العنف في الرواية النسوية العراقية للباحثة رغــد الحـلي
إستقراء : عبد الحسين خلف الدعمـي

العنف في الرواية النسوية العراقية للباحثة رغــد الحـلي
إستقراء : عبد الحسين خلف الدعمـي

بين الفينة والأخرى تتحفنا المكتبات الناطقة في الجامعات العراقية بشقيها العلمي والإنساني بكتاب معرفي جديد يفتح لنا آفاقاً ماكنا نتوصل إليها إلا من خلال إثرائها بالنقاش الذي تثيره متون الأطاريح وسطورها لدى المناقشين ، فالدراسات العليا مرفق مهم للتزود بعلوم المعرفة المتقدمة لما له من أهمية في إثراء المشهد المعرفي من بالبحث الدقيق لماهية الأشياء ومقاصد الميول والأهواء لإثبات الحقائق وإسقاط المنسوخ والهذيان والهراء .. ومن تلك الرياض المعرفية الغناء (جامعة كربلاء) كلية التربية للعلوم الإنسانية ـ حيث أتحفتنا بمناقشتها لرسالة الماجستير الموسومة (العنف في الرواية العراقية النسوية ـ هديـه حسين إنموذجاً) والتي تقدمت بها الطالبة الباحثة (رغد عبود جودي الحلي) لنيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها بإشراف الأستاذ المساعد الدكتورعبدالأميرمطر فيلي الساعدي ..
تتكون الإطروحة من مقدمة وثلاثة فصول هي الحرب / الهجرة / العنف السياسي ، تناولت الباحثة الحلي من خلال تلك الفصول كل مايتعلق فيها من خلال ولوجها في الفصل الأول بمباحث عن (الحرب العراقية الإيرانية ـ إحتلال الكويت عام 1991 ـ إحتلال العراق عام 2003 ) وتناولت في الفصل الثاني عبر ثلاثة محاور الهجرة من خلال روايات ( مابعد الحرب) (نساء العتبات) (صخرة هيلدا) للروائية هديه حسين ، وفي الفصل الثالث دخلت الباحثة أعماق الروائية بدواعي الرغبة لمعرفة مسببات العنف في رواياتها فوجدتها في 1 ـ حكومة الحزب الواحد 2 ـ رجال السلطة 3 ـ الحصار 4 ـ السجون والتعذيب فجنستها وأشبعتها بحثاً وصولاً الى إثارة المسكوت عنه والإفصاح عن أهمية تخصيب الذاكرة بإستذكار الماضي القريب ولم تنسَ عبر مبحثها الثاني ماهية المجتمع العراقي مابعد 2003 أي مابعد الإحتلال ومما تقدم لابد لنا من الإشارة الى أن الباحثة قد أغنتنا عن قراءة عشر روايات وسبع مجموعات قصصية وضغطت الزمن لصالحنا عبر سردها البحثي في الروايات العشر فأمتعتنا وأضافت لنا معلومات ماكنا لندركها لولا تعمقها في التدقيق الإستقصائي عن ماهية الأشياء وما ورائيات النص المدون .. تحدثت الباحثة رغد الحلي مشيرة الى إن للروائية هدية حسين عشرة روايات وهي : ( بنت الخان ـ 2001 ، مابعد الحرب ـ 2003 ، في الطريق إليهم ـ 2004 ، زجاج الوقت ـ 2006 ، مطر الله ـ 2008 ، نساء العتبات ـ 2008 ، أن تخاف ـ 2012 ، صخرة هيلدا ـ 2013 ، ريام وكفى ـ 2014 ، أيام الزهللة ـ 2015) إضافة الى سبـــــــع مجموعات قصصية هــــي : ( أعتذر نيابة عنك ـ 1993 ، قاب قوسين مني ـ 1998 ، وتلك قضية أخرى ـ 2003 ، كل شيء على مايرام ـ 2002 ، في البيت المسكون ـ 2008 ، حبيبي كوديا ـ 2010 ، إحساس مختلف ـ 2014 ) .. إن الباحثة من خلال مناقشتها لموضوعة (العنف) في الرواية العراقية النسوية لم تترك مجالاً للشك من إنها تقدمت كثيراً على أغلب الباحثين والنقاد الذين تناولوا نتاج (هديه حسين) بالرغم من إستفادتها من آرائهم .. بدأت بتحليل شخصية الروائية بالإتكاء على روايتها (بنت الخان) حيث إمتداد زمن الرواية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات وتلك مرحلة مهمة من حياة الكاتبة تمكنت الباحثة من الغور في أعماق الرواية ومحاكاة الروائية من خلال إستقراء ماورائيات الحوارات التي دونتها .. وخلصت على إن الروائية إعتمدت في منهجها السردي على ثلاثة مرتكزات هي : 1 ـ التأريــخ في مادتــها 2 ـ اللمسة الإبداعية 3 ـ المتخيل السردي .. وتؤكد تأييدها لمن ذهب في وصفه للرواية بأنها فن التفاصيل الصغيرة ونقول بأنها كباحثة إشتغلت على التفاصيل الصغيرة ولولاها لما توصلت الى نتائج البحث ومن خلال الإستقراء لذلك البحث يظهر لنا جلياً إن الروايات التي إعتمدتها الباحثة في دراستها تتسم بصدق إنتمائها للواقع موثقة لأيامه بحرية مطلقة ومباشرة فكل ماورد فيه تناقله الناس همساً في ذلك الزمن أعادت تدوينه (هديه حسين) ونفضت الغبار عن المسكوت عنه ، وقد أشارة الباحثة (الحلي) إن أهمية الروايات تكمن في تحريكها لمخيال المتلقي الذي لم يعش تلك الحقبة الحالكة من تأريخ العراق المعاصر وقد صنف بعض نقاد السرد الروائي عندنا أجناس الرواية ونكاد أمام روايات البحث أن نفقد بوصلة الإتجاه في تشخيص جنس رواياتها هل هي تنتمي للرواية التأريخية أم إنها رواية وثائقية ، الواضح إنها مركبة من الجنسين وكفى .. فهي هكذا أتت إلينا .

الطالبة رغد الحلي

أوردت الباحثة الكثير من المفردات المؤثرة في الذات العراقية وجدتها في الروايات العشر فأستلتها لتسلط عليها الضوء مركزة على مفهوم الوطنية والوطن عند هدية حسين فوجدت إن رواياتها ماهي إلا عبارة عن مذكرات وطن قامت بترجمتها الى لغة السرد ثم إن الروائية يسرت ذلك على الباحثة من خلال جدولة الفروقات بين الحياة في موطنها الأصلي (الأم) العراق وموطنها البديل (كندا) فأجرت مقارنة للحياة فيما بينهما من حيث ـ طريقة الموت / السعادة الشخصية / الظلام / الطقس / مظهر المرأة / الكلاب ـ بينت الباحثة إن الوطن لدى الروائية (ص 93) هو مَن يمنحك الحب والحرية والأمان وتشعر بشخصانيتك وكرامتك فيه ، من خلال توفيره الحاجات الأساسية لك دون منة ويحملُكَ لا أن تحمله .. بينما تراه في العراق قبراً ومحرقة وسجن وضياع ، كل تلك المفردات وجدتها الباحثة رغد الحلي في سرد الروائية التي إعتمدت التأريخ الشفاهي (المروي) الغير مدون مادة خصبة إعتمدتها في السرد كما وإنها إستفادت من الموروث الشعبي القريب والمتداول كذلك ، وفي ص 105 وصفت هديه حسين بلدها الأم بالتصحر .. دافعت عن ذلك الباحثة بقولها : ـ هي تقصد التصحر المعنوي الذي أصاب بنية العراق بسبب القسوة والوحشية المستبدة فيه ـ لتجد مخرجاً إفتراضياً للخطأ الذي وقعت فيه الكاتبة في وصفها لبلدها الذي قال فيه الشاعر :
(بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة .. أهلي وإن شحوا عليَّ كرامُ ) ، بينما وصفته في ص65 بأنه ( بلاد مابين النارين ) ووصفته بـ ( الصندوق ) وهي إشارة أخرى للسجن الإنفرادي ..
غارت الباحثة عميقاً بعالمين في آن واحد فلقد إتحد عالم الروائية (السردي) بعالم الباحثة (النقدي) في الكشف عن مكنونات ذات الرواية من خلال وضوح المعنى السردي ودقة التشخيص البحثي فلقد وجدنا إن دور الباحثة وفي الكثير كان نقدياً في مواطن كثيرة من البحث .. ولكنها أحيانا تهمل الإشارة الى معلومة يجب أن لايهملها السرد الذي لم يترك صغيرة وراءه إلا وذكرها بينما نرى إن الروائية في ص54 من البحث ـ من يستطيع أن يمحو من ذاكرته صورة ذلك الجندي ـ ولم تفصح عن هوية ذلك الجندي الى أي الفريقين المتقاتلين ينتمي .. عرض التلفزيون العراقي ذلك الفعل المشين على الملأ وأقرت الحكومة العراقية ذلك اليوم ليكون يوماً للشهيد العراقي عام 1982 وهذه شاخصة للكثير من الحوادث المغيبة التي تحدثت عنها الروائية ولكنها إبتعدت عن توجيه أصابع الإدانة أوالإتهام المباشر للفاعلين الرئيسيين وأكتفت بالإشارة الى الجهات الأربع نائية بنفسها عن ذكر الأسماء الحقيقية أحياناً وكان الأحرى بها أن تذكر الأشياء والأسماء كما وردت إليها فذاكرتها يقيناً تحتفظ بالكثير منها وفي هذا تكون قد جانبت الحقائق خاصة وإن رواياتها (تأريخية ـ توثيقية) كما أشرنا .

لجنة المناقشة الموقرة

قدمت لنا الباحثة الحلي بحثاً نقدياً جريئاً ومتقدماً بإعتمادها على كمٍ من آراء الباحثين والنقاد الذين سبقوها في هذا المضمار إضافة الى تفكيكها للنص السردي لروايات هدية حسين فجاء بحثها النقدي أكادمياً مستوفٍ لشروطه حيث إنها تمكنت من خلال إطلاعها على مجمل نتاج الروائية السردي من أن تجعل مادة آرائها وبحثها رصينة إذ إنها لم تترك شاردة أو واردة إلا أحصتها وعلقت عليها .. يتصاعد الفعل الدرامي داخل السرد الروائي من خلال تباين افعال شخوص الرواية وأحياناً نكاد لانرى بطلاً واحدا في الرواية بل تشترك عدة شخصيات تؤدي أدواراً قد تكون متضادة مع الأخرى ولكنها مجتمعة تعطينا فعلاً درامياً رائعاً يمكن المتخيل ـ المتلقي أوالقاريء ـ أن يتصور إنه أمام عرض سينمي متكامل ، وأعتقد إن بعض المشاهد أقحمتها الكاتبة على متون نصها كـ إدخالها للأغنية الوطنية ( إحنه مشينه للحرب ) في رواية ـ ريام وكفى ـ بالرغم من إدراكها كما تذكر الباحثة الحلي بأن الروائية هدية حسين تعتقد إن أناشيد الحرب التي تبناها النظام لإثارة روح الحماسة الوطنية إنعكس تأثيرها سلباً فالمصير مجهول ..!! وتركز على أن المجتمع العراقي مجتمع ذكوري بينما نرى العنف في رواياتها يقع على الذكور بالدرجة الأولى وهم ضحاياه المنسيون ، فالحروب الحديثة قد قتلت وعوقت الملايين منهم ..وفي قولها في روايتها ـ مابعد الحرب ص115
(.. عليَّ منذ الآن أن أبحث عن صفحات بيض لذاكرة جديدة أخط عليها أيامي القادمات بدونك ) وكان رد ـ محمد رضا الآلوسي في كتابه (الخطاب الروائي النسوي العراقي ـ دراسة في التمثيل النسوي) عليها في مكانه حيث قال : كان ذلك تمرداً على الثقافة الذكورية التي تجعل المرأة خاضعة وضعيفة للجنس الآخر ، وإنها بقرارها هذا تحولت من موءودة الى وائدة ) وأمثلة الآراء التي أوردتها الباحثة ـ رغد الحلي ـ في رسالتها للنقاد كثيرة .. فقد أجادت الباحثة فن التوأمة بين النص السردي ونقده في آن واحد إذ أحالت بعض السرد ليرد عليه نقاد آخرون يتفقون معها بذات المنهج النقدي الذي إشتغلت عليه تعضيداً للآراء التي تبنتها بغية إثباتها ، وفي ص(40) من الرسالة تقول الباحثة : إن ـ الروائية هدية حسين لم تغفل أثر ما كان يبثه الإعلام أيام الحرب العراقية الإيرانية ببثه قصائد الموت أو الدم كما تسميها أو صور الشهداء والمعارك وذلك عن طريق ما كان يحدثه ذلك الأثر ـ ص(69) رواية بنت الخان (تشحننا الأناشيد بالخوف وبالحيرة مما هو آت حتى أصبحت الحرب قاب قوسين من أبوابنا تنذر بالكارثة ) .. من إدراجها لهذا النص تريد الباحثة أن توصل لنا بأن الروائية رافضة لأشكال العنف والحرب بكافة أشكاله فهي تدعو الى قيام دولة السلم والتسامح والعدل والمسواة وهذا هو حلم العراقيين جميعاً لم تنفرد فيه الروائية وإنما أكدته عبر سردها الروائي أما بالنسبة لأناشيد الحرب التي أدانتها فلا غبار عليها فإنها متجذرة أزلية منذ العصور الأولى وأعتقد إن الروائية مطلعة على النصوص البابلية والسومرية القديمة والتي كانت تدعو للمقارعة والحرب وشحذ الهمم كما في نصوص وأغاني الحرب المتأخرة وهذه السمة بقيت مستمرة حتى يومنا هذا فماذا تقول هل هناك تصح وهنا لاتصح .. وتكمل الباحثة تفحصها للسرد بقولها معقبة على ـ بنت الخان ص73 ـ ( أحاول تهدئة روحي بالمزيد من الأحلام والأوهام ، لكن الأناشيد التي يقطر منها الموت والدم تخرب أيامي ) .. ـ من الطبيعي أن تتجه الدولة بكل طاقاتها بإتجاه التحشيد الجماهيري نحو تأييد الحرب وإثبات أحقيتها وإن الطرف الآخر هو المعتدي ، وتعد تلك المرحلة من أغزر المراحل في الإنتاج الغنائي للمعركة ـ وهنا يظهر لنا التباين بين الساردة والباحثة واضحا فلكل منهما لها رأي مختلف عن الآخر ، وأشارت (الحلي) إن قصيدة الشاعر العراقي علي عبد الأمير مقحمة في السرد ، بيد إنها عادت لتقول مامعناه إنها ريادة أو إضافة نوعية للقص العراقي ولكننا نرى إن وجود النص من عدمه لايخل ببنية السرد أبداً لايضيف له بعداً ولايأخذ منه ..
لم تترك الروائية هدية حسين من شيء وراءها لم تقله كما أسلفنا عن العنف ودورته الدموية في عراق مابين النهرين أعطت الباحثة قدرة التحري عبر مسارات البحث الأفقية والعمودية فهي قد تماهت في سردها عبر عشر روايات ينتمي بعضها للآخر لم تخرج فيها الروائية عن المنهج السردي أحادي الإتجاه الذي تبنته والذي حال دون أن تأتي بالجديد المثير بقدر ما أتتنا بالمروي الصادم الذي يحتم علينا الإستمرار بقراءة رواياتها بالرغم من معايشتنا لأغلب وقائع رواياتها فأغلب أبطالها منا أو هم كانوا بيننا لذلك نرى إن الباحثة الحلي قد أشارت الى ماذهبنا اليه بقولها : ص146 من البحث ( يبدو للوهلة الأولى إن الطابع التأريخي هو الأول في الرواية ، لكن هذا المظهر يكون خادعاً حيث يتبين من خلال تفصيلات الرواية وشخوصها إن التأريخي كان هامشاً للذاتي وقد يشكل خلفية للحوادث مثلما تشكل الموسيقى التصويرية خلفية للمشهد الدرامي ) ، ولكننا نرى إن هدية حسين لم تغادر التأريخ بل إستخدمته متكأ ً لسردها ولذلك أشارت الباحثة بأن الروائية في مجمل سردها قد ذكرت الكثير من معاناة الشعب كـ إستخدام جنائز الأطفال موشحة بالعلم العراقي للدعاية لكي تستدر العطف وتزيد الأرصدة بالبنوك وكذلك تسخير السجناء في بناء قصور الجلادين .. وجاء في الروايات ذكر (المفرمة وبقايا الأجساد) والمتاجرة بعذابات الفقراء ص131 حيث الأطفال في الطرقات يستجدون عسى أن يحصلوا على مايسد رمقهم ، وإن النظام يمتلك جهازاً مخابراتياً قوياً تمكن من إختراق أي هدف ومن تلك الأهداف مكاتب الأمم المتحدة وشراء ذمم بعض العاملين فيها مقابل عمولات نقدية للحصول على وثائق العراقيين المتقدمين بها للحصول على اللجوء وقد بث مخبروه وأرسل الكثير منهم لطلب اللجوء وتزويدهم بالوثائق التي تؤيد تعرضهم للسجن أو توقيفات مزعومة أو حتى صدور أحكام غيابية بحقهم .
إن أحداث الروايات في مجملها واقعة فعلاً ولكن المتلقي قد تجاهلها في الماضي أو إنه أراد أن لايصدقها ولكن حينما دونها السرد أعادها الى ذاكرته لذلك تراه متابعاً في قراءته للنص المكتوب متفاعلاً معه مطلقاً العنان لمخياله في إستذكار الوقائع التي كانت تروى همساً دون أن تحرك ساكناً سوى الخوف من المجهول الذي لم يسلم منه حتى (الأخرس) من سطوة الجلاد كما أشارة الباحثة الى ذلك في ص141 .. وعرجت الباحثة على رواية (أن تخاف) واصفة الروائية بأنها ـ تمتلك إمكانية فنية عالية تمكنت خلالها من إحداث حالة من الإمتزاج بين واقعية المشهد المنتزع تصويرياً من أعماق المجتمع ومتخيل السرد الروائي الذي لا يأخذ من حساسية الواقع إلا الصورة والمناخ ـ وتعقيباً على رأي الباحثة رغد الحلي نقول إن المطلع على نتاج الروائي العراقي الراحل عبدالستار ناصر سيجد إن هناك مشتركات بين إسلوب ناصر وهدية ومما لاشك فيه إنها إستفادت كثيراً من الإرث الثقافي الذي يتمتع به الروائي الراحل ومن الحرية التي أتاحها لها والجرأة التي كان يستخدمها في طروحاته السردية فهو من الدعاة الأوائل الى (اللامحظور) في الكتابة الأدبية وقد أكد ذلك منذ بواكير كتاباته .. ثم إنها أوردت أسماء معلومة أشارت إليها وأخرى مجهولة لم تفصح عنها فمثلاً قالت : عن (غازي) ـ كان يشرف بنفسه على الإعدامات وقد حصل على رتب كثيرة وإنه من رجال الإستخبارات ـ رواية في الطريق إليهم ص119 .. وأعادت ذات المشهد في روايتها (بنت الخان) .. ـ مصيري معلق بكلمة يقولها عبدالجبار محسن كاتب الحب والسياسة والموت ، إنني لأعجب كيف يستطيع رجل يكتب عن الحب في الوقت الذي يكون فيه مسؤولاً عن فرق الإعدام ؟ إنه رجل ميت الإحساس والضميرمعاً ـ ص166 .. والذي نعرفه عن عبدالجبار محسن إنه لم يكن عسكرياً وإنما أنتدب من وزارة الإعلام لما يمتلكه من لغة عالية وبلاغة في التعبير لكتابة البيانات الحربية للقيادة العامة للقوات المسلحة وهنا نحن لاننفي التهمة عنه بقدر حاجتنا الى تأكيد إثباتها طالما وثقتها الرواية .. ومثلما ذكرت هؤلاء وغيرهم كان الأجدر بها أن تذكر إسم الطيار الذي ذكرته بروايتها ( أحد طيارينا قام بعملية جريئة إذ فجر طائرته في الجو ..) المقصود هو النقيب الطيار عبدالله لعيبي الذي فضل تدمير الطائرة المغيرة بحمولتها بطائرته بعدما نفدت ذخيرته للحيلولة دون وصولها الهدف كان يمكنها ذلك طالما وثقت لغيره ورواياتها وثائقية تأريخية كما أسلفنا .. وقد أشارت الباحثة في ص 41 من البحث وكما مثبت في الهامش إن المقصود ـ بدأ المذيع الوسيم الأشيب يفقد حنجرته ويموت ـ هو المذيع رشدي عبدالصاحب شكر وهذا لم يفقد حنجرته وإنما كانت وفاته إثر تهشم فقرتين في أسفل عموده الفقري بقي يعاني منهما لفترة طويلة وأعتقد إنها تعني المذيع مقداد مراد الذي أصيب بسرطان الحنجرة والذي أذاع بيان البيانات في 8/8/1988 وكلاهما كانا يذيعان البيانات العسكرية وكلاهما توفيا عام 1992 وفي المجمل ماذكرناه من ملاحظات هي وثائقية لاتخل بالبنية الفنية لبناء النص الروائي لذلك الباحثة نأت بنفسها عن التدقيق فيه أو البحث عنه .. وقد يقول البعض إن روايات الكاتبة تفتقر الى الجانب الفني للرواية فهي تخلو من الإثارة والتشويق والإبهار وإن أهل العراق قد ألفوا مافي تلك الروايات نقول إن الروائية لربما أرادت أن تنشر ذلك على الملأ من غير العراقيين ثم مالضير في توثيقها لمحطات قهر عاشَ العراقيون جميعاً تحت وطأتها فلو كانت تلك الروايات منشورة في ذات الوقت الذي كان فيه النظام قائماً لكانت صرخات فاعلة ومنشورات تحض الناس على الثورة ولكنا نبحث عن بقايا عظام هدية حسين في إحدى المقابر الجماعية ويقينا لم نجدها فلربما إنصهرت في التيزاب ..
لقد قامت الباحثة (رغد الحلي) بجهدٍ جليٍ وواضح بعرضها وتحليلها ونقدها لروايات (هدية حسين) مستلة منها حالات العنف التي تعرضت لها المرأة في بلاد مابين النهرين .. أوجزتها الباحثة ( رغد الحلي ) بخلاصات وافية تحليلية ونقدية لمسارات العنف التي فرضت قهرياً على المجتمع العراقي في حقبة ممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الإحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003 ومابعده عبر رسالتها الموسومة ( العنف في الرواية العراقية النسوية ـ هدية حسين إنموذجاً ) ووضوح الرؤيا في روايات وقصص هدية حسين سهل على الباحثة مهمة الخوض في دقائق البحث إذ إنها عَرَّفت الرواية بأنها هاجس حياة ، وهي مثل رغيف الخبز تحتاج الى خميرة ووقت لكي تنضج .. وعن القصة قالت ـ هدية حسين ـ إنها ومضة تذكرك بشيء فتوحي لك بفكرة تقودك الى قصة .. ونقول إن حياتنا ماهي إلا مجموعة قصص أو قل رواية واحدة من عدة فصول ولكل منا روايته ورؤياه وقد إشتغلت الروائية على المساحة الرمادية فيها بصدق الإنتماء للواقع والتعبير عنه دون تحفظ في إستنطاقها للمسكوت عنه وتدوينه كما رأته أو ورد إليها ، وحينما أشتغلت الباحثة على ظاهرة (العنف) رأت في الطروحات السردية لـ (هدية حسين) تجربة واقعية عراقية تستحق الوقوف عندها مع معرفتها المسبقة بأن هذه الظاهرة هي إمتداد لغيرها وإن للعنف في الروايات العالمية أشكالاً متعددة أخرى تشترك جميعها وتنصهر في بودقة (القهر الإنساني) وفيما بينهما مشتركات كثيرة .
تقول الروائية في أحد صفحات البحث ـ لم أخرج عن عراقيتي بالرغم من أني أستبدل المكان العراقي بالعربي ومن ثم الغربي ، فإن شجرة إبداعي ماتزال تطرح ثمراً عراقياً خالصاً في القصة والرواية .. أنا نتاج الحروب وخلاصة التشظي ـ وختمت الباحثة الحلي رسالتها بالقول : ـ إن روايات هدية حسين مختارة بشكل دقيق ومبهر يدل على الحس الأدبي الرفيع الذي تتمتع به الروائية .. وتميزت رواياتها بوصفها إنموذجاً لروايات العنف السياسي وما تفرزه الحروب من تبعات وقد أجادت في تصوير موضوعة العنف في رواياتها ـ
ونحن نقول إن شجرة العطاء العراقي لازالت تجود بعطائها وما هدية حسين وإنعام كججي ولطفية الدليمي إلا ثماراً يانعة لشجرة الأبداع العراقي في مجال الرواية والقصة العراقية ، ولقد وجدنا في العرض المبهر والإستقراء المتأني في رسالة الباحثة ( رغد عبود جودي الحلي ) ضالتنا إذ شدنا اليه وشوقنا الى قراءة روايات هدية حسين التي أوردت فيها إستدلالات وثائقية كثيرة كانت ولا زالت جزءاً من حياتنا العراقية المعاصرة موثقة لسنوات عجاف خلت ولربما هي لازالت وستبقى قائمة ، لذلك ستبقى روايات هديه حسين نابضة بالحياة مادام العنف وسيلة إتخذتها الأنظمة للبقاء جاثمة على صدور الأبرياء الفقراء .. الذين يصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.