الرئيسية » مقالات » زيد الحلي: “حميد سعيد” في حديث التجربةعن الكتابة والحياة

زيد الحلي: “حميد سعيد” في حديث التجربةعن الكتابة والحياة

كتابان جديدان حصلت عليهما قبل أيام ، كانا  مثل طير سعد غريد ، استقبلتهما يداي ، لتضعهما على مكتبي ، لأبدأ في قراءتهما بنهم شفيف .. الكتاب الأول بعنوان ( الكتابة ومآلاتها ) للشاعر الكاتب ” حميد سعيد ” والثاني بعنوان ( الشمعة والدرويش ) للشاعر والإعلامي ” هشام عودة ” وهو سلسلة حوارات وشهادات بحق ” حميد سعيد ” ايضاً .. إذاً ان ” حميد سعيد ” سيّد الكتابين ، فما أحلاهما من رفقة ثقافية رصينة ، في زمن صعب ، اضمحلت فيه الرؤى الثقافية الأصيلة وزاد هوس الإصدارات الكثيرة الحاملة لكم من الكلمات ، لا تسمن ولا تغني عن جوع ، حيث بتّنا نجد شعراً بلا قصيدة ومقولات ولا مقالات ومواقف ولا سياسة .. فيما أصيب بعض ( الكّتاب ) بالدوار في كتاباتهم ، فأصبحوا أشبه بمثل من يتأبط ذراع أعمى!!
ان عودة كاتب وشاعر مهم الى الساحة الثقافية بكل ما تحمله هذه الساحة من ملاحظات ، بعد انقطاع ، بسبب ما آل اليه وطنه المحتل  ، يؤكد ان الأصالة لا يمكنها التوقف الى ما لانهاية ، فالنهر الدافق يبقى دافقاً حتى لو كان دفقه يحمل التروي الموزون .. وقد استنتجت من قراءتي للكتابين ان ” حميد سعيد ً على قناعة بأن مهمة القلب ، الإدراك والإحساس  فيما  على العقل التفسير والتحليل .
مدخل كتاب ( الكتابة ومآلاتها ) وهو كتاب جدير بالقراءة والدراسة ، كان بمثابة خارطة طريق لما اراد ان يقول كاتبه حيث أكد بأنه ( مدخل من قبيل التقوّل ، والتقوّل ابتداع القول ، وسأتمسك بابتداع القول في ما سيرد في الكتاب ، لأن كل كتابة إبداعية تنسب الى التقوّل، وهي عندي من الكتابة الإبداعية ، لا من القول الموضوعي ، فكل ما في الكتاب تقوّل بعنواناته السبعة وما فرعت منها وهي الأخرى أساسية على صعيد التقوّل في ما تتناوله وتعبر عنه من حالات وما تشير اليه من قضايا ، فان بدت في إهاب الكتابة ، وقد سكنت في ظل عنوان فرعي ، فذلك لا يضعها في موضع دون العنوان الأساسي الذي اصطنعه الكاتب بعد الكتابة ، من ظن ، إنه جامع لما سيأتي بعده ، فيحقق لها ، ما يتيح لها ان تكون معاً في ظل أبوة العنوان وهي أبوّة التبني لا أبوة النسب وهذا من موحيات صناعة الكلام التي بدأت تاريخها العظيم مع الكتابة .. وسيرد في بعض الفصول ، ما يحاول تأكيد دور الكتابة في جماليات القول ، بعد قدمت الشفهية ما استطاعت تقديمه كمن غرس بذرة وفوجئ بالغابة او فتح باباً وفوجئ بالعاصفة )
وبهذا المدخل ، أفصح الكاتب عن رؤاه في ما يريد قوله في كتابه الصادر عن ( دار أزمنة ) في عمان ، وهي رؤى حملت مزايا ثقافية عُرف بها الكاتب ، وأراد بها  التأكيد على ان معظم ما جاء في تلك الرؤى ، ليس سوى محاولة للتعايش مع الزمن الثقافي بحدوده المفتوحة ، وهي محاولة تتماهى مع الكتابة ، لا تستسلم لها ولا تتمرد عليها ، تتوحد مع قراءة ولا تبحث عن إجابة لا يأتيها الباطل من ايّ الجهات ، وتجتهد من اجل اكتشاف المزيد من الأسئلة  ، فلا تدعي مركزية اليقين ولا تفرّطُ بما تتوصل اليه من إيمان يصطف مع إيمان أخر وأخر : إيمان في ذروة انفتاحه لا يستسلم للشائع الثقافي والمفروض بما هو غير ثقافي ، ولا يفرط بما يشكل لحظة الحقيقة في الراهن ..
ويرى ” حميد سعيد ” في كتابه ، ان ثقافة الأسئلة ، بطبيعتها وبما ينتج عنها من انفتاح معرفي ، تحرر الواقع الثقافي من التشدد والأحادية وتصلب شرايين الوعي وتستوعب الرأي الآخر وكلما تعددت الأسئلة وتعددت وجهات النظر، فكان التنوّع الإبداعي … ويؤكد بهذا الصدد ( أنها مساحة للحوار مع الذين قرأنا لهم ، ومع الذين يقرأون لنا ، مع النص ومصادره ومع الكاتب وتوصلاته وطموح للحوار مع الآخر : فليست القراءة سوى حوار مخيلتين )
تضمن الكتاب في صفحاته الـ 134 من القطع الصغير ، مواضيع عديدة منها : ”  تحت خيمة الكتابة” و” القراءة.. او ما بعد الكتابة ” و ”  الكتابة الإبداعية والمكان ” و ”  الثقافات وتبادل التأثير ” و ” عن السيرة الذاتية ” و ” الدراما في القراءة ”  و ” قول في الإبداع ” وهناك عناوين فرعية ، حملت تفسيرات لما جاءت في الكتاب .. وقد لاحظت ان ” حميد سعيد ” أبدى آراء ذاتية في ما أراد الخوض فيه دون الاعتماد على مصادر سوى قراءاته وأستذكاراته وهو بذلك أعطى نموذجا ، جديداً ، متفرداً في خوض موضوع شائك فيه التواءات عديدة ومسالك تتحمل وجهات نظر عديدة ، لكني وجدت ان الكاتب قال ما ظنه سليماً .. وتلك شجاعة ثقافية تحسب للكاتب .
في هذا الكتاب ، تتردد إمامك أسماء عظيمة ، مقترنة بقراءات ذكية ، متفحصة عُرف بها الكاتب ، أسماء من كل أنواع الإبداع  : ابو نؤاس والمتنبي والجزائري  ” جمال بن الشبخ” وماركيز وويليم بليك وهنري ميللروغالب هلسا ونجيب محفوظ وخيري شلبي وهادي دانيال ورافيل البرتي وعز الدين المناصرة وخليل خوري والروائية التركية ” أليف شفيق ” وعبد الرحمن مجيد الربيعي  وعبد الامير الحصيري ويوسف السباعي  ومحمود تيمور واحمد شوقي والروائي الأرجنتيني    ” ارنستو ساباتو” وبول أستر والشاعر الروسي ” يفغيني يفتوشنكو ” و “أورباموق” التركي الحائز على جائزة نوبل وإمرئ القيس ومالك بن الريب وأدوار سعيد و.و. و. وعشرات من الأسماء البارزة ، أتاح لنا المبدع الكبير سبر أغوارها في لقطات وأنتباهات ثقافية دقيقة ، بعين قارئ ، مستكشف ومتحصن بجدلية الوعي بأسلوب آخاذ … اليس كتابه عن الكتابة ومآلاتها ؟ انه كتاب للمتخصصين والعامة ، جاد به قلم يقول لك : لا تجادل بعاطفتك ، بل جادل بعقلك مدفوعا بعاطفتك !
في ثنايا الكتاب ، وجدتُ ان  ” حميد سعيد ” يرى ان اللغة ملكة لا صناعة  وسليقة لا تكلف .. يستهويه الأسلوب ، سهل الممتنع ، ومن خلال عملي معه في صحيفة ” الثورة ” ببغداد ، وهي فترة قصيرة  مع الاسف ، لاحظت ، ان الرجل على  قناعة بان الأمور ، أيا ما كانت ، لا تعالج من الظاهر معالجة زخرفية حيث تتعقد فيها الخطوط والألوان في افتراق وتلاق عجيب .. بل  يرى ان المعالجة يجب ان تتم من الجذور ثم تمضي هذه المعالجة مع الجذور حتى تنتهي الى إطراف الأغصان المتدلية .. وفي ذاكرتي ، تسكن  صورة الأصالة في رؤى ” حميد سعيد ” في الكتابة والنشر ، فلقد كان صعباً في الموافقة على النشر حين كان رئيساً للتحريرفي عدة صحف ومجلات ، لإيمانه بأن الصحافة مهنة لا تستميلها  الصداقات  وهي مهنة تقضي عليها العاطفة والتحيز والتعصب .. انها مهنة مكرسة للصالح العام ..
قناعتي ، وأنا انتهي من قراءتي للكتاب ، ان الكتابة والثقافة عموماً  عند ” حميد سعيد ” حركة دائبة تمتص أذيال السكون ، إنها ضجيج جميل من أخذ وعطاء ، تقتنص من النجوم بريقها ومن الفضاء رعوده ويروقه .. وهو يكره وبشدة من يخطط بعشوائية لاغتيال عقول الآخرين وتسّفيه معتقداتهم  .. وقد لاحظت فيه شجاعة كبيرة في قول الحق ، وقد مسك مرات عديدة جمرة النار في يديه دفاعا عن صحفيين وأدباء كُثر، نتيجة وشاة كتبة التقارير، في أثناء عمله الوظيفي الطويل  وقد بقى نبيلا في الحياة في زمن سقط فيه كثيرون وان البعض غيّر جلده أكثر من مرة من اليسار الى اليمين وبالعكس والبعض الآخر فضل شهرة سهلة وأضواء باهتة فباع نفسه في سوق النفاق والذيلية ..  ولي في هذا الموضوع ذكريات ربما ترى النورفي الوقت المناسب ..
الشمعة والدرويش ..
ورغم عدم قناعتي بعنوان الكتاب الآخر والمتضمن حوارات وشهادات بحق ” حميد سعيد ” … حيث ان عنوان ( الشمعة والدرويش ــ حميد سعيد يتحدث ــ ) لا يستقيم مع منهجية وحياة ” حميد سعيد ” المثقف المبدئي الرافض للخنوع منذ بدء تفتحه على الحياة ، فالدرويش في الثقافة الشعبية والموروث المتداول ، دلالة على ( المسّكنة والاستعطاف ) في حين ان الشاعر الكبير ، نور وفرس جامح ، يكره القنوط ويكره الظلام ..ولا أعرف سبب اختيار الصديق ” هشام عودة ” مؤلف الكتاب لهذا العنوان وربما له أسبابه ونحن نلوم ، وليعذرني الصديق ” عودة ” على رأيي هذا ..  وأنا بالمناسبة اعرف ” هشام ” منذ 20 عاماً ، شاعرا وصحفياً من الطراز الأول ، ولطالما أتمنته عندما كنت مشرفاً على الصفحة الأخيرة في صحيفة ” الثورة ” وهو من المحررين فيها ، على مواد بقية الزملاء لمعرفتي وقناعتي بحصافة رأيه في التقييم ..
لكن الكتاب ، وبغض النظر عن هذه الجزئية ،  من أهم الكتب التي جذّرت تجربة الشاعر والمثقف الكبير” حميد سعيد ” من خلال إجابات عميقة لأسئلة ذكية .. حيث تجمّع الحس الصحفي والثقافي لدى ” هشام عودة ” ليكوّن أمانة عقلية في انتزاع الحق من جوف الأشياء .. فجاء الكتاب مثل مركبة فاخرة سارت في أرواحنا بتؤدة ، مخلفة وراءها الكثير من غبار الدهشة ..
75 سؤالاً وضعها ” هشام عودة ” إمام  الكاتب والشاعر ” حميد سعيد ”  جاءت بعد دراسة ثقافية ضافية وانطباعات شخصية من خلال لقاءات مشتركة لفترة طويلة كانت حصيلتها إجابات تحكي الكثير من إسرار تجربة الشاعر في القصيدة والحياة.
قال ” حميد سعيد” في معرض أجابته عن طقوسه في الكتابة ( لو استعدت تاريخ علاقتي بالكتابة ، لو جدت ان ليس من حالة واحدة تنظم هذه العلاقة ، وبالتالي لا أستطيع القول ، انني أتبع برنامجاً منظماً للكتابة ، ولا أتركها للرغبة الطارئة والمصادفة ، وما كانت حالة كتابة الشعر ، تكرر حالات كتابات أخرى .. فحين أفكر بإنجاز كتاب أدبي او فكري ، أخطط للكتابة بدءاً من القراءات والمراجعة واستذكار المصادر ، حتى حين يكون الكتاب من عدد من المقالات ، فإن هذه المقالات تكون عادة مصممة حتى في عدد صفحاتها وتسلسلها ، وحين تنشر في كتاب لا تبدو انها مجرد جمع عشوائي .. أما الكتابة الصحفية ، فلا يشغلني سوى اختيار الموضوع ، فإن حسمت أمر اختياره ووجدت له عنوانا ، ينزلق القلم على الورقة وأتابع الكتابة بيسر مستحضراّ الأفكار والشواهد .. وحين أكون في وسط محاور ، فرداّ او أكثر، لطالما فتحت حوارا بشأن الموضوع الذي عزمت على تناوله ، فأفيد ليس مما أستمع اليه من الآخر حسب ، بل مما يتفتق عن الحوار من أفكار ..
إما في ما أكتب من شعر ، فالأمر مختلف ، فليس للقصيدة زمن محدد وكل مرحلة من مراحل تكوينها ، كما كل مقوّم من مقوماتها ، يقود الى التأمل والاستذكار والحوار ، حيث يتم تمثّل كل مفردات تجربتي الإنسانية والمعرفية ، لتحضر الفكرة التي أتعايش معها زمناً قد يطول وقد يقصر، حتى أكاد أراها في أبتعادها وأقترابها وأحس بتشكّل القصيدة التي لا أترك لها مجالاً للانفلات من محيط وعيي بها .. وإن من أصعب مراحل تكون القصيدة عندي ، مرحلة البداية ، فهي الأكثر تمرداً وعصياناً ورغم كل خبراتي الشعرية وتجاربي ، ما زالت القصيدة عصية على الدخول في حال الانسجام مع الفكرة ، ومن أخطر مشاكل الشاعر ، ان يصل بنصه الى حال الوحدة بين الفكرة والعبارة ، هذه الوحدة ليست انسجاما ولا تكاملا ولا تواصلا ، بل حال حلول ، حيث تحل الفكرة في العبارة ، فإذا تجاوزت البداية وتحقق الحلول ، ما عدت أخشى على القصيدة بعد البداية بالوصف الذي أشرت اليه ، أقول لها : تمرّدي وادخلي في العصيان ، فقد أدخلتك مملكة الشعر ، وحين أنتهي منها .. أكون بانتظار قصيدة جديدة )
وبلغته الشفافة ، أجاب ” حميد سعيد ” على العديد من الأسئلة ، منها عن دور الشعر بين استقبال النقد واستقبال الجمهور وعلاقته بنقاده وعن شعره المترجم الى عدد من اللغات وعن كتابته لعمود صحفي يومي لمدة عشر سنوات وتأثير ذلك على شاعريته وعن أسباب انقطاعه عن كتابة الشعر بين حين وآخر وعن رئاستة لمجلس أمناء بيت الحكمة قبل الأحتلال وعن قصيدته الشهيرة ” رسالة أعتذار الى ابي جعفر المنصور ” وعن مرجعياته الشعرية وعلاقته بمدينته الأثيرة ” الحلة ”  وعن مبررات حضور الشعر في الحياة وعن الأدب النسوي والشعر العراقي وتأثيره في الشعرية العربية وغير ذلك ..
” الحلة ” آه .. أه !
لقد بقى ” حميد سعيد ” كما عرفناه  ساميا، محلقا متحديا أية ظروف تحاول إعاقته،  فالإبداع عنده هو مشروع تحدٍ لكل قيد.. واحتلال الوطن اشد أنواع القيود!!
وأفرحتني إجاباته  التي أعطت صورة، مفرحة، للشجاعة الإنسانية، فهو مبدع كبير وكتاب مفتوح  ثر، ليس في قلبه ركن مظلم يخفي فيه شيئا، ولم يحاول إن يخفف من غلوائه في الوداد والعناد والكبرياء والالتصاق بالوطن والأمل الذي يملأ قلبه ، هو آمل بمثابة نور أقوى من كل الجراح والمصاعب وضربات الزمن.
وأزعم بأنني أعرف ان الكلمة التي يكتبها ” حميد سعيد ” تمر بميلاد صعب دائم لا يصيبها العجز ولا تهزمها الأيام والسنين ، فالكتابة المبدعة هي مبكاه ، وهي أفق حياته ، وتلك لعمري إحدى ميزاته ..
إن متابعة الحوار المفعم بألق العنفوان تجعل القارئ ، يلمس ان الشاعر الكبير ” حميد سعيد ” مرّهف الحس بشكل عجيب ومتّقد الخيال، مشّبوب بالعاطفة، ويتمتع بخاصية إنسانية صلبة، تلتقط حوادث ومصائب الوطن، وتسجلها بعيون متنبّهه ونظرة ثاقبة، وملاحظة كاشفة، تبّصر الجميع بمعنى الحياة وغاية الوجود، وتنفذ في دقة وعمق إلى جوهر الأشياء ، وأنه إنسان من طراز خاص يمّقت الضعف ويكره الدموع .. وهو متفائل برغم قسوة احتلال الوطن وحالة الاغتراب التي يعيشها …  تفكيره يسبق ألمه ، وخطاه أوسع بكثير من خطى السائرين على رمال الحياة , أحلامه بلا حدود!
هو دائم المحاولة للتغلب على تشاؤم العقل بمساعدة الإرادة ، فلم يركض وراء سراب يلمع في صحراء المخّيلة ، كما لم يركض إلى أوهام أحلام اليقظة!!
غير انني، وانأ أقرأ ما بين سطور الحوار، شعرت بأن فؤادي تعتصره آلام لا نظير لها ، فمددت أصابعي إلى محجريّ، باحثا عن دمعة منسية في قعرهما ، لأذرفها بحرقة لمعرفتي بما يعتمل في صدر ” حميد سعيد ” من معاناة لفراق مدينته التي يحب ( الحلة )  فهو وهي تؤمان لا يفترقان ، وكثيراً ما كنت أحسده في سري ، لعشقه هذا , حيث كانت أحلى أيامه هي تلك التي يقضيها  هناك .. وكثيرا ما واجهني نقد الأهل والأقارب كوني لم أسر على خطى ” حميد سعيد ” في زياراته المستمرة وانا ابن هذه المدينة الفيحاء ايضا ..
وانت تعيش أجواء هذا الحوار تحس أن الاغتراب اخذ الشيء الكثير من كينونة ومشاعر ونفسيه المبدع العراقي ، لكنك تلمس انه  أعطاه الشئ الكثير أيضا .. أعطاه الصدمة لكي يبحث عن مجالات إبداع ذات مديات شمولية أوسع.. وانه قدره الذي عليه مواجهته بالصبر والاراده وبعطاء ثر لا يعرف الحدود.. ومثلما لايعرف العافية إلا من فقدها، فأن قيمة الأوطان لا يعرفها إلا من فقدها … حتى ولو لحين !
شهادات..
وحمل الكتاب شهادات ثرة لعدد من المثقفين ، فقال  الأستاذ ” رشاد أبو شاور” ( مع حميد سعيد ، وأنت تجالسه او تقرأ شعره ، يحضر نخيل العراق ودجلة والفرات… وجلجامش وأنكيدو وحمورابي وأشوربانيبال والسياب ..)…. ( شعر حميد سعيد يسند الروح ، ينهض بها ، يشيلها من عثارها ، ويلهمها ويسندها وهي تمضي في الهاجرة ولذا نتساءل : من أين للشاعر في “غربته” ــ أحسب انه لا يرى نفسه غريباً فعراقه في صميم روحه ـــ في نأيه عن بغداد وحلّته ” مولد الشاعر” وبصراه  .. كل هذه الصلابة والقوة ؟ ) …. (من قرأ حميد سعيد شاعرا ، وقد قرأه كثيرون في بلاد العرب في المشرق والمغرب ، سيتعرف أكثر على الشاعر على رؤيته وأسرار شاعريته وعلى إنسانيته وترفعه وكبريائه )..
وقالت ” إنصاف قلعجي ” ( منذ ان غادر حميد سعيد بغداد عام 2003 وهو يحملها على كاهله ويلوب معها في عزلته ويتصرف ” تصرف المسافر لا المقيم ” فما عاد للمكان وجود في غياب بغداد وما عادت الذاكرة تحمل او تتوهج إلا بما كان يوما في بغداد .. ” وان القصيدة الحقيقية فعل تغيير حقيقي ، وهذا التغيير كان ومازال حلم الطيبين والمجاهدين والمضحين والشعراء والشهداء .. لا حلم الذين يبيعون حليب أمهاتهم ومقدسات أوطانهم .. ويؤجرون حناجرهم للغير وضمائرهم للعواصف السود ” )
وقال الدكتور سمير قطامي ..( في “حميد سعيد” تجسدت مجموعة طيبة من الصفات التي قلما تجتمع في شخص ، فهو متواضع جدا ، عزيز النفس ، كريم ، مخلص لأصدقائه ، دافئ العلاقة مع الجميع ، لا تراه محتدا او غاضبا، محترم من كل الأطياف السياسية والطوائف ، يدعم الأدباء الشباب ، لا تراه مستغيبا لأحد، يأسرك بدفئه وحبه للناس )
اما الدكتور راشد عيسى ، فقال في شهادته ( ان المشترك الجمالي والموضوعي في شخصيات “حميد سعيد” هو انها شخصيات استثنائية مختلفة عن سواها بعزائمها الصلدة وعطائها الوطني ودورها التاريخي وملامحها الإبداعية … كل شخصية منها كتاب يستحق القراءة والحفظ والتأمل وقد قدم حميد هذه الشخصيات بشعرية ذكية في معمارها الفني وشفافة إيحائية كنائية في موضوعها الفني ..)
                                    *************
خارج الموضوع ..
 داخل الذاكرة !!
وأسمح لذاكرتي التجول في سياحة بسيطة خارج الموضوع ، لكنه على صلة به .. فما ذا حملت الذاكرة :
حدثني والدي رحمه الله مرة ( كنا أربعة أصدقاء، لم نفترق إلا نادراً، جمعتنا صحبة قوية ، امتدت الى آصرة شديدة البنيان ، ربما بسبب تقارب العمر او الرؤى : أبن خالتي ” محمد حسين الشهيب وحمود هجّول وفاضل الرشيد  ( خال حميد سعيد) وانا .. وعند أفتتاح اول سينما صيفية في مدينة ” الحلة “وهي سينما ” الفرات ” في العام 1949 أنيطت بأثنين من المجموعة المذكورة مهمة إدارة كافتيريا هذه السينما التي كانت بمستوى ممتاز من حيث الشكل والتنظيم ، هما ” عبيد الحيفة ــ المتحدث ــ  وحمود هجّول .. ونتيجة العلاقة المتينة كان الأصدقاء الأربعة ، يبدأون مساءهم عند عرض  الفلم في الدور الأول ويستمرون حتى انتهاء الدورالاخيرفي منتصف الليل .. وقد فتحت السينما موسمها الأول بالفلم العربي الشهير ” عنتر وعبلة ” بطولة ( سراج منير وكوكا ) وأستمر عرضه لثلاثة أشهر .. وكان أحد أركان الاربعة ” فاضل الرشيد ” يصطحب على فترات متقطعة ابن اخته طالب الدراسة الابتدائية ” حميد ” وقد لاحظت عليه إنتباهة الذكاء ولمعة الإصغاء والأدب وحسن الهندام وجدية الحديث رغم سنه الصغير)
وتنتهي هذه الجزئية من حديث والدي عن الفتى ” حميد سعيد ” وهي جزئية تبقى ضبابية ، لكن الحالة الأخرى ، كانت متجذرة في ذاكرتي ووعيي ، حيث تلوح لي صور مرافقة والدي وأنا بعمر الثامنة عند زياراته لمدينة العائلة ومنبت جذورها ” الحلة ” بعد ان كان أستقر في بغداد .. فلم أتذكر يوماً ان والدي زار مدينته دون ان يمر على صديق صباه ، العم ” فاضل الرشيد ” في محل الخياطة التي يملكه بمعية ابن خالته محمد حسين الشهيب ( ابو كاظم ) ، حيث يبدأون حديث الذكريات متزامناً مع وجبة الطعام المتمثلة بـ ” كباب بكوري ” الشهير في محلة ” الوردية ” مسقط رأسي ، مقترناً بأقداح الشاي من مقهى ” حسين الصلال ”   وليست قليلة المرات التي شاهدت فيها الشاب ، جميل الطلعة ” حميد سعيد ” وهو يتأبط كتبه وبينها على الدوام ، صحيفة او مجلة ، وفي عينيه لمعاناً وتنثال من فمه كلمات خجولة وهو يرد على كلمات التحية لأصدقاء العمر لخاله .. فارق السنين بيننا كان ، سبع ، وعندما أسترجع تلك اللحظات ، أسائل نفسي ، هل أثر بي هذا الشاب بملامحه وبطريقة تأبطه كتبه والصحيفة او المجلة الظاهرة معها وأسلوب حديثه في عقلي الباطن في لاحق السنين ، فأجيب : ربما !! إذ بعد عودتنا الى بغداد ، أخذت أتردد على مكتبة قريبة منا وأقتني صحيفة او أكثر وأضعها بصورة واضحة مع كتبي المدرسية .. كان تقليدا لذلك الشاب الذي كان خاله ” العم فاضل ” شغوفاً به ، فرحاً بتوجهاته الشعرية ، حيث كان يقرض الشعر ..
تحية  ” لأبي بادية ” منارة أمسي ، على إرساله حزمة أشعته الثقافية في ظلمة عصرنا الحالكة في إجابات على أسئلة الصديق ” هشام عودة ” ملئت حكمة ونبلاً ونصائح وأفكارا موحية بالعظات والعبر ، موجهة للحياة ومزينة للعقل والروح .. وأليه أقول : حمداً لله ، حيث ربطت نفسك بأمتك ورقيت بذاتك الى إنسانيتك وأخترت حياة رحبة نقية ، فيها ماء يتفجر وعشب ينمو ، وورود بعطر شذيّ  ، وغنم يثغو، وجمال ترغو ، وفيها زبد وسمن وعسل .. وبقى بياض قلبك الناصع ينعكس على نفسك مثلما ينعكس على العين سلاماً ونقاء وصفاء ، يمحو السواد  وتجهم الطبيعة … ويكفي أحساسك ، بأن قلبك يقفز ترحيباً وحباً للصدق والصادقين  وتُؤمن بان المرء يخسر وجوده بنسيان قيمه ، فبقيت قيمك أساس وجودك ..
 دمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *