شكيب كاظم : جلال الخياط ومنجزه النقدي: منطق كالحرير، وأسلوب عذب نمير (ملف/6)

إشارة :
في عام 2005، رحل المربّي الناقد والباحث الاستاذ الدكتور جلال الخيّاط في لندن ودُفن في مقبرة غربيّها بعد رحلة حافلة بالعطاء الثر والمؤلفات الرشيقة الموجزة حجما والثقيلة تحليلا وتفرّدا وحداثة: المنفى والملكوت، الأصول االدرامية في الشعر العربي، المتنبي المثال والتحوّل، الشعر والزمن وغيرها. تستذكر أسرة موقع الناقد العراقي العلّأمة الخيّاط بهذا الملف وتدعو الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة :
جلال الخياط ومنجزه النقدي:
منطق كالحرير، وأسلوب عذب نمير
شكيب كاظم

أول ما تعرفت إليه، يوم نَعِمْنا بالتَلْمذَة على يديه، أستاذاً لمادة النقد الأدبي، كانت محاضرته مشوقة، أسلوبه في عَرض المادة ومناقشتها يأخذ بالألباب والعقول، كنا طلبة الصف الرابع في قسم اللغة العربية بكلية آداب المستنصرية بقسمها المسائي، في السنة الدراسية 1973 – 1974، ما فاه بكلمةٍ عامية طول تلك السنة الدراسية، يقدم لنا مادته النقدية بلغة فصيحة جميلة محببة، لا أرقى منها، وأنا هنا أستعير لغة الراحل الكبير مدني صالح، حتى مُلَحه وفكاهاته كان يقدمها بالفصيحة، وزادت معرفتي بمنجزه النقدي، يوم كان كتابه (الشعر العراقي الحديث. مرحلة وتطور) الذي هو أطروحته للدكتوراه، أحد الكتب المقررة، إلى جانب كتب أخرى منها للباحث المصري المعروف الدكتور شوقي ضيف، في مادة الأدب العربي الحديث للصف الخامس، وكانت دراسة البكالوريوس في تلك السنوات، خمس سنوات، هذا الكتاب الذي قرره علينا أستاذ المادة الدكتور رزوق فرج رزوق.
كتبت عنه حديثاً نقدياً نشرته جريدة (الراصد) الأسبوعية بعددها المرقم 312 الصادر في 8/من شهر شباط/1976، يوم كان يشرف على صفحتها الثقافية الأستاذ عادل العرداوي الذي كان له فضل الحدَب على كتاباتي. وبقيت أتابع منجز الأستاذ الدكتور الناقد جلال الخياط، فكتبت عن كتابه (المثال والتحول: آراء ودراسات في شعر المتنبي وحياته) حديثاً نقدياً نشرته جريدة (القادسية) يوم السبت 4/كانون الأول/1999 وأعدت نشره في كتابي (أحاديث تراثية. حين يكون التراث مرجعاً وملهماً) الذي نشرته دار الحقائق بمدينة حمص السورية عام 2008، كما كتبت حديثاً نقدياً عن كتابه الأروع، الذي يمثل خلاصة الفكر النقدي لأستاذي الخياط (المتاهات) نشرته في الملحق الثقافي الأسبوعي الذي تصدره جريدة (التآخي) كلّ يوم خميس الموسوم بـ(أبعاد ثقافية) يوم 19/من شباط/2009 – العدد5521 وأعدت نشره في كتابي (التماعات ورؤى. مثابات في الأدب والنقد) الذي تولت نشره دارا النايا ومحاكاة بدمشق سنة 2011، وما زلت أحتفظ بكل ما أصدر الدكتور جلال الخياط، عدا كتابه الأخير (جنون الشعر) الذي صدر عام 2009، بعد وفاته بأربع سنوات، احتوى على كتاباته اللندنية، التي أطلقت عليها الناقدة الباحثة الدكتورة بشرى موسى صالح تسمية (المرحلة اللندنية) التي امتدت نحو ست سنوات، كان خلالها يرفد جريدة (الشرق الأوسط) الصادرة بلندن بمقالاته الأدبية والنقدية أسبوعياً.
أما الناقدة الجادة الدكتورة بشرى، فتعود معرفتي الثقافية بها، يوم كنت أحضر الجلسات النقدية التي تعقد خلال أيام المربد، السنوية، وما زالت في الذاكرة دراستها الموسومة بـ(مكانة المتلقي في نقد القرن الرابع الهجري) التي ألقتها مساء الثلاثاء 29/ من تشرين الثاني/1997 بالجلسة الثانية من الحلقة الدراسية المعنونة بــ(الشعر والمناهج النقدية الحديثة) التي عقدت في قاعة قرطبة بفندق المنصور/ ميليا بمنطقة الصالحية من بغداد، لمناسبة مهرجان المربد الثالث عشر، فضلا على بحثها الموسوم بـ(خيوط الحس الشعرية – قراءة أسلوبية في شعر نزار قباني) الذي ألقته بالجلسة الثالثة من الحلقة الدراسية التي عقدت مساء الخميس 26/من تشرين الثاني 1998 والمعنونة بـ(نصف قرن من الشعر العربي الحديث : الشعر واللغة) لمناسبة المربد الرابع عشر وعلى قاعة قرطبة بفندق المنصور/ ميليا. وأدمت متابعتي لما تنشره الناقدة بشرى من دراسات ومقالات في الصحف والمجلات. لذا ما أن وجدت كتابها (المفكرة النقدية) في معرض الكتاب المقام على هامش مهرجان المربد للأيام 14 – 16/نيسان/2011 بالبصرة، حتى اقتنيته ومن قبل ذلك اقتنيت كتابها النقدي الجميل من المعرض الدائم لدار الشؤون الثقافية العامة ضحى الاثنين 7/ من شباط/2011، الموسوم بـ(منطق كالحرير: جلال الخياط ناقداً) الذي درست من خلاله الجهد النقدي الثر لأستاذنا الدكتور جلال الخياط، واقفة عند كلّ كتاب من كتبه النقدية، عند البدايات التي تمثلت بكتبه (الشعر العراقي الحديث) و(التكسب بالشعر) و(الشعر والزمن) و(المثال والتحول) وأسمتها الناقدة بـ(المرحلة الصادمة أو المتمردة) والمرحلة الثانية مرحلة النضج والثبات، التي يمثلها كتاباه (الأصول الدرامية في الشعر العربي) و(المنفى – الملكوت) ووسمتها الباحثة بشرى بـ المرحلة (القارة أو الهادئة) والثالثة المرحلة الاسترجاعية، التي تمثل استرجاعاً لما كتبه، أو سبق أن كتبه الناقد جلال الخياط، وأعاد نشره في جريدة (الشرق الأوسط) الصادرة في لندن، خلال سنواته الست الأخيرة التي أمضاها في لندن وحيداً، بعد أن ضربه المرض الوبيل بغدده، وبعد صراع طويل ضده، واستقرار وضعه الصحي كانت مقالاته الأدبية والنقدية تلك بدءاً بسنة 1999 تأريخ وصوله لندن تمثل استرجاعاً وإعادة كتابة لما سبق أن كتبه من آراء نقدية، نشرته مجلة (حراس الوطن) ببغداد بداية التسعينات، وانتهت هذه المرحلة الاسترجاعية أو الكتابة الاسترجاعية بموته في لندن عام 2005، ولقد علمتُ بوفاته –رحمه الله- من خلال دراسة قيمة نشرها زميلنا في الدراسة الجامعية، الشاعر والباحث الأكاديمي الدكتور على جعفر العلاق، بجريدة (المدى).
يعجبني كثيراً هذا الوفاء الجميل، فإذا كانت الباحثة الناقدة الدكتورة نادية غازي العزاوي، قد كتبت مقالات استذكار ووفاء لأستاذها وأستاذي الدكتور علي جواد الطاهر، فإنَّ الناقدة بشرى، سيراً على طريق الوفاء، خصت أستاذها وأستاذي الدكتور جلال الخياط، بكتاب معرفي نقدي جميل أصدرته دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة (وفاء) التي استحدثتها الدار إلى جانب سلاسل أخرى، أطلقت عليه عنواناً موحياً صادقاً، يعرف مدى صدقه كل من تَلْمَذَ على يدي الخياط، وسمع صوته الدافئ الخافت الهادئ الذي يدخل حنايا النفس والروح، منطق يحاكي الحرير رقةً وعذوبةً وفصاحة، وهجراً للعامي إنه (منطق كالحرير. جلال الخياط ناقداً).
إذا أردنا دراسة أسلوب ناقدنا الخياط، فسنجد أنَّ السمة الأكثر بروزاً فيه، سمة التكثيف إنه لا يكتب كلمة في غير موضعها، كل كتبه – عدا الشعر العراقي الحديث- لا تزيد على المئة إلا قليلاً، فهذا (التكسب بالشعر) دار الآداب- بيروت 1970 يقع في مئة واثنتي عشرة صفحة و(الشعر والزمن) طبعة وزارة الإعلام- بغداد – 1975، يحتوي على مئة وتسع عشرة صفحة، وثالث كتبه (المثال والتحول) الذي كتبه لمناسبة عقد مهرجان المتنبي في تشرين الأول عام 1977، فاشتمل على مئة وخمس صفحات وصدر سنة 1396-1976، و(الأصول الدرامية في الشعر العربي) الذي نشرته وزارة الإعلام- بغداد سنة 1982، فكان في مئة وخمس وثلاثين صفحة و(المنفى – الملكوت) الصادر ببغداد سنة 1989، فكانت صفحاته مئة وأربعاً وعشرين صفحة، وأخيراً أهم كتبه (المتاهات) واشتمل على عشر متاهات فإنّه جاء بمئة وخمس وثلاثين صفحة، حتى محاضراته التي ألقاها علينا، نحن طلبته، وما زلت أحتفظ بها على رغم السنوات الطويلة، كانت مركزة مكثفة هي الأخرى، كأنها خارجة من أنبيق مختبر، كتابته تأتي مصداقا لقوله، في تطابق رائع للمَخبَر مع المَظْهَر، فلكي تكتبوا – كما يقول ناقدنا الخياط – ما يستحق القراءة، فهذا يعني أن تحبوا ما تكتبونه قبل أن تكتبوه، فإنْ كان في الحياة ما يستحق الحياة، فينبغي أن يكون في الكتابة ما يستحق الكتابة.
لا أنْ تتحول الكتابة – لدى بعضهم – إلى لغو يشبه سحابة صيف، لا تمكث في عقل القارئ إلا قليلاً.
وإذا كان العديد من النقاد قد اهتموا بالنقد النظري أو التنظيري، فإنَّ ناقدنا جعل كلّ همّه النقد التطبيقي النصوصي، ويعده امتحاناً قاسياً للناقد وفضحاً لجهله إن وجد، عازياً النقد النظري إلى نوع من الابتعاد عن وجع الرأس وإيثار السلامة، رابطاً إياه بنشأة الجامعات واتساعها قائلاً: ((فمن أين يأتي من يريد أن يتدكتر بموضوع يحصل به على الشهادة؟ لا علم لي برسالة جامعية قامت على النقد التطبيقي، فالنظري أسلم وآمن وأسهل، وما أكثر موضوعاته، النقد التطبيقي امتحان قاس للناقد وفضح لجهله إن وجد)) ص43 .
ويوم ناقشت الناقد العراقي الكبير والباحث الرصين الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، عن آرائه التي نشرها في مجلة (دبي الثقافية) خريف عام 2010، بضرورة أنْ تكون لكل ناقد نظريته النقدية، وأن ليس هناك نقد عربي منذ القرن الرابع الهجري، فكأن آرائي تتناغم مع آرائه، وكأن ناقدنا الخياط، قد اجتاز حُجُب الزمن، فيدلي برأي مخالف لرأي الناقد لؤلؤة، فأنا إذْ اقرأ في الصفحة الحادية والأربعين من كتابنا موضوع بحثنا هذا، أجد رأياً جديراً بالاحترام، لأنه يأتلف مع وقائع الحياة فتكريساً لهذه النظرة لا يفترض ناقدنا أن تكون للناقد نظرية، ويجد في هذا (كلام ضخم) والنظرية (مصطلح كبير) وربما تكون للناقد نظرات أو آراء في قضايا معينة يمكن أنْ تجمع، وتجد صلة فيما بينها، وقد تخرج منها بنظرية لهذا الناقد أو ذاك. وحين يصرّ محاور الناقد في صفحة (آفاق) جريدة (الجمهورية) على أنْ يتحدث ناقدنا عن نظريته النقدية أو نظراته أو آرائه النقدية يجيب – هذا سؤال محرج، لأنه يقودني إلى الحديث عن نفسي، ولا أريد أنْ أفعل، وأصارحك أنني لم أكن في يوم ما أتساءل عن موقفي النقدي إزاء نص أو قضية ما وقد يتبلور ذاك لديّ دون أن أقصد، أي بصورة غير مباشرة، في أثناء الكتابة وطبقاً لطبيعة النص المنقود.
الباحثة الناقدة الجادة الدكتورة بشرى موسى صالح، قدمت لنا كتابها النقدي المفيد والممتع (منطق كالحرير: جلال الخياط ناقداً) قدمته بلغة مركزة مكثّفة، تحاكي لغة أستاذها وأستاذي الخياط، لكني وجدتها تكرر مقولاتها في مواضع عدة، مما تسرب إلى نفسي رأي مفاده أن الناقدة، كتبت بحثها هذا في أوقات متباعدة، فحصلت هذه الهنة الهينة، فهي تقول بشأن شعر البياتي، وبدأ التجريب الحقيقي عنده في (أقوال)، إحدى قصائد ديوان (كلمات لا تموت) الذي صدر عام 1960 أي بعد عشر سنوات من ظهور ديوانه الأول، بحضور شعري، وسياق لغوي، يختلف عما ألِفناه لديه فهذه قصيدة تخلصت من أيّ عائق لغوي يمكن أنْ يمسك بزمام المعنى، فيشدّ من وثاقه، ويحول دون انطلاقه، ومن أيّ منحى بلاغي مصطنع يميت في القصيدة حيويتها فالكلمات البسيطة يمكن أنْ تصير شعراً، لكن هذا الرأي النقدي لأستاذنا الخياط، ستعيده على الصفحتين 123-124 وسيتكرر ذلك في نهاية ص117 ومنتصف الصفحة 119 وبداية الصفحة 139 في مواضيع أخرى كما وجدتها تستخدم عبارة ((إن صح الوصف، أو إن صح التعبير)) وهذه صيغة فاشية في كتابات أستاذي الدكتور عناد غزوان –رحمه الله- وهذا غير مقبول، فإذا كنا، ونحن على ما نحن عليه من إمكانات، لا نعرف إنْ كان التعبير أو الوصف صحيحاً، فمن الذي يعرف؟!!
شاكراً في نهاية حديثي، الناقد والباحث والمترجم الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الذي تولى – كما تقول المؤلفة الدكتورة بشرى- جمع كتابات الخياط الأخيرة في مرحلته اللندنية، يوم غادر إليها عام 1999، ليتطبب ويقضي لبانة العمر وبقيته، وقدم لها ونشرها في كتاب أصدر عام 2006 بعد وفاته بسنة واحدة أسماه (الجنون بالشعر) ليحفظ هذه المقالات كلّها من عاديات الزمن الذي لا يرحم، مقالات تقف على الأعراف أسلوبياً مقارنة بكتابات الدكتور الطاهر، التي جمعت بين ثنائية طِباقية ضِدية: بين الصرامة الأكاديمية أحياناً، وانفلات الإنشاء في أحايين أخرى، فجاءت كتابات الخياط، وقفة على الحدود بينهما، أو الأعراف بينهما – كما تقول الناقدة بشرى – كتابات بين بين على لغة الدكتور طه حسين. مبرأة من الصرامة، ومنزهة عن انفلات القول والإنشاء.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *