ألمقالات الصحفية (18) ألحق في السَكَن منتصف عام 2000
د. زكي الجابر
إعداد د. حياة جاسم محمد (ملف/65)

إشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . وماتزال الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها.
ألمقالات الصحفية (18)
ألحق في السَكَن منتصف عام 2000
د. زكي الجابر
إعداد د. حياة جاسم محمد
خَفِّفِ الوَطْءَ، هكذا أوصانا شاعر الإنسانية والمروءة والفكر، المَعَرّي، فما أَديمُ هذه الأرض إلا من هذه الأجساد، وقبيح بنا، وإن قَدُمَ العهدُ، أن نُهينَ آباءَنا وأجدادَنا. ولم يَدُر في خَلَدِه في حينه أن يُوصينا بأن نتجنّبَ سُكنَى المقابر وأن نَتركَ أولئك النائمين لوحدتهم يرقدون رقدة الأدب. لقد كُتِبَ عليكَ وعَلَيَّ أن نُشاهدَ أكثر من فيلم يَعرِضُ عَيْشَ الذين اتخذوا من المقابر دُوراً يدلِفون إليها، يَتَساكنون، يفرحون ويحزنون، يتزوجون ويتناسلون، ومن بعد ذلك يموتون، وإلى تُربتِها يستسلمون. ولَرُبَّما يقول ساخر من الساخرين أن السَكَن في المقابر يماثل قضاء الليالي في فنادق ذاتِ خَمْسِ نُجومٍ إذا ما قارنتَ الأمرَ بالسَكَن في مجاري المياه الفارغة وأكواخ القصب المهتَزَّة التي لا تَقي من قَرٍّ ولا حَرٍّ وبيوتِ الصفيحِ المتناثرة على أطراف الحَواضِرِ وهوامشها، تَتَعايشُ فيها الجريمة وينتشر المخدِّر ويتناقل المرض. وفي كل تلك الأنماط من السَكَن إهانةٌ لكرامة الإنسان وإساءةٌ لِقِيَمِه، وتَحَدٍّ لكل المنظمات والمؤسسات المَعنيَّة بكرامة البشر، ونِداءٌ يحثُّها على مواصلة السعي من أجل أن يعيش الناس، كلُّ الناس، تحت مظلات مساكن لائقةٍ.
ألحق في السَكَن المناسب حقٌّ إنسانيٌّ نصَّتْ عليه الفقرة الخامسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالقول بأن لكل فردٍ الحَقَّ في مستوىً من العيش مناسبٍ للصحة، صحتِّه وصحة أسرتِه، وهذا الحقُّ يتضمن الطعام والملبس والسَكَن والعنايةَ الطبِّيَّة والخدماتِ الاجتماعيةَ الضرورية. ولقد عبَّرت عن الحق في السكن والحقوق الاجتماعية الأخرى الدساتيرُ المختلفة في أرجاء العالم المختلفة، كما عبَّرت عنها المواثيق الدُوَلية مثل الميثاق العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لقد نصَّت الفقرة الحادية عشرة من هذا الميثاق على اعتراف الأطراف المُشاركةِ بحقِّ كل فرد في مستوىً ملائمٍ من العيش له ولأسرته يشتمل الطعام المناسب والملبس والسكن والتحَسُّنَ المتواصلَ في ظروف العيش. كما نص الميثاق على استمراريةِ الأطراف المُشاركةِ في اتخاذ الخطوات الكفيلة بالوصول إلى تلك الحقوق.
ولا أرى ثَمَّةَ اختلافاً بيني وبينكَ في أن الالتزاماتِ الدوليةَ تتطلب من الدول تَهْيِئَةَ التشريعاتِ من أجل حماية تلك الحقوق في ضوءٍ من اقتناعٍ حرٍّ بها، كَما أظنكَ تتفقُ معي على ضرورة التزام الدول ومنظمات المجتمع المدني بتطبيق تلك التشريعات انطلاقاً من اعتبار الوفاء باحتياجات السكن عهداً وطنياً والتزاماً إنسانياً. وهناك تَبريرٌ مقبولٌ عالَمياً لأهمِّيَّةِ مشاركة الدول في قَطّاع الإسكان يقوم على شِقَّين: ضرورةِ السكن المناسب للفرد، ودور قَطّاع الإسكان في التطور الاقتصادي الشامل للبلاد. وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يشير إلى اعتبار الإنفاق الإسكانيِّ أكثرَ نفعاً، بشكل عام، من الإنفاق في مجالات كثيرة من المُنتَجات. لقد تبنّت الأمم المتحدة استراتيجيةً دوليةً للإيواء لعام 2000، وفيها تأكيد على أهميَّة اتخاذِ الخطواتِ المناسبةِ لوضع حقِّ الإيواء والسكن موضعَ التنفيذ. وإذا كنتَ متفقاً معي على اعتبار ذلك التزاماً من التزاماتِ الدولةِ فلعلك تتفقُ معي أيضاً على اختلاف الدُوَلِ في اتخاذ طُرُق متباينة لتطبيق ذلك الالتزام.
منذ قديم الزمنِ حرص الإنسان على أن يكون له مأوىً حتى ولو كان في كهف أو جبل، ذلك لأن في المأوى وقايةً من عَوادي الفناء وتمكيناً من استثمار الأرض. وإذا ما كان للإسكان دورُه في التقدم الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ والحضاريِّ لكل المواطنين فإن الحاجة تبدو حادّةً وماسَّةً إلى توفير السكن للفئات المحرومة وأصحاب الدخل المحدود. ومن أجل ذلك يقتضي أن تكون سياسة الإسكان فعّالة من حيثُ شُموليَّتُها وتَكامُلُها في السياسة الاقتصادية العامة، وبذلك يُساهم الإسكان في الازدهارِ الاقتصادي والرفعِ من مستوى عيش المواطنين، وكثيراً ما لجأت الدولُ في مواسمِ الركودِ الاقتصاديِّ إلى ابتكار المشاريع لإنعاش قَطّاع البناء.
ولقد احتلَّتْ قضيةُ السكن جانباً من مناقشات المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (القاهرة 1994)، فقد حدَّد تقرير هذا المؤتمر صفةَ الاختلالِ بأنه اختلالٌ في أنماط التوزيعِ السُكَّاني وبالأخَصِّ في البلدان النامية، وأشار إلى السرعة في نُمُوِّ المناطق الحضرية في تلك البلدانِ من خلال الانتقال من مجتمعاتٍ ريفيةٍ قَروِّيةٍ إلى مجتمعاتٍ حَضَريّةٍ، إِذْ أنّ الإجحاف في تخصيص موارد التنمية يشكل عاملاً ضاغطاً للهجرة إلى الحواضر التماساً لفرص جديدة قد تُوفِّرها المدن. ولقد أوصى التقريرُ ذاتُه بأن تقوم الحكومات الراغبة في مقاومة الهجرة إلى خارج الأرياف بتهيئة الظروف التنمويَّة في البوادي والقرى وحماية أراضي القاطنين ومجتمعاتِهم المحلية، كما أوصى بتخفيف محنة فقراء الحَضَر من خلال تيسير إِدماجهم في المناطق الحضرية وتحسين مهاراتهم على كسب الدخل، ولم يُغْفِل التقرير الحقَّ في معالجة أسباب التشرُّد الداخلي وتوفير الحماية للمُشَّردين ولا سيما الأطفال والنساء والشيوخ.
وإذا كان من باب الضرورة تقديمُ مقترحٍ شامل لمعالجة قضية الإسكان فليكن ذلك بالاستعانة بما ورد في (دليل سياسة الإسكان: تجربة اللجنة الاقتصادية لأوروبا). لقد ذهب هذا الدليل إلى تَبيانِ أهميّةِ اتخاذ المبادرات لبناء الدُور الجديدة والتجديد وإعادة بناء الدُور القديمة والتنبُّؤ بحاجات الساكِنَةِ ومطالبها والتخطيط لاستعمال الأرض وتطويرِها، ويأتي كُلُّ ذلك متحالفاً مع التخطيط وصناعة البناء والتأجير ومراقبة خصائص المساكن وأسعارها. ومن الواضح تجاوُزُ السكن البُعدَ الديموغرافيَّ والعلاقاتِ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ إلى أبعاد شاملة من بينها الصحّةُ العامةُ والنقلُ وظروفُ العملِ والتعليمُ وشيوعُ الطُمأنينة والأمنْ.
هل يبدو لكَ إنشاءُ المساكن الشعبية البسيطة غير المكَلِّفَة أمراً تعجز عنه قدرات الدول وإمكانات المنظمات الإنسانية؟ لا أظنُّ ذلك! إنه أمر يجب أن يُعطَى الأفضلية وأن يتصدَّر قائمةَ اهتماماتِ أهل الحل والعَقْدِ والمَشُورة والمُروءة.
وهل يبدو لكَ أمراً يصلُ إلى حدِّ القُبْح أن تَعرِضَ الأفلامُ والمسلسلاتُ التلفزيةُ ما في سَكَن الأكواخ ومجاري المياه والمقابر من إساءةٍ إلى كرامة الإنسان في حياته ومَمَاته، وأن يكونَ في هذا العَرْض ما يُثير الضَحِك من أجل الضَحِك، ويَسْتَجلِب المِتعَة الرخيصة على حساب البَلوَى العظيمة؟ أليس من الأجدَى أن يتحالفَ مع كلِّ ذلك إعلامٌ ينشر التَوْعِيَة بإشكالِيَّة الإسكان وما لها من تَماسٍّ بكرامة الإنسان، هذه الإشكالِيَّة وتلك الكرامة يَحسُنُ أن تنالا النصيبَ الأوفَرَ من العَرضِ والنقاش وإشاعة الإحساس بالمسؤولية.
وإذا كنّا تلك الأُمَّةَ التي يُوصي شاعُرها بتخفيف الوَطْءِ على أديم الأرض وتَجَنُّب سَيْرِ الخُيَلاء على رُفات العباد فَلْنَكُنْ تلك الأمَّةَ التي تُطبِّق الحقَّ في السكن، وتتخذ الخُطُواتِ لتجعلَ عام 2000 عاماً للإيواء والإسكان تَجاوُباً مع استراتيجية المنظمة الدولية. ولعلنا ننسَى أو نتناسَى مقولة ذلك الشاعر البائس:
فمنزلي اليَبابُ وسقفُ بيتي         سماءُ اللهِ أو قِطَعُ السَحابِ(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيت للشاعـر ’’أبو الشَمَقْمَقْ‘‘، مروان بن محمد (112-200 هــ)، شاعر هَجّاء بُخارِيُّ الأصل، من موالي بني أُمَيَّة. لُقِّب ’’أبو الشَمَقْمَقْ‘‘ لِطُولِه. (ويكيپيديا)

نشرت في صحيفة العَلَم (المغرب) في 30-5-2000

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *