الدكتور علي القاسمي : مرافئ على الشاطئ الآخر روائع القصص الأمريكيّة المعاصرة (6)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ، وفي كل يوم جمعة مباركة ، بنشر فصول كتاب العلّامة المبدع الكبير الدكتور علي القاسمي “مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” ، وهو كتاب بانورامي نقدي شامل يضم 22 قصة لكبار الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين مع تقديم لكل كاتب: حياته وأسلوبه. فشكرا للميدع الكبير القاسمي على تفضّله بالموافقة على نشر الكتاب متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

(6)

هارولد برودكي

( ولِد هارولد برودكي Harold Brodkey (واسمه الأصليّ هو: هارون روي فاينتراوب Weintraub) في مدينة ستونتن في ولاية إلينوي في سنة 1930. وبعد تخرّجه في جامعة هارفرد الشهيرة في سنة 1952، أخذ ينشر قصصه القصيرة التي كانت تفصح عن موهبةٍ أدبيّةٍ متوقِّدة. وتتّسم هذه القصص بغياب العقدة وتركِّز، بدلاً عن ذلك، على الوصف الدقيق للمشاعر. وقد أصدرها تباعاً في مجموعاتٍ قصصيّةٍ ظهرت أُولاها عام 1954 بعنوان
”الحبّ الأوّل وأحزان أُخرى”، فحازت على إعجاب القراء، بل بالأحرى إعجاب النقّاد. كما لقيت مجموعتاه ” قصص في وضع كلاسيكيّ تقريباً” و “نساء وملائكة” ترحيباً كبيراً في الأوساط الأدبيَة. وكان على المعجبين به أن ينتظروا طويلاً قبل أن يقرأوا روايته الموعودة التي نُشِرت في سنة 1991 بعنوان “الروح الهاربة” والتي تقع في 800 صفحة. ولكنَّ روايته تلك لم تحظَ بالإعجاب الذي حازته قصصه القصيرة.
وعندما كان برودكي يضع اللمسات الأخيرة على روايته الثانية ” صداقة دنيوية” عام 1993، علِمَ بإصابته بمرض نقص المناعة. وفجأة تجلّت موهبته الأدبيّة في مذكَّراته التي راح يكتبها عن المرض بعنوان “هذا الظلام الموحش: قصة موتي” التي نُشِرت قبيل وفاته عام 1996.)

فيرونا: صبيّةٌ تتحدّث

أعرفُ كثيراً! أعرف عن السعادة. لا أقصد السعادة الناتجة عن محبّة الله، بل أعني أنّني أعرف السعادة البشريّة، بما فيها من آثام.

وحتّى سعادة الطفولة، التي أعدّها الآن مجرّد سعادة فجّة من نتاج الطبقة المتوسِّطة.

دعني أصف لك فترةً من فتراتها، يوماً واحداً، ليلةً واحدةً.

Harold Brodkey

كنتُ صغيرةً تماماً، وسافرتُ ووالدَيَّ ـ كنا ثلاثتنا فقط ـ من روما إلى سالزبورغ، وهي رحلةٌ أخذتنا عبر ربع أوروبا لنكون هناك في سالزبورغ إبان عيد الميلاد، لنستمتع بالموسيقى والثلج. سافرنا بالقطار لأنّ الطائرات كانت غير منتظمة الرحلات آنذاك، ولأنَّ والدي أراد أن نتوقَّف في بضع مدن إيطاليّة لمشاهدة اللوحات الفنيّة وشراء الهدايا. كانت رحلةً بسيطةً ولكنّنا ـ نحن الثلاثة ـ كنا سكارى بنشوتها؛ كان أمراً غريباً جدّاًً: نستيقظ كلَّ صباح في فندق غريب، في مدينة غريبة. كنتُ أوّل مَن يستيقظ، فأذهب إلى الشبّاك لأرى برجاً ما أو قصراً ما، ثمَّ أوقظ أُمّي فيتأكَّد لي من ردود فعلها صحّة إحساسي بالغرابة والمغامرة، فقد كانت تُحسّ برومانسيّة وجودها في مدينة غريبة بالطريقة التي أحسستُ بها عندما نظرتُ من الشباك ورأيتُ القصر أو البرج.

كان علينا أن نغيّر القطار في فيرونا، وهي مدينةٌ صغيرةٌ معتمةٌ تقبع على أطراف جبال الألب. وفي الوقت الذي وصلنا إليها كنّا قد اشترينا واشترينا كثيراً من المشتريات ونحن في طريقنا إلى شمال شبه الجزيرة الإيطاليّة. كنتُ ثملةً بما اقتنيتُ من مشترياتٍ وما امتلكتُ من أشياء جديدة. كان من الصعب عليّ أن أتعرّف على ذاتي، فقد صارتْ لدي أشياء جديدة عديدة، بحيث كان خيالي في أيّ مرآة أو واجهة محل من المحلات يبدو طريّاً وجديداً بصورة متألِّقة، بل حتّى متنكِّراً، زاهياً لامعاً، كما بدا لي. كنتُ في السابعة أو الثامنة من عمري، وخُيّل إليّ أنّنا كنا تقريباً في شريط سينمائيّ أو على صفحات كتاب: فقط الكلمات البسيطة والصور المضيئة بإمكانها أن تُعبِّر عن حالتنا آنذاك، كما ظننتُ. كنّا نتجوَّل مشرقين: أَشرقنا في كلِّ مكان. وتلك الملابس. من السهل أن تشتري طفلاً. اقتنيتُ بذلةً جديدةً، مُطرَّزة، زرقاء وحمراء، غالية الثمن كالجحيم، كما أعتقد، وجوارب طويلة، حمراء كذلك، وسترة من القماش الأحمر، مع قلنسوة وقُب مُطرَّز تحت القلنسوة، وقفازاتٍ مبطَّنةً رائقة، وحذاءً مبطَّناً بالفرو، ومحفظةً من الفرو، وتنورةً مزخرفةً ملوَّنةً ـ وقمصاناً، وغطاءَ رأس، بل أكثر من ذلك : ساعةً، وسواراً، وغيرها وغيرها كثيراً.

وفي القطارات كانت لنا مقصوراتٌ خاصّةٌ بنا، وكانت ماما تحمل ألعاباً في محفظتها، ومأكولاتٍ شهيَّة، وكان بابا يغنّي لي أناشيدَ عيدِ الميلاد بلا موسيقى مصاحبة، وأحياناً كنتُ أنغمس في سعادتي كثيراً بحيث أصير فجأةً في خطر التبوُّل في ملابسي، وكانت أُمّي، التي تفهم مثل تلك الحالات الطارئة، تُدركها من صوتي ومن التشنُّج على وجهي، فتقوم ـ وهي امرأة ضخمة جميلة ـ بحملي بسرعة إلى دورة المياه، بمهارة مذهلة، وهي تتوسَّل بي :
” اضبطي نفسك لحظة،” ثمَّ تُمسِك بيدي وأنا أقضي حاجتي.

وهكذا أتينا إلى فيرونا، حيث كان الثلج يتساقط بوفرة. وكان لأهلها وجوهٌ صارمةٌ، حزينةٌ، وجوهٌ جميلةٌ غير ضاحكة. ولكن عندما كانوا ينظرون إليَّ، تلين تلك الوجوه الجادّة، وكانوا يبتسمون لي عندما يرونني في حُلتي البهيّة. كان الغرباء يقدِّمون لي قطع الحلوى، أحياناً بحزن، وهم ينحنون لينظروا مباشرةً في وجهي، في عينَيّ، وكانت ماما أو بابا يتفرَّسان فيهم ويقولان بالإيطاليّة: ” لقد تأخّرنا وعلينا الإسراع، أو يتوقَّفان ويدَعان الغريب يلمسني، يتحدّث معي، ينظر في وجهي وهلة. وأرى نفسي في عينَيّ رجلٍ غريبٍ أو امرأةٍ غريبة؛ وأحياناً يحدّقون فيّ بلطفٍ لدرجة أنّني أرغب في لمس أهداب عيونهم، ومداعبة تلك العيون الغريبة الواسعة اللامعة. لقد أدركتُ أنّني زينة الحياة، وكنت أقوم بواجباتي بجديّة عظيمة، بحيث إنّ نبيلاً إيطالياً في بلدة سينا قال عني إنّني أتصرف مثل أميرةٍ إنجليزيّة ـ في بعض الأوقات ـ ثمَّ ضحك لأنّني كنتُ أتصرَّف أحياناً بصورةٍ بشعة، فقد كنتُ أجري ضاحكةً في صالته، وهي غرفة طويلة على جدرانها لوحات معلَّقة، ولها سقف مزخرف بالألوان، ثم أجلس في حضنه وأتلوّى: كنت طفلة شيطانيّة، وكنت أحبُّ نفسي كثيراً، وفي كلِّ مكانٍ تقريباً، وفي كلِّ يومٍ تقريباً، كان هنالك شخصٌ جديدٌ يحبُّني لوقتٍ قصير خلال سفرنا.

وفهمتُ أنّني طفلةٌ خاصّة، فهمتُ ذلك حينذاك. لقد عرفتُ أنَّ ما كنّا نفعله، كلَّ شيء فعلناه، كان يتطلَّب مالاً. ولم أعرف ما إذا كان ذلك يتطلَّب فكراً أو أسلوباً. ولكنَّني عرفتُ عن المال بطريقةٍ ما. شيكات، وشيكات سياحيّة، ورنّة النقود. كان أبي ينبوع مال: قال إنّ تلك الرحلة أُنسٌ ومتعة. كان يريد أن يدهشنا؛ فقد ادّخر المال لذلك ـ لم نكُن أغنياء حقيقة، ولكنَّنا كنا أغنياء في تلك الرحلة. أتذكَّر مرصداً في دارٍ واسعةٍ خارج مدينة فلورنسة، وأشجار برتقال في أحواض خشبية، وقد جريتُ هناك كذلك. وكان ثمّة خادم، رجل متسربل بالسواد، رجل هرم جداً، له وجهٌ بائس، فلم يكُن يحبُّ أن يبقى خادماً بعد أن انقضى زمن الخدم ـ وقد عبّس وجهه، ولكنّه ابتسم لي، ولأُمّي، وحتّى أنّه ابتسم مرَّة لأبي. كنّا منفصلين بصورةٍ واضحةٍ عن أحزان العالَم ومتاعبه وقسوته. كنّا نمرح، وكانت لنا مسرّاتنا، وكانت أُمّي مسرورة، ذلك السرور الداخليّ الساذج، وكانت تعتمد على أبي في نجاح الرحلة، آه، لقد بذلتْ هي مجهوداً كذلك، ولكنّها لم تكُن تعرف سرَّ تلك ـ اللاواقعيّة: هل هذا ما أريد أن أقوله؟ سرَّ تلك اللعبة، تلك اللعبة غير الاعتياديّة.

كانت هنالك لوحةٌ في فيرونا يرغب أبي في مشاهدتها؛ أتذكر اسم الرسام، لأنّ اسم بيسانيللو* ذكّرني بحاجتي إلى الذهاب إلى دورة المياه عندما كنّا في ذلك المتحف، الذي كان قلعةً قديمة، قلعة غويلف أو غبللني، لم أَعُد أذكر أيّهما، وأتذكّر اللوحة كذلك لأنّها كانت تكشف عن مؤخَّرة حصان، وشعرتُ أنَّ ذلك لم يكُن مستحبّاً، بل كان مُضحِكاً نوعاً ما، غير أنَّ بابا كان معجباً باللوحة، ولهذا لم أقُل شيئاً.

أمسكَ أبي بيدي وروى لي قصّةً لئلا ينتابني الملل، ونحن نمشي من غرفةٍ إلى أُخرى في تلك القلعة/ المتحف، ثمَّ خرجنا بعد ذلك إلى الثلج المتساقط، وكنتُ أرتدي بذلةً حمراءَ وحذاءً، وكان في استطاعتنا أن نبقى في الثلج إن أردنا، وقد بقينا. وذهبنا إلى ساحةٍ، ميدان عامٍّ ـ السكالجيرا ـ كما أظنّ، ـ لم أعُد أذكر ـ وبعد وصولنا إلى هناك، هبّ الثلج ثمَّ هدأ، ثمَّ أخذ يتساقط بصورة متقطِّعة، ثم توقَّف. وكان الطقس بارداً جدّاً، وكانت ثمّة حمائم في كلِّ مكان في الميدان، على كلِّ رصيف، وفوق كلِّ سقف، وفوق الثلج على الأرض، بحيث لم تترك الحمائم وهي تمشي إلا ممرّاً صغيراً، في حين كان الهواء يرتعش بُعَيد تساقط الثلج، وقبيل أن يتماسك. لم أرَ في حياتي قطّ حمائم بهذه الكثرة من قبل، ولا مكاناً خاصّاً ومطروقاً مثل ذلك الميدان، وأنا في معطفي الجديد على حافة العالَم، الحافة البعيدة لقصّة لا يعرفها أحد، حافة الجمال الغريب وألعاب والدي، النهاية، الحدّ الأبيض لذلك الفصل الشتويّ.

كنتُ نصفَ مجنونةٍ بالمتعة والفرح، على أيّ حال، والآن جلب والدي خمسة مخاريط أو ستة من الورق، وفيها حبوب صفراء وبيضاء وسكبها في يدي وطلب إليّ أن أمدَّ ذراعي إلى الأمام، ثم انسحب هو إلى الخلف.

في البداية لم يحصل شيء، ولكنّي كنتُ أثق به فانتظرتُ، وبعد ذلك جاءت الحمائم، بأجنحةٍ ثقيلة. أجسام حمائم مرتعشة. وأرجلها حمراء بشكل لا يصدّق. وطارت مرفرفةً فوقي،ثم خفَّضتْ سرعتها في اللحظة الأخيرة. وحطّت على ذراعي وتغذّت من يدي. كدتُ أجفل وأرجع، ولكنّني لم أفعل. أغمضتُ عينَيّ، وأبقيتُ ذراعي ممدودةً متصلِّبة. وشعرتُ بالحمائم تنقر وتأكل من يدي، تلك المخلوقات الطليقة، تلك الأشياء الطائرة. أحببتُ تلك اللحظة. وأحببتُ سعادتي. ولو كنتُ مخطئةً فيما يتعلَّق بحياتي والحمائم وطبيعتي، فلا شيء يهمُّ إذن.

كان الميدان ساكناً بعد تساقط الثلج، وصبَّ والدي الحبوب على كلتا يدَيّ ثمَّ على أكمام معطفي، وعلى الكتفَين، وباغتني سكونٌ أعمق بسبب فكرته تلك. ورفرفت الحمامات بشدّة في الهواء الثقيل، وجاءت حماماتٌ أكثر وأكثر، وحطّت على ذراعَيّ وعلى كتفَيّ، ونظرتُ إلى أُمّي ثمَّ إلى أبي ثمَّ إلى الطيور عليّ.

آه، إنّني عليلةٌ من جرّاء كلِّ ذاك وأنا أتحدَّث عنه. ثمّة سعادة غامرة. تجعلني عليلةً نوعاً ما. أفقد توازني بسببها.

الطيور الثقيلة، والبنايات الغريبة، وأُمّي بالقرب مني، وبابا كذلك. كانت أُمّي مسرورة لأنّني كنتُ سعيدة. وكانت غيورة نوعاً ما، كانت تغار من كلِّ شيءٍ يفعله أبي، فهي امرأة ذات طموح واسع، وقلّما تتَّسع الحياة لها، يغمرها البذخ والجمال، وتعرف أشياء كثيرة، ومع ذلك تصبح متشدِّدة، وحمقاء في بعض الأوقات، ومتقلِّبة، ولكنّها شخص مهمّ، فلا تُعاقَب على كثيرٍ من فعلاتها، وإذا كانت قريبةً منكَ، فإنّكَ تستطيع أن تشعر بوجودها، ولا يمكنك تجاهلها، فهي بتلك الأهمِّيَّة، ولها صدىً مسموع، وحضورها من القوّة بحيث يملأ الفضاء الذي يحيط بها.

ولو لم يكبح جماحها أبي، ولو لم تكُن مغرمةً به، لا يعلم أحد ماذا كانت ستفعل، ولا تعلم هي. ولكنّها تتدبَّر أمرها تقريباً فتكون لطيفةً من أجله؛ وهو واعٍ بصورةٍ لا تُصدَّق، وكثيرُ التغيُّر، وسرعان ما يسأم. يتحدَّث فيسحر الناس، وأحياناً، عندما يتحدَّث، نقف أنا وأُمّي إلى جانبه مثل قمرَين، نبزغ ونغيب، وبعد وهلة، يلتفت إلينا، إلى القمرَين، القمر الكبير والقمر الصغير، فنهلِّل له، ولشدَّ ما يُدهشني أنّه يُدهَش بنا دائماً، كما لو كان لا يستحقّ المحبَّة، كما لو كانت المرّة الأولى التي اكتشفَ فيها ذلك.

بابا طويل جدّاً، وماما تراقبنا، وبابا يغمرني مرّةً تلو المرّة بالحبوب، ولم أعُد أتحمّلها أكثر من ذلك. أشعر بالفرح أو بالمتعة أو لا أدري بماذا، إنّها جميعاً بداخلي، مثل غثيان ـ وأنا متأهِّبة للصراخ والضحك، ذلك الضحك الذي ينفجر من إنسانٍ مسحور، أو مخمور، أو مثل دفقةٍ من فم، أو يعلم الله ماذا، ما يجعل طفلاً مجنونا بالضحك. أصبحتُ لامعة، متوقِّدة، ناعمة، ملاكاً، طفلاً طائراً عظيماً من الضحك.

أشعر أنّي مستعدَّة أن أكون مثل ذلك ولكنّني ألجمتُ نفسي.

ثمّة طيورٌ أكثر وأكثر بالقرب مني. تسير هذه الطيور حول قدمَيّ، وتلتقط الحبوب المتساقطة والتي سقطتْ من قبل. وعلى رأسي واحدٌ من هذه الطيور. وبعض الطيور التي على ذراعي تُحرِّك أجنحتها. وتنفش تلك الأجنحة النحيلة المكسوّة بالريش، وتمدّها. لا أستطيع التحمُّل، إنّها مخلوقات هشَّة، وأنا للحظات، أُمثّل الإحسان في العالَم فأقوم بإطعامها في الثلج.

وفجأة، أُطلِقُ ضحكةً عالية. لا أستطيع أن أتوقَّف، وتطير الطيور عنّي ولكن ليس بعيداً منّي، بل تحوم حولي، وفوقي، وبعضها يحلِّق عالياً في الهواء ثم يهبط عائداً، وجميعها يعود، قسمٌ منها في مجموعات مثل غيمات أو عناقيد، وقسمٌ آخر فرادى وغاضبة، وهي تنقر الطيور الأخرى، وتحطُّ بشكل فجائيّ وبطريقة عمياء. تمسّكتْ بمعطفي وأطعمتْ نفسها. وعاد الثلج ينزل مرّةً أُخرى.

وكنت هناك أبذلُ معروفي، في ذلك الميدان، ليس بعيداً عن أُمّي وأبي.

آه، كيف سيستمرُّ العالَم؟ وفجأةً فهم أبي أنّني فعلتُ ذلك بما فيه الكفاية، وأنّني وصلتُ إلى نهاية طاقتي ـ يا إلهي، لقد كان واعياً ـ وحملني، فتهالكتُ عليه، ووضعتُ ذراعي حول رقبته، وسقط الثلج. واقتربتْ ماما وأسدلتْ قبَّ معطفي على وجهي قائلةً ثمّة نتف من الثلج على أهدابي. لقد عرفتْ أنّه أدرك تعبي في حين لم تكُن هي متأكِّدة من ذلك؛ لم تكُن متأكِّدة من أنّه كان يراقبها بنفس العناية. وأصبحتْ حزينةً نوعاً ما، وهكذا فقد أخذتْ تمشي بجانبنا مثل صبيٍّ متعثِّر، وكانت جميلة، ولها سلطانها، على أيّ حال.

ذهبنا إلى مطعم، وتصرَّفتُ بشكل جيِّد، ولكنّني لم أستطِع أن آكل، ثمَّ ذهبنا إلى القطار، ونظر الناس إلينا، ولكنّني لم أستطع أن أبتسم، فقد كنتُ رزينة وأَشبعتُ رغباتي تماماً، وجعلتني بقيةُ متعةٍ ـ لنسمّها هكذا ـ أكثرَ رزانة، فلم أتمكَّن من الكفِّ عن التفكير في الحمامات، أو في محبّة والدي لي بطريقةٍ توحي بأنّه لا يحبُّ ماما، وفي نباهة والدي، ومراقبته الأمتعة، ومراقبته الغرباء لئلا يقوموا بمحاولة اغتيال أو ما إلى ذلك، كان يقوم بواجبه، وماما كانت جميلةً ووحيدةً وسعيدةً، بشيءٍ من التحدّي.

ثمَّ لو تدري ما فعلَتْه، لقد أيقظتني في منتصف الليل حينما كان القطار يتسلّق جبلاً مُحدِثاً ضوضاء، وكان الفضاء خارج النافذة مرئياً، لأنَّ مقصورتنا مظلمةٌ والسماء صافيةٌ والقمر كان مكتملاً، وكانت هنالك الجبال، والمناظر الطبيعيّة، وفي كلّ مكان كانت الجبال كبيرة، وبعضها ضخم بصورةٍ لا تصدّق، وكلّها موشومة باللون الأبيض من جراء هطول الثلج، ويبدو المنظر غيرَ معقولٍ عندما تمتدّ تلك الجبال البيضاء في السماء الزرقاء ثم تنحدر إلى الأعماق السحيقة بظلالها الزرقاء. لا أعرف كيف أقول ماذا كانت تشبه، فهي ليست مثل أي شيء آخر عرفته. كانت أشياء عالية، وكنا هناك في الأعالي بالقطار، وكنا نتسلَّق إلى أعلى فأعلى، ولم يكُن ذلك كلّه حقيقة، بل كان حقيقة، كما تعلم. وضعتُ يدي على النافذة ورحتُ أحملق في تلك العجائب البريّة، المنحدرة التي لا مثيل لها، التي يغمرها البياض، والحركة التي تسبِّب الدوار، وأشعة القمر، وظلال تخلّفها أشعة القمر؛ أشياء ليست حقيقيّة، وليست مألوفة، ليست حمائم، وإنّما عالم نظيف.

جلسنا وقتاً طويلاً، أنا وماما، ورحتُ أحدق في الفضاء، ثمَّ استيقظَ أبي وجاء لينظر كذلك. فقالتْ له: ” عندما كنتُ صغيرة كان السأم ينتابني ـ والآن تحدث لي كلُّ هذه الأشياء ـ وأنت من نصيبي كذلك.” وأظنُّه ذُهِل لمحبّتها في منتصف الليل؛ وابتسم لها، آه، وسرعان ما دهمتْني الغيرة، ولكنّي بقيتُ هادئة، وبعد وهلة، وهو في صمته ودهشته بها، بنا، غلبه النعاس مرَّةً أُخرى، ولم ننَم، أنا وأُمّي، جلسنا عند النافذة، وحدّقنا طوال الليل، حدّقنا في الجبال والقمر، والعالَم النظيف. شاهدناه معاً.

وماما كانت الرابحة.

كنا صامتتَيْن، وفي صمتنا تحدّثنا عن حبّنا للرجال، وعن خطر الرجال، وكيف يسرقون كلَّ شيء منكِ، مهما أغدقتِ عليهم العطاء ـ ولكنّنا لم نقُل ذلك بصوتٍ مسموع.

نظرنا إلى الجبال حتّى الفجر، وعندما انبلج الفجر، كان جميلاً جدّاً بالنسبة لي ـ كانت هنالك الألوان الأرجوانيّة والزرقاء والذهبيّة، وفي السماء، وعلى الأماكن المغطاة بالثلج، كان اللون الأرجوانيّ اللامع والومضات الذهبيّة، وكان الثلج ملوَّنا كذلك، فقلت:” آه،” وتنهَّدتُ، وكلّ لحظة كانت أجمل من اللحظة التي سبقتها، وقلت:” إنّني أحبّكِ، يا ماما.” ثمَّ غلبني النعاس وأنا بين ذراعيها.

كانت تلك هي السعادة آنذاك.
ــــــــــــــــــــــــ
* المقطع الأول من هذا الاسم يعني بالإنجليزية ” يتبول”

شاهد أيضاً

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمةِ
(1) ذبابة ورجل

إهداء عرفاناً.. إلى الأديب الراحل عبد الهادي الفرطوسي محمد ذبابة ورجل تتجمع الحروف كسرب طيور …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (14)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (1) (ملف/7)

إشارة: ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *