حوارات مع شيخ القصّاصين “أنور عبد العزيز”
حاوره : غانم البجّاري (ملف/5)

تمهيد

أستاذ أنور ، لا سؤال تقليدي .. وإنما سطور من ذاكرتك ، ومخزونها الثري ، وعبر رحلتك المضنية مع القصّ ، في هذه المدينة العريقة .. أود أن تطوف بنا بعوالمها القديمة ، وروّادها الأوائل ومنابر الضوء التي رسمتها أناملهم .. وعلّقتها في رحاب سمائها لتكون خالدة ومضيئة أبد الدهر ..
الجواب :
لن أثقل مقدمتي بتكرار ما كتب عن رواد القصّة ومن جاء بعدهم فقد تكرر ذكر هؤلاء في أطروحات جامعية كثيرة وفي عشرات المقالات في الصحف والمجلات ولأكثر من مرة ، كما لن أتطرق إلى سنوات بدايات القصّة القصيرة في الغرب هل بدأت في القرن السادس عشر أو السابع عشر قبله أو بعده ، فهذه أيضاً عرفها أغلب القراء ، لن استرسل في تفاصيل الأجناس الأدبية إلا ما كان ضرورياً منها عند الرواد ومن جاء بعدهم ولن أعالج مصطلحات هذا الفن وأسماء المنظّرين بعد أن وصل عند كثير من القراء حد التخمة فإذا ما أراد القارئ متابعتها والاستزادة منها فالمكتبات القديمة والحديثة مليئة بها وهي بانتظار من القراء الجادّين في استزادة معلوماتهم ..
الأستاذ الراحل الدكتور علي جواد الطاهر درّسنا مادتي الإنشاء والنقد الأدبي في سنتي 57 و 58 من القرن الماضي ، وكان يكرر علينا ألا نتعب أنفسنا ونضّيع وقتنا في معلومات مكررة باتت مألوفة ومعروفة لكثير من القراء ، كان يقول لنا بعد عودته من دراسته في فرنسا وكان موضوع أطروحته الشعر في عصر السلاجقة وعن الطغرائي وكأي مفتون بفن القصّة فقد تابع أثناء دراسته المؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية التي كانت تبحث في أمور القصّة والرواية والسيناريو والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى كان يقول : إنهم حدّدوا مجموع كلمات القصّة القصيرة بـ(15) ألف كلمة أي بأكثر من (40) صفحة من حجم الفولسكاب مما يطبع هذه الأيام على الكومبيوتر ، وقال إنهم توصلوا لهذا الرقم بعد نقاشات طويلة .
أما في أيامنا هذه فقد سقطت هذه المقيّدات وصار القاصّ حراً في تحديد عدد أوراق قصته فصرنا نسمع بالقصّة والأقصوصة والقصّة القصيرة جداً والمقاصّة والمرواة واستقروا أو لم يستقروا أخيراً أن كل هذه الأجناس ربما لا تعبّر عما في نفوسهم وذائقتهم الأدبية فكان النص ذلك المزيج من كل أو بعض هذه الأجناس ..
القصّة ليست مسألة طول أو قصر بل هي موهبة وذكاء وإبداع ومما يمكن أن نرويه في هذا المجال أن أستاذنا الطاهر كان يفاجئنا بقصص ينشرها لنا في صحف ومجلات بغداد دون علمنا .. أخبرني أصدقائي الطلاب أنهم قرأوا قصّة عنوانها : في القرية في مجلة

المحاور الأستاذ غانم البجاري

14 تموز لصاحبتها نعيمة الوكيل ، وقرأنا مرة قصّة لطالب معنا في مجلة المعلم الجديد وكان الطاهر سكرتيراً لها ، لم يكن هذا الطالب معروفاً ككاتب ، وعندما سألنا الراحل عن ذلك فأخبرنا أنه ينشر من إنشاءات الطلبة ما يروق له أما نحن فلم نكن نعرف حتى طرق النشر أو التعامل مع المجلات ونحن في بدايات التكوين . كان الطاهر ناقداً انطباعياً إذا سحرته جملة أو عبارة في قصّة اعتبرها من القصص الناجحة جداً ، ما الذي جعل الطاهر يعجب بقصّة الطالب التي نشرها في المعلم الجديد .. كان عنوان الإنشاء مذكرات حذاء وقال بطل القصّة : إن حذائي قديم كقدمي ، وقال الطاهر – وأيدناه في تفسيره – إن ذلك الإنسان البائس المفجوع بقسوة حياته يشبه الذي لازمه في كل سني القهر والعذاب .. وكان أستاذنا محقاً في إعجابه بالقصّة رغم ضعفها وركاكتها في تفاصيلها الأخرى .. وهو يذكرنا دائماً بالاعتزاز والتقدير لرواد القصّة والرواية أو لأي ريادة شرط ألا نتوقف عند خمسين عاماً أو أقل وأن نذكر قصّاصي الزمن الذي نعيشه حتى لو تجاوز عددهم المائة وحتى منهم من لم يكتب غير قصّة أو قصتين وأن يحظى كل قصّاصي المرحلة الحاضرة باحترام ومتابعة النقاد إذ أن من بين هؤلاء المائة سيكون رواد الأزمان القادمة فهو لا يريد لهذه السلسلة أن تنقطع وهو لا يريد منا أن نظل نلوك ذكرى رواد كتب الكثيرون عنهم مائة مرة ومرة ونهمل الحاضر والمستقبل . لن أتطرق أيضاً في هذه السطور للمسرحيات الموضوعة أو المترجمة أو الروايات الغربية الممسرحة التي نهض بها الرواد المسيحيون الأوائل بعد أن جلبوا لطباعتها ماكنة طباعة خاصة كان لها الدور الثقافي الكبير فـي تنشيط الترجمة وحركة المسرح والتمثيل بالإضافة إلى العلوم الدينية واللغوية ، فقد أغدقت عليها رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه للأستاذين الدكتور عمر الطالب وعبد الإله أحمد وغيرهما فيضاً من المعلومات التي غطت تلك السنين بشكل قريب من الكمال أقصد قبل سنة 1900 ، أما وقد دخلت الفترة مطلع القرن العشرين فصرنا نسمع باسم محمود أحمد السيد ورواياته وقصصه وقال أكثر من ناقد أنه من أصول موصلية وقد سكن البصرة وعاش فيها متنقلاً بينها وبين الهند .. وعدّه الناقد الراحل علي جواد الطاهر الرائد الأول في المجال القصصي الفني ، لأن الذين كتبوا قبله وبعده إنما كتبوا مقالات اجتماعية ليس أكثر .. كان حظ الفن القصصي فيها قليلاً وحتى هو محمود أحمد السيد لم يسلم من تأثير الواقع الاجتماعي والسياسي وسوء الحالة المعاشية لغالبية العراقيين من جهل ومرض وتخلف وفقر وجوع وتباين حاد بين حالة الطبقات الاجتماعية ولكن الصحافة وعموم القراء بدأوا يبحثون في الصحف عن القصص للاستمتاع بها ، وكان تأثير الأدب الغربي عموماً والتركي واضحاً على نتاج السيد ومجايليه من القصّاصين ، بعد شهرة السيد ظهر ذنون أيوب برواياته وقصصه الكثيرة وتأثره الواضح بطرق القص الغربي مع غلبة الروح المحلية العراقية على نتاجه ، تبعه عبد الحق فاضل والذي عمل في مركز التعريب بالمغرب وأخوه أكرم فاضل ، وإذا كان أكرم فاضل لا يعد قاصّاً أو روائياً فإن أسلوبه الساخر وفهمه وتفاعله مع المجتمع الذي عايشه وتواضعه الذي جعله قريباً من شخصيات يحبهم ويحبونه جعل أسلوبه قصصّياً في معالجة أمراض العراقيين الاجتماعية والنفسية – وما أكثرها – ثم جاء الدكتور عمر الطالب بمجموعته : خمسينيات أضاعها ضباب الأيام مفاجأة للمدينة ولكثير من القراء ، والمجموعة جريئة بأطروحاتها ولا تحتمل تلك الواقعية الصحيحة الصادقة لقناعات الناس ، لذا فقد حفظت الرواية لصاحبها دور الريادة عن استحقاق في هذا المجال ، بالإضافة إلى المجموعات القصصية والروايات الأخرى التي كتبها ، وقبله كان عبد المجيد شوقي والبكري ويحيى. ق قد ساهما ببعض الأقاصّيص قبل أن ينتقل لكتابة المسرحيات ، بعد الدكتور عمر الطالب ظهر غانم الدباغ وروايته ضجة في الزقاق والتي ارتبطت سياسياً بأحداث حرب 1956 وبجرأتها في طرح رؤية القاصّ عن الناس والجنس والنفس البشرية في حالة تقلباتها وهي تخوض في حياتها اليومية بألم وشقاء ، جاء بعده أخوه سالم الدباغ ، وممن كتب قبل هؤلاء : أحدوثة الباميا لحنّا رسّام 1955 وحكمت توما الصائغ الذي قام بتعريب رواية ويلز: الباب في الحائط وإبراهيم بطرس الذي عرّب رواية لويلز أيضاً ، وكتب يوسف مليتا نركايا سنة 1935 وحكايات في الظلام لعبد العزيز إبراهيم أوجي 1959 وأفرام عبد الله بهنام وأخته سارة الشهيدين 1949 وقصص الطبيب استراجيان وألحان الشقاء لرمضان احمد البكر 1953 ورواية الثري المتبتل لجرجيس قندلا 1948 وعامر وأسماء ليوسف أمين قصير 1954 ، وفي عودة لذنون أيوب نجد له إصدارات : العقل في محنته 1940 وروايته الشهيرة الدكتور إبراهيم ولحنّا رسّام أيضاً العواطف 1939 وعيديات الميلاد 1945 ولتمر الريكاني عبث الليالي 1967 وبلغ ذنون أيوب ذروة كتاباته الفنية في الكادحون سنة 1939 ورغم أنها كانت من أوائل محاولاته للتحرر من الكتابة الاجتماعية المجردة من فن قصصي بشروط ذلك الزمان ..
وإذا ما تذكرنا حنّا رسّام لإتقانه اللغة الفرنسية والعربية والكردية كلغات أدبية وكان قائممقاماً لقضاء العمادية في ثلاثينيات القرن الماضي فلابد من ذكر نعوم فتح الله السحار 1891 والذي كانت مواهبه أقرب للمسرح ..
مدرسة فتى العراق الصحفية في خمسينيات القرن الماضي وازدهار حركة القصّة فيها : هي صحيفة عامة لصاحبها الصحفي الراحل إبراهيم الجلبي الذي كان يشرف على ركن القصّة فيها ولده سامي الجلبي يعاونه القاصّ الراحل , سامي طه الحافظ ، ما اكتبه عنها مرّ عليه قرابة ستين عاماً .. أليست هذه الستون ريادة أيضاً .. أستطيع القول إن غالبية كبيرة أو جميع قصّاصي هذه المدينة قد بدأوا كتاباتهم وتجرأوا على تقديم تجاربهم الأولى لها فاستقبلتهم بمحبة وردّت على الضعيفة العاجزة المتهالكة منها فنياً ، لغة وموضوعاً بأسلوب رقيق ومؤدب بعيداً عن أي تجريح ، هذه الصحيفة لم تخلق إحباطاً أو انتكاسة عند كاتب ، بل الكاتب تراجع ليعمل على تحسين أسلوبه وفهم تجارب الحياة واقعاً وقصّة وتواصلاً مع الجريدة .. كان الراحل سامي طه الحافظ ابن تلك الفترة يعالج قضايا اجتماعية في قصصه وكان يبدو على بعضها الضعف الفني ، ولكنه كصحفي كان له الفضل بتشجيع ودعم من صديقه سامي الجلبي على التواصل والعمل معاً لتطوير الصفحة الأدبية في الجريدة دون التأثر بالأسماء الشهيرة والاكتفاء بالنشر لهم فهم كانوا ينشرون أي قصّة تصلهم يتوسمون في صاحبها مهارة الكتابة وتوقع تطور أدواته الكتابية والفنية وقد نشرت لي – وأنا أذكر لهم ذلك بكل فخر واعتزاز – قصّة بعنوان شروق أرسلتها لهم بالبريد الداخلي ( منها وإليها ) فما كنا ونحن طلاب في الإعدادية الشرقية نجرأ على مواجهة أصحاب الصحف خجلاً وحياءً واحتراماً من خوف الصدمة بالرفض لضعف الثقة ونحن نكتب أول قصّة ، ولم أزل – ومنذ ستين عاماً – أتعامل بهذه الطريقة : الإرسال بواسطة البريد أو مع أحد الأصدقاء ، بعد أن أصبحنا معروفين ككتّاب ، وكذا يفعل وبنفس الطريقة الصديق الباحث الأستاذ سعد الدين خضر..
مدرسة صحيفة فتى العراق وفي مختلف أدوار صدورها لم تتخلَ عن أحضان القصّة إدراكاً منها لأهميتها الاجتماعية والثقافية .. ليس أدباء الموصل فقط من بدأ حياته الأدبية في فتى العراق بل الكثير من أدباء العراق الذين لا تتسع هذه المقدمة لذكر أسمائهم ومجموعاتهم القصصية .. كان معنا في الشرقية طالب أسمر اللون مجعد الشعر له اهتمامات بسيطة في القصّة .. وأنا في متابعاتي لغالبية ما ينشر في الصحف ، كنت أتابع أخباره وهو يعيش في المغرب منذ ستينيات القرن الماضي ، تكتب الصحف عنه وتشيد بإبداعاته في فن القصّة والرواية ولكنها لا تذكر من أي بلد هو .. أكثر من عشرين سنة وأنا أتابع أخباره وأنا غير متأكد أنه ذلك الطالب الذي كان معنا .. وأخيراً وفي حوار معه تأكد لي أنه ذلك محمود سعيد السنبسي وقد نشر أكثر من (30) رواية وعشرات من القصص ترجم أغلبها للغات أجنبية عديدة كان آخرها جائزة كبيرة مرموقة عرفت أنه هو ذلك الطالب عندما قال للصحفيين والقنوات الفضائية : إن أول جائزة حصلتُ عليها من جريدة فتى العراق ، وقد انتقل منذ سنوات من المغرب إلى شيكاغو ومتواصل مع النشر في الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية .. ثمّة كاتب آخر يونس صديق يقيم في إيطاليا وينشر باللغتين العربية والإيطالية وترجمت له عدة أعمال أدبية للغات أجنبية ، كان قد بدأ من جريدة فتى العراق فهنيئاً لسامي الجلبي ولنا جميعاً هذه الانجازات الرائعة ..
وكما ذكرت ولعدم الاستهانة بأي قلم ساهم في الكتابة وأحب الثقافة ورائحة الكتب المحببة فإن هذه الأسماء من بقي منها ومن رحل كتبت ورسمت وجودها في جريدة فتى العراق منذ صدورها ولحد كتابة هذه السطور :
1. سامي طه الحافظ
2. عبد الوهاب النعيمي
3. عبد الحميد التحافي
4. د. نجمان ياسين
5. سعد البزّاز
6. حسب الله يحيى
7. ثامر معيوف
8. سالم العزاوي
9. طلال عبد الحميد
10. د. عمر محمد الطالب
11. غانم محمد شكري
12. غانم البجّاري
13. خيري العسّاف
14. حازم خليل
15. صلاح حمدي
16. بلاّوي فتحي
17. محمود سعيد
18. فاضل محمد الشكرجي
19. زهير غانم
20. د. أحمد جار الله ياسين
21. د. مؤيد اليوزبكي
22. فخري محمد أمين
23. محسن الخفاجي
24. عبد الستار ناصر
25. كمال عبد الرحمن
26. عبد الغني علي يحيى
27. طلال محمد مراد
28. محمد وجيه الشاكر
29. منيب السعدون
30. سالم حسين الطائي
31. مؤيد معمر
32. د. محمد عطاء الله
33. حسين رحيم
34. عبد الباري النجم
35. د. فيصل القصيري
36. إبراهيم سليمان نادر
37. د. سعدي المالح
38. محمود سعيد السنبسي
39. يونس صديق
40. بشار عبد الله
41. د. عمار أحمد
42. معن عبد القادر آل زكريا
43. د. محمد صابر عبيد
44. نواف خلف السنجاري
45. جاسم الرصيف
46. د. فاتح عبد السلام
47. طارق علي شريف
48. عبد العزيز الجواري
49. ناظم علاوي

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي: حوار مع الشاعرة اللبنانية “ناديا تويني”
أسعد الجبوري

كانت تمسكُ بنظارتها الشمسية،وتمشي على ضفاف نهر هادئ.لم يكن معها سوى قطة بفراء أسود وبعينين …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (6)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

نعوم تشومسكي:التظاهرات في أمريكا، حرية التعبير، كورونا، ترامب، لولا دي سيلفا، جايير بولسونارو، مناخ الكرة الأرضية
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم : في حوار صدر يوم 23 يونيو،يتحدث نعوم تشومسكي عن : “القوة و الأهمية …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    عزيزي استاذ غانم المحترم
    اشكرك لهذه المقالات التوثيقية المهمة، وادعو بالرحمة لاستاذنا انور عبد العزيز. لكني أحب ان أشير الى ان محمود سعيد ومحمود سعيد السنبسي هما شخص واحد، وتخلصت من اللقب، بعد نشر عمل واحد فقط به في الخمسينات.
    شكرا مرة اخرى.
    دمت
    محمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *