الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (29)


القاسمي والناقد إبراهيم أولحيان في المقهى الشتوية بمراكش (2016)، حيث يزاول القاسمي القراءة والكتابة في فصل الشتاء.

تاسعاً ـ حوارات في الدوريات
1
حوار مع الناقد المترجم الأستاذ إبراهيم أولحيان

تابع الأستاذ إبراهيم أولحيان، صديق القاسمي الحميم، إنتاجه القصصي منذ مجموعته الأولى “رسالة إلى حبيبتي” التي صدرت في الدار البيضاء سنة 2003، وكتب دراسة عن كل مجموعة قصصية وأجرى حوارا صحفيا معه، ثم جمع دراساته النقدية في كتاب بعنوان “الكتابة والفقدان: دراسات في الإبداع القصصي لعلي القاسمي”. وقد ألح الأستاذ أولحيان على القاسمي للإجابة على أسئلة الحوار التي بعث بها إليه عدة مرات، ولم يجب عليها بسبب ضيق وقته. وعندما أجاب القاسمي على الأسئلة نشر الأستاذ أولحيان الحوار في مجلة “عمّان” الأردنية وفي عدّة مواقع أدبية، ثم جعله ملحقاً في مؤلَّفه “الكتابة والفقدان”، وهذا نص الحوار:
تقديم:
يواصل الكاتب العراقي المقيم في المغرب، علي القاسمي، كتابة القصة القصيرة، ضمن مشروعه الخاص والمتفرِّد في بناء عوالم سردية أوّل ما يثيرنا فيها الاحتفاء بالحكاية وتفاصيلها؛ الحكاية بنغمتها السحرية التي تشدّ القارئ وتورِّطه في الانخراط في مجموعة من العلاقات والمصائر، وأيضاً تضعه أمام امتحان الاختيار، كقوّة وكفعّالية تحافظ عليها نصوصه القصصية الخادعة ببساطتها، وبلغتها الأنيقة؛ لكنها، مثل جبل الجليد العائم في البحر، ما تخفيه أعمق وأقوى مما تظهره. واستعارة البحر هي الدلالة القريبة عن كنه هذه القصص، وهو ما جاء، أيضاً، في عنوان إحدى مجاميعه القصصية، ” صمت البحر”.
إنها لعبة الهدوء والهيجان؛ فما تريد القصة أن تصل إليه يشتغل من الداخل، سواء على المستوى الشكلي أو على مستوى الأفكار والمضامين. وما يُعتمَد من معرفة وثقافة ذات شمولية، تتصادى، في كثير من الأحيان، مع أفكار الكاتب وآرائه المهيمنة على دراساته وأبحاثه الأكاديمية. وكلُّ ذلك يشتغل لينسج عالَماً قصصياً بنكهة خاصة، لأنّ الكاتب رسم طريقاً وأصرّ على المضي فيه دون الاكتراث بما قد يعيقه. فهو، على ما يبدو، لا يهتم بما يُنتَج حوله من قصص. وهذا لا يعني أنه لا يتابع الإنتاج القصصي في العالم العربي وخارجه، بل يكتب وهو مُوزَّع في التفكير بين شجرة أنسابه وبين القارئ الذي لا يريد أن يُضيّعه، جاعلاً منه نقطة الضوء التي توازن كتابته وتساهم في استمرار إبداعاته السردية.
وسواء اتفقنا معه في تصوّره وذوقه أم لا، فإنه يصرّ على أن الكتابة عامةً، والقصة القصيرة على الخصوص، لا بُدَّ أن تؤسِّس لمجموعة من القيم الإنسانية، وتنخرط في الوجود الإنساني بشكل إيجابي، وتعكس التحوّلات الفكريّة والاجتماعية؛ بمعنى أن تبحث عن سمو القارئ وسعادته، من خلال تفكيك مصائر عديدة، وعلاقات متشابكة، وسط عالم مضطرب تحكمه الخيبة والخسارات الفادحة.

القاسمي يتسلم شهادة الدكتوراه في حفل التخرج بجامعة تكساس في أوستن 1972

وبمناسبة صدور مجموعته القصصية الخامسة، “حياة سابقة” (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2008)، أجرينا معه هذا الحوار في مراكش- المغرب، وهو أوّل حوار يجريه القاص علي القاسمي حول تجربته القصصية وعوالمه الحكائية. .
الحوار
1ـ مجال اشتغالك الأكاديمي هو علم المصطلح وصناعة المعجم والبحث اللغوي؛ كيف جئتَ إلى القصة القصيرة؟ ومتى بدأت علاقتك بها؟ ولماذا القصة القصيرة بالذات؟ وما هي أول قصة كتبتها؟
ـ علاقتي بالقصة أقدم من علاقتي بعلم المصطلح وصناعة المعجم. فقبل أن ألتحق بالمدرسة الابتدائية كانت حكايات أمي تشد انتباهي وتثير حب الاستطلاع لدي، فأستزيدها. كانت تروي لي ولأخوتي الصغار حكايات سمعتْها في قريتها أو تخبرنا بأحداث وقعت فيها. ولما كانت أحداث ثورة العشرين التي شاركت فيها عشيرتها ضد المحتلين البريطانيين ما زالت حيّة في ذاكرتها، فقد شكّلت قصص البطولات والتضحية من أحل الوطن التي جرت في تلك الثورة، جزءً من حكاياتها لنا. ولا بدّ أنه أنغرس في لاوعيي أن القصة قرينة الوطنية والبطولة، أو هي الشكل الفني التي يُصبّ فيه حبُّ الوطن والتضحية من أجله.
أما أوّل قصة كتبتها فلها قصة. كنتُ في حوالي السنة العاشرة من عمري، حينما كان والدي يعلّمني تفسير القرآن، وأسهبَ في تفسير سورة يوسف، فألهب مشاعر الحب في أعماقي، الحب بأشكاله المتعددة. كان والدي يخرج عن النص القرآني ويضيف حكايات يبدو أنه سمعها من بعض أصدقائه من رجال الدِّين أو قرأها في مكان ما أو تخيّلها. أذكر مثلاً أنه أخبرني أن يعقوب والد يوسف كان يحب ولده حباً جما، وعندما تآمر إخوة يوسف عليه وألقوه في البئر، أخذ والده يعقوب يبكي ويبكي حتى عميت عيناه، وكان يبلغ به الحزن حداً بحيث تنفجر بعض عروقه فينبجس الدم منها فواراً ليكتب “يوسف يوسف” على الأرض التي يقع عليها.
أعجبتني القصة وما فيها من مُثُل الحب والوفاء والعفة، فقلتُ لوالدي ماذا لو كتبتُها وطبعتها ووزعتها على أهل البلدة بسعر أربعة فلوس (الفلس كان أصغر عملة آنذاك) للنسخة الواحدة. قال هذه فكرة عظيمة. ولا شك أنه كان يعلم بأنني لن أتمكن من بيع نسخة واحدة من تلك القصة، لا لأن الغالبية الساحقة من أهل البلدة أميون فحسب، بل لأنهم كذلك فقراء لا يملكون ترف تبديد أربعة فلوس على قصة يكتبها طفل صغير.
المهم، أنني أنفقتُ عطلتي الصيفيّة في كتابة القصة، وكان والدي يراجع ما كنتُ أكتبه كل يوم ويصحح لي الأخطاء من كل نوع. ولا أدري أين أمست تلك الأوراق اليوم.
وفيما يتعلق بسؤالك لماذا القصة القصيرة بالذات، فعلى الرغم من أنني أكتب المقالة والنقد وانتهيتُ من كتابة رواية هي في طور المراجعة حالياً، فإنني أرتاح للقصة القصيرة بوجهٍ خاص، ربّما لأنها مكثفة سريعة لا تأخذ من وقتي كثيراً، فبعد أن تولد القصة في مخيّلتي، لا تحتاج مني إلى أكثر من جلسة واحدة لكتابتها، وجلسة أخرى لمراجعتها وتنقيحها.
2ـ ألا ترى أن اختصاصك يؤثِّر على إبداعك، وهو ما نلاحظه في لغتك القصصية، حيث لا تتجرأ بالدفع بها إلى تخوم معينة، والمغامرة بالإبداع فيها، لأن نصوصك تعتمد كتابة مغامرة لا مغامرة كتابة؟والمتتبع لنصوصك يلاحظ الغياب التامّ للدّارجة (العاميّة)، ألا تتفق مع الطروحات التي تدعو إلى الاشتغال على الدارجة في النصوص السرديّة؟ وهل لتصورك هذا علاقة بمجال اختصاصك باعتبارك باحثاً لغوياً؟
ـ نعم، تؤثر اختصاصاتي في كتابتي الإبداعيّة. وأعتقد أنها تؤثّر فيها تأثيراً إيجابياً. وأنتَ ذكرتَ جانباً واحداً من هذا التأثير، ذلك هو تأثير تخصّصي اللساني في لغة القصص التي أكتبها، إذ أتوخّى اللغة السليمة فيما أكتب، فأنتقي المفردات بدّقة، واختار التراكيب النحوية بعناية. فأنا ممن لا يقرّون بوجود الترادف الكامل بين الألفاظ، ولهذا أتوخى استعمال كل لفظ للمعنى الذي وجد من أجله. فمثلاً، كثيراً ما تُستعمل الأفعال (لسع) و (لدغ) و (نهش) كما لو كانت مترادفات تامّة الترادف، في حين أن الأصل غير ذلك. فـ (لسع) للعقرب وكلّ ما يضرب بذنبه، و(لدغ) للحيّة وكل ما يضرب بفيه، و(نهش) للسبع وكل ما يعض بأنيابه. ومن حيث تركيب الجملة، أبذل مجهوداً لاستخدام البنية التي تعبر عن المعنى بشكل واضح لا لبس فيه، إلا إذا كنتُ أستعمل التورية والإيهام. كما أولي عناية خاصة لعلامات التنقيط في الكتابة العربية زيادة في الإيضاح، وأعمد إلى إضافة الشكل الضروري للنصّ لزيادة مقروئيته. ولعلّ عملي السابق في تعليم العربية لغير الناطقين بها هو الذي جعلني أميل إلى استعمال لغة بسيطة واضحة.
بيدَ أن لي تخصّصات أخرى مثل دراستي في كلية الحقوق، ودراستي المعمَّقة للتربية وعلم النفس، واهتمامي بقضايا التنمية الإنسانية وحقوق الإنسان الناتج من اشتغالي خبيراً للأمم المتحدة مسؤولاً عن مراجعة الترجمة العربية لـ “تقرير التنمية البشرية” الذي يصدر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. وكذلك تخصُّصي في الترجمة، فقد درستُ ودرّستُ نظرية الترجمة، وعملتُ مترجماً في وكالة الأنباء العراقية، وترجمتُ بضعة كُتب أدبية وعدّة مقالات من الإنجليزية والفرنسية إلى العربية.
ولأضرب مثلا عن دراستي في علم النفس وكيف أثّرت في بعض قصصي. لقد درستُ، في العراق ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية، التربيةَ وعلم النفس لأكون أستاذاً. ولهذا تلقيتُ، في كلية التربية بجامعة بغداد، والجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعة تكساس في أوستن، دروساً منهجية في علم النفس العام، وعلم نفس الطفولة (أو ما يسمى أحياناً بعلم النفس التكويني)، ، وعلم نفس المراهقة، وعلم نفس الكبار، والاختبارات النفسية (السايكومتركس)، وعلم النفس التربوي، وعلم اللغة النفسي، إضافة إلى أنني درّستُ طلاباً من مختلف الأعمار، وقرأتُ بحوثاً متخصّصة في علم النفس. ولهذا عندما أكتب قصة ما، فإنني أعطي أهميّة للانفعالات والدوافع النفسية في تطوير الحدث الدرامي. فعندما كتبتُ قصة عن امرأة عانس (قصة الآنسة راجية) مثلاً، حاولتُ أن أغور في أعماق نفسها، وما يعتمل فيها من مشاعر وأحاسيس، وكيف يؤثِّر ذلك في سلوكها وفي تلقّيها نظرات اٍلآخرين وكلماتهم وتصرفاتهم، وكيف يزعجها لعب وصراخ أولاد أخواتها اللواتي تزوجن وهن أصغر سناً منها، فإذا انتهت الآنسة راجية إلى نوع من المرض النفسي، ثم اشتبكت في معركة بدنية مع زميلة لها، فإن هذه المعركة أو المغامرة، لم تأتِ من فراغ، وليست مفاجئة، وإنما كانت نتيجة طبيعية متوقّعة، بحيث تكون القصة مقنعة للقارئ. وغرض القصة هو أن يتعاطف المرء مع العوانس من أمثال الآنسة راجية ويتفهّم وضعهن الصعب، خاصة بعد أن تأخّر سنّ زواج الفتيات في بلادنا العربية.

غلاف الكتاب من تصميم د. منتصر أمين عبد الرحيم وصدر عن دار الوفاء، الاسكندرية، 2017

إنك تجد هذا التحليل الدقيق للمشاعر النفسية الذي يُصاغ بصورة غير مباشرة في قالب سردي، في عدد من قصصي القصيرة مثل قصة “اللقاء” وقصة “العِقاب” اللتين نشرتهما مجلة “الآداب” البيروتية، واللتين تدوران حول فتاة هجر والدها أمها وهي في الثانية عشرة من عمرها، وكيف أثّر غياب والدها الذي كانت متعلِّقة به جداً على حياتها فيما بعد وعلى سلوكها مع الرجل. تستطيع القول إن قصص مجموعتي الخامسة “حياة سابقة” التي صدرت عن دار الثقافة في الدار البيضاء، 2008، يغلب عليها التحليل النفسي وعلم النفس الموازي.
ولكن، ما الذي تقصده بالمغامرة باللغة في سؤالك؟ هل تقصد بالمغامرات اللغوية استخدام اللهجة العامية في القصة؟ أو تغيير القواعد الأساسية في اللغة العربية مثل قتل المثنى واستخدام صيغة الجمع بدلاً منه؟ فأنا لستُ مغامراً من هذا النوع، لأن اللغة ليست ملكي وحدي وإنما هي ملك الأُمّة. أما إذا كنتَ تقصد بالمغامرة الإتيان باستعمالات مجازية جديدة غير مألوفة، فهذا ما ينشده كلُّ كاتب، ويعتمد على ملكته الإبداعية.
إن جميع المجامع اللغوية العربية أو الأجنبية تجعل من أولويات أهدافها المحافظة على اللغة، يل أستطيع أن أقول إنها تسعى إلى الحد من التطوّر اللغوي الذي هو حتمي. لماذا؟ لأنها لا تريد للغة أن تتغيّر بسرعة بحيث تفقد وظيفتها بوصفها وسيلة تواصل بين الأجيال وأداةً لنقل التراث وفهمه.
تتألف اللغة من عناصر، ينتمي بعضها إلى دائرة مغلقة وبعضها الآخر إلى دائرة مفتوحة. وأنتَ عندما تكتب تستطيع أن تغامر بالعناصر التي تنتمي إلى الدائرة المفتوحة فتضيف إليها وتنقص منها، ولكن ينبغي أن لا تغامر في العناصر التي تنتمي إلى الدائرة المغلقة. فالألفاظ اللغوية، مثلاً، ينتمي بعضها إلى دائرة مغلقة مثل الضمائر المنفصلة (أنا، أنتَ، أنتِ، هو، هي، هما، هم، هن. ) ولا يمكن أن تضاف إليها ضمائر جديدة. والبعض الآخر من الألفاظ ينتمي إلى دائرة مفتوحة يمكن أن تُضاف إليها مفردات ومصطلحات وألفاظ حضارية تعِّبر عن المخترعات الجديدة وعن مستجدات الحياة (مثل: مسبح، حاسوب، هاتف محمول، إلخ. ). وتنتمي إلى الدائرة المفتوحة الاستعمالات المجازية وما يصحبها من دلالات مستحدثة. وقد تصبح بعض هذه الاستعمالات المجازية، بمرور الزمن وكثرة الاستعمال، من المتلازمات اللفظية (أي التعبيرات الاصطلاحية) فينسى المتلقّي أنها استُعملت أول الأمر استعمالاً مجازياً. الكاتب المجدِّد هو الذي يغامر في العناصر اللغوية التي تنتمي إلى الدائرة المفتوحة، من أجل تطوير اللغة وطرائق التعبير بها وتوسيع دلالاتها، ويبتعد عن المغامرة في العناصر اللغوية التي تنتمي إلى الدائرة المغلقة، وذلك من أجل المحافظ على استمرارية اللغة بوصفها حاملاً لتراث الأمّة ووسيلة التواصل بين أبنائها في مختلف الأقطار التي تستعمل فيها.
يغامر الكاتب في الإتيان باستعمالات مجازية مبتكرة ابتعاداً عن القوالب الجاهزة والعبارات المحنطة. وهو في مغامرته هذه قد ينال إعجاب القارئ إذا حالفه التوفيق، أو قد يفقد اهتمام القارئ إذا أكثر من مجازات ليست موفّقة ولا تتفق وذائقة القارئ.
3ـ تكتب قصة كلاسيكية، سواء على مستوى البناء أو على مستوى اللغة القصصية. . هل يمكن أن توّضّح لنا تصوّرك لجنس القصة القصيرة؟
لا يوجد اليوم بناء محدد خاص بالقصة القصيرة، كما أنّه ليس ثمّة تعريف متّفق عليه للقصّة القصيرة حيث تتعدّد تعريفاتها بعدد كتّابها البارزين، ولا يوجد معيار معروف للقصّة القصيرة الجيدة. وعندما عُهِد سنة 1999 إلى القاص الروائي الشاعر الرسّام الناقد الأشهر في أمريكا، جون أبدايك، أن يختار أفضل القصص الأمريكيّة القصيرة في القرن العشرين لتصدر في مجلّد كبير، كتب أبدايك في مقدِّمة تلك المختارات قائلاً إنّه يدرك تماماً عدم وجود معيار مقبول للقصص التي ينبغي اختيارها، ولكنّه انتقى تلك القصص التي تترك أثراً في نفس القارئ لحيويتها وجمالها، وتقنعه بأنّها وقعت فعلاً أو أنها يمكن أن تقع، وتعبّر عن واقع المجتمع ببيئته وثقافته وقضاياه وشخوصه و التحوّلات الجارية فيه.
بصورة عامة، هنالك شبه اتفاق على أنَّ القصة القصيرة تسرد حدثاً أو مجموعة من الأحداث تتعلّق بشخصية (عادةً إنسانية) وتصف ردود فعلها ومشاعرها تجاه تلك الأحداث، وهذا يعنى أنّ القصة القصيرة تتوفّر عادة، وليس دائماً، على عناصر ثلاثة هي:
أولاً، عرض تعريفي بالشخصيّة أو الشخوص،
ثانياً، نمو الحدث وتطوُّره،
ثالثاً، الصراع الدرامي الذي يحتدم في مواقف الشخصية وسلوكها ومشاعرها.
وتتناول القصة القصيرة تلك العناصر بصورة مكثفة وتعالج موضوعة واحدة، بحيث تترك أثراً واحداً في نفس القارئ، يُطلق عليه في مصطلحات هذا الفن ” وحدة الأثر”.
ولكن حتى لو استخدم كتّاب القصة القصيرة هذه العناصر في قصصهم، فإنّهم يتباينون على مستوى البناء النصيّ بمكوِّناته المختلفة، وعلى مستوى مراجع السرد وروافده. فبعد أن ظهرت القصة القصيرة الحديثة في أوربا في القرن التاسع عشر على أيدي روادها الكبار تشيخوف الروسي، وموباسان الفرنسي، وأدغار ألن بو الأمريكي، تباينت أساليب بنائها وتقنياتها ونوعية لغتها، بحيث راحت تقترب من هذا الجنس الأدبي مرةً ومن ذاك مرّة أخرى، حتّى أننا نستطيع القول إنّ القصة القصيرة تقع في مربع تتألُّف أضلاعه من: السيرة، والمسرح، والشعر، والمقالة؛ ويتباين موقعها في هذا المربع من كاتب إلى آخر ومن قصة إلى أخرى، بحيث تكون أقرب إلى ضلع من أضلاع ذلك المربّع، وقلّما تكون في وسطه. وإضافة إلى ذلك، فإن عدداً من الكتاب، مثل القاص الروائي الأمريكي جون شيفر، أخذ منذ أواخر الثلاثينيّات وأوائل الأربعينيّات من القرن الماضي بخلط الأجناس الأدبية داخل ما نسميه بالقصة القصيرة من أجل توسيع دائرة قرائه.
أميلُ شخصياً إلى كتابة قصة تحتمل أكثر من قراءة واحدة، إذا أسعفني الحظ. فالقصة الجيدة في نظري هي تلك القصة التي يمكن أن يقرأها القارئ العام على المستوى الظاهر فيستمدّ منها المتعة والثقافة، ويقرأها القارئ المتمرِّس أو الناقد على المستوى العميق أو الباطن فيتلقى منها رسالةً اجتماعية أو سياسية تحمل وجهة نظر الكاتب. فالكاتب ليس مجرد بهلوان أو مهرج يحاول إضحاك المتفرج فقط، وإنما هو مثقَّف ذو رسالة يقدّمها إلى المتلقّي متسربلةً في ثوب جنس أدبي يجمع بين التسلية والفائدة. وأنا أطمح إلى كتابة قصة قابلة للتأويل والقراءات المتعددة. والتأويل هنا لا يقتصر على تأويل قول معين أو حدّث بذاته، وإنما يشمل جميع عناصر القصة، فهو تأويل بنيوي يستغرق بنية القصة برمتها.
أراك تنعتُ قصصي بالكلاسيكية، فإذا كنتُ تقصد بالكلاسيكية ما نقصده عندما نتحدث عن موسيقى باخ وموزارت وبرامز، فأنا أعتز بذلك. أمّا إذا كنتَ تستعمل كلمة “كلاسيكية” بالمعنى القدحي للكلمة، فأذكّرك بأن أحدهم أجرى دراسة على القصص التي نشرتها مجلة “الآداب” البيروتية خلال السنوات العشرة الأخيرة، فوجد أن أكثر من ثمانين بالمائة من هذه القصص هي من النوع الذي تنعته بالكلاسيكية من حيث بنائها ولغتها؛ مع العلم أن المجلة تتلقى مئات القصص القصيرة فتنتقي هيئة تحريرها ثلاث أو أربع قصص للعدد الواحد.
4ـ كثيراً ما تحدّثنا عن مسألة التجريب والتجديد، وأكدتَ بأن نصوصك تعتمد التجديد، ولا علاقة لها بالتجريب، أين، في نظرك، يتجلى هذا التجديد في إبداعك القصصي؟
ـ التجريب مفيد وضروري لتطوير جنس القصة، وينبغي أن يطال التجريبُ جميعَ عناصر القصة: بناءها السردي، وتقنياتها، ولغتها. بيد أن المبالغة فيه تؤدّي إلى صعوبة التلقي بحيث تضيق دائرة القراء. أما التجديد فيمكن أن يقع في جميع عناصر القصة كذلك بما في ذلك الحكاية التي تعدّ عماد القصة القصيرة، إذ قد يروي الكاتب حكاية جديدة ليست مطروقة. وأنا، في جميع أعمالي الأدبية والعلمية، أسعى إلى تقديم الجديد. فعندما كنتُ طالباً في الدراسات العليا، ألّفت كتاب “مختبر اللغة” الذي صدر عن دار القلم بالكويت سنة 1970، وهو الوحيد في اللغة العربية، وكنتُ أوّل من ترجم مختارات من القصة القصيرة العراقية إلى الإنكليزية صدرت في كتاب عن وزارة الثقافة في بغداد سنة 1971. ويعدّ معجمي الموسوم بـ”معجم الاستشهادات” الذي صدر عن مكتبة لبنان ناشرون في بيروت سنة 1991، الوحيد من نوعه في اللغة العربية. ويصدر لي هذا العام الكتاب الأول باللغة العربية عن “علم المصطلح: أُسسه النظرية وتطبيقاته العملية” في 850 صفحة من الحجم الكبير عن مكتبة لبنان ناشرون في بيروت. التجديد هو هاجسي. ومنذ أواسط التسعينيّات أخذتُ بكتابة قصص قصيرة عن الإنسان الآلي (الروبو)، والحاسوب، والأطفال المعدَّلين بالهندسة الوراثية، والرسائل بالهاتف المحمول. وهذا نوع من التجديد في القصة القصيرة يعكس التطورات العلمية والتكنولوجية في العالم وتأثيرها في حياة الإنسان الاجتماعية وأحاسيسه وانفعالاته.
التجديد في السرد قد يطال التقنيّات السردية. فمن أجل أن أكتب قصّة مفتوحة على التأويل والقراءات المتعددة، استخدم تقنيات حداثية من أجل كتابة نصوص مضاعفة مزدوجة بحيث تتكون القصة الواحدة من قصتين إحداهما واقعية بلغة تقريرية والأخرى مجازية بلغة مكثفة مختزلة. ولهذا كثيراً ما استخدم تقنية المرايا والعاكسات والتضعيفات التخيلية الرمزية.
5ـ ما هي إرغامات الكتابة الإبداعية لديك؟ وما هي الهواجس التي تسكنك أثناء عملية الإبداع؟
الكتابة بالنسبة إليّ قصة عشق. فأنا لستُ كاتباً محترفاً يتحتّم عليَّ أن أكتب كل يوم. أكتب فقط حينما تتبرعم في روحي رغبة الكتابة مثل زهرة ربيعية كلّلها الندى، وتتموسق في مسمعي كلمات روحي فتصم أُذنيّ عن جميع ما في حولي من دوي وضجيج. أكتب عندما يهطل الحزن غزيراً على جزيرة قلبي فتفيض به جنباته، ويغوص إلى أعماق سحيقة مفعمة بالمغارات والأحياء والمرجان. حينذاك أمد قلمي إلى أعلى ما أستطيع لعله يتنفس هواءً جديداً يهبني الحياة. أكتب عندما تحاصرني التجربة وترهقني وتملك عليّ حواسي وتضع على ناظري عصابة لا تجعلني أرى غيرها، فأريد أن أتخلص منها فأحوّلها إلى رموز سوداء على صحيفة بيضاء، مثل سرِّ لا تستطيع أن تتحمله وحدك فتبوح به إلى أقرب الناس إليك ليخفِّف عنك. أكتب عندما ترمي بي الوحدة في بيداء قاحلة خالية إلا من سراب العواطف الإنسانية، فأحاول جاهداً أن أخلق بالكتابة عالماً جديداً أكثر رحمة وشفقة وخضرة، أستعيد فيه لحظات الماضي السعيد فأحلّق في فضاءات ترفل بالنور والمحبة والهناء.
يداهمني هاجس الكتابة مثل حلم مستبد؛ طوراً بعد منتصف الليل فيسلبني النوم، وطوراً وأنا في رفقة الآخرين فيحرمني من صحبتهم. إنه كالقدر لا يُردّ، وكالطُوفان لا يقف في وجهه سدّ. وكالجنين في موعد الميلاد. حينذاك فقط تتفجر الكلمات في داخلي مثل ينبوع جبلي.
بيد أني كلما أكتب أتساءل: هل يمكنني تكثيف ما في نفسي من عواطف محتدمة ومشاعر ملتهبة في رموز قليلة لها قدرة خارقة على التعبير؟ هل أستطيع أن أرسم جميع تلك الأشياء المعقَّدة بكلماتي البسيطة؟ هل أقدر أن أصوّر أحاسيسي المضطرمة بحروفي العارية الكسيرة؟ هل أتمكَّن من التوحّد في تجربتي مرة أخرى فأنقلها بكل ما فيها من نار وبهاء ودموع؟ أم أن كلماتي العرجاء ستبقى معلقة في الهواء دون أن يلتقطها أحد؟
6ـ قلتَ في أحد تصريحاتك أنك كاتب بلا خيال، ماذا تريد أن تقول؟ وهل من الممكن أن توجد الكتابة الإبداعية خارج الخيال؟
قلتُ ذات مرّة “إنني كاتب بلا خيال” لسبب مُعيَّن ولغرض نبيل. فقد دعيتُ في أواسط التسعينيّات لإلقاء محاضرة في دار الشباب ببلدة صغيرة قرب مراكش تسمّى”آيت أورير”. وعندما دخلتُ القاعة فوجئتُ بوجود مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين السنة الرابعة والسنة العاشرة على الأكثر. فلم أدرِ ما أقول لهم. لذا رحتُ أسرد عليهم بلغة مبسّطة جداً بعض قصص مجموعتي “رسالة إلى حبيبتي” التي تتناول ذكريات الطفولة، مثل قصة فقداني بطتي بعد أن أخذتها لتسبح في النهر، ومثل قصة أوّل يوم لي في المدرسة الابتدائية حين انفجرتُ بالضحك عندما سقط المعلم على عتبة باب الصف. وبعدها فتحتُ باب الأسئلة، فقامت طفلةٌ لا يتجاوز عمرها الثماني سنوات، وسألتني قائلةً:
ـ “شكراً، أُستاذ، ولكن بالإضافة إلى ضحكك على المعلم، وضياع البطة منك، ماذا كتبتَ عن أطفال العراق الذين لا يجدون الحليب ويموتون جوعاً، وماذا كتبتَ عن أطفال فلسطين الذين يُقتلون كل يوم برصاص الإسرائيليين؟”
دُهشتُ لذكاء هذه الطفلة، وأعجبتُ بثقافتها ولغتها ووطنيتها، ولم أشأ أن أخبرها عن كتاباتي السياسية في الموضوعين اللذين ذكرتهما، ولم أُرِد أن أشرح لها الدلالات السياسية في بعض قصصي القصيرة، بل أردتُ أن أكافأها على شجاعتها الأدبية، فقلتُ بنبرة انهزام وتسليم:
ـ ” اعترف أنني كاتب بلا خيال. أكتب فقط عن تجاربي في الحياة. ولمّا لم يكن لدي طفلٌ يتضور جوعاً ويموت بين ذراعيّ، وليس لي طفل يُقتل برصاص الإسرائيليين أمام ناظريّ، فإنني لم أكتب عن ذلك. ولكنني أَعِدُكِ، يا آنستي، بأنني سأتعلَّم الكتابة عن أطفال العراق وأطفال فلسطين وأطفال الشيشان، وأطفال جميع المضطهدين. ”
ولسوء الحظ، كان أحد الحاضرين في الاجتماع، ناقد اسمه إبراهيم أولحيان، وهو مدّرس في المدرسة الثانوية في بلدة آيت أورير، فراح يشيع عني أنني كاتب بلا خيال، على الرغم من أنه يعلم حقَّ العِلم، أن الكتابة الإبداعية يتسرب إليها الخيال حتى إذا حرص الكاتب على نقل الواقع مجرداً. وأن لغة الكتابة تغيّر الواقع الذي تنقله، لا لأن بنيتها وتعبيراتها السياقية والاصطلاحية تضع إكراهات على الكاتب فتغير من دلالات لغته الداخلية وهي في طريقها إلى الورق فحسب، بل كذلك لأن اللغة مجرد رموز، والرموز لا تساوي الواقع، لأنها في أصلها وليدة الخيال. والفن، بمختلف أنواعه ومدارسه، يغيّر الواقع، فحتى الفن الفوتوغرافي لا يمثّل واقع الموضوع كلّه وبصدق، وإنّما يقدّم لنا واقعاً من وجهة نظر الفوتغرافي الخاصّة.
7ـ من يقرأ نصوصك القصصية يحس أنّه يقرأ أجزاء من سيرتك الذاتية، ما سرّ هذا الحضور السيرذاتي في كتابتك؟
يمكن الإجابة على سؤالك هذا بطريقتين:
الأولى، إن إحساس القارئ بأنه يقرأ في قصصي شيئاً من سيرتي الذاتية هو دليل على نجاح هذه القصص في استخدام تقنيات الإيهام المرجعي الذي يقنع القارئ بصحّة مرجعية هذه القصص وواقعية أحداثها. وقد ذكرتُ سابقاً أن أحد معايير القصة الجيدة هو نجاحها في إقناع القارئ بأن القصة قد وقعت فعلاً أو أنها يمكن أن تقع.
الثانية، إن التشابه بين بعض أحداث قصصي ووقائع حياتي ناتج مما نسميه باستعارة الواقع في الكتابة. أي أن الكاتب يستعير أحداثاً واقعية ينطلق منها ويضيف إليها ويُعمِل فيها خياله ليحوّلها إلى عمل فني.
ومع ذلك، فأنا أستطيع أن أضرب لك عشرات الأمثلة من قصصي التي لا علاقة لها بسيرتي الذاتية. ومن هذه الأمثلة قصتي الطويلة “عصفورة الأمير: قصة عاطفية من طي النسيان، للأذكياء من الفتيات والفتيان” التي نشرتها مكتبة لبنان في بيروت، 2006. فهي تحكي قصة أمير متنكر بزي عامل للاطلاع على أحوال شعبه فيقع في غرام راعية، في قرية تعاني من الجهل والفقر والمرض. وهي قصة تعلّم الفتيان والفتيات حقوق الإنسان ومتطلبات التنمية البشرية، بطريقة سردية مشوّقة.
ولكن لك الحقّ كلَّ الحق في القول إن أغلبية قصصي تفيد من المعارف التي اكتسبتها في دراساتي، وخبراتي الوظيفية العملية، وتجاربي في الحياة.
8ـ كل مجموعة قصصيّة لك تركز على موضوعة (تيمة) معيّنة (الطفولة/ الحبّ/ الحزن/ الموت/. . . )، هل هو اشتغال مسبق على هذه التيمات، كل واحدة على حدة، أم أنها جاءت بالصدفة، نريد أن تفسّر لنا هذه المسألة.
ـ لم أشتغل على هذه الموضوعات وفق تخطيط مسبق، فقد ذكرتُ لك أنني لستُ كاتباً محترفاً، وإنما أكتب في أوقات الفراغ وأثناء استراحتي عندما أحس بالحاجة إلى الكتابة وأن لديّ ما أقول. ولكن تجمّع عندي عدد من القصص القصيرة، حوالي خمسين قصة، قبل أن أقرر نشرها في كتاب. وعندما قدّمتها إلى الحاج القادري صاحب دار الثقافة للنشر والتوزيع في الدار البيضاء، اقترحَ عليّ أن أقسمها إلى مجموعات قصصية صغيرة، لكي يسهل تسويقها وبيعها، لأن قدرة القارئ العربي الشرائية محدودة، فهو لا يشتري الكتاب إذا تجاوز ثمنه عشرين درهماً (حوالي دولارين). وعندما واجهتني مشكلة تقسيم هذه القصص القصيرة، رأيتُ أن أصنفها طبقاً للموضوعة (التيمة) التي تتناولها القصة. فنشرتُ بعض المجموعات في الدار البيضاء وبعضها الآخر في القاهرة. وكانت الموضوعات على الشكل التالي: 1ـ “رسالة إلى حبيبتي” تتناول موضوعة الطفولة، 2ـ “صمت البحر”، تتناول موضوعة الحب، 3ـ “دوائر الأحزان” موضوعة الحزن، 4ـ “أوان الرحيل” موضوعة الاحتضار والموت، 5ـ “حياة سابقة” موضوعة علم النفس وعلم النفس الموازي. أما مجموعتي القصصية السادسة، فمعظم قصصها تدور حول الوطن الجريح.
9ـ ما سرّ هذه الخيبة التي نحسّها في كل نصوصك القصصية، حيث اليأس والنهايات المأسويّة، ونلاحظ أن أغلب نصوصك تحكمها تيمة الفقدان في تجلياتها المختلفة والمتشعبة، هل أنتَ واعٍ بهذه التيمة التي تدور في فلكها عوالم نصوصك؟ ولماذا هذه التيمة في نظرك؟ في حين أن مَن يقترب منك يلاحظ العكس، هل النصوص تفرز لا وعيها الخاص، وما يتستر عليه الكاتب بانسجامه مع الحياة في تناقضاتها العديدة يُخفي جراحات كثيرة؟
نعم، أنتَ على صواب. إن نظريات تفسير السلوك الإنساني تميل إلى القول بأن الخبرات المكبوتة في اللاشعور، والمشاعر والآمال المدفونة فيه، تتسرب إلى الشعور أثناء النوم فتظهر في الأحلام. والكتابة نوع من الحُلْم.
إن الإنسان في مسيرته الحياتية يُصاب بخيبات وإخفاقات تترك جراحها في روحه وقلبه ما يسبّب الاضطراب في تفكيره وسلوكه. ولكي يستطيع أن يعيش حياة مستقرة، يسعى إلى التكيّف مع واقعه، والتصالح مع نفسه. سأبوح لك بمكنون نفسي لعل ذلك يخفف من ألمي ويستجيب لحبّ الاستطلاع لديك. أنا مصُاب بخيبات كبيرة وجراح بليغة، بعضها وطني وبعضها شخصي وبعضها الآخر نفسي.
في طفولتي كنتُ اسمع جميع أفراد أسرتي في قريتي يتحدثون بقلق وأسىً وبإسهاب عن نكبة فلسطين. وشارك بعض شباب الأسرة في معارك الجيش العراقي في فلسطين، وبعضهم تطوّع ليحارب مع المجاهدين. واستشهد عدد منهم خاصة ابن عمّتي كاظم فنيخ فقد قدم روحه فداء لفلسطين في عملية فدائية خلال معركة جنين التي انتصر فيها الجيش العراقي على العصابات الصهيونية واحتفظ بالمثلث. بقيت فلسطين جرحاً نازفاً في القلب.
وعندما كنتُ طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة بيروت العربية في أواسط الستينيّات، كان يداعب خيالنا ـ نحن الطلاب العرب من جميع الأقطار العربية ـ أملٌ في تحقيق وحدة عربية تكون أساساً لتنمية الأمة العربية وعزّتها وسيادة الديمقراطية والحرية فيها. كنا متفائلين بمستقبل أفضل. ولكنني الآن أرى وطني العربي يخضع لمخططات تقسيم المقسَّم ويعاد احتلال واستعمار بعض أقطاره من جديد كبلدي العراق. والأدهى من ذلك ما يحصل من اقتتالٍ بين الأشقاء في العراق وفلسطين ولبنان والجزائر والصومال وكل مكان في الوطن العربي. وصار الحديث عن الوحدة العربية رجعياً بالياً في نظر أولئك الذين يصفقون للوحدة الأوربية ويشيدون بها. وأمسى استعمال اللهجات العامية واللغات الأجنبية في الإعلام والتعليم والحياة العامة هو الأمر التقدمي، أما العربية الفصيحة التي تصلنا نحن العرب أينما كنا بعضنا ببعض والتي تربطنا بتراثنا وجذورنا، فينظر إليها بكثير من الاحتقار. وهكذا خابت جميع أمال فترة الشباب، وغلب على جيلي الشعور بالذنب، لأنه فشل في تحقيق طموحاته وخدمة أمته. وستصمنا الأجيال القادمة بالفشل والخيبة.
ومن ناحية شخصية، فأنا بعيد عن أهلي في العراق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأشعر بغربة دفينة، على الرغم من أنني ألقى كثيراً من التكريم والحفاوة من أهل المغرب الذين اشتهروا بالكرم والشهامة ودماثة الخلق؛ فهم يُشعرونني دائماً بأنني بين أهلي وعشيرتي. كنتُ أحلم بالعودة إلى العراق عندما ينتهي الحكم الشمولي، فإذا بالاستعمار وما جلبه من فوضى وقتل وتقسيم وثقافة طائفية وعرقية مقيتة تحلّ محله.
كنتُ كثيراً ما أكتب ـ بوصفي تربوياً ـ عن هجرات الأدمغة العربية إلى أمريكا وأوربا والخسارة التي تحيق بالأمة من جراء ذلك، ولم يدُر في خلدي أن ابني وابنتي اللذين نالا أرفع الشهادات الجامعية في “الذكاء الاصطناعي” في أمريكا يستقران هناك. وعندما أحدثهما عن العودة إلى الوطن يسألان بأدب وأسى وهل تستطيع أنتَ أن تعود إلى العراق؟ ويضيفان أن الأبحاث العلمية التي يجريانها لا تتوفر متطلباتها في أي بلد عربي، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية الصعبة في بلداننا. ويقترحان عليّ أن ألتحق بهما، وهما يعلمان أنني تركتُ أمريكا بعد تخرجي لشدّة حنيني لكل ما هو عربي. وهكذا فأنا أعيش بعيداً عن أحبّ الناس إليّ.
وهناك حالة نفسية غريبة تصيبني لم أستطِع التخلص منها. فأنا لا أستمتع حقاً بإمكاناتي المادية المتواضعة، إذ كلّما تناولت طعامي تذكّرتُ علماء العراق الذين لا أستحق أن أكون تلميذاً من تلاميذهم، وهم يجلسون على قارعة الطريق عارضين كتبهم للبيع لإطعام أطفالهم، وشعرتُ بالذنب. وكلما جلست في دارتي المطلة على البحر، تذكّرتُ أحرار العراق وفلسطين وهم يأنون تحت التعذيب في معتقلات المستعمِر وسجونه، وشعرتُ بالذنب. وكلما مررتُ بسيارتي على أناس ينتظرون وسائط النقل العامة السيئة التنظيم، في الشمس المحرقة أو تحت المطر، شعرتُ بالذنب. وكلّما رأيتُ متسوِّلاً أو شخصاً يبحث في قمامة عن طعام، شعرتُ بالتعاسة والذنب. فأنا منغصٌ طوال اليوم تقريباً. وقد حاولتُ أن أعالج نفسي بنفسي بفضل الرصيد الذي أمتلكه من دراساتي النفسية. فأنا أعرف مثلاً أن الناجين من كارثة يشعرون بالذنب وكأنهم مسؤولون عن هلاك الآخرين. حاولت أن أعالج نفسي بالإيمان، فأخذتُ أذكّر نفسي بأنني لم يكُن لي يد في ما يحدث في العراق أو فلسطين، وأنني لم أسرق ولم أختلس مالاً وإنما امتلكتُ ما امتلكت من متاعٍ متواضع بالعمل الجاد المخلص، وأن الله مقسِّم الأرزاق. ثم أتذكّر بلداناً كانت أفقر بكثير من بلادنا العربية في الستينيّات، مثل كوريا وماليزيا وسنغافورة وفنلندة، وهي بلدانُ زرتها ودرستُ التنمية فيها، ورأيتُ بأم عيني أنها موفورة الرزق لا يوجد بين أهلها عاطلٌ عن العمل ولا فقير ولا متسول، ولا في طرقاتها قمامة ولا أزبال، وإنما رزق اللهُ أُناسها الغنى والصحة والمعرفة، إذ ﴿ إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. وعند ذاك أشعر بالذنب مرّة أخرى، لأننا ـ نحن المتعلمين أو المثقفين أو المسؤولين العرب ـ لم نستطع التغيير ولم نخدم بلادنا حقاً بسبب طمعنا في التشبّث بالسلطة، وجشعنا في جمع الأموال.
كلُّ هذه، يا إبراهيم، جراح غائرة فاغرة في حنايا الروح. ولا استغربُ الأمر إذا كتبتَ أنتَ وكثير من النقاد أنّ قصصي تنتهي بالخيبة والفقدان؛ ولعلها كذلك بلا إرادة مني، فعقلي لا يتحكّم بكل ما أكتب، بل للروح نصيب كبير في كلماتي. ألا يكفيك فقداناً أن يفقد المرء وطنه وأهله وأولاده وأحلامه؟!
10ـ يحس قارئ نصوصك أنك تكتب في إطار نوع من الطهرانية، ولا تقتحم غرف النوم، هل هذا يعود إلى تصوُّر أخلاقي يحكم كتابتك؟ وتُعتبر من المبدعين الذين يؤمنون بأن الأدب يجب أن يخدم الأخلاق، ويكرّس مجموعة من القيم، ويساهم في البحث عن جوهر الإنسان، انطلاقاً من ثنائية الخير/ الشر من أجل الانتصار، بطبيعة الحال إلى الخير. . ، كيف تنظر إلى أولئك الذين ينتصرون في إبداعاتهم للجانب السلبي في الإنسان على اعتبار أنها حقائق يتم تناولها دون الاهتمام بالأخلاق، على اعتبار أن للأدب أخلاقه الخاصة؟
علّمني والدي في صغري أن الأدب الجيّد هو الذي يتناول قضايا الإنسان الجوهرية: الحياة، الحبّ، الموت. كان الإنسان في الأصل جزءً من الطبيعة، ثم استطاع أن ينفصل عنها بواسطة الثقافة. ومنذ ذلك اليوم وهو يبذل قصارى جهده في استخدام ثقافته للتحكّم في الطبيعة وتسخيرها لترقية حياته ورفاهيته. فأفرزت الثقافة التي هي طريقة تفكير وسلوك، المنتجات الحضارية من مساكن وملابس ومأكولات ومصنوعات لخدمة الإنسان. كما استخدمَ الإنسان ثقافته وخبراته التي اكتسبها بالانتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين، للتمييز بين ما هو مفيد له وبين ما يعود عليه بالضرر. وسمى الأول بالخير والثاني بالشر. وعندما يعمّ الخير في المجتمع فيضمن حقوق الإنسان وحرياته، نستطيع أن نصف ذلك المجتمع بالتمدّن. (وهذا هو فهمي لمصطلحات: الثقافة والحضارة والمدنية، وهي مصطلحات متجاورة متناسقة في منظومة مفهومية واحدة). والأدب ـ وبضمنه اللغة التي هي وسيلته ـهو جزء من الثقافة، ولا بدّ له أن ينتصر للخير الذي هو غاية الثقافة.
وأعود إلى موضوع غرف النوم في الأدب، فأقول إنني لا أهاب ولوج غرفة النوم ولا أتهيبه، ولكني ألجها وأنا أحمل شمعة خافتة الضوء، وليس تحت أضواء كاشفة فاضحة، فأنا لستُ كاتب (بورنو) ولا كاتب (إيروتيك). كما أنني لا أُدين مَن يتناول في كتاباته الجانب السلبي في الحياة، إذ ينبغي أولاً معرفة دوافعه، وتلمُّس الغاية من كتابته، وطريقة تناوله للموضوع. فالحكم على الشيء فرع من تصوّره وإنما الأعمال بالنيات، كما ورد في حِكَم التراث العربي. فإذا رأيتَ، مثلاً، رجلاً يحرق نسخاً من القرآن الكريم في الطريق العام فلا تتعجل بالحكم عليه بالكفر أو العدوان، فلعله أقدمَ على ذلك لوجود أخطاء فاحشة في طباعتها ولا يريد أن ينتشر الخطأ. كما أن صنع التماثيل والرسوم ليس محرَّماً على وجه الإطلاق في الإسلام، كما يُشاع، فالأصل في الأشياء الإباحة. وينبغي أن نعرف الغرض من صنع التمثال، فإذا كان المقصود منه عبادة هذا التمثال أو تكريس عبادة الأشخاص فهو محرَّم طبعاً لأنه استهانة بعقل الإنسان، أما إذا كان التمثال سيُستخدَم وسيلةَ إيضاح في درس التشريح في الكلية الطبيّة، مثلاً، فهو ضروري وواجب.
11ـ كثير من نصوصك القصصية لا تنشرها إلا بعد أن تقدمها لأصدقائك لقراءتها والاستماع إلى ملاحظاتهم، كيف تتعامل مع هذه الملاحظات، وهل تعيدك إلى النصوص لتمارس عليها عملية المحو والكتابة. أريد هنا الحفر معك في هذه المسألة لأنها نادرة، فالمرجو أن تفصّل فيها.
لقد تعلّمتُ ذلك في الجامعات الغربية، خاصة في دروس مناهج التربية، على الرغم من أن هذا التقليد له جذوره في الثقافة العربية الإسلامية. فالرسائل التي كان يعدّها طلاب العِلم في الجامعات الإسلامية كالأزهر والزيتونة والقرويين، لا تُجاز حتى يراجعها عدد من الشيوخ ويبدون ملاحظاتهم عليها وتخضع للتعديل والتطوير. وقد أخذت الجامعات الأوربية هذا التقليد من الجامعات الإسلامية، تماماً كما تزيّا أساتذة الجامعات الأوربية في القرون الوسطى بزي الشيوخ المسلمين في جامعات قرطبة وإشبيلية. فالمعرفة تراث مشترك بين مختلف الشعوب، ولهذا لا يخص بعضهم الحضارة بأمّة من الأمم وإنما ينعتها بـ”الحضارة الإنسانية”.
ومناهج التربية الحديثة تلزمك بتجريب نصوصك واختباراتك على عينة من تلاميذ المرحلة العمرية المستهدفة. وهذا ما نسميه بالتقييم القبلي للنص أو الاختبار. أذكر أنني قبل أن أكتب قصتي الطويلة “عصفورة الأمير: قصة عاطفية من طي النسيان للأذكياء من الفتيات والفتيان” وأثناء كتابتها، راجعتُ كثيراً من كتب علم نفس المراهقة، وقوائم شيوع المفردات العربية، والكتب المدرسية للمرحلتين المتوسطة والثانوية للوقوف على كثير من المسائل النفسية واللغوية. ثم عندما انتهيتُ من كتابتها، وزّعتُ عشر نسخ منها على فتيان وفتيات، منهم ابنتي علياء، ورجوتهم قراءتها وإبداء ملاحظاتهم عليها. ثم رجوت ثلاثة من أصدقائي من كتّاب قصص الأطفال إبداء الملاحظات على النص. وقد أفدتُ كثيراً من بعض تلك الملاحظات. وأنتَ تعلم بأنني أعرض عليك بعض النصوص القصصية والمقالات النقدية وآخذ بكثير من ملاحظاتك، ولكن ما لا تعلمه هو أنني أعرض النصوص ذاتها على صديق آخر أو أكثر. وهذا ما أفعله في دراساتي المعجمية والمصطلحية كذلك. فالكتابة مسؤولية كبرى، وأنا أتهيبها حقاً.
12ـ كيف تختار عناوين قصصك؟ هل هي تكثيف للنصّ أم جزء من النص؟ هل تجد صعوبة في الاختيار؟ وهل تعاني من هذه المهمة؟ وماذا يعني لك العنوان باعتبارك كاتب قصة قصيرة؟
العنوان هو من عتبات النص، وأنا أعدّه جزءً أساسياً من النص، تماماً مثل اسم العلَم الذي يميّز صاحبه عن الآخرين. ولكن لا ينطبق الاسم على المسمى دائماً. وأنا لم أتوصل حتى الآن إلى قاعدة ذهبية تعينني على اختيار عنوان القصة. أذكر عندما كتبتُ تلك القصة عن معاناة الفتاة التي فاتها قطار الزواج، كما يقولون، أعطيتُها عنوان “العانس”. وعندما عرضتُ النص عليك لإبداء الرأي، اعترضتَ على العنوان، وقلتَ لي إنك كشفتُ أوراقك في أول اللعب، وضحيّتَ بعنصر التشويق. ولهذا غيّرنا عنوان القصة إلى “الآنسة راجية”، أي التي تأمل أن تتزوج. وكان أسم أحد جيراننا “راجي”، فأنّثتُ الاسم.
13ـ يقول خوان غويتيسولو: ” إن الكاتب الذي يأخذ عمله مأخذ الجد يواجه منذ البداية، وجود الشجرة التي يطمح إلى تمديدها، وخصوصاً إلى إغناء حياتها. . ” ما هي، إذن، شجرة الأنساب التي تنتمي إليها؟
إذا كان المقصود من شجرة الأنساب التي تسأل عنها المدرسة الفكرية أو السردية التي أنتمي إليها والكتّاب الذين أشعر بأنني أقاسمهم الأهداف والوسائل، فأنا وحيد مقطوع من شجرة، كما يقولون، وإنما أتغذى على ثمار جميع الأشجار التي أستطيع أن أراها أو أتمكّن منها، عدا السامة منها. ولا أتصور وجود مطابقة تامة بين كاتب وآخر في القيم والأهداف والتقنيات والوسائل بما فيها اللغة.
14 ترجمتَ العديد من النصوص السرديّة الغربية (السرد الأمريكي)، هل من الممكن أن تحدّثنا عن هذه العلاقة التي تجمع المبدع بالمترجم؟ وكيف تختار ما تترجمه؟ وهل اختيارك يرتكز على المضامين أم يعتمد معايير أخرى مثل الأسلوب، والتقنية، واللغة. . . ؟
نعم، ترجمتُ بعض النصوص التي أعجبتني جداً وتمنيتُ أن يشاركني القارئ العربي في المتعة واللذة، ولم يكن اختياري في الأساس قائماً على خطة مضبوطة بل وليد المصادفة واهتماماتي الشخصية. فعندما كنتُ طالباً جامعياً، أمضيتُ عطلة في الدراسة بجامعة أوسلو في النرويج حيث درستُ، من ضمن ما درستُ، مسرحية “يبه الساكن على التل” لأبي المسرح الإسكندنافي، لودفيغ هولبرغ (1684ـ1754)، فأعجبتني وشعرتُ بالاعتزاز لأنّ كاتبها استوحى فكرتها من قصص “ألف ليلة وليلة” فترجمتها إلى العربية ونُشِرت في بغداد عام 1969. وقادني ولعي بقراءة الروايات البوليسية، خاصة روايات أغاثا كريستي، وحيرتي لخلو الأدب العربي المعاصر من القصة البوليسية الموضوعة إلى ترجمة كتاب “القصة البوليسية” للناقد البريطاني جوليان سيمونز. ثم ترجمتً كتابين للكاتب الأمريكي أرنست همنغواي هما”الوليمة المتنقلة” الذي نُشر في ثلاث طبعات في دمشق والرباط والقاهرة، و”الشيخ والبحر” الذي سيصدر عن دار ميريت في القاهرة هذا العام. كما ترجمتُ عدداً من قصصه القصيرة وقصصاً لكبار الكتّاب الأمريكيّين المعاصرين ونشرتها في كتاب “مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” الذي صدر عن دار”إفريقيا الشرق” في بيروت والدار البيضاء.
عملي في الترجمة كان فردياً اعتباطياً، فكنتُ أترجم ما يروق لي. ولكنني عندما أردتُ أن أقدّم نماذج من القصص الأمريكية إلى القارئ العربي في كتابي”مرافئ على الشاطئ الآخر”، وضعتُ معايير وشروط للقصص التي ينبغي أن اختارها، وهذه المعايير هي:
أولاً، أن تكون القصة لواحد من كبار الكُتّاب الذين أثروا في المشهد الأدبي في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل جيمس ثيربر، شيروود إندرسون، أرنست همنغواي، جون شيفر، عزيموف، جون أبدايك، دونالد بارتلم، توبياز وولف، وغيرهم
ثانياً، أن تعالِج القصة إحدى مشكلات المجتمع الأمريكي أو تحولاته الفكرية والاجتماعية، مثل: التمييز العنصري، الحروب العدوانية كالحرب الفيتنامية، العنف والعصابات، معاملة كبار السنّ، الأوبئة كمرض نقص المناعة، السُّكْر والمخدرات، ضرب الزوجات، إلخ.
ثالثاً، أن تمثل القصة إحدى المدارس الفنية في السرد الأمريكي، كالواقعية، والواقعية القذرة، والانطباعية، والسريالية، وما بعد الحداثة، وما إلى ذلك.
وهكذا اخترت خمساً وعشرين قصة من أكثر من مائة قصة قرأتها في كتب مختارات القصة الأمريكية ومنها كتاب جون أبدايك، “أحسن القصص الأمريكية في القرن العشرين”. والغريب أنه غابّت من هذا الكتاب ومن كتابي بعض الأسماء اللامعة في الأدب الأمريكي مثل وليم فولكنر، وسكوت فتزجيرالد، وآرثر ميلر؛ لأن شهرتهم كانت قائمة على تفوقهم في الرواية أو المسرحية أو غيرهما من الأجناس البشرية، وليس بالضرورة على إجادتهم القصة القصيرة.
الترجمة في بلادنا العربية فردية وليست مؤسساتيّة. فليست هنالك مؤسسات تترجم الكتب الأجنبية إلى العربية، والكتب العربية إلى اللغات الأخرى وفق خطة مدروسة تحدّد الأهداف والكمية والنوعية. الاستثناء الوحيد هو ما حصل في مصر مؤخراً من إنشاء المركز القومي للترجمة برئاسة الناقد الدكتور جابر عصفور، ولم نطلع على خطة المركز بعد ونتمنى له التوفيق.
15ـ هل تحس أن هناك تأثيراً لما تترجمه على إبداعاتك القصصية؟ وأين يتجلى ذلك في نظرك؟
الإنسان كالحاسوب، فكل ما يدخل في الحاسوب من بيانات يمكن معالجته وفق البرنامج واسترجاعه على شكل معلومات مُخرَجة. أو ينبغي القول الحاسوب كالإنسان، فجميع المعارف والخبرات والتجارب التي يكتسبها المرء تؤثِّر في توجهاته وسلوكه وأفعاله. وقد يكون ثمّة تفاوت في ذلك بين شخص وآخر بسبب الفروق الفردية.
واشتغالي في الترجمة، هو الآخر، أثَّر في كتابتي بلا شك. وقد لاحظتُ أنني إذا كتبتُ قصةً قصيرة بعد فترة وجيزة من ترجمتي لإحدى القصص القصيرة، فإنني قد أتأثرـ بقصد أو دون قصد، بوعي أو بلا وعي ـ بأسلوبها أو تقنياتها أو حتى استعاراتها أحياناً. وهذا النوع من التأثر والتأثير يدخل في باب التناصّ، كما تعلم. ولكن لم يحدث أن تأثرتُ بالحكاية، إلا مرّة واحدة، حينما قرأت قصّة لأحد كتّاب أمريكا اللاتينية يتحدّث فيها عن رجل كان على وشك الغرق في وسط البحر حينما رأى قارباً يقترب منه وفيه مجموعة من البحارة الناجين من غرق سفينة أُخرى، فأنقذوه، ولكن تبين أن الجوع اضطرهم إلى الاقتراع فيما بينهم لقتل أحدهم ليقتاتوا عليه طبقاً لتقاليد بحرية قديمة؛ بيد أنهم عندما رأوا هذا الغريق أنقذوه ليأكلوه. وبعد مدّة قصيرة وجدتني أكتب قصة ” النجدة” عن رجل وقعت حادثة سير خطيرة لسيارته في طريق زراعي فرعي منعزل، وكان ملقى على الطريق يائساً والدم ينزف منه ولا يستطيع حراكاً حينما اقترب رجل مدّ يدّه إلى صدر الجريح ثم إلى معصمه. فظن الجريح بأن الرجل يريد نجدته، على حين أن الرجل سلبه محفظته وساعته وذهب إلى السيارة ليأخذ ما فيها.
ومن جراء قراءتي لأعمال أرنست همنغواي وترجمتي لبعضها، تعلّمتُ بعض تقنياته السردية. وأنتَ تعلم أن همنغواي كاتب محترف أمضى حوالي خمس سنين في باريس وهو يتعلّم أو يجرب تقنيات سردية جديدة. وقد ذكر ذلك في كتابه”الوليمة المتنقلة” الذي يعدّ رواية سيرذاتية تتناول حياة همنغواي في باريس بين سنتي 1922 و 1926.
16ـ تناول النقد نصوصك القصصية بشكل لافت، وإن تباينت هذه المقاربات النقدية، سواء في المشرق أو في المغرب، كيف تقيّم هذه القراءات؟ وما أثرها على كتابتك الإبداعية؟
أشعر بالامتنان لأصحاب القراءات النقدية الذين تناولوا نصوصي. فالقراءة النقدية تتيح للنصّ فرصة التناسخ والتكاثر وتهِبه حياةً جديدة. وفي الوقت الذي أعتز فيه بهذه القراءات، فإنني لا أستطيع تقييمها، بل هي التي تقيّم نصوصي. فعندما يُنشر النصّ، يصبح في حوزة القارئ والناقد، والحيازة سند الملكية، كما تقول القاعدة القانونية. ولمالك النص كلّ الحق وكلّ الحريّة في تلقّيه، وتأويله، وتقييمه، والحكم عليه. وتباين المقاربات النقدية إثراء للحركة الأدبيّة.
17ـ يقول ريلكة (Rilke): ” لا تُصنع الأبيات الشعرية من عواطف، بل من التجارب. لكي نكتب بيتاً شعرياً واحداً، لا بدّ من مشاهدة مدن كثيرة، وناس كثيرين، وأشياء لا حصر لها. . . ” من خلال نصوصك القصصية نرى أنك تعتمد كخلفية لكتابتك المعيش، أي التجارب التي عشتها، أكثر من اعتمادك على المقروء. .
أحسب أنَّ المصادر الرئيسة للفنّ عموماً والعمل الأدبي على وجه الخصوص ثلاثة: المعرفة، والتجربة، والخيال. فهو خلطة من هذه المراجع، ولكن هذه الخلطة تختلف من مبدع إلى آخر من حيث اعتمادها على أحد هذه المصادر الثلاثة أكثر من غيره. والكاتب الجيد هو الذي يمتح من هذه المصادر بمقادير تجعل من خلطته خلطةً سحرية تأخذ بلبّ القارئ وقلبه. وعلى الرغم من اطلاعي على الأدب السردي العالميّ بشكل عام، فأنا أفضل أن استمد ما أكتب من تجربتي الشخصية وأحاسيسي الداخلية لتحتفظ حروفي بوهج المعاناة وحرارة الصدق.
وتأتي المعرفة الرافد الثاني من روافد العمل الأدبي لدي، لأني مؤمن بأن الكاتب مهنيّ كالطبيب والمهندس والمحامي، وينبغي على المهنيّ أن ينقل معرفته وثقافته إلى الآخرين، فالطبيب، مثلاً، لا تقتصر مهمته على معالجة المريض فحسب، بل تشمل كذلك نقل معارفه الصحية والطبية إلى المساعدين والممرضات وإلى الناس عموماً، وبذلك يُسهم في إيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية. ومن هنا فإن المتخصص يستطيع أن يحكم بسهولة على البلاد العربية بالتخلف المستمر، ما دام تعليمنا العالي يستعمل لغات أجنبية في تلقين العلوم والتكنولوجيا. فاللغة الأجنبية لا يمكن أن تكون وسيلة نفاد إلى مصادر المعلومات إلا لمن يملكها من النخبة الخاصة، وتبقى عامة الشعب بعيدة عن المعرفة العلمية والتقنية. وما دامت المعرفة العلمية محدودة في المجتمع فإنه لا يُنعت بمجتمع المعرفة ويبقى عاجزاً عن تحقيق التنمية البشرية. ولهذا عندما تزور أحد معارض الكتب أو مكتبة في البلاد العربية تجد جل ما يعرض فيها كتباً دينية ومطبوعات تتناول السحر والشعوذة وعذاب القبر، وتندر فيها الكتب العلمية والتقنية.
وأخيراً يأتي الخيال لدي كالحلوى في آخر الوجبة، يهِب العمل الأدبي مذاقاً خاصاً ويطلق أحلام القارئ وينقله من واقعه إلى عالم زاخر بالحق والخير والجمال.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (11)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (6)

ريسان جاسم عبدالكريم  هشام القيسي .. تفرد شعري بلا منافس يواصل الشاعر هشام القيسي رفد …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة نزار السلامي (5)

ريسان جاسم بعد منتصف الحريق مجموعة شعرية جديدة للشاعر هشام القيسي ، تقتحم الأفق الشعري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *