شاكر رزيج فرج : “زليخات يوسف” حكايات عن الاغواء والحصار واشياء اخرى

 

زليخات يوسف
حكايات عن الاغواء والحصار واشياء اخرى

شاكر رزيج فرج
ناقد

يؤسس القاص –علي السباعي- في مجموعته القصصية الجديدة والصادرة عن دار الشؤون الثقافية – بغداد(زليخات يوسف) بناه السردية على جملة من الاعتبارات – المسلمات- النظرية المتداولة والمعروفة. لكنه يجهد لان يضيف من عندياته بعضا من الافكار والرؤى على شكل لمسات خاطفة في محاولة للخروج الى حد ما عن القولبة والتناص بما نسميه تعريفاً او مجازاً بالتحديث الابداعي للأداء البنيوي للأفعال والوقائع اعتقاداً منه ان ما بين الافعال التركيبية القاعدية والمجازية هوة واسعة لابد من ردمها وملئها بأفعال ووقائع وسطية تتدخل ايجابيا بين طرفي القطبين كموصل محايد. دوره كدور بعض المركبات الكيمادية حيث تقوم بتسريع التفاعل ثم تخرج سليمة عند طرف المعادلة الاخر. وفي زليخات يوسف نجد ان فعل – الاغواء – وان تعددت صوره وفعل الحصار – المجازي- كانا عبر نصوصه يتصارعان دون هوادة وقد احكما بقبضتيهما على الخطاب السردي ومن ثم الافعال والوقائع (الوسطية) وادوارها التفعيلية.
في نصه المتميز الاول – مريم… البلقاء- والتي نشرت في وقت سابق في مجلة الاقلام يسرد البطل – ضمير المتكلم- عن حبه لابنة عمه ثم موتها المفاجئ بعد ان صدمها القطار وهم في طريقهم لزيارة مقام – الخضر- حيث تغير حادثة الموت. غير المتوقعة مجريات الوقائع المتصورة(الزيارة في عيد نوروز وما تجلبه من افراح ومسرات للمتنزهين) لتشكل حبكة متينة لها مقبولية تعززها تلاحق التوصيفات و(الافعال الوسطية) التي جرت في زمن مضى وانقضى الطفولة والشباب والاكاديمية والزقاق والبيت والعائلة مضافاً لها محاولات التجنيس والتقريب الوصفي والتهويمات والاشارات التي تتداخل بعضها البعض خيول فائق حسن المنطلقة في الفضاء اللامتناهي وعيونها التي تحاكي عيون الفنان وترميزات جواد سليم النابضة بالثورة والحياة ووجه – مريم – الملائكي الذي تغتاله الغفلة.
في نصه الثاني – مومياء – يحاول علي السباعي ان يجرد هذا الرجل من حكمته لا لأنها لم تعد صالحة فحسب بل ان – البهلول- اراد ان يحول هذه الحكمة الى (تعويذه!) تستهل فعل الموت من خلال – البندقية – لذا لم يجد الرجل من يغويه ليسمعها ويزيح عن كاهله عبئها. وعندما ترعد به ام الحصار: قل حكمتك وامض ص55 فهو لا يجد من سبيل غير ان يصرخ: وحكمتي ماذا اصنع بها؟ فلا يجد لصراخة غير الصدى اذ لا توجد حكمة في الحرب.
اقصوصة- وساخات ادم- يستظهر القاص. التطهير كفعل بدائي لعلاج الداء بواسطة – النار- مستقدما – آدم – واستعارته الذكية هذه تفتح داخل مهيمنات النص مسارب تأويلية ممكنة للمتلقي ان ينفتح على مكوناته (يعيد بناء النص من جديد) ووفق رؤاه وخزينه الثقافي… وآدم هذا الجوال الذي يطوي دلتا الشرق وصحراء الغرب لا يجد الا واقدامه غارقة في الوساخات(القمامة) التي هي من صنعه هو! مادام هو الوحيد – الكل- الموجود على ظهر الارض. انها اشارة للعودة الى البربرية عندما كان الانسان مدمراً للطبيعة وقبيل ان يتحول الى منتج ويتفجر وعيه في اعظم انعطاف تأريخي للبشرية ام الدعوة لأحراقه وفراره بينما تأكل النار القمامة. فهي اقرار بان الانسان باق لا محالة على وجه البسيطة وان التخلص من مثالبه وخطاياه وآثامه لابد ان تحدث يوما ما.
والقاص علي السباعي المولع بإغواء النساء يجد في (قطام) هذه الفتاة العصرية المتمردة صورة باهرة – للام!- في عصرها الذهبي ونكاية بالعهد البطريركي(الابوي) الذي مازال يمارس سوءاته حتى يومنا هذا. فهي تطالب النساء بالسفور تحرراً من القيود وتدعو الى وأد الذكور وعندما يسألها امام الجمعة: من انت؟ تستعير فاتحة ملحمة كلكامش- هو الذي رأى كل شيء- لتهتف: – انا التي رأت كل شيء- ومن ثم تتوعد القادمين والذين لم يولدوا بعد: اين تهرب من ماضيك يا من ستولد فيما بعد؟ ص83 وكان من سيولد سوف يحمل وزر الاباء.
ان هذا النص(وتبقى قطام) هو اقرب الى مفهومي النص الخطاب النسوي و- الجنوسة- وان غرابية الافعال لا تخرج عن هذين المفهومين بينما تأخذ غرابية الوقائع في نصه(الجذر التربيعي للقمر)منحى اخر فرائحة – الموت- تستشري بين ثنايا الاقصوصة لتكون مظلتها التي تغطي كامل الاحشاء – المكونات ابتداءاً من الاعلان عن وجود درجة شاغرة لنجار خبير بصنع التوابيت ومن ثم الدعوة للدفانين والنوّاحين والمرددين وقارئي الادعية الى الحضور الى موكب جنازة ص..85 هو ايذان بان فعل الموت داخل الاطار الفنتازي هو الواقع المهيمن والحقيقي وليس المفترض او المحتمل. وبما ان الحبكة: هي المضمون والبنية في واحد(الوعي والفن ص92) فان علي السباعي يحطم التوازن بالكشف ان الجنازة داخل التابوت جسد ذو(اربعة قوائم بيض رشيقة واذنان بيضاوان كبيرتان. عينان سوداوان واسعتان. وجسد ممشوق رياضي ينتهي بذيل ابيض طويل ص88). ام نصه(الزا- ماما) وتعني الحرب في لغة العرب القديمة. فيبدو نصاً مفتوحاً Open Text غير قابل للتأويل – الهيرمونطيقي- فهو استهجان لدعاوى الحرب ودعوة لإشاعة السلام واعتبار الدخول الى الالفية الثالثة بمثابة ميلاد عصر جديد من الالفة والمحبة بين الشعوب. والسباعي كقاص مبدع. لم يدع منجزه ينحدر ليقف متهافتاً عند تخوم السرد الهامشي واليومي او كأنه يلقي خطاباً عادياً من على منصة بل انعطف بمسروده بانشطار نوعي معاكس وكانه يستدير دورة كاملة ليتحول نصه المفتوح الى نص مغلق Closed Text ينفتح فجأة على كل احتمالات التفسير والتأويل فــ – الملك – يصافح عدوه بمناسبة بدء هذه الالفية بينما ترفض ملكة جمال المدينة من مصافحة مكلة جمال العدو ص111
كما يتناول القاص علي السباعي . في نصه الجميل(احتراق مملكة الورق) مسألة. قضت مضاجع الطغاة على مر العصور. الا وهي الثقافة من خلال حكاية فنتازية يبدأها بلعبة من الموروث الشعبي – الشمطيرة – التي يمارسها الكثير من اطفال المناطق الجنوبية من العراق ومن ثم يستعير من التأريخ شخصية – الحجاج – ليضعه في عصر غير عصره ليمارس امتداده الاخلاقي والفكري فيباشر الرجل وظيفته وذلك بأن يأمر بقطع الاعضاء الذكرية للرجال لكننا سرعان ما نكتشف ان هذا الرجل اراد بعمله هذا الوصول الى قضية اكبر غير – قطع النسل- يفصح عنها المنادي حين يعلن: ان كل من يريد ان يسترجع عضوه الذكري يجلب مقابل وزنه كتباً ولانه يعتقد(وفق المنطق الارسطي)ان الانسان حيوان عقلاني …فأن هذه العقلانية تنجلي حينما يعيد البعض كتبه. ليقوم الطاغية بحرقها وهذا هو بيت القصيد.
في – عطش ذاكرة النهر- يختصر السباعي خطابه السياسي بجملة واحدة: ولي زمن الغربة وعاد نهرنا يجري. وبذلك قطع بخطواته هذه مسافة الالم والحزن والضياع التي اجترعها ابناء المدينة التي جف نهرها فاخذوا يحفرون في بطن النهر آباراً لم تنجب!! الا بعد ان منحوا لحياتهم – قبر دم!.
اما الاقصوصة التي تحمل عنوان المجموعة(زليخات يوسف) فهي تسوغ للذاكرة ان تستعيد تلك الوقائع والاحداث التي عصفت بنا بعد ان دخل بنا الجنرال المزيف حروبه الخاسرة وتبعات تلك الحقبة من دمار وحصار وفاقة واستلاب و… و… شباب مشوهون وجثامين تدفن بدون رؤوس ورؤوس بلا اجساد وامرأة تعرض يدها الجذمورة في السوق ومعلم لا يجد غير عباءة(الحبوبي)ليخيط منها كفناً لرجل قطع اوصاله انفجار و- زليخة – تبحث عن اصابع صويحباتها في احد الشوارع او القمامة باحثة عن الايدي التي قطفت التفاحة المحرمة واسئلة تدور هنا وهناك تجد جوابها بعد ان يرمي معلم التاريخ حبل المشنقة بعيداً.
اما نصه الاخير – بكاء الغربان – فيكاد يكون مواصلة لما بدأه في معظم قصص المجموعة الاغواء والحصار وقد جاء على شكل مقاطع وجمل تقترب كثيراً من – الاعلان – فافتقد الى الخصوصية. هيمنت عليه اللغة الشعرية حتى كادت ان تأسره لولا مقطعه الاخير – البليغ – (فوضى. ذبح اخر الغربان. كبرت افاعي النار. صارت شلالات ضوئية نثرت الرماد فوق دم البؤس ص143.

 

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

تعليق على المجموعة القصصية بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د ميسون حنا

بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من …

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *