الدكتور علي القاسمي : مرافئ على الشاطئ الآخر روائع القصص الأمريكيّة المعاصرة (5)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ، وفي كل يوم جمعة مباركة ، بنشر فصول كتاب العلّامة المبدع الكبير الدكتور علي القاسمي “مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” ، وهو كتاب بانورامي نقدي شامل يضم 22 قصة لكبار الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين مع تقديم لكل كاتب: حياته وأسلوبه. فشكرا للميدع الكبير القاسمي على تفضّله بالموافقة على نشر الكتاب متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

إسحاق عزيموف

( ولِد إسحاق عزيموف Isaac Asimov (1920-1992) في الاتحاد السوفيتيّ، وهاجر به أبواه إلى الولايات المتّحدة وعمره ثلاث سنوات، فترعرع في حي بروكلين في مدينة نيويورك. حاز الدكتوراه في الكيمياء من جامعة كولومبيا الشهيرة، ثمَّ التحق بجامعة بوسطن أستاذاً للكيمياء الحيويّة. ويعدّ عزيموف أغزر الكتّاب الأمريكيين إنتاجاً على الإطلاق, فله ما يقرب من 500 كتابٍ و 90000 رسالة وبطاقة بريدية في جميع فروع المعرفة ما عدا الفلسفة. بدأ عزيموف في كتابة قصص الخيال العلميّ وعمره أحد عشر عاماً، وعندما بلغ العشرين من عمره نشر قصّته القصيرة “هبوط الظلام” التي يعدّها بعض النقّاد أعظم قصص الخيال العلميّ في التاريخ، فبوأته مكانة مرموقة في عالم القصّة والرواية. وكان يعدّ من بين أشهر ثلاثة كتّاب قصّة علميّة في زمانه، والآخران هما: روبرت هاينلاين وآرثر كلارك. ويُذكَر عزيموف أساساً في مجالين: قصص وروايات الخيال العلميّ، وتبسيط مفاهيم العلوم المختلفة بطريقة تاريخية للقارئ العام كما هو الشأن في كتبه ” الدليل إلى العِلم” و ” فهم الفيزياء” و ” تاريخ عزيموف للعِلم والاكتشاف”
وكان عند وفاته متزوجاً من الطبيبة النفسانيّة الكاتبة جانيت يبسون، وله ولدان من زواج سابق.)

عن اللاشيء

( ذكر عزيموف في تقديمه لهذه القصّة أنَّ ناشراً طلبَ إليه أن يكتب قصّة لا تزيد مفرداتها على 250 كلمة لكي تُطبَع على بطاقات بريديّة ضمن مشروع يهدف إلى إصدار “بطاقات بريديّة قصصيّة” على غرار “البطاقات البريديّة الفوتغرافيّة”. وبعد أن أنهى كتابة القصّة أُلغي المشروع، فنشرها في ” مجلة عزيموف لقصص الخيال العلميّ”.)

انتظر أهلُ الأرض أجمع أن تقضي الحفرةُ الكونيّة السوداء الصغيرة على كوكبهم. وكان البرفسور هيروم هيرونيموس قد اكتشف تلك الحفرة السوداء بواسطة مرصده القَمريّ عام 2125. وكان من الواضح أنّها ستقترب بما فيه الكفاية من الأرض لتسبِّب دماراً كاسحاً شاملاً.

لقد كتبَ جميعُ أهل الأرض وصاياهم، وذرفوا الدموع على أكتاف بعضهم، ورددوا :” الوداع، الوداع، الوداع!” فودَّع الأزواج زوجاتهم، وودَّع الإخوان أخواتهم، وودَّع الآباء أطفالهم، وودَّع أصحاب الحيوانات الأليفة حيواناتهم، وتهامس المحبُّون بكلمات الوداع.

ولكن عندما اقتربت الحفرة السوداء، لاحظ هيرونيموس عدم وجود أيِّ أثر للجاذبيّة، فدرس الموضوع عن كثب ثم أعلن، وهو يكتم ضحكته، أنّه لا توجد حفرة سوداء في نهاية الأمر.

ـ ” لا شيء ” هكذا قال ” مجرّد نُجَيم اعتياديّ صبغه أحدهم باللون الأسود.”

فقُتِل على أيدي الجماهير الغاضبة، ولكن ليس من أجل ذلك. لقد قُتل فقط بعد أن أعلن على الملأ أنَّه سيكتب مسرحيّة عظيمة مؤثرِّة عن الواقعة برمّتها. وقال: ” سأجعل عنوانها جعجعة من الوداع بلا طحين.”
واحتفت بموته الإنسانية عن بكرة أبيها.
النهاية

كيف حدث ذلك؟

( قدّم عزيموف لهذه القصّة بقوله إنّه كان يعتزم كتابة تاريخ وهميّ للعالَم على شكل فصولٍ أو مشاهد مضحكة، لأنّه كتب قصّةً تصلح لتكون المشهد المُضحك الأوّل من هذا التاريخ. ولكن هذا هو المشهد الوحيد الذي استطاع أن يكتبه من ذلك التاريخ.)
راح أخي يملي عليَّ مُستخدِماً أفضل أساليبه الخطابيّة، وهو الأسلوب الذي تتشبّث الجماهير بكلماته.
قال: ” في البداية، وبالضبط قبل خمسة عشر بليون سنة وشهرَين، حدث انفجار عظيم والكون …”
ولكنّني توقَّفتُ عن الكتابة قائلاً بارتيابٍ:” قبل خمسة عشر بليون سنة؟”
قال: ” تماماً. لقد أُوحي إليّ بذلك.”
قلتُ: ” إنني لا أشكُّ في الوحي الذي يأتيكَ” ( وهذا خير لي ، فهو أصغر مني بثلاث سنوات، ولكنّني لا أحاول الشكَّ في وحيه، ولا يستطيع أحدٌ غيري أن يفعل ذلك، وإلا فالويل له.‎) ” ولكن هل ستقوم بإملاء قصّة الخليقة كاملةً عبر فترة خمسة عشر بليون سنة؟”
فقال أخي: ” نعم، يتحتّم عليّ ذلك، فهذا هو الزمن الذي استغرقته الخليقة. وأنا احتفظ به كلِّه هنا” وضرب بيده على جبهته، ” وكلُّ ذلك استناداً إلى أعلى المراجع.”
وعند ذاك كنتُ قد وضعتُ قلمي المعدنيّ جانباً قائلاً:” وهل تعرف ثمن ورق البرديّ اللازم؟”
ـ “ماذا؟” (قد يُوحى إليه ولكنّني غالباً ما كنتُ ألاحظ أنَّ الوحي لا يتضمَّن مسائل تافهة مثل ثمن ورق البرديّ)
فقلتُ:
ـ” افترضْ أنَّكَ تصِف مليون سنة من الحوادث في كلِّ رزمة من ورق البرديّ. هذا يعني أنَّ عليك أن تملأ خمس عشرة مليون رزمة. وسيتحتّم عليك أن تتكلّم وقتا طويلاً لملئها وتعلم أنّكَ ستتلعثم بعد مدّة. وسيتحتّم عليّ أن أكتب ما فيه الكفاية لملء هذه الرزم وستتفسَّخ أصابعي. وحتّى لو كنتُ أستطيع أن أدفع ثمن كلِّ ورق البرديّ ذاك، وحتّى لو بقي صوتكَ صحيحاً وأصابعي قويّة، فمَن الذي يستنسخ كلَّ ذلك؟ علينا أن نحصل على ضمان لتوفير مائة نسخة قبل أن نتمكَّن من النشر، وبدون ذلك من أين نحصل على حقوق التأليف؟”
فأطرق أخي هنيهة، وقال:” هل ترى أنّه ينبغي أن أختصر؟”
قلتُ:” كثيراً، إذا أردتَ له أن يصل إلى الجمهور.”
قال: ” ماذا تقول بمائة عام؟”
قلتُ: ” ماذا تقول بستة أيام؟”
قال مرعوباً: ” إنّني لا أستطيع أن أضغط قصة الخليقة كلَّها بستة أيام.”
قلتُ: ” هذا جميع ما لديّ من ورق البردي. فماذا تقول؟”
قال: ” آه، حسنا.” وراح يملي عليّ مرّةً أُخرى: ” في البدء ــ هل ينبغي أن تكون ستة أيام، يا هارون؟:
قلت بإصرار: ” ستة أيام، يا موسى.”

موت فوي

( قدّمَ عزيموف لهذه القصّة بقوله إنَّ جورج سيثرز، محرِّر “مجلة عزيموف لقصص الخيال العلميّ” كان يودّ أن ينشر، بين حين وآخر، قصصاً قصيرة جدّاً وغريبة جدّاً. وهكذا فقد كتب عزيموف هذه القصّة وأرسلها إليه. ولكنَّ جورج انفجر ضاحكاً بعد قراءتها وأعاد القصّة إليه دون أن ينشرها. فأرسلها عزيموف إلى أد فرمان، محرِّر “مجلة الخيال والخيال العلميّ” الذي تمكَّن من حبس ضحكته لوهلة تكفي لتحرير شيك لفائدة عزيموف، لقاء حقوق التأليف).

كان من غير المعتاد جدّاً أن يموت واحدٌ من الفوي على الأرض. فجماعة الفوي أعلى طبقة اجتماعيّة في كوكبها (الذي يحمل اسماً يُنطَق بأقصى ما يمكن أن تُخرجه الحناجر الأرضيّة ـ سورتيباكينسترته) وكان أفرادها من الخالدين.

وكلّ فوي، طبعاً، ينتهي إلى موتٍ اختياريّ. وكان هذا الفوي بالذات قد يئسَ بسبب قصة حُبّ جرتْ تحت طالعِ برجٍ منحوس، إذا كان بإمكانك أن تُطلِق اسمَ قصّةِ حبٍّ على علاقة يشترك فيها خمسة أفراد من أجل أن يتكاثروا بعد أن يدخلوا في اتّصال ذهنيّ مدَّةَ عامٍ كامل. ويبدو أنّ هذا الفوي لم يكن قادراً على مواصلة الاتّصال الذهنيّ بعد سبعة أشهر من المحاولات، ولهذا عاد كسير القلب، بل بالأحرى، كسير القلوب لأنّ له خمسة قلوب. فجميع أفراد الفوي لهم خمسة قلوب واسعة، ويُشاع أنَّ هذا هو السبب في خلودهم.

وكانت مود بريسكو، أشهر جراحي الأرض، تسعى للحصول على هذه القلوب.
قالت لمساعدها الرئيس: ” لا يمكن أن يكمن السبب في عدد القلوب وحجمها، يا دوين‌‍‍‌. لا بُدّ أنّ هناك سبباً فيزيولوجيّاً أو كيميائيّاً. يجب أن أحصل على هذه القلوب.”

فقال دوين جونسون: ” لا أعرف إذا كنّا نستطيع تدبير ذلك، فقد كنتُ أتحدَّث إليه بجدٍّ، محاولاً أن أتجاوز عقدة الفوي التي تحرّم قطع أوصال الجسم بعد الوفاة. كنتُ أحاول أن أستغلَّ شعوره بالمأساة وهو الشعور الذي يخامر كلَّ فوي يسوقه القدر للموت خارج وطنه. واضطررتُ إلى الكذب عليه، يا مود.”
ـ ” الكذب؟”
ـ ” أخبرته أنّنا سنقيم له بعد وفاته مأتما يُعزف فيه لحن جنائزي تؤدّيه فرقة ذات شهرة عالميّة بقيادة هارولد ج. غاسنباوم. وقلتُ له إنّ ذلك يعني في معتقداتنا الأرضيّة أن روحه الكوكبيّة ستعود في الحال، عن طريق التسامي الفضائيّ، إلى وطنه في كوكب سورتيبـ ـ ما اسمه؟ ـ على شرط، أن يوقِّع وثيقة يسمح بموجبها لكِِِ ، يا مود، أن تأخذي قلوبه من أجل البحث العلميّ.”
فقالت مود: ” لا تقل لي إنّه صدّق ذلك الهراء.”
ـ ” حسنا، أنتِ تعرفين موقفه الحداثيّ من قبول أساطير الغرباء الأذكياء ومعتقداتهم. لم يكُن من اللائق به عدم تصديقي. إضافةً إلى أنَّ لدى الفوي إعجاباً عميقاً بعلوم أهل الأرض، وأظن أنّ هذا الفوي قد شعر بنوع من الزهو لأنّنا بحاجة إلى قلوبه. ووعدني بالنظر في الاقتراح، وآمُل أنّه سيتّخذ قراره قريباً لأنّه لا يستطيع العيش أكثر من يوم أو يومَين، ويلزمنا أن نحصل على موافقته، طبقاً للقانون الكونيّ بين الكواكب، وينبغي أن تكون القلوب طازجة و ــ آه، إشارته الهاتفيّة.”

وتحرَّكَ دوين جونسون بخفّة وبسرعة دون أيِّ ضوضاء. وهمس قائلاً: ” نعم؟” وشغّل بدون لفت الانتباه جهاز التسجيل الصوتيّ، في حالة ما إذا كان الفوي يرغب في منح موافقته.

كان جسم الفوي الضخم المغضَّن الشبيه بالشجرة مُسجّى على الفراش دون حراك. وكانت عيونه الجاحظة (جميع عيونه الخمس) تنبض بشدّة، كلُّ واحدة على غصنها. واستدارت تلك العيون نحو دوين. وكان لصوت الفوي نغمة غريبة. ولم تتحرَّك حواف فمه المفتوح الخالي من الشفاه، ولكنَّ الكلمات خرجت كاملة. وكانت عيونه تعبِّر عن الموافقة بمفهومِ إشارات وتعبيرات الوجه التي يستخدمها الفوي، وهو يقول: ” أَعطِ قلوبي الكبيرة لمود، يا دوين. وقطّع أوصالي بعد موتي من أجل فرقة هارولد الموسيقيّة. وأخبرْ جميع الفوي في سورتيبـ بأنّني سأعود إليهم قريباً.”

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (8)

طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم) شاكر مجيد سيفو تثير عنونة مجموعة (مواسم) للشاعر هشام القيسي …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (7)

طقوس هشام القيسي قراءة: أ. د . سنان عبد العزيز * بلغة رشيقة نثرية ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *