الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (ملف/28)

ثامناً ـــ شهادات الأصدقاء (القسم الثاني) 
الأستاذ الدكتور أحمد كروم
اللساني الأديب الدكتور أحمد كروم رئيس شعبة اللغة العربية في جامعة ابن زهر في أغادير، من علماء سوس البارزين في المغرب الأقصى ومن رواد النقد الحجاجي. كان يحرص على دعوة القاسمي للالتقاء بطلابه بين آونة وأخرى. وعند صدور رواية صديقه القاسمي “مرافئ الحب السبعة” احتفى بها بدراسة نقدية متميزة اختتمها بما يلي:
“لقد أفصحت رواية “مرافئ الحب السبعة” عن نمط متميز لاغتراب الذات العربية؛ بحيث جسدت بدقة عالية صورا للصراع بين الذات والموضوع الذي تكابده في مسارها الواقعي. فجاء التعبير الدلالي ليصور مرافئ الرواية التي عاش الكاتب أطوارها في صورة جدلية تعبر عن الاضطراب في التوفيق بين مطالب الذات وحاجاتها ورغباتها من ناحية، وبين الواقع وأبعاده من ناحية أخرى.
فجاء النمط السردي الجماعي ضربا من الابتكار الفني الذي يجد فيه القارئ نفسه كغريب يعيش ما يعيشه الشخص المغترب الذي فقد اتصاله بنفسه وبالآخرين. وهي خبرة فنية اكتسبها الأديب علي القاسمي نتيجة المواقف التي كان يعيشها مع نفسه ومع الآخرين في الأقطار العربية التي عرفت منذ مطلع الستينات أزمات نفسية واجتماعية ينعدم فيها التواصل والاستقرار الاجتماعي. ومن ثم جسدت الرواية في جانبها الاجتماعي والتاريخي جوانب العزلة والتمرد والرفض والانسحاب والخضوع، والألم والحنين. . إلى درجة الشعور بأن الذات ليست واقعية، وأن طاقاتها وشعورها أصبحت بعيدة عن الواقع الاجتماعي الذي تعيش فيه.
لقد تناول الكاتب بمهارة فنية راقية الصور النفسية الدالة على بنية الحزن المرتبط بتغير حال المغترب، عبر سلسلة من الاستلزامات التي تؤدي لاحقا إلى الوحشة والحنين إلى الوطن. فقد بدأ الكاتب في وصف مغامراته بذكر صفات تبين ظروفه وما كان عليه في بلدته الآمنة بغداد ليشير إلى تحول الزمان به ليصبح بعد ذلك مغتربا، يصارع قساوة الحياة والظروف الصعبة في مرافئه السبعة، فلم يبق له صديق، ولا منزلة يعترف بها، كالذي تكدرت مشاربه وتغوّرت مساربه.
ومن مظاهر الإبداع الفني في رواية “مرافئ الحب السبعة” أن عملها تجاوز الحبكة والقوالب التقليدية، ليعتمد على الحياة الذهنية للشخصيات، في قالب سردي منضبط يخضع لتداخل الأزمنة وتشابكها. وكان الزمن بالنسبة للرواية ذا أهمية مزدوجة، فهو من ناحية ذو أهمية بالغة لعالمها الداخلي، حركة شخوصها وأحداثها، وأسلوب بنائها، ومن ناحية أخرى فإنه ذو أهمية بالغة بالنسبة لصمودها في الزمن بنوعيه الكرونولوجي والسيكولوجي؛ ليتوجّه بعد ذلك أسلوبها الحجاجي والإقناعي نحو التعبير عن رؤى فكرية وشعورية، جسدت قدرة فنية في صياغة قالب سردي يمتلك وحدة موضوعية وتسلسلا منطقيا متوازنا.

9
الأستاذ عبد القادر الجموسي
الدبلوماسي الشاعر الروائي المترجم الأستاذ عبد القادر الجموسي الناشط الثقافي في مدينته القنيطرة ورئيس إحدى جمعياتها الثقافية، كان كثيراً ما يدعو صديقه القاسمي للمشاركة بلقاءاتها الأدبية. كتب عن كتاب صديقه القاسمي “العراق في القلب” مقالاً مطولاً جداً وبعث به إلى صحيفة “العلم” التي تحرص على أن تكون المقالات قصيرة جداً، وعندما اطلع مدير الجريدة الأديب عبد الجبار السحيمي على المقال، أعجب به ونشره في صفحة كاملة من الجريدة، ونورد هنا خاتمته:
“وبنفس العمق والجرأة التنظيرية، ومن خلال عملية حفر منهجية في ذاتية الأديب العربي المعاصر وذاكرته وأدواته التعبيرية، من سيرة وسيرة ذاتية ورواية ويوميات، يذهب الدكتور علي القاسمي إلى الإعلان عن ميلاد جنس أدبي جديد اصطلح عليه بـ(سيرة الأدب) الذي يقترب من السيرة الذاتية ومن تاريخ الأدب في عدة جوانب، لكنه يختلف عنهما في العديد من الخصائص التي تجعل منه (نصا موازيا) ومستقلا عنهما. وبصدد هذا المولود الجديد، يقول الكاتب: “إن الاسم المناسب لهذا الجنس هو (سيرة الأدب) التي مازالت الحدود التي تفصل بينه وبين الأجناس الأدبية المجاورة كالسيرة والسيرة الذاتية وتاريخ الأدب، باهتة المعالم، ولكن خصائصه الجوهرية المتعلقة بالغرض والمنهجية والمضمون والأسلوب تختلف عن نظيرتها في الأجناس الأدبية الأخرى” (ص 283).
بهذه النبرة الاستشرافية، يختتم الدكتور علي القاسمي مؤلفه الجديد، ليفتتح أفقا جديدا وأرحب للبحث والتأمل في حضارة العراق بشكل خاص وفي واقع ومآل المدينة العربية بوجه عام، لا يحدوه في ذلك سوى إيمان راسخ بقوة الإبداع التحويلية، وقدرة المثقف المبدع على صوغ معالم جديدة لعالم عربي جديد”.

10
الناقد الدكتور الحسن الغشتول
“. . . إن لغة علي القاسمي ذات سحر وطلاوة . . تخالها سهلة ميسرة، فتمتطي بها خيالا يقذفك بعيدا. تفاجئك بأسرارها وأسوارها التي تحيط بصاحبها الذي تأنسه ويأنسك حديثه الغامر في الحب والسكينة، والمغرق في لذة الاعتراف والتواضع.
تصدر الكلمات عن طبع متأصل وشخصية موهوبة تقدر للمقامات قدرها دون اعتساف أو تكلف، فتتأتى الفضيلة غير جائرة على طريقة بناء الأحداث وفقا لمقتضيات الحبكة التي يرتضيها الكاتب . . . ”

11
عبد الرحمن مجيد الربيعي
الروائي العراقي الكبير، الأستاذ عبد الرحمن مجيد الربيعي، نزيل تونس، تربطه بالقاسمي صداقة قديمة. وينزل الأستاذ الربيعي في دار القاسمي، أثناء زياراته المتعددة للمغرب في المناسبات الثقافية والأدبية وأثناء العطل. وقد كتب كل منهما عن كثير من أعمال الآخر. وورد في مقال للأستاذ الربيعي عن مجموعة القاسمي “حياة سابقة ” ما يلي:
“. . . وإذا ما عدنا إلى تاريخ صدور مجاميعه القصصية، سنرى أنها انطلقت في السنوات الأخيرة، ومن بدايات الألفية الثالثة تحديداً، بين 2003ـ 2008. ومن هنا يمكن القول إنه أنتج في فترة قصيرة من عمر الزمن ما لم ينتجه آخرون من الذين اقترنت أسماؤهم بكتابة القصة القصيرة في العراق واعتُبروا من روادها الأُول، أمثال عبد الملك نوري وغائب طعمة فرمان وغيرهما.
ما الذي يشغل القاسمي ويجده في كتابة القصة القصيرة ولا يجده في أجناس أدبية أخرى مارسها وكان حضوره الأدبي والعلمي فيها لافتاً؟
أقول هنا، وكما بدا لي، إنه يحبّ القصة ويقرأها ويتابعها، ولذا كتب عنها مبكّراً، لا بل أفلح في وقت مبكر جداً في قراءة القصة في بلده، وتوقَّف بانتباه عند أسمائها. وكان هذا عام 1973 عندما نشر دراسة في مجلة “المثقف العربي” العراقية عن هذه القصة التي سيضمها بعد سنوات، وكما كتبها وقتذاك، إلى كتابه “العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق” (بيروت) 2004.
وكنتُ قد ذكرتُ في القراءات التي كتبتها عن معظم مؤلفاته في القصة القصيرة، إضافةً إلى قصته الطويلة للأطفال “عصفورة الأمير: قصة عاطفية من طيّ النسيان، للأذكياء من الفتيات والفتيان” (بيروت) 2005، أن القاسمي لا ينطلق من موقف يريد إبلاغه عن طريق هذه القصص، بل من مفهوم تشاركه فيه النسبة الأكبر من القصاصين، وهو كيف يروي حكاية، كيف يوصلها؛ ولا ينشد من وراء هذا إلا جمالية النصّ وطرافة الحكاية، بعيداً عن العبرة أو الحكمة أو النصيحة التي اعتاد كثير من الكتاب أن ينهوا بها قصصهم.
ويبدو لي أن القاسمي الذي اكتسب خبرة في الحديث وفنون الحكي من خلال مساهماته في عشرات الندوات العربية والعالمية وممارسته التدريس في الجامعات العريقة، قد وظَّف هذه الخبرة في رواية قصصه على الورق. أقول (رواية)، لأن روح المتحدِّث النابه تسكن هذه القصص من الكلمة الأولى حتى الخاتمة.
هو يحكي بمهارة في الحياة بحيث يجعل سامعه يصغي إليه. وقد نقل هذه المهارة إلى الورق، لذا فإن من عرفه شخصياً، يحسّ وكأن صوته يرافق حكاياته المكتوبة على الورق.
كما أن القاسمي، وبعد كتابة هذا الكم من القصص (أكثر من سبعين قصة)، أصبح ملمّاً بتقنية هذه القصة. وبدأ يفكّر في الإضافة وتجاوُز ما سبق له أن كتبه في كل عمل جديد له. . . ”

12
الشاعرة الأستاذة نجاة الزباير
“علي القاسمي؛ هذا الكاتب المسكون بأسرار اللغة، المخاصر لأساطيرها، والراقص فوق عتباتها برشاقة تغري بالكثير من التعمق في معالمها.
نعم؛ هذا الحامل لأسفار الحرف من بلاد الرافدين، والذي صنف من خلاله كونه. فهو الناقد واللغوي والروائي؛ الذي أثرى الساحة الثقافية العربية، بالكثير من المؤلفات الباذخة.
سنقف عند بعض سمات الغربة والعشق، من خلال روايته التي صدرت عن المركز الثقافي العربي في طبعتها الأولى 2012.
ما أحلى البدايات؛ حين تمطر حسا فنيا عاليا كما قام بذلك الروائي الكبير علي القاسمي، وهو يضع أولى خطوات ركبنا أمام دياره الروائية، لنشرب قهوة أحداثها. . . ”
(من مقال مطول لها عن رواية “مرافئ الحب السبعة”)

13
الدكتور عبد الرحمن السليمان
أستاذ ورئيس قسم بجامعة لوفان – بلجيكا

تعرفت على صديقي العالم الجليل الدكتور علي القاسمي مرتين: مرةً عندما كنت أبحث عن كتاب في اللغة العربية حول المعجم وصناعته، ومرةً عندما شرفتُ بلقائه في داره العامرة في الرباط صيف 2015.
عندما كنت أبحث قبل ربع قرن من الآن – وبالتحديد سنة 1990 – عن عمل مرجعي في صناعة المعجم، اهتديت إلى كتاب بعنوان: (علم اللغة وصناعة المعجم. تأليف الدكتور علي القاسمي. مطبوعات جامعة الرياض، رقم 19. 1395 ه. – 1975 م. ). كان ذلك الكتاب، الذي يقع في 278 صفحة، أول كتاب أقرؤه في موضوع المعجمية التي كنت أحاول التعمق فيها آنذاك، لأني كنت أبحث عن تأطير نظري لأبحاثي اللاحقة في المصطلح وعلم اللغة المقارن والتأثيل. فألفيتني وقعت على كنز علمي ثمين اهتديت من خلاله إلى شخصية كاتبه العلمية، وإلى أعماله اللغوية والأدبية اللاحقة، خصوصاً في مجال المصطلح والمعجم التاريخي للغة العربية.
ليس سهلاً أن تكتب كلمةً – بمثابة الشهادة – بحق عالم كبير وجليل، وإنتاجه العلمي. وأصعب ما في ذلك الإحساسُ بالعجز والتقصير في إيفاء عالم بحجم الدكتور علي القاسمي حقه من القول في صفحات قليلة كما يريد صاحب هذه المبادرة الكريمة. لذلك أجدني مضطراً إلى قصر الحديث على أهمية إسهام الدكتور علي القاسمي في مجالين رئيسين فقط: علم المصطلح والمعجم التاريخي للغة العربية.
على الرغم من سبق العرب في صناعة المعاجم العامة والمتخصصة، فإن العالم العربي اليوم يواجه مشاكل مصطلحية كثيرة غالبًا ما يعزوها الباحثون إلى قلة التنسيق بين الدول العربية من جهة، وإلى عدم وجود مؤسسات تَقْيِيس ومَعْيَرَة عند العرب من جهة أخرى. نتج عن هذه الحالة أن أصبح المصطلح العربي يعاني من عدة مشاكل عويصة من أهمها: (أ) استعمال أكثر من مصطلح عربي واحد مقابل مفهوم مصطلح أجنبي واحد؛ (ب) استعمال مصطلح عربي واحد مقابل مفاهيم أجنبية متعددة؛ (ج) الضبابية وعدم الدقة في التعبير. وعلى الرغم من جهود مكتب تنسيق التعريب في الرباط الذي شَرُفَ بانضمام الدكتور علي القاسمي له برهةً من الزمن، وكذلك جهود بعض المجامع اللغوية والجمعيات الرقمية، فإن غياب مؤسسة تنظم عملية إدخال ما يقدمه مكتب تنسيق التعريب ومجامع اللغة في الاستعمال اللغوي، يشكل تحدياً كبيراً أمام اللغة واللغويين بشكل عام، والمعجميين والمصطلحيين بشكل خاص، مما يجعل مشاكل المصطلح العربي أكثرَ حدةً نتيجة لبطء المجامع اللغوية والتأخر في وضع المصطلح العربي من جهة، وعدم توظيف تكنولوجيا الترجمة وإدارة المصطلح من جهة أخرى. فجاءت دراسات الدكتور علي القاسمي في المصطلح بمثابة الإطار النظري والمعرفي لحل مشاكل المصطلح العربي من الأساس، وليس مجرد احتواء لنتائجها بطريقة آنية كما تفعل أكثر المؤسسات العربية. وجاء سِفره الكبير: (علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008)، الذي يقع في 821 صفحة من الحجم الكبير، بمثابة الرؤية الشاملة، بلهُ الجامعة المانعة، لمشاكل المصطلح العربي، وذلكم على مستوى (1) التنظير المعرفي للمصطلح، و(2) آلية وضع المصطلح، (3) إدارة المصطلح تنظيمه، و(4) تَقْيِيس المصطلح ومَعْيَرَة استعماله و(5) تمكين الباحثين والمترجمين من مفاتيح ذلك كله. لقد أودع الدكتور علي القاسمي في هذا السفر خلاصة علمه النظري الغزير، وزبدة تجربته العملية الغنية، فكان هذا السفر بحقٍ أهم مرجع لعلم المصطلح في اللغة العربية.
لا تزال اللغة العربية تفتقر إلى معجم تاريخي تأثيلي يؤرخ لألفاظها ويضبط التطور الدلالي للمدلولات والمفاهيم عبر الزمن، ويجرد القوانين الصوتية التي تتحكم بالتطورات الصوتية والصرفية والدلالية ويفسرها ثم يعالج أصولها معالجة تأثيلية فيبين ما تشترك العربية فيه مع أخواتها من اللغات الجزيرية، وما تنفرد به وحدها من الألفاظ التي طورتها بمعزل عن التراث اللغوي الجزيري المشترك، وما اشتقته من جذورها خلال مراحل تطورها الكثيرة، وما استعارته من لغات أخرى وطوعته لينسجم مع أوزانها وأبنيتها مثل /أُسْقُف/ (= المعرب عن اليوناني έπίσκοπος/episkopos)، أو لم تطوعه تاركة إياه على حاله مثل /تلفزيون/ (= الدخيل)، وما دخلها من تعابير اصطلاحية تغلغلت في تراكيبها من خلال الترجمة العشوائية ولغة الصحافة الأجنبية وغيرهما من قنوات الاتصال الحديثة بالغرب. إن خلو المكتبة العربية من معجم تاريخي تأثيلي كهذا ثغرة ٌكبيرة في الثقافة العربية خصوصاً وأن علم صناعة المعجم علم عربي أصيل وضعه العرب منذ أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي وطوروه فيما بعد تطويراً كبيراً، فسبقوا بوضعه وتطويره سائر الأمم التي أخذت عنهم هذا العلم الذي لم يتجاوزهم فيه أحد حتى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما بدأ الأوربيون، متأثرين بعلم صناعة المعجم العربي، ينسجون على منوال المعاجم العربية ويضعون معاجم للغاتهم بلغت في جودتها الغاية. فكانت محاولات متعددة لسد هذه الثغرة الكبيرة في الثقافة العربية، والحد من أثرها على مستقبل اللغة العربية وأمنها الاستراتيجي إن صح التعبير، ذلك أن مَن ليس له أَصلٌ يرجع إليه، ليس له مستقبل يحضنُه ويأويه! استشعر العرب بعد لَأْيٍ هذه الحقيقة، وبدت من بعض ولاة أمورهم في العصر الحديث نخوةٌ لتمويل وضع معجم تاريخي للغة العربية، فكانت مبادرتان جديرتان بالذكر والتأمل: مبادرة الدوحة التي تحمل الاسم التالي: (مؤسسة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية: مؤسسة لغوية علمية ذات شخصية اعتبارية، تابعة لمعهد الدوحة للدراسات العليا، قطر) والتي تمولها دولة قطر؛ومبادرة (هيئةَ المعجم التاريخي للغة العربية) التي أنشأها اتحادُ المجامع العلمية واللغوية من أجل إعداد المعجم التاريخي للغة العربية، والتي يمولها حاكم الشارقة الدكتور الشيخ سلطان القاسمي. فعهدت الهيئة إلى الدكتور علي القاسمي، وضعَ الخطة العلمية لتصنيف المعجم التاريخي المنشود، فوضع الدكتور علي القاسمي خطة شاملة اعتمدتها الهيئة بعد نقاش طويل لها ثم نشرت في كتاب يقع في 650 صفحة من الحجم الكبير، صدر بعنوان: (صناعة المعجم التاريخي للغة العربية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2014).
من الصعب الحديث عن خطة الدكتور علي القاسمي للمعجم التاريخي للغة العربية، التي أقرّها اتحاد المجامع اللغوية العربية –وناهيكم بذلك اعترافا بالمكانة العلمية العالية للدكتور علي القاسمي – وذلك دون مقارنته مع مبادرة الدوحة، ذلك أن هاتين المبادرتين المبادرتان الجديتان في سياق التأريخ للغة، أصواتاً وصرفاً ونحواً ومفرداتٍ كما يرى الدكتور علي القاسمي وكما نرى نحن، ذلك أن التأريخ لواحد من هذه المجالات (المفردات فقط)– أيدون التأريخ للتطور الصوتي والصرفي وتفسير حالات مثل (أير/هير؛ أراق/هراق؛ ألقى/سَلْقى؛ أَعْذَبَ/سَعْذَبَ) ومثل (إِلٌّ) وما أشبهها– تأريخٌ ناقص لا يفي بالغرض المتوخى من المعجم التاريخي. فاللغة أربعةُ مجالات ينبغي التأريخ لها جميعاً باتباع منهجية علمية متكاملة. من ثمة تركيز الدكتور علي القاسمي على ضرورة توفير عاملين أساسيين لظهور المعجم التاريخي – الذي يستحق هذا الاسم – في حضارتنا العربية، هما: الموقف الإيجابي من مسألة التطوّر اللغوي، والدراسات المنهجية في علم اللغة التاريخي. وهذان عاملان لم يتوفرا معاً بعد في مبادرة الدوحة التي تهدف إلى إصدار معجم تاريخي في ربع قرن من الزمن، مما يجعل اللغويين يتساءلون عن جدوى الحديث عن معجم تاريخي دون معالجة اللغة معالجة تاريخية شاملة بناء على المستويات اللغوية الأربعة: الأصوات والصرف والنحو والمفردات. وهذا ما يجعل مشروع الدوحة عرضةً للنقد لأنه يبدو على أنه معجم يُعَدُّ مثلما تُعَدُّ الوجبات السريعة! من ثمة أهمية خطة الدكتور علي القاسمي التي جاءت لتسد هذه الثغرة الثقافية الكبيرة ولوضع منهج شامل ودقيق للمعجم التاريخي للغة العربية يستغرق تأليفه “حوالي قرنٍ من الزمن” كما يقول الدكتور علي القاسمي، قوامها: (1) تقسيم تاريخ اللغة إلى مراحل، ثم (2) اختيار المصادر الأولية والثانوية التي تمثل جميع مراحل تاريخ اللغة، ثم (3) إنشاء مكتبة ورقية يرجع إليها المعجميون، (4) ثم تكوين مدونة نصية رقمية مزودة ببرامج تحليلية دلالية وصرفية ونحوية يرجع إليها الباحثون، ثم (5) اختيار مداخل المعجم الرئيسية والفرعية وترتيبها وفق نظام معين، ثم (6) كتابة موادها مدعومة بالشواهد والمعلومات المفيدة للقارئ، و(7) أخيراً كتابة مقدمة شاملة تتناول تاريخ اللغة العربية ومنهجية المعجم بالتفصيل. إنها الخطة العلمية التي تدرك أيضاً أن المعجم التاريخي غير ممكن بدون توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في تأليفه بشكل خاص، لأن ذلك التوظيف ليس فقط ضرورياً من أجل تفسير التطور اللغوي تفسيراً علمياً يشبع الفضول العلمي للباحث، ويقدم المعلومة المفيدة للقارئ؛ بل ضروري أيضاً في عملية تمكين المفردات العربية بتوثيق أصولها وفرعها ترسيخاً لها، وفي عملية استقراء المصطلح الأجنبي المعرَّب استقراءً صحيحًا واستجلاء مفاهيمه الأصلية استجلاءً واضحاً. ونحن نعتقد أن عدم توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في الدراسات المعجمية والمصطلحية يؤدي لا محالةً إلى الوقوع في الخطأ عند تعريب المصطلح الأجنبي، وفي سوء التقدير عند صياغته في العربية، وإلى فتح الباب على مصراعيه أمام محاولات تزوير الدلالات، وإثارة الشبهات اللغوية وعولمة اللسان العربي . . وهذه قضايا حاضرة بقوة في فكر العلامة الدكتور علي القاسمي، وفي مقاربته للعمل المعجمي العربي بشكل عام.
أما في المرة الثانية، فلقد اتصلت بالدكتور علي القاسمي بعدما عهدت إلي دارُ بنجامينز العالمية، وإلى أخي الدكتور أحمد الليثي، رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية، بالإشراف على المجلد الثالث من موسوعة المصطلح التي تصدرها دار بنجامينز، فكان موقف الدكتور علي القاسمي من المشروع موقف العالم الذي لا يضن بعلمه ونصحه وتوجيهه على أحد، وفاق تجاوبه مع المشروع وإسهامه فيه كل التوقعات، واكتشفت في أثناء ذلك التواصل أن الدكتور علي القاسمي وكاتب هذه السطور مشرقيان (العراق وسورية) كُتِبَ لهما أن يكونا أيضاً جارَيْن في المغرب الذي يحبان، فكان لقاءٌ في داره العامرة في شاطئ الهرهورة في الرباط صيف 2015، وكانت زيارةٌ لداري المتواضعة في طنجة، وكان عند اللقاء شعورٌ بأني إنما ألتقي صديقاً أعرفه منذ ربع قرن، صديقاً أنا مَدينٌ له بالعلم منذ ربع قرن. وأما كرمُ الدكتور علي القاسمي مع ضيوفه، وأما الاهتمام الذي يبديه لهم وهم في ضيافته، وأما الجهد الذي يبذله كي يشعروا بأنهم في بيتهم، وأما الحديث الحلو الذي هو من القرى، فهذا – وإن كان ليس بغريب ولا بمستغرب من عربي أصيل كالدكتور علي القاسمي– فإنه من شمائل الدكتور علي القاسمي التي يزدان بها مثلما يزدان بالعلم والأدب والثقافة العالية. وهذه لعمري صفاتُ أهل العلم والجود والكرم، ممن يسيرون على الجادة التي سلكها الأجداد، من العلماء الأمجاد، فإنه يتبع سنتهم من حيث الوفاء للعلم، والعطاء لطلابه، والاقتداء بخلقهم في البحث عن الحكمة ضالة المؤمن.
14
الروائي محمد عزالدين التازي

“سجر الموضوع، وعمق الواقع، وشفافية اللغة، وبهاء التخييل، هي سمات عالم القاسمي القصصي، وكل ذلك يوهّج حواس القارئ بمتعة جميلة وتوتر حاد.”

15
الأستاذ عبد الكريم غلاب

الأستاذ عبد الكريم غلاب شيخ الأدباء المغاربة، والوزير، وأحد قادة حزب الاستقلال البارزين، ومدير جريدة العلم المغربية لعقود من السنين. يعدّه الدكتور القاسمي – كما أخبرني – من شيوخه لكثرة ما جالسه واستمع إليه وقرأ رواياته وكتبه في الأدب، والدراسات الإسلامية، والتاريخ، والرحلات، وغيرها، وكتب عن بعضها. فهو صديقه العزيز. ولهذا اقتصر القاسمي على نشر إنتاجه الفكري والأدبي في جريدة “العلم”ما دام الأستاذ غلاب مديرها.
كتب الأستاذ غلاب تقديماً لمجموعة القاسمي القصصية الأولى “رسالة إلى حبيبتي”جاء فيها:
“عرفتُ الأستاذ الدكتور علي القاسمي أستاذاً جامعياً وباحثاً في شؤون التربية وباحثاً متمكناً، وقارئاً نهماً في التراث العربي والدراسات الغربية وفي قضايا الفكر والمعرفة، ومتحدثاً لبقاً في التاريخ والأدب وسير الرجال وأحداث الحاضر الذي أخذ يصبح ماضياً، ثم وجدته فجأة يكتب القصة. لم تفاجئني هذه النقلة. فالفن القصصي يمتح من كل هذه المكونات للشخصية الكاتبة. ثم هو رجل لغة، يتقن الإنجليزية ويقرأ بنهمه في القراءة بهذه اللغة الغنية بالتراث المعرفي والتراث الأدبي الإبداعي، بمقدار ما يقرأ بالعربية. وإذا كان التمكن من اللغتين قد لا يحمل المثقف على أن يكون مبدعاً: شارعاً أو روائياً أو قصصياً، فإن المتمكن القارئ المنوع القراءة، تجتذب اللغة الفنية بمقدار ما تجتذبه اللغة العلمية. واللغة عاشقة معشوقة تحبب لكل ذي موهبة أن يعانقها وتعانقه. وأجمل مواقعها الفن الإبداعي. فيه تتحرر من قاموسية الكلمة المحنطة، وعلمية الجملة المحاصرة بالفكرة المعقلنة، ومحيط النظرية ضيق الرحب محدود الأفق، فيه القول يأخذ امتداده من اللغة، اللغات. واللغة موحية وليست فقط مؤشراً أو علامة أو وسيلة. وما كان كبار كتاب الرواية والقصر والشعر لأنهم فقط يملكون موهبة فنان، ولكن كذلك لأنهم قرّاؤون لتراث الفن الإبداعي، تداعبهم لغة الأداء الفني حتى تعشقهم ويعشقونها، فتأخذ بأيديهم إلى الفضاء الرحب، فضاء الرواية أو القصة أو الشعر. ثم إن الكاتب علي القاسمي جوّال آفاق. . . “

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (8)

طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم) شاكر مجيد سيفو تثير عنونة مجموعة (مواسم) للشاعر هشام القيسي …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (7)

طقوس هشام القيسي قراءة: أ. د . سنان عبد العزيز * بلغة رشيقة نثرية ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *