى بغداد) التي أحجم القاص عن نشرها مع أخواتها في مجلة الآداب البيروتية عام 1954 ؛ والسبب هو قيمة هذه القصة كونها نقلته من محطة إلى محطة أخرى يقول :” هذه القصص لا تضم عددا من القصص التي نشرتها قبل قصة القطار الصاعد إلى بغداد وبعدها بسنوات غير إنني استثنيت القطار الصاعد وضممتها إلى هذه المجموعة لأنها تمثل عندي نقطة تحول في كتاباتي القصصية ” ويضيف ” أتذكر الآن أنني سودت مئات الصفحات في سنوات تلك الارتحالات حتى وجدت نسختي المنتقاة هنا ”
وقد امتاز القاص محمود عبد الوهاب في ( رائحة الشتاء ) بالنزعة الواقعية في تجسيد الموجودات المكانية مضمنا إياها في تضاعيف نسيجه الحكائي المتخيل والمتمثل بالقصة القصيرة ، والقاص بواقعيته العميقة ينزاح نحو المكان بتفاصيله الدقيقة والصغيرة ولا ينسى الكليات الكبيرة ليصنع عالما مصورا يأخذ بالقارئ إلى أجواء قصصية مرسومة بحذق .. لتغدو القصة القصيرة بمثابة ” بنية لها مرموزاتها الدلالية التي تشوش أفكار المتلقي وتحمله على ملاحقة الشفرة التخمينية المنسربة إلى داخل النص ” .
وهذه الرؤية الواقعية ” لا تعني بالضرورة التكرار ولا تعادله أي لا تعني تعاملا برانيا أو اسقاطيا يجتر المنجز ويهلكه بل يمكن أن تعني صياغة في السياق المعرفي من موقع زمني في تاريخ هذا السياق ” .
وليس الهدف من هذا البناء القصصي التزيين أو الزخرف الذي يسعى إلى ملء الثغرات أو إزاحة البياضات وسد الفراغات ، بل هو الإيهام السردي الذي يشمل الموجودات كلها بما فيها الإنسان والطبيعة والأشياء .. على أساس أن ” الإنسان كائن رمزي بامتياز يحول الإشارة والعلامة إلى لغة ورمز بمعنى ان الإشارة لديه يمكن أن تتحول من لغة تؤشر على شيء محدد إلى رمز يمثل أشياء أخرى خارج السياق الذي استعمل فيه ” .
ونجد أيضا في إطار الإيهام بالمعطى الواقعي ” أن الكاتب .. لا يتعامل مباشرة مع الواقعي بل مع ما يرتسم في ذهنه أو في مخيلته من صور تخص هذا الواقع .. وهذه الصور المرتسمة هي صور مفهومية لتشكل المعاني وهي صور مرتسمة من موقع رؤية الكاتب لها في إطار ليس هو إطار الواقع ذاته ” .
ولما كانت ” الصورة هي المعادل البصري للشيء وجزء من هويته البصرية كما يرى امبرتوايكو بمعنى أن الإيقونة تمثل الجوهر المشترك في جميع كيانات الشيء ” ؛ فان ميل القاص نحو النزعة التصويرية هو بمثابة الأداة التي تمكنه من تجسيد تلك الواقعية من خلال هندسة البناء المكاني في إطار الاشتغال الوصفي الذي لا يأتي عنده منقطعا عن السرد ، بل أن الوصف والسرد يشكلان معا العالم القصصي .
ولان” المكان هو الإطار المحدد لخصوصية اللحظة الدرامية المعالجة ” ، لذلك يمكن أن يتقدم الوصف على السرد أو يأتي ملتحما بالسرد وقد يأتي الوصف متواترا في سيرورة مع السرد في علاقة تتابعية أو تناضدية وليس بصورة سلمية تصاعدية .
وتتبلور منازع التعامل الواقعي مع الأبعاد المكانية والإنسانية بصور أوضح في هندسية الجمل الوصفية والسردية التي موقعت قصص (رائحة الشتاء) في ثلاثة مسارب هي : إيهام الوصف أولا واستحضار الفانتازيا ثانيا وتواتر السرد ثالثا ، ولان ” المنهج أداة للكشف والتحقيق والاستغوار وهو في اتكائه على العلم أو الفلسفة أو الايدولوجيا يظل محافظا على جوهره الأصلي ” ، فان بإمكاننا تصنيف ثلاثة مسارب واقعية في هذه القصص هي على التوالي :
1. الواقعية الموضوعية .
2. الواقعية الفانتازية .
3. الواقعية الشعرية .
1. الواقعية الموضوعية
اعتاد كتاب القصة من الجيل الريادي في الخمسينيات وما بعدها على الكتابة في هذا الشكل من الواقعية وهو شكل تقليدي ذو منزع اجتماعي مؤدلج ، وذلك حين ” يشكل الواقع مرجعا يتعامل معه الكاتب يرى إليه يسمعه يحاوره .. سواء أكان هذا المرجع هو الواقع الحي أم كان الواقع النصي ..المحكوم بالواقع الذي منه يرى الكاتب إلى مرئيه وبمجموعة من الأمور والعلائق ترتبط بعملية الكتابة نفسها ” .
وقد عُرف الكاتب الأمريكي ارنست همنغواي بهذا الشكل من التوجه الواقعي الذي من خصائصه اللغوية التكثيف السردي عبر الاختزال في البناء القصصي مع الاحتفاء العالي بالوصف كتقنية قادرة على رسم أبعاد البناء المكاني وهندسية الجملة الفنية في القصة القصيرة ، ” مثل الميل إلى استخدام الجمل القصيرة ذات الإيقاع السريع والاستغناء غالبا عن أدوات الربط بين الجمل المتتالية واختيار الصور المكثفة الحادة والميل عند كثير من كتاب القصة القصيرة إلى أن تكون بعض جملهم قريبة من لغة الشعر حتى في الموسيقى ”
وقد أضاف الآن روب غرييه النزعة التشيئية إلى هذه الواقعية وتبعته ناتالي ساروت التي تستغرق في الأشياء إلى درجة أنها على سبيل المثال تكتب ما يقارب مئة صفحة لمجرد أن تصف غطاء المائدة ..
ونجد هذا النفس الواقعي عند كثير من القصاصين العرب والعراقيين بدءا بذي النون أيوب وعبد الملك نوري وصولا إلى رواد الواقعية الجديدة والحداثة وما بعدها باستثناء فؤاد التكرلي الذي خالف هذا التوجه إذ لم يتأثر بالموجة السائدة متجاوزا الواقعية إلى مفهوم حداثي يتجاوز مجرد كون ” الحكاية مجموعة الأحداث التي تقع أو التي يقوم بها أشخاص تربط في ما بينهم علاقات وتحفزهم حوافز تدفعهم إلى فعل ما يفعلون ” .
وتسعى الواقعية الموضوعية إلى جعل الحبكة القصصية حافلة بالحركة والصراع والوصف بغية تجسيد الرؤية البصرية للمكان متمثلة في التقاط صور الأشياء والإحساس بها و” المكان في مقصوراته المغلقة التي لا حصر لها يحتوي على الزمن مكثفا ” ، ولا يخفى أن للمكان دورا رئيسا في حياة أي إنسان وهو ” أكثر التصاقا بحياة البشر من حيث أن خبرة الإنسان بالمكان وإدراكه له يختلفان عن خبرته وإدراكه للزمان ” ..
وقد مال القاص محمود عبد الوهاب إلى امتلاك تلك النزعات ولكن بهدوء وروية من دون أن يفتعل الضجة والصخب والتوتر فكان رائداً من رواد الواقعية الجديدة ومبشرا بنمط كتابي جديد.
وعلى الرغم من انه جرب الكتابة في مختلف صنوف الفن ، كالقصة القصيرة والمسرحية والترجمة والمقالة والـــــنقد الا انه امتاز بقلة نتاجاته القصصية ..
وقد تفوق محمود عبد الوهاب في ابتكار أساليب قصصية تتفوق على الزمان بالمكان وتحقق الفنية الجمالية بالوصف لا بالسرد وهذا ما جعله يسبق عصره وجيله القصصي مرسيا دعائم القصة القصيرة والقصيرة جدا أو الأقصوصة التي تحفل بالتكنيك الحداثي الجديد الذي يرى ” أن لغة العلاقات المكانية وسيلة من الوسائل الرئيسة لوصف الواقع وينطبق هذا حتى على مستوى ما بعد النص ” .
وواقعيته الموضوعية وصفية بامتياز سواء أكان الوصف للأشياء أو للإنسان أو للطبيعة وهذا ما جعله التقانة الأكثر مركزية في البناء السردي للمكان ..
وشغل وصف الأشياء مثلا مساحة واسعة من قصص (رائحة الشتاء) وهو وصف مفصل لا مجمل ، فالراوي يقترب من الأشياء بعين ثاقبة راصدة مجهرية مما يجعل الموضوعية المجردة سمة من سمات الكاتب فهو لا يتدخل في العمل لأنه يغيب ذاته محتفظا بحيادته وعدم انحيازه ..
فقد يتجه عنوان القصة إلى تضاريس مكانية موصوفة كما في قصة (الشباك والساحة) فيصف الشباك بتأمل بالشكل الآتي ” ينتهي الشباك من الأعلى بنصف دائرة ذات زجاجات مثلثة بلونين احمر واصفر تنفذ منها حزمة ضوء انعكست على الجدار المقابل بقعة رجراجة من الوهج وخطا مدببا متقطعا من الوسط ”
ثم يصف ما يكمل المنظر المرئي وهو باب الغرفة ” باب الغرفة نصف مفتوح يؤدي إلى فضاء بارد رصاصي اللون وعلى طول الجدار من الداخل يمتد سرير مزدوج من خشب الصاج ترفرف في نهايته على مقربة من ارض الغرفة حاشية شرشف نظيف بمربعات بيض وخضر تتوسطه وردة حمراء متألقة على ساق بنية اللون ”
فهل اكتفى القاص بهذا الوصف للشباك والباب ؟ الجواب لا ، ما زالت الساحة لم ترسم بعد ليأتي المقطع الثاني من القصة القصيرة حافلا بها ” ينتهي احد طرفي الساحة بجدار مثلوم من الأعلى ثم زقاق ترابي تقع في منعطفه غرفة طينية مهجورة اتخذت لغسل الموتى يرتفع داخل الساحة عمودان في ملعب كرة السلة يمتد وراءها خطان أبيضان من النورة يحددان نهاية الملعب ..”
ويتداخل الرسم بالكلمات على صعيد الكتابة في علاقة تعبيرية أو بعبارة باشلار ” نرى صورا تنتج صورا تحتفظ بصورة في ذاكرتنا وهكذا أي أن الصورة هي كل شيء عدا كونها النتاج المباشر للخيال ”
ولو أردنا أن نرسم هذه الصورة الوصفية فإننا سنجد الأشياء متحركة على الرغم من أنها موصوفة والسبب أن القاص لا يصف بجمل اسمية قارة ، بل يصف بلغة شاعرية ذات سمة بلاغية تستعير الأفعال المجازية لتمنح الأشياء الحركة والحياة .. فلا يغدو وصفه جامدا ساكنا قارا بل هو وصف حيوي مائي منساب ، فضلا عن التشبيهات الحية كقوله في القصة نفسها ” وعل مذعور . وقد بدا قرناه في الضوء الخافت مثل مقعد هزاز يستقر في رأسه . الغابة تتنفس وتراقبهم جميعا ”
ويعمد القاص في المقطع الثالث من القصة إلى الالتفات نحو السرد فيجعله مرويا بضمير المتكلم على لسان طفل يبهره المكان المدرسي الساحة/ الملعب / الصفوف ” درت في الساحة دورتين سريعتين بدأت الأرض تتجمع تحت قدمي خطوط الملعب وأعمدة الكرة وجدران الصفوف تقترب مني . هواء الساحة وزعيق الطلاب يملأن عيني وانفي وأذني ” .
ثم يترك الراوي ضمير المتكلم لينتقل إلى ضمير الغائب وفي إطار المكان أيضا حيث تأخذ الحوارات مساحة مناسبة من السرد ” وقف الفرّاش عند باب الصف ثم استدار نحو نهاية الطارمة ورفع رأسه إلى السماء ولما وجدها متجهمة بالغيوم عاد بعجلة يغلق أبواب الصفوف وينصرف ”
وهذا التناوب في الحكي بين الوصفي والسردي وبين الذاتي والموضوعي إنما يعكس صعوبة فن القصة القصيرة لان الاختزال والتكثيف يشكلان معضلة فنية ، ينبغي على القاص أن يعرف كيف يتعامل مع تجلياتها .
وهو لا يتوانى عن إدخال المونولوجات الداخلية في تضاعيف الحوارات الخارجية ” دوخني الصغار أين هو ؟ أين هو ؟ لماذا لم يأت معك يا عمة قلت لهم أن ابني ولد عاقل من يحبه يزره في بيته أليس له بيت ؟ تعالوا انه هناك ”
ويأتي المقطع الأخير من القصة عائدا إلى ذات النقطة المكانية التي ابتدأت القصة بها وهو الشباك ” الشباك من الخارج يبدو مربعا مبتلا بماء المطر ينحدر في الساحة يجربان لا يعترضه شيء جداول طينية صغيرة الناس في الشارع يحتمون من المطر بشرفات المنازل وبالجرائد وبياقات سترهم والمطر ينهمر لا يبالي بشيء ” .
وقد ذيلت القصة ببنية زمنية هي أيلول 1969 في إشارة إلى أن القصة التي جعلها أول قصص (رائحة الشتاء) هي باكورة قصصية لنمط جمالي ذي نزعة تجديدية .
وفي قصة (يوم في مدينة أخرى) يقع الوصف على لسان راو ينقل وجهة نظر الشخصية وهي تنظر من زجاج نافذة عريضة ” رصيف اجرد في طرفه شجرة يوكالبتوس . ميدان عام تتوسطه مظلة شرطي مرور دس كفيه بقفازين صف طويل من السيارات. موقف باص المصلحة ” .
وتمثل قصة (امرأة) القصيرة جدا نمطا جديدا حيث السارد يخاطِب المروي له ” وهو الشخص الذي يوجه له السرد داخل النص القصصي ذاته ” ، وقد حقق ذلك تواصلا لغويا في نقل رؤيته للمكان ” في مساء ممطر وحافلة الركاب تهتز بك وسط الشارع الأوربي الفسيح تنقلك إلى المقهى ذي الواجهة الزجاجية والشرفة الأرضية المقوسة المزدانة بأصص الأزهار. كنت متصلب الذراع ” .
ويعود الفضل في تحديد مفهوم المروي له وبيان مستويات تمظهره للناقد جيرالد برنس في أوائل السبعينيات .
إن تحويل النص المسرود إلى نص يخاطب الآخر / أنت الذي يخالف سائر نصوص المجموعة التي تسرد أما بضمير الغائب / هو أو بضمير المتكلم/ أنا ، إنما يجعل المروي له وجها آخر لشخصية الراوي نفسه وهذا ابتداع قصصي يحيل الراوي من راوٍ موضوعي إلى راوٍ ممسرح بمعنى انه ” يمتلك حضورا مجسدا وممسرحا في شكل شخصية قصصية حقيقية داخل العمل السردي بينما يظل القارئ الضمني شخصية متخيلة فقط داخل السرد .. هو مجموع التوجهات الداخلية لنص متخيل لكي يتيح لهذا الأخير أن يتلقى ” ، ففي القصة نفسها ” تابعتها بنظراتك وهي تتقافز على الرصيف وحبات المطر تتصبب على وجهها البولوني الجميل وكدت تلحق بها لكن الحافلة استأنفت حركتها ” . والمروي له قد يكون ظاهريا او غير ظاهري والاشتغال عليه يعني تعميق المنحى الحواري في تحريض الوعي لدى القارئ على التلقي وهو من تقنيات القص الفني الحداثي الذي اخذ يحفل بإدخال المروي له فعليا في سياق السرد ملغيا الحضور المركزي والمهيمن لبنية الراوي ، وقد استخدمه قصاصون عديدون منهم محمد خضير وخضير عبد الأمير وكاظم الأحمدي ..

وقد منح هذا التحويل السردي القصة القصيرة جدا الفرصة لإثبات وجود الآخر ” وأنت وسط الأجساد البشرية وعطر اللحم الأنثوي تمسك بمقبض جلدي معلق بسقف الحافلة .. وكانت عيناك تلتقطان في عتمة المساء ظلال نساء مسرعات .. وكنت تتصفح الوجوه وتراقب من مكانك الحدائق والميادين والعمارات والأكشاك والأضواء ..وتقترب هي منك ترجوك في صوت خفيض أن تبيعها تذكرة ”
ونجد أن قصص ( توليف والحديقة ونعي وامتياز العمر والممر وامرأة مختلفة وعابر استثنائي وطيور بنغالية والملاعق وطقس العاشق ) كلها رويت بضمير الغائب وبسارد موضوعي لا يحفل بالزمن ولا يشغله سوى المكان ..
وان ” محدودية الإطار الزمني في القصة القصيرة لا تمنع الكاتب المتمرس من ان يتحرك من خلال الإطار المحدد حركة فنية محسوبة يتم من خلالها التعرف على الكل ” ، ففي قصة (يحدث هذا كل صباح) نجد أن العنوان يحيل على بنية زمنية بسرد ذاتي ” أراقبهما عادة كل صباح من الرصيف المقابل أنا بانتظار السيارة التي تقلني واثنين من زملائي إلى الدائرة وهما بانتظار باص الشركة تأتي هي قبله دائما تتوهج أمامي بثوبها الأصفر ذي الأكمام المخروطية ( لم ترتد هذا الثوب اليوم ) ” ، في حين يتحول متن القصة تدريجيا الى التعامل مع بنية مكانية لسارد موضوعي ” عندما يظهر هو في الشارع تكون هي قد لحظت قدومه من مكانها عند الشجيرة المسيجة بالقصب يطيلان النظر الى بعضهما ثم يلتفت كل منهما في ان واحد إلى جهة مغايرة هي تتشاغل بالنظر الى الجهة المعاكسة وهو يستأنف سيره متحاشيا معارفه من المارة ”
لقد أضفى وصف المكان الصبغة العاملية ــــــ بتعبير هنري ميتران ــــــ على الفضاء ، لتتحول بعض أوصاف المكان الى رموز ذات دلالات معنوية ومعطيات واقعية .. و” يرى ادوارد سعيد أن تشكيل موضوع سردي مهما كان غير عادي أو شاذ إنما هو فعل اجتماعي بامتياز وانه بهذه الخصيصة يملك في داخله سلطة التاريخ والمجتمع او يستند إليها ”
وفي قصة (سيرة) تتعالى الأوصاف ” تهبط عتمة المساء على برج الساعة وحاجز الجسر والقوارب ومياه النهر . تضاء المصابيح وواجهات المخازن والمقهى مرة واحدة . تسطع نوافذ الزورق البخاري بضوء قرمزي وتهدر ماكنته بالضجيج وتأخذ القوارب بالاهتزاز . تدق ساعة البرج بصخب . ينقطع الضجيج فجأة ..”
ويشكل الترام في قصة (سطوح المظلات) بنية مهيمنة ” يزحف الترام يخترقهم ” ، “وتوقف الترام ” ، “فتح باب الترام للركاب” ،”الترام يسير”، ” الترام يواصل سيره ” و” الترام يواصل سيره والمطر يشتد والمظلات ترتجف ويرتجف معها جسد الكلب القطني اللين الهش وينتصب شعره المبلل .. ووجوه الركاب. لتستقر نظراته بوجهي محدقا لحظات لترمش بعدها عيناه الشيء الوحيد المتحرك في عربتنا ” .
وتتعالى في قصة (امتياز العمر) نزعة الاهتمام بترتيب المكان السردي متمثلا ب(غرفة المكتب وساعة الحائط وأشعة الشمس وستارة ومنضدة الكتابة والكتب والكرسي ذي المسندين ورسائل خاصة ودرج المكتب ونظارة طبية ..)
وشكل القطار في قصة (القطار الصاعد إلى بغداد) بنية مهيمنة على صعيد العنوان والنص معا (صفّر القطار) و(تخضخض القطار) و(سار القطار) و(القطار يبتلع الأرض) و(القطار يقطع هذه الصحراء ) و (القطار يجري بأرجله) و(كانت ضربات القطار ) و (كان القطار لا يزال يرسل صفيره )
ليبدو كائنا متحركا وشيئا متجسدا في صورة آدمية ” القطار يجري بأرجله الكثيرة لا يقف في المحطات الصغيرة المتناثرة على جانبي السكة الا دقائق قليلة وهو يشق طريقه الآن في ارض خضراء منخفضة منتشرة باتساع رحب والخراف ترعى باطمئنان وتلوك العشب الأخضر الندي بتأنٍ مألوف وكانت الخراف حين يصفر القطار تفزع هاربة من صراخه المدوي ..” ، وبذلك نرى أن موجودات الواقع جعلت ” المشهد ينطوي على حركة داخل الأجسام المحسوسة المادية ” على صعيد البناء للأشياء المحسوسة المادية .
لقد شكلت الأشياء المكانية مهيمنة أسلوبية طغت على وصفية القاص وموضوعيته الواقعية حتى تسيدت على بنائية الحكي للراوي أو الشخصية أو الحوار والزمان ، وقد قابلت الحوافز الايجابية بين الشخصيات كـ( الرغبة التواصل المشاركة ) حوافز ضدية أو سلبية وهي (الكراهية الجهر الإعاقة ) .
وهذا ما يجسد النزعة التشيئيئة لدى القاص التي تجعل الأشياء في عالمه متحركة مهيمنة على كل الموجودات بما فيها الناس والحياة التي بدأت ثابتة جامدة ، فالرمز المكاني هنا عمد إلى تحويل الحقائق أو الأحكام المجردة إلى كيانات مجسدة من خلال الأشياء .
وقد يميل القاص إلى وصف الأثاث والملابس ناقلا الأشياء بصورة تفصيلية انتقائية مهتما بجزء منها وبشكل يمكِّن القارئ من إدراك نفسية الشخصيات وواقعها الاجتماعي كوصفه للانكسار أو التقهقر أو العلو وقد يأتي الوصف مستقلا بمقاطع منفصلة ، وقد يأتي مندمجا مع وصف الشخصية ففي قصة (الشباك والساحة) يصف معلمة الصف ” كان خداها يتوردان من فرط حماستها ويهتز ثوبها البازة المشجر بأكمامه الطويلة الضيقة المطرزة بالدانتيل الأبيض أشارت إلى طالب في الصف الأمامي قام خائفا لم يجب ”
وانشغل القاص كثيرا في قصة (امرأة مختلفة) بوصف انطباعي لأثاث الصالة ” بدأ يتفحص المكان . عند المدخل بقعة مضاءة تتوسطها ثلاجة فخمة تلتمع خلف زجاجها ألوان من الخضار والموز والجزر موضوعة في أوان اسطوانية ” ونلمح ذلك أيضا في قصة عابر استثنائي .
كما أخذت الملابس في قصة (طيور بنغالية) اهتماما خاصا من لدن السارد ” ماسته المشعة على عمامته وثوبها الكشمميري تتواثب طيوره البنغالية على ثياب جسدها وهي في خطوها المتئد وفي الظلام ..كان المارة يبدون كما لو أنهم يتبأطاون في مشيهم يحنون لهما قاماتهم في طقس هندي كالعبادة ” ، كما شكل وصف أنبوب الماء المطاطي بنية مهيمنة في قصة (الحديقة) التي بناها على نسق الاستباق الزمني ” استيقظ بعد ليلة صاخبة .. سيبقى لحظات مضطجعا في فراشه بلا حركة يتخلص بذلك من الدوار ويحافظ على استقرار ضغط الدم سينهض من فراشه بعد قليل ويخرج من غرفته … سيتناول أنبوب الماء المطاط ويفتح الحنفية فيندلق قوس الماء لامعا في ضوء الفجر .
وفي خضم وصف الطبيعة يأتي المطر ليشكل ثيمة مهمة في البناء الموضوعي لأوصاف المسرودات ففي قصة (الشباك والساحة) ” كان المطر ينهمر والناس يحتمون من المطر بشرفات المنازل ” وفي قصة (امرأة) نقرأ ” في مساء ممطر .. وتهتز بك الحافلة وتأتيك رائحة المطر عبر الحدائق والأشجار السامقة ” ، وفي قصة (سطوح المظلات) ” المطر يشتد تتجمع قطراته في عتمة السماء لتنضم في لمحة إلى كتلة شاهقة من الهواء تنزاح نصلا مائيا يبدو من المقعد الذي اجلس عليه داخل الترام ” .
أما قصة (رائحة الشتاء) فكانت من أكثر القصص احتفاءً بأوصاف الطبيعة ” هذا الصباح لمحت وانا في فراشي حركة تنقل الغيوم : تلال قطنية وطيور مثل خيوط بيض مقصوصة الأجنحة وسورات من رغوة منفوشة في سماء بلون الحليب وكسرة من قرص الشمس تركض جذلة مع السحب تظهر وتختفي متسللة من بين الأشجار والمباني وحواف المئذنة ” .
وإذا كانت بنية الزمن حاضرة، فان الوصف لأجواء الطبيعة لا يغادرها ” ثم استرخى في كرسيه يتابع قطرات المطر وهي تترجرج على زجاج النافذة وتتجمع عنقودا مائيا ينتفخ من الأعلى ثم يختنق ويضيق ويتشوه ويندلق حبيبات إلى الأسفل ” .
وشكل الشاطئ ونوارسه ثيمة مركزية في قصة (عين الطائر) ” أقف هنا الان حيث يمتد أمامي الشاطئ شريطا طينيا يتقطع أحيانا عند فتحات جداول صغيرة تتوغل نهاياتها داخل البساتين وبين أحراش النخيل ومن مكاني عند حوض ماء مهجور لمحت سرب النوارس يبتعد ليحوم في طيران رتيب حول سارية سفينة نصف غرقى يحدث هذا دائما منذ أن سحرني اعتدال الجو وحملني على التردد إلى هذا المكان للتنزه ”
ولـ” إن إعطاء تعبير ما مدلولا معناه صياغة القواعد العامة التي تتحكم في استعماله من اجل خلق مرجعية بالنسبة لأشخاص أو موضوعات خاصة ” ، لذلك تمركزت النوارس في قصته كما في هذا المقطع ” كانت النوارس تبدو وهي تتناوب في طيرانها بين الظل والضوء رمادية كلما دخلت عتمة الظل وحنّائية ذات سيقان من نار حين تصطبغ في ضوء الشمس الأيل إلى الاحمرار غير أن النورس الصغير بحجم الكف الذي اعرفه جيدا ظل ينعطف حولي في دورات خرساء ولا اسمع فيها سوى حفيف ريشه وهو يمرق في المكان حتى كدتُ لفرط بهجتي به أن اكلمه ”
ويميل القاص إلى وصف أجزاء جسد الإنسان كالوجه والرأس والعينين واليد منتقيا أوصافا قصيرة سريعة تعطي للقارئ تصورا إيهاميا لنفسية الشخصية أو هيأتها فمثلا يصف السارد في قصة (الشباك والساحة) الهيأة الجسدية لطالبين وهما ” يتبادلان الكرة الأول وهو طويل أشقر يرتدي قميصا مقلما تهمد الكرة بين كفيه بينما ينتظر الثاني وهو اقصر منه دوره يتلقف الثاني الكرة تستكين بين يديه يطبطب الكرة على الأرض فتتواثب عيون الصغار يتابعه يرفع ذراعه اليمنى في الفضاء يتشبث الصغار بيديه يرمي الكرة إلى زميله الآخر في حين يلوح لعينيه فجأة شباك الدار يتعلق عيناه لحظة يوجه الصبي الذي في داخله . تفلت الكرة من زميله … يتبعها صبي بدين يحاول اللحاق بها فيغيب هو الآخر وراءها ” .
وفي قصة (نعي) ” رفع رأسه وأبصر من خلال زجاج النافذة المضبب .. رجلين يدخلان الحانة كان احدهما طويلا ذا وجه ناتئ العظام والثاني ضئيل الجسم . أمال ناتئ العظام رأس مظلته النحاس المدبب ..”
والصفات الآدمية لا تأتي خالصة للوصف بل هي متداخلة بالسرد وهذا ما يسمى بالصورة السردية فمثلا يصف معلمة الصف في القصة نفسها بالشكل الآتي ” دخلت معلمتنا تملأ نصف وجهها نظارة طبية .. كان خداها يتوردان من فرط حماستها ”
وللجسد الأنثوي حيز في مقاطع الوصف ففي قصة (امرأة مختلفة) ” لمحها بثوب السهرة الأسود تلصف قماشته بلون الفضة تحت تأثير عنقود من المصابيح الكرستال ينث ضوءه البارد على المثلث المحصور فوق ظهرها العاري الذي تسري فيه رعشات الجسد الوردي . نادت النادل فبدا صوتها طفوليا مؤثرا وعندما رفعت رأسها والتفت عيناها مصادفة أسرعت تتشاغل بسحّابة حقيبتها الصغيرة السوداء المطعمة بقطع فضية ..” .
ولأنه يحفل بالتفاصيل الصغيرة والجزئيات الدقيقة نراه يصف حركة يديها ” راقب حركة يديها وهي تزيل بإصبعين برقة الخزف الشريط الأحمر من مكعب الزبدة لتفصل ورقته الفضية عنه وتلقي بها في الطبق البلوري أمامها وتمس بنهاية السكين ذات المقبض العاج سطح قطعة صغيرة من الرغيف لتغطيها بطبقة رقيقة من الزبدة ثم تضعها في فمها وتبدأ تلتقط طعامها برقة وصمت كعصفور ”
ويرسم في قصة (طقس العاشق) صورة لرجل ” منهمك برأس منخفض وكتفين متراجعتين إلى الخلف يراقب البساط في جريانه تحته ” .
وفي قصة (القطار الصاعد إلى بغداد) انشغل القاص كثيرا بوصف ركاب القطار النساء الرجال منهم وكالاتي:
1. ” رجل كثير السعال انكمش بضالة على المقعد الخشبي المنهك ”
2. ” امرأة قروية تجاوزت الخمسين ارتمت تحت أقدام المسافرين بإهمال محزن وألقت أمامها بلا مبالاة قفة مطلية بالقار الأسود تكومت فيها أكياس قذرة وملابس عتيقة تنبعث منها رائحة حادة كريهة ”
3. ” وامرأة أخرى كانت جالسة أسندت رأسها الرخي المحزون إلى نافذة مغلقة وقد أرسلت عيناها العليلتان خطين من الدموع الصامتة الصادقة تأملت هذه المرأة وجهها المنكمش المتغضن وعينيها الصغيرتين المحمرتين ويدها المرتجفة المعروفة وصوتها . صوتها الباكي ..” ،
4. ” وأمي عينها الباكية ورقبتها الهزيلة وفمها الذابل المتجعد ”
5. ” وشابة ذات وجه مغبر سقط رأسها الناعس إلى جانب كتفها ”
6. ” رجلا هزيلا طويلا في انحناءة من الخلف وقد شد رأسه بمنديل واطل وجهه النحيل وخداه الغائران على الحياة بوهن وتخاذل . كان يتكلم بصعوبة ومشقة ظاهرة ويتنفس بجهد بينما كان صدره يصفر صفيرا واضحا .. ومد رجليه وتافف وذبلت نظراته ”
7. ” والتفتُ فوجدت السائق الثرثار ينفض عن ثيابه الغبار وقد اكسبه وجهه المحمر المتضرج سمة الغبي البطين ”
فلئن كان الانزياح هو الصفة العامة للكتابة .. فان هذه الحركة لا تتحقق الا في التفاوت اي في علاقة محددة .. ومرجعية محددة ”

2 / الواقعية الفانتازية
هذا هو النمط الثاني من أنماط التوجه الواقعي عند محمود عبد الوهاب ويتمثل في إضفاء المتخيل السردي على المتصور الموضوعي وقد حاول الفنان ” منذ القدم دمج ما هو واقعي بما هو رمزي ابتداء من العدد المجرد وترميزه وصولا إلى الشكل وما يحيل إليه من مضامين ” .
وبذلك تشتبك الموضوعية مع الذاتية الحلم / الواقع ليكون المترشح تخيلا وهميا يمنح المصور بعدا واقعيا أكثر دقة وأغزر عمقا .
ويبدو أن القاص عبد الوهاب كان متأثرا بذلك في مرحلة مبكرة من حياته الأدبية وكانت قصته (القطار الصاعد إلى بغداد) أول نموذج ريادي جرب فيه القاص هذا النمط من الواقعية لكي ” يحقق انفصاله المباشر عن المحيط ليتجاوزه إلى اقانيم تخص عوالم الفكر والأسطورة الميثولوجيا” .
وربما كانت مخالفة السائد من التوجه الواقعي السياسي والاجتماعي هو السبب وراء عدم نشر هذه القصة مع قصصه الأخرى فمثلا يصف القطار مضفيا عليه أوصافا أدمية ليصنع إيهاما ساخرا ” سار القطار متثاقلا كأنه لايود أن يفاجئ المودعين بسرعته بعد ركوده الطويل في المحطة وقد اخذ يقذف من جوفه بحنق ماء حارا وبخارا كثيفا ابيض شكل في مقدمته منظرا مفزعا زادته رهبة قعقعته الخشنة المقززة وكان صفيره الحاد يمزق الجو الذي يغطيه ” .
وفي لوحة تخيلية أخرى للقطار ” كان القطار يبتلع الأرض بنهم وصفيره المزعج ينطلق بحمية وحماس فيتفتت في أجواز الفضاء الخاوي بيض خبز جيكاير جيكاير .. واستلقى القطار على القضبان الحديد يلم أنفاسه المتطايرة فاندلقت أصوات الباعة إلى العربة باستعجال واقتضاب مثل نقيق الضفادع..”
وفي لوحة ثالثة ” كان القطار يقطع هذه الصحراء من دون ملل غير مبال بالعتمة والمسافة وعواء الذئاب وسقط رأسي بين كتفي ورحت في إغفاءة .وعندما كنت افتح عيني بجهد كنت أرى رؤوسا متهشمة مطرقة متكورة ومصباحا يرتعش ..”
وفي لوحة رابعة ” كان القطار لا يزال يرسل صغيره المتتالي في الجو الا انه بدا يتراخى في سيره قليلا ويبطئ ثم زحف بهدوء ووقف متعبا مجهد الأنفاس لاهثا ”
وعادة ما تميل الصورة الفانتازية إلى الغرائبية بما يمنح المشهد السردي هيأة لا معقولية لكنها شاعرية ” ولما انتفضت بقوة وشققت طريقي إلى خارج المحطة أحسست بان الأرض بدأت تتسع لخطواتي وان شيئا ما في داخلي دافئا غريبا جعلني أبدو أكثر إيمانا فوضعت قدمي في الطريق العريضة وأخذت أسير متبعا ذلك الإنسان القوي الضخم المتين العضلات ” فالسارد الذي هو البطل يتخيل نفسه وقد صار شيئا آخر مختلفا عنه انه قوي له تصميم يختلف عن ذلك الذي صعد القطار .. ونجد في العنوان ايحاءً بهذا التجدد أو التحول الفانتازي فهو صاعد .وكأن معادلة نزول / صعود هي التي ألهمت كاتب القصة تصورا واقعيا من نوع جديد انه متخيل ولكنه شديد الواقعية إلى درجة انه أصبح إيهاما ..!
إن هذا النمط من الخيال يحتضن الحلم والسرديات الخاصة بالأحلام والأعمال ذات المضامين القوية ففي قصة عين الطائر نقرأ ” لا احد غيري هنا الان لا شيء سوى الماء وأضواء شفافة وأشكال متلاشية . أفردت جناحي وصفقتهما محاولا أن انهض من على الأرض في توازن تام استدرت صوب الشط مخترقا فضاءه باسطا جناحي على البقعة المائية والعشاق ومباني المدينة وعبر جناحي المنبسطين في الفضاء لمحت مكاني القصي حيث كنت أقف يغور وينتثر كلما اندفعت إلى الأعلى تحت إغراء التماعات الفضاء الفضي الجميل ”
” وأخيرا فان الخيال الوظيفي أو الأفقي يغذي كل تلك الأعمال التي يشكل نسيجها المشهد نفسه وذلك من خلال ترتيب العناصر المتحركة والمنفصلة ” . وفي قصة عابر استثنائي ” أجابها وهو يلتقط قطعة من اللحم بشوكته ثم عاد إلى تناول طعامه بعصيبة ظاهرة وعندما انتهى من الطبق الذي أمامه أبعده عنه واسند ظهره إلى مؤخرة كرسيه فانزلقت بقعة الضوء من على صدره وسقطت على ارض الصالة بين قدميه ”
ولعل قصة (طقس العاشق) اشد القصص احتفاء بالواقع / المتخيل فالشارع بساط ” يزحف حافتاه بلون برتقالي والمباني مثل لولب والسماء شاحبة .. الكتاب ترتعش أوراقه ..” ، وتتوالى مقاطع الوصف وينحسر السرد ، ثم يعود إلى السرد من جديد ، لكن في إطار ثنائية الواقع / التخيل فالطالبتان يرسمهما على هيأة ” اوزتان تتأبطان كتبهما المدرسية تهزان ذيلي معطفيهما في تعال أنثوي مصطنع ” ..وراكب الدراجة “دويدة خيطية تتحرك” وهذا ما يجعل الوصف قابلا للرسم في لوحة تشكيلية ” الحافلتان مضتا ورؤوس ركابهما تطل من ثقوب النوافذ بفضول . سياح يزورون المكان أول مرة والسيارات الثلاث أو الأربع اجتازت المشهد الذي يراقبه الرجل من شرفته ” .
أما صبية المدارس فكأنهم ” أرانب ذات القوائم الرخوة الذين كانوا منتشرين على البساط لم يعد منهم احد ” ، ويعود إلى راكب الدراجة وقد ” غيبته أشباح الأشجار والمنعطفات والمباني والظلال الكثيفة للمكان البعيد حتى فني في لون معتم كالليل ” .
وفي قصة (على جسدك يطوي الليل مظلته) يصف صالة البريد بمقطع سردي مختزل يمزج الوصف بالسرد من جهة والواقعي والمتخيل من جهة أخرى ” أرى صالة البريد مثل صحن واسع كبير ناعم ناصع البياض ذي قعر عميق يتحرك داخله الناس بنشاط وبكل اتجاه هل لاحظت كيف تتفتح أساريرهم عندما يصل إلى أسماعهم وقع رسائلهم في قعر الصندوق .. أنهم يبتسمون ينشطون ينفعلون كما لو التقوا حقا بمن يراسلونهم سأفعل مثلهم ” .
وهذا ما يمنح واقعيته التصاقا أكثر بالذاكرة لالتقاط الدقائق الصغيرة التي يرسمها بريشة فنان مرهف ولعل في قصة (الملاعق) مثل هذه الدقة في التصوير ” الملعقة لا تهدأ والبخار يتجمع على بقايا وجهه في رغوة كثيفة ومثل عجينة رخوة أخذت أعضاء وجهه تفقد تماسكها وتنفصل وتتطاير في الهواء فقاعات تنفجر في صوت مكتوم وتتساقط في قعر الطبق : انفه أذناه ذقنه مثل سائل لزج تتقاطر أعضاء وجهه في طبق الحساء قطرة قطرة تك تك تك ”
وتتناسل الطيور على الثوب في هيأة مسحورة ” ستغادر الطيور قماشة ثوبك وتحط على ركبتي وستحدثني عن جسدك الناعم مثل الهواء ” .
ونلمح في (عين الطائر) نورسا صغيرا ” فتح منقاره القرني واخذ يحدثني بقاقاته الهوائية المتقطعة عن الأصقاع النائية ” ..ونجد الأخت في (رائحة الشتاء) وقد ” وضعت رأسها في السلة وبدت لي في وهج الضوء الذي تسرب من نافذة المطبخ مثل زرافة تلوي عنقها في إناء عميق لا تبالي بأحد وهي تقتات طعامها اليومي ”
والمعلمة حين تضحك ” ينفغر فمها إلى درجة يلتصق أعلاه وهو مفتوح بأسفل نظارتها فتبدو شكلا مخيفا .” ، ووصف في قصة (الممر) وجه الرجل وقد صار نصلا ” .. نصف وجهه نحو الباب وذقنه إلى الأعلى ورقبته ممطوطة ناتئة العروق وهكذا بدا نصف وجهه المقابل للممر وسط دائرة الضوء مرهفا كالنصل ”
ورسم في قصة (سيرة) صورة فانتازية للمارة ” يهزون رؤوسهم ويلوحون بأيديهم يعبرون الجسر يدخلون المخازن يخرجون منها يبتعدون حتى تبدو رؤوسهم كرؤوس الدبابيس تنبسط المسافات ويتناقصون كما لو أن الأرض أخذت تمتصهم واحدا بعد الآخر ” .
وما كان ذلك ليكون لولا ” أن كاتب القصة لا يهتم بتراكم الأحداث بقدر ما يهتم بتعميقها واتخاذها وسيلة لتحليل لحظة تمر بها النفس البشرية دون تركيز الجهد على إشباع الفضول الطبيعي لمعرفة تطور الحكاية وذلك النمط هو الذي يشبع عادة في القصة الفنية وتميل إليه القصة الحديثة ”

3/ الواقعية الشعرية
على الرغم من التصاق القاص محمود عبد الوهاب بالواقع وجزئياته الدقيقة الا انه يمزج ذلك بإحساس مرهف وبدقة متناهية تجعل للعنصر الواقعي سمة شاعرية جمالية إذ لا يكاد يغادر ما هو حقيقي ولا ينفك يرسم أجواءه النفسية والانفعالية .. حتى أن الإحساسات الجمالية والانفعالات العاطفية لا تنفك تحاصر عينه الناقلة لتفصيلات الواقع المعيش ..
وقد أحالت هذه الواقعية قصص رائحة الشتاء القصيرة إلى قصائد نثرية بشاعرية عالية حتى يمكن أن تكون الواحدة منها ما يشبه قصيدة المشهد الشعري لان القصة تتحول بفعل المد الشعري فيها إلى بنية ناطقة بالمغيب ومصرحة بالمجهول أو لعلها ” تقع في مرحلة وسط بين الحكاية والشعر وهي من ثم في حاجة إلى أن تأخذ من الحكاية بعض عناصر الامتداد والتقدم والإدلاء بمعلومات ”
وهو في هذا النمط من الواقعية اشد واقعية في تجسيد الحياة وربما كان هذا الهاجس الجمالي هو الذي قاد القاص إلى كتابه القصة القصيرة جدا وتمثل ذلك في قصص (امرأة وتوليف والحديقة ونعي وامتياز العمر والممر ويحدث هذا كل صباح ) .
وتفتح قصة (امرأة) بمشهدية شعرية ” في مساء ممطر وحافلة الركاب تهتز بك وسط الشارع الأوربي الفسيح ..” ، ثم تتعالى النزعة السردية ممتزجة بتصاعد النفس الشعري ” وتقترب هي منك ترجوك في صوت خفيض أن تبيعها تذكرة .. وتلتمع عيناها الرماديتان وتأخذ التذكرة منك ..” ، ليقع التمركز السردي على هيأة ذلك المخاطب ” تتطلع إلى من حولك كنت ترى عينيها تبتسمان لك كأنها لا تزال تعبر عن امتنانها وكنت متشوقا إلى التحدث إليها لكنك كنت متريثا كعادتك ”
ولعل من سمات شعرية القصة القصيرة جدا التكثيف السردي ففي عبارة ” فالعالم ليس واسعا كما يبدو للآخرين ” أو عبارة ” وكدت تلحق بها لك الحافلة استأنفت حركتها ” نلمح الاقتصاد في الكلمات الذي يجعل القصة الواحدة لا تتعدى الورقة أو ما يقاربها .
وفي قصة (توليف) امتزج السرد بالشعر في توليفة قصصية تعتمد الفعلية المضارعة ” تنزلق السيارة .. تنزل الشابة من السيارة .. تسمع ضجيج محرك سيارة قادمة فتهرع إلى الطريق ..” .
وبعد مجموعة اسطر للقاء المرأة بالسائق يحدث الانعطاف في مسار السرد ” يدعو السائق الشابة إلى الصعود في سيارته . يصعدان معا. يقود سيارته وهي إلى جانبه ” ثم يترك هذا المشهد إلى مشهد مفاجئ يحدث صدمة للقارئ ” تنهض المرأة من الأريكة تطفئ الضوء وتقفل جهاز التلفزيون وتزيح عن طريقها صينية صفت عليها ثلاثة صحون وقدحان وسكين .. تصعد السلم الداخلي وتتوجه إلى غرفتها في حين تبدأ الأشياء من حولها تفقد الفتها ” .
وتسمح القصة القصيرة جدا بسبب شعريتها بالكتابة على وفق زمنية استباقية شاملة كما في قصة (الحديقة) ” سينهض من فراشه .. سيتناول أنبوب الماء .. وستتناثر حياته في إرجاء الحديقة .. وسيجري سيله الفضي في السواقي الطينية الضيقة المتعرجة وسينعطف رقراقا نحو كل بقعة من الحديقة ”
وهذا ما يجعل الراوي يكثف أفعاله السردية في عبارات مختصرة موجزة ” استيقظ من إغفاءته ووجد نفسه لا يزال في فراشه .. ابتسم وتمطى تحت الغطاء وتراءت له حافات الأشياء في غرفته ناتنة وملتبسة ”
ويتزاحم المكان في ظل هذا التكثيف الشعري والسردي ثم يتراجع ليعلو السكون القار ” ماض بعيد يهجم عليه بتفاصيله كصديق مهاجر عاد توا ” بما يمنح النسيج السردي شاعرية ثم ” قسمات الماضي البعيد تتجمع أمام عينيه في صورة فتاة جريئة ” ثم يأخذه المد الشعري إلى التداعي الحر والمونولوجات الداخلية ” هل تدركين ماذا يعني أن يفترق احدنا عن الآخر انه موتي المحقق وان الحياة من دونك لا تطاق ” فيصبح التكثيف السردي من متطلبات المد الشعري في القصة القصيرة .
وقد تتجلى نهايات قصصه القصيرة كقصيدة نثرية بامتياز إذ تنتهي قصة (يحدث هذا كل صباح) بهذا الشكل ” الان يقفان معا أمامي على الرصيف المقابل وسط نقاء هواء هذا الصباح عاشقين جيء بهما من عصر بعيد حالم ليشقيا بنكد الفضوليين من المارة ذوي الوجوه المحروقة الجافة ” وكانت بدايتها مستهلة بحوارات ” آه لماذا لا استطيع أن أتصورها الا بهذا الثوب مع أنها لم ترتده هذا اليوم ” ، ثم ” يخاطب صديقا يجالسه : هل أنا حقا ذلك الذي كتب هذه الرسالة ؟ وهل كنت أفكر فعلا على هذه الصورة ”
وتغدو اغلب استهلالات قصصه القصيرة شاعرية يقول في مفتتح قصة (عابر استثنائي) ” من بين ورقتي شجيرة الظل التي كانت تحملها على ذراعيها المعقودتين رأته كان يرفع رأسه أحيانا ويديره يتناقل صوب المارة والمباني المحيطة بجانبي الشارع ” .
ومن المعلوم أن ” الخطاب الروائي خطاب شعري الا انه لا يلائم الإطار الذي يوفره الخطاب الشعري ” ولذلك ” ذهب لونجينوس إلى أن غاية الشعر جمالية فهو لا يدفع إلى العواطف المذمومة كما قال أفلاطون ولا يطهر النفس كما قال أرسطو إذ ليست غايته تربوية أو أخلاقية أو نفسية بل غايته التأثير في القارئ والسامع تأثيرا جماليا ” .

الخاتمة
إن هذه المسارب المختلفة لأنماط التجسيد الواقعي إنما تؤكد النزعة التصويرية التي تجعل القاص محمود عبد الوهاب يميل إلى الانفصال عن العالم الخارجي والاستغراق في الرؤى الشعرية عبر الانغماس في ما يمكن أن نسميه ب( الإيهام المباغت )..
ويبدو أن قصص هذه المجموعة التي كتبت في فترات متقاربة بين الأعوام 1982 ـ1992 باستثناء قصة أو قصتين قد استوحى فيها القاص محمود عبد الوهاب تجليات الواقع المترسبة في ذاكرته بدءا من أدق التفاصيل وصولا إلى الكليات .
ويمكننا أن نخلص إلى تحديد محصلات ما تقدم من محاور الدراسة وكالاتي :
1. شكلت الأشياء المكانية مهيمنة أسلوبية طغت على وصفية القاص وموضوعيته الواقعية حتى تسيدت على بنائية الحكي للراوي أو الشخصية أو الحوار والزمان .
2. حضور عناصر الفعل السردي (السارد والمسرود والمسرود له) مع تمظهر بنية المسرود له بشكل صميمي في بعض القصص على وفق صياغة مستحدثة في القص القصير في العراق .
3. طغيان النزعة الواقعية ليغدو الواقع مهيمنة سردية ووصفية داخل النسيج القصصي عبر استلهام أساليب القص التقليدي جنبا إلى جنب القص التجريبي .
4. .تمازج الأجناس الإبداعية شعرا ونثرا بلا حدود نوعية أو قيود اجناسية مع عدم تعارض الواقعي والمتخيل في تضاعيف البناء السردي القصير .
5. هيمنة الوصف على السرد مقابل هيمنة الموضوع على الذات والمكان على الزمان .
6. استلهام الفانتازيا بالشكل الذي تميل إليه القصة الحديثة في لوحات وصفية ساحرة .

فهرس هوامش البحث /

شاهد أيضاً

سيدي قنصل بابل.. مأساة الرواية ورواية المأساة
عبد الكريم السامر
قاص ومترجم عراقي (ملف/3)

رواية (سيدي قنصل بابل) للكاتب العراقي الشاب نبيل نوري لكَزاز موحان من الروايات القليلة التي …

ياسين شامل: قراءة في “سيدي قُنصل بابل”1 للكاتب نبيل نوري لكزار موحان (ملف/2)

يقومُ السردُ في “سيدي قُنصل بابل” الذي لم يعطهِ الكاتبُ نبيل نوري تجنيساً، على سردِ …

الراوِيةُ الذي يكشفُ المسكوتُ عنه
قراءةٌ في قصّةِ قُصي الشيخ عسكر الطويلة الكورونا
أ. د. عبد الرضـا عليّ (ملف/19)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *