آباؤنا
نجاة نوري
ترجمة: كاوه حسن

آباؤنا
نجاة نوري
ترجمة: كاوه حسن

سمه البعض (أرشيف الحروب ) لأنه حفظ عن ظهر قلب الكثير من حروب العالم ألتي أندلعت‘ ففي دفتر ذكرياته دَوَن المعارك التي خاضها منذ طفولته الواحدة تلو الأخرى.
لقد أصبح رجلا من مخلفات تلك الحروب التي قضت على جميع أصدقائه في الحارة.
( ولادتنا هي حروب‘والموت حياة أخرى للحروب ) يسمع الناس منه مثل هذا الكلام‘
وكان يقول لأخيه ( لم نستطع في نعش هذه الحياة ‘أن نوهب لبعضنا لحظة حب‘هل تستطع ان ترد علي‘متى ننظف منازلنا من روائح الحروب) في كل الأوقات كان أخيه يتمعن ليعونه المجوفة ويعطف على جسده المنهك‘( في مقدمة كل الأخبار‘نستمع الى موت الناس‘ولكن ليس هناك من يدعو الى خطايانا ويكفر عن ذنوبنا من قتل بعضنا البعض).
خلال عشرة اعوام كان أسيرا‘عندما ارسله الى الخطوط الأمامية للحرب‘لم يكن يعرف شيئاً عن الخنادق والأسلحة ‘ففي ليلة من ليالي شهر تموزأُسر‘ومن تلك الليلة عرف الشيئ الكثير عن الحروب‘في السنة الأولى كتب واحدا وعشرون رسالة الى أختيه‘ داخل القاعات الباردة والرطبة من حياة الأسر في شرق البلاد‘ كتب كلمة كلمة عن حياته المريرة ‘ ( لو قرأ الرؤساء ذكريات أسرنا ‘ فلن يصدروا مرة أخرى أوامر القتال ) هذه الجملة كانت مدونة على غلاف دفتر ذكرياته.
حينما أطلق صراحه‘ تغيرت ملامح وجهه ونبرات صوته ،كأنه سلخ من جلده ومرتدينه جلد رجل عجوز،عند خروجه في الأسبوع الأول كان يختار أكثر الأوقات صمتا ،يقول لزوجته ( انني جثة هامدة بأمكانك تركي أو البقاء معي الى الأبد) حينما يسأله أخيه حول أخبار الأسر، كان يرد عليه ( لقد دفنت الإنسانية مع سقوط أولى الجثث في ميادين القتال ،الرجال في هذا البلد إما أن ينهوا حياتهم في ميادين القتال أو في الشوارع ) في أحدى زوايا حوش البيت كان يتمعن الى السماء المتربة ،لبضعة لحظات كان يتحدث عن ذلك الجنرال الجريح الذي لقي حتفه في الليل أثناء الأسر) إننا متسولين في ميادين القتال ومكافأة توسلاتنا هو تابوت لا غير، أسألوا الحرب ، متى نستطيع العودة الى فترة طفولتنا ، وأصبِح ذلك الطفل الذي كنت أبيع المثلجات، وأذهب الى وسط ميادين الملاعب مستصرخا ببيع المثلجات المغطى بالكاكاو، لا اريد أن اكبر مرة أخرى،لأن كبرنا كل لحظة من لحظاتها هي خسارة) في تلك القرية ألتي جعلت الحرب منها مقبرة، كان يتحدث عن أختيه ذات الملابس المهترئة،يتحدث عن الأسرى الذين ماتوا، وعن جسده المتعب حينما كانوا يعذبونه،وكان يتعرى أمام أختيه ليريهم أماكن الجروح ألتي كانت ظاهرة على الصدر والفخذ والظهر، أمتقعت وجوههم، وكان يلمس أماكن جرحه كطفلٍ عاري يتمعن ألى جسده ،(من يكافئني على العشر السنوات هذه،لا أحد..) كان يخاطب نفسه ( الحرب مقابل الجمال يجعل منا وحوشا أمام الناس، يجعل منا أكذوبة ) حينما أرتدى ملابسه لعشرات المرات، أومأ لزوجته وأضاف( تعالي لنفهم لماذا خلق الله الإنسان، وهل تفهمي لماذا أمطرت طيور أبابيل جيش أبو جهل بالحجارة، لماذا لا تأتي ألآن وتًرجم هذه الجيوش الشريرة، فمن حقنا أن لا نفهم الحاضر و الماضي، فحتى الطيور و الناس والأحلام قد تغيرت، إلى آواخر عمرك ومن خلال نعشك هذا، أحلمي بصعلوكِ مثلي، إحلمي بتلك الدنيا المعتمة ألتي جعلتك تمكثين خلال عشرة سنوات في أنتظاري) لو بحثت تحت فراشه و وسادته، لوجدت بعض الدفاتر الكبيرة، وألتي خصصها لتدوين ذكرياته، فالكثير منها مليئة بالكلمات… دوّن على أحداها، كيف أن الأسرى كانوا يمارسون اللواط مع بعضهم البعض، وعشقوا بعضهم الآخر، وكتب عن تلك الأيام كيف ان إثنين من أصدقائه المقربين قد ماتا بعد ثلاث سنوات من الأسر، وقد أطلق عليهم أسم ( الطيور المبللة ) حيث كتب (إلهي لا تغتفر لخطايانا إذا ما قُتلنا في الحرب ) وكتب عن الناس في الخنادق وأطلق عليهم أسم السحالي المتحاربة، ( في الخنادق ،نحارب كي نعيش ليومٍ آخر).
اعتلى بأقدامه على دفاتره صارخاً، وكانت أختيه تبكيان ( إبكين حتى تختنق كل الأصوات الشريرة وقوانين الحرب في دموعكن) وأراد أخيه أن يهدئه ، ولكن أجابه قائلاً ( يا أخي الحرب ستستمر بدماءنا نحو النهاية، علينا ألا نصمت حتى ننهي تارخ الحروب،تلك الأيام القاسية ألتي تفدي لحظاتنا لأشخاص آخرين، وتهدي سعادتناى ألى الرجال الخائبين ومثل البوم نضيع في الشوارع المقفرة، هذا هو قانون الحرب، لا يدعنا ان نعيش مثلما نرغب، رجاءً أبتعدوا عني حتى لا يصيبكم أنفاسي بالأنهاك، يا أختاي لم تستطعن بين أخوتكم أن تسردوا حكاية نضجكن) وأمام الصورة الكبيرة لرئيس البلاد يأتي بأختيه ويوقفهما متحدثا ( من منا هنا ليس متسولاً..والرئيس بشكل يومي يصلي على إنتصاراتنا، لأنه مكتئب لأنكسارنا،يا أختاي رئيس البلاد أرحمنا جميعاً )
عندما كانت أختيه تتوقفان عن الحديث،و يضيف قائلاً ( أيها الرئيس المحترم خلال يوم واحد أرجو أن تعلن التعازي الصغيرة كانت أم الكبيرة في جميع أنحاء البلاد، وأقرأ علينا جميعا دعاء رحيلنا)
وكانت زوجته كإمرأة تتارية منهمكة في التمشي، فقد أنذهلت خلال أحدى الليالي من تعري زوجها، تمعنت الى ( قضيب ) زوجها لم يكن موجوداً، وأدركت في تللك الليلة أن شظايا أحدى قنابل الحرب قد فصلت هذه القطعة عن جسده، وقال لها في تلك الليلة ( كنت جثة لقد بعثني الله كي أحيا مرة أخرى على الأرض ) ومن تلك الليلة كانت تشاهد زوجها مع إنهماكه في التدخين، يسير من حارة الى حارة، مناديا أمه، ويخبر الناس عن وصول أبيه.
يمر على الباعة والمحلات والسواق، يسرد عليهم أيام الحرب، مع كل حكاية كان يوقد سجارة،في تلك الأيام كانت جيوبه ممتلئة بالسجائر.
وبمحاذاة الجدران كان يبحث عن ذكريات طفولته ويسأل الناس ( إذا رأيتم جنرالاً في هذه المدينة، أبعثهُ ألي، وإذا جاء الليل أعطهُ قنديلا لأنه لديه رسائل كل القتلى، وإذا ما رأيتموه لا تدعونه يموت ) حينما كان يعود الى المنزل هكذا كان يتحدث مع أخيه ( يا أخي انت لا تعرف أمك، فرأسك يشبه شخصاً ورجلك يشبه أثنين آخرًيين، عيناك ورقبتك النحيفة يشبه واحدا آخر، فخلال تسعة شهور وتسعة أيام رأيت الكثير من وجوه الرجال، حتى وصولك الى هذه الدنيا كان الرجال يتحرشون بأمك كي يضاجعونها المرة تلو الأخرى، يا لعجب هؤلاء الرجال دون أن يتخوفوا من طفولتك، كانوا يأتون إلى فراش أمك، كم كنت أتألم من تلك الأيام، الرجال كانوا يمسحون منيّهم على الغرف وأرجاء الصالة، ويتغنون بفحولتهم، تعال يا أخي لنفهم من هو أبينا، فآباؤنا كثيرون، واحداً منهم يملئ غرفنا بالمني، والآخر يعد الجثث في الخنادق، يا أخي آباؤنا كثيرون، دعك من هؤلاء الآباء، سوف نموت ذات أمسية والكلاب تنبح في الدروب، فهذه الآماسي يتقزز الآباء من جثث أبنائهم)
حينما يقف وسط الحوش مع انهماكه في التدخين، يتحدث مع أختيه بكل غرابة، يترجى منهن كي يرجموه بالحجارة ويحرقونه، وفي الليالي وحتى بزوغ الشمس وكأنه يحرس البيت، لم يكن ينام، كان يتمشى في الحوش، وفي الليل يذهب ألى أخيه ويتكلم معه حتى ينهك قواه،( يا أخي هل تحفظ تلك الأناشيد ألتي تعلمناها وسط القمامة،هل تتذكر تلك الأدعية ألتي كنا نتلوها أثناء بيع الصمون حول الجثث المرمية، والتي كانت تفوح منها رائحة، كرائحة قلادة أمي القرنفلية، كم كنا نشفق على تلك الجثث، التي لم نكن نعرف ألى من تعود، وهل تتذكر تلك الأغاني ألتي كنت ترددها على الرجال المسنين، سوف يقتلونك يا أخي،لذا لا تفشي عدد الجثث المرمية، كل من لديه ذكريات عن الحرب سوف يقتلونه، اياك أن تعطي أعداد الجثث ألى الصحف لأن المدن والشوارع والدروب عبارة عن مستشفى للمجانين، لن ننهي عمرنا فيه، لقد ورثنا من أجدادنا داراً للمجانين، يا أخي كيف نقضي ليالينا في هذا الدار. كان هناك أحد الأسرى يبكي بأستمرار، فأطلقوا عليه أسم الطفل الباكي، وكان هناك رجلُ آخر لا يقوم من فراشه إلا أثناء تناول الطعام،الأول عن طريق بكائه أراد أن يقول لنا بأن الحرب قد قتل كل أمانينا، وكان الثاني يقول نفس الشيئ ولكن بشكل صامت، لقد تركونا في فضاء من العفونة، لا هم يقتلوننا ولا هم يحيوننا، أخي أخرج من تلك الأغطية القذرة، تعال لنبحث في الحارة عن غاسل الأموات، فهو الوحيد الذي يستطيع يغسلنا جيدا من البركة التي يشرب منها الكلاب، فهو يستطيع أن يكشف عن خطايانا للناس، بمقدوره أن لا يغسلنا، بل يتمّمنا بالتراب الأحمر من التعاسة والبؤس، يا أخي من نكون نحن، غاسل الأموات هو وحده الذي يعرفنا، بأستطاعته في كل الأوقات أن ينقذنا من هذه العفونة، أيدينا ليست لنا، نقتل بها الرجال…ونوّقع على كل الحروب، نحن لسنا أصحاب تلك الأيادي، فبهذه الأيادي ومنذ الطفولة يختارون لنا أماكن قبورنا،تكلم بسرعة وأعطني أسم الأرض ألتي أرمي فيها جثتك، يا للعجب تحملنا حتى الأن كل هذه المآسي، لا ماضينا نستطيع أن نتخلى عنه ولا نستطيع أرضاء آباؤنا الأشرار، كم صعب أن نبحث عن مثل هذه الأشياء، يا اخي منذ أن سلب الحرب هويتنا، فلا أحد يرف منا الآخر)
بعد عدة أسابيع كان الناس يشاهدون رجلا في الشارع، منهك ووسخ، حاملا على كتفه بأستمرار حقيبة مليئة بالأوراق، وكان يتحدث للناس ( مصيركم جميعا في هذه الحقيبة، سوف أحرقها غدا )
وفي الليل كان ينام تحت جدران الشوارع ……

المصدر: أغاني بائع السمك وقصص أخرى
للقاص نجاة نوري أصدار 2006 السليمانية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : عيدُ السماوةِ ، أصيل هميّم ، وخمسُ نساء ..

أحلى شي بالدنيا صدفة / نظرة تملي إحساسي لهفة كلمة حلوة بصوت دافي / من …

| رواء الجصاني :الجواهـــري في البصرة، ومع اهلها ومثقفيها .

    خلال مراجعة موضوع توثيقي نشرته مؤخرا، موسوم “مع الجواهري في حواضر ومدن العراق” فاضت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *