حوارات مع شيخ القصّاصين “أنور عبد العزيز”
حاوره : غانم البجّاري (ملف/8)

س11 : الموهبة والإبداع لأيهما تنتمي ؟

ج11 : أجبت على هذا السؤال بإجابة سابقة وأكرر – بالنسبة لي – إنني ربما كنت مزيجاً من الموهبة والإبداع وقد قلت أيضاً ربما أثّرت عوامل الوراثة بعشق الحكي والقصّ كإضافة للموهبة والإبداع ، فأنا كنت مذهولاً في طفولتي من الابتدائية وحتى المتوسطة بإبداعات أبي الحكائية واقعية كانت أم خرافية أو من نسج الحكّائين الموهوبين شفاهاً في حكاياتهم وسردياتهم وهم لا يجيدون القراءة ولكنهم كسيل منهمر خيالاً وتعبيراً ، وقد وفّروا لأجيال أحلى متع عناصر الإثارة والتشويق  وكان من هؤلاء بعض القصخونية وكانوا يعتمدون على راويتهم المبدعة الأولى شهرزاد ملهمة القصص والحكايات العجيبة .

س12 : ما هي مشاريعك الأدبية القادمة ؟ وماذا عن مستويات المشاركة مع الآخرين .. في كتابة قصّة ، أو رواية ،  وهل تميل إلى مثل هذا العمل ، ككثير من الكتاب والأدباء ، كجبرا إبراهيم جبرا ، وعبد الرحمن منيف ؟

ج12 : صدرت لي – وكما تعلم – ثمان مجموعات قصصّية وسبع مساهمات في مجموعات قصصّية مشتركة . لم أفكر في تقليد تجارب الآخرين رغم اعتزازي بتجاربهم فأنا كاتب قصّة قصيرة وأعتز بهذه التسمية ، ولا أعاني من عقدة الروائي التي أصيب بها العديد من القصّاصين العراقيين فأصدروا عشرات الروايات البائسة التي لم تكن غير قصص قصيرة حاولوا أن يمطّطوها ويطيلوها واهمين أن الرواية هي صفحات كثيرة ، ونسوا أن الفن الروائي شيء آخر زماناً ومكاناً وأحداثاً وشخوصاً وثيمات ، فوقعوا في مطب الفشل بعد أن أوهموا أنفسهم بالحصول على ؛ لقب الروائي .. الرواية أفق واسع وشبكة علاقات وحياة وموضوعة حيّة .. لم نجد لكل ذلك أي أثر في عشرات من الروايات التي صدرت منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن إلا في قلة نادرة .. أنا فخور وسعيد بأنني كاتب قصّة قصيرة ، وسبق للقاصّ المصري المبدع يوسف الشاروني أن قال مثل هذا الكلام مستغرباً سؤال محاوره لماذا لا تكتب رواية فأجاب منزعجاً من السؤال : أنا كاتب قصّة قصيرة ، وكذا أجاب المبدع محمود جنداري في آخر حوارياته : أنا كاتب قصّة قصيرة .

المحاور الأستاذ غانم البجاري

س13 : بمن تأثّرت من الأدباء ، ومن تأثّر بك ؟

ج13 : عدنا لحكاية التأثر والتأثير ، ليس شرطاً أن يتأثر الكاتب بالأدباء فقط ومع ذلك فقد ذكرت في إجابة سابقة ميلي أو تأثري بعدد من الكتاب عرباً أو أجانب .. والذي يثري تجربة الكاتب هو مراقبة حياة الناس وحركة الحياة اليومية الاجتماعية والنفسية وما يكتنفها من إرهاصات وخلجات حلوة عذبة أو قاسية مهلكة مدمرة بالتفاعل مع روحية المكان وتأثيراته والزمن وتقلباته التراجيدية .

س14 : كتبت الكثير من القصص ، التي ساهمت في إغناء الحركة الثقافية في العراق ونشرت تلك النصوص في العديد من المجلات والصحف العراقية والعربية ، وكتبت عنها دراسات نقدية .. فهل كتبت القصّة التي تريد ؟ 

ج14 : أعتقد عبر قناعة شخصية أنني راضٍ عن منتجي القصصي في الغالبية الكبيرة من قصصي التي تجاوز عددها ( 200 ) قصّة وربما أكثر هذا إذا أضفنا لقصص المجموعات الثمانية ما تناثر في الصحف والمجلات العراقية والعربية ومنذ ( 56 ) عاماً أي منذ 1955 م .

س15 : هذه المدينة محاصرة ؛ ثقافياً ، أدبياً ، وحتى فنياً منذ عقود طويلة .. ولم تستطع أن تفك حصارها طيلة تلك الفترة ، ما هو برأيك السبب ؟ وإن كنا نحن المسببين فهل الخوف الذي لازمنا طويلاً ، مرده من أنفسنا أو من الآخرين ؟ وهل ثمّة أمل في أن نروي بدمائنا قنوات الثقافة المتيبسة ، حتى تخضر وتزدهر .. أم .. أم ماذا ؟ 

ج15 : ليس الأمر بمستغرب ، وهذه هي حال الثقافة للمدن عدا العواصم في كل أقطار الوطن العربي ، فالمحافظات وأدباء المحافظات – ليس الموصل وحدها فقط – يعانون من إهمال المركز والعواصم لجهودهم الثقافية ، والأدلة كثيرة في العراق وسوريا ومصر والمغرب واليمن وتونس والجزائر وليبيا على أن الخطوة كانت دائماً لأدباء العواصم أو ممن هاجر إليها من المحافظات والأقاليم البعيدة . 

س16 : أستاذ أنور ، ثمّة أكثر من سؤال يرتبط بالسؤال الذي سبق .. فإذا كان جوابك عليه بأننا لسنا السبب في ذلك الحصار فقط ، وإنما المؤسسات الثقافية العاملة ، فالسؤال هنا ، إلى أي مدى استطاعت تلك المؤسسات ، تدمير الثقافة والأدب والفنون ، والى أي مدى تستطيع هذه المؤسسات اليوم تدمير أو بناء أسس الثقافة والأدب والفنون ؟ وما المشاركة في الفعل الثقافي المحلي والعربي ؟ 

ج16 : ليس شرطاً أن ترتبط الأنشطة الثقافية بالمركز وبالمؤسسات الرسمية ، فالثقافة لا تزدهر إلا عبر مؤسسات ثقافية مستقلة ومتنوعة ومتعددة بالإضافة إلى اتحادات الأدباء في المركز والمحافظات ، فعلى وزارة الثقافة ومؤسسات المجتمع المدني وكذلك الشركات وكل الوزارات تفعيل الأنشطة الثقافية في عموم البلد ، لأن مسألة أو قضية الثقافة لا تتعلق باتحادات الأدباء فقط بل هي مسألة عامة ترتبط بكل الناس ، فليس مستغرباً أن نرى – كمثال – وزارة التجارة تخصص مبلغاً لدعم الأدباء وطبع نتاجاتهم ، وكذا وزارة الصحة والصناعة والسياحة والزراعة وكل الوزارات ، بالإضافة إلى تخصيص المحافظات مبالغ مجزية تصرف على شؤون الثقافة والمسارح والنوادي الثقافية ، وأن تساهم المكتبات العامة في المركز والمحافظات بدعم الأنشطة الثقافية، بالإضافة إلى المنظمات الجماهيرية للعمال والفلاحين والنقابات كنقابة المعلمين ، وكل الجامعات العراقية وبخصوصية كليات الآداب والتربية فيها ، وهكذا ستكون مصادر التمويل الثقافية كبيرة ومتوفرة دائماً مما يساعد على طبع الكتب وإصدار الصحف والمجلات وإقامة الندوات الاحتفالية الثقافية وعلى مدار السنة وليست في مواسم محدودة فقط .

المبدعان أنور عبد العزيز وطلال حسن

 

س17 : إذا كان الجواب للشق الأخير من السؤال السابق بالإيجاب ، فما هي الطرق ، التي تسلكها تلك المؤسسات في بناء أسس الثقافة وفك حصارها المزمن ، وإعادة الاعتبار للثقافة عموماً ، والأدب خصوصاً ؟ 

ج17 : أعيد ما أجبت به في السؤال السابق ، فرد الاعتبار للثقافة عموماّ والأدب خصوصاّ لن يكون إلا بمساهمة كل الوزارات والجمعيات والنقابات وكل مؤسسات المجتمع المدني طالما أن الثقافة تعني الجميع .

س18 : إذا كانت الكلمة الحرة ، هي الشهادة ، فكم برأيك من الأدباء، استطاع أن يكتبها .. ومات .. ومن لم يكتبها ومات أيضاً ؟

ج18 : هذا السؤال يحمل ضمناً إجابته ! جوابك هو جوابي أنت وأنا متطابقان في هذا المجال رأياً ورؤية .

س19 : ” .. فإن لم أحترق أنا ، وإن لم تحترق أنت ، وإن لم نحترق كلنا .. كيف يمكن للظلمات ، أن تصبح ضياء ؟! ” هكذا قال ناظم حكمت .. فمن من الكتاب احترق ؛ أديب الاستجداء أم أديب الالتزام ؟

ج19 : لماذا نستعمل كلمة الاحتراق ، الاحتراق يعني الفناء دون تقديم أي حل ! لماذا لا نقول : إذا لم تضيء أنت .. الخ مع كل التقدير للشاعر الكبير ناظم حكمت . أما المقارنة بين أديب الاستجداء وأديب الالتزام فليس هناك ثمّة مقارنة على الإطلاق .. وتبدو مؤلمة ، فشتّان ما بينهما .. الاستجداء هو الموت والذل .. والالتزام هو الحياة بكل مبادئها وقيمها الإنسانية الحنونة الدافئة .

س20 : على ذكر المقابر الجماعية .. كم من الأدباء – برأيك – دفن فيها بنصوصه الأدبية ، وآماله العريضة ، وأحلامه التي ضاعت ، ولم ترَ نتاجاته النور ؟ 

ج20 : ليس هؤلاء فقط من لم ترَ نتاجاتهم النور بل الكثير الكثير من الأدباء عرباً وأجانب شرقاً وغرباً .. هكذا هو الحال ! وعلى مر العصور والأزمان ، فالحزن والقسوة والحروب وأهوالها وكوارثها وفواجع الأمراض الوبائية الطاحنة لملايين الناس والزلازل والفيضانات المهلكة الطاغية وكل ألوان القمع والأنظمة المستبدة كانت هي الوباء الأكبر في كل زمان ومكان وعبر العصور مستبيحة بشرورها كل شعوب الأرض .. أما الفرح والسعادة والخير والرحمة فقد كانت حظوظها قليلة بل ونادرة .

س21 : قال بعض المفكرين : إن المستقبل أمانة في عنق الإنسان .. من هو المنوط به تلك الأمانة أكثر ، الأديب أم السياسي .. ولماذا ؟

ج21 : العرف والواقع والضرورات الإنسانية تقول : إن كليهما يجب أن يحملا هذه الأمانة .. لأنها أولاً وأخيراً هي المصلحة الإنسانية جمعاء ، وقد يكون الأديب في حالات كثيرة أكثر تحسساً واستجابة لحمل هذه الأمانة .

س22 : الناس يعيشون بسعادة كاملة ، لا فقر ، ولا جنون ، ولا حروب  ولا تعسف ، ولا ظلم .. هذا نص للروائي الانجليزي ، هكسلي مأخوذ من رواية الجزيرة . هذه الكلمات ، كثيراً ما يستخدمها السياسيون لتخدير شعوبهم .. وكما ترى أن الإنسان – الأديب والسياسي – يشتركان في لغة واحدة للمخاطب . ألا ترى أن مهمة الأديب ، الحرص على تقديم الواقع ، من خلال القدرة على التخيل للمستقبل حتى وإن كان ذلك الواقع مُرّاً ، حتى يعرف الآخرون مصيرهم ويغيرونه بأيديهم ؟ فإن لم يفعل ، فسيصبح كالسياسي الذي يحاول أن يخدع مواطنيه ، بأن يعكس الواقع المر ، على واقع جميل ، كي يحظى بأصواتهم للانتخابات ؟ 

ج22 : هكسلي كاتب وفيلسوف كبير لا أدري مدى ارتباط مقولته التي ذكرتها له في رواية الجزيرة لما قبلها من كلمات وعبارات ولما بعدها. السياسي والسياسيون لا يحتاجون لمقولة هكسلي فقط لتخدير شعوبهم فهم ذوو خبرات احترافية ، وعندهم جاهزية من مئات الأقوال ليستغلونها في تخدير شعوبهم ، فإن لم تنفع تلك الأقوال ولم يحصل التخدير ، لجأوا لوسيلتهم الأبدية وعبر كل التاريخ والعصور والشعوب والأماكن ، الوسيلة التي رأوا أنها هي الأنجع والأسرع تأثيراً : القمع بكل ألوانه وقسوته واختراعاته المبتكرة ! 

س23 : نقرأ كثيراً ، ما يكتبه الكتّاب ، بأن مسألة أزمة حقيقية ، بين الأديب ، والناقد والمتلقي .. فهل هناك أزمة حقيقية ، كما يقولون .. وما هو مدى الخطورة ، إذا كان هناك عدم مصداقية بين الأول والثاني وما تأثيرهما على الثالث .. وهل تعتقد أننا بحاجة قصوى لنقد النقد ، تعضيداً لموضوعية الفكر النقدي ؟

ج23 : نعم هناك أزمة حقيقية وفي كل البلدان العربية وربما كل دول العالم الثالث .. النقد ما يزال عموماً تجارب شخصية .. ليس هناك برنامج نقدي منظم ولا مدارس نقدية .. غالبية النقّاد يتأثرون بأسماء الشهرة التي صنعها إعلام الدولة والكاتب نفسه إن كان عاشقاً للأضواء أكثر من اهتمامه بمنجزه الأدبي .. كثير من النقّاد لا يتابع النشريات الأدبية وينتظر من القصّاصين والروائيين والشعراء أن يهدوه كتبهم لينقدها .. وغالباً ما نجد نقده انطباعياً سريعاً تفرضه روح المجاملة والاخوانيات وفي السنوات الأخيرة تحول العديد من القصّاصين والشعراء إلى نقّاد لغياب النقد كاتجاه ثقافي معرفي إبداعي ، مع ذلك يمكن القول إنها حالة بديلة قد تعالج نقص النقّاد وغيابهم عن الساحة الأدبية .. إن نقود القصّاصين والشعراء لبعضهم البعض لها فضيلة تعريف القراء بالمنتج الأدبي ولكن الحاجة تظل قائمة أبداً لنقّاد متمرّسين بعملية النقد وإلى أن يسهم الأكاديميون من النقّاد أيضاً بنشاط أكبر ومتابعات جادّة لإصدارات القصّة والشعر والرواية والمسرح والتشكيل والموسيقى .

 

شاهد أيضاً

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

في الذكرى الثانية عشر لرحيل شاعر فلسطين محمود درويش
*قصيدة رثاء لمحمود درويش، نشرها سالم جبران باسم سعيد حيفاوي*
نبيل عودة (ملف/26)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *