أ.د.نادية هناوي سعدون : ملامح رواية الشعر في أمالي الشيخ الطوسي

ملامح رواية الشعر في أمالي الشيخ الطوسي
أ.د.نادية هناوي سعدون
الجامعة المستنصرية

سيرة الرجل (شيوخه وتلامذته)

كتاب الأمالي لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولابنه أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي عبارة عن أقوال وملخصات لمجالس علمية حيث كان الشيخ ـ ومثله ابنه ـ ” يقعد وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم ويكتبه التلامذة فيصير كتابا ويسمونه الإملاء والأمالي “(1) .
و أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي رحمه الله هو احد مشاهير رواة الأخبار ورجال الدين والموثقين أثنى عليه العلماء ووثقوه ، ولد 358 للهجرة ، بعد أن مضى من عمره إحدى وخمسون سنة ، فانتهت إليه رئاسة الفتوى وكفالة التدريس بكمال الجد ورعاية التقوى فعمل قاصدا وجه الله تعالى شأنه ، راغبا في حسن جزائه ، وطالبا لجزيل ثوابه ، حريصا على حماية الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين .(2)
ويقع كتاب الأمالي في ستة وأربعين جزءا ، حمل ستة وعشرون جزءا عنوان (مجلس يوم الجمعة) .
وكل جزء عبارة عن أحاديث شيوخ ومنهم : محمد بن محمد بن النعمان ،واحمد ابن محمد بن الصلت الاهوازي،وعبد الواحد بن محمد المعروف بابن مهدي ،والفحام السر من راني ، والحفار ، وابن مخلد ، وابن بابوية .
ويرويها عنهم محمد بن الحسن الطوسي والحسين الغضائري و القزويني وبن عبدون المعروف بابن الحاشر والشيخ المفيد وابن الصلت الاهوازي وأبو المفتل الشيباني ومحمد بن عبد المطلب وهلال بن محمد الحفار .
وكان الطوسي يهدف ـ في سعيه لأخذ الشعر من الرواة ـ إلى بلوغ الأشعار النقية والسليمة التي لم تشبها عجمة ولم يسمها لحن ، لذلك جاءت الأشعار التي رواها خالية من الهجنة التي يكثر فيها الآبد والغريب من الألفاظ ..وفي هذا دلالة واضحة على معرفة الشيخ الطوسي بلهجات العرب وسننهم في الكلام و معرفته بالحياة العربية ومثل العرب وتقاليدهم ؛ وقد تهيأ له أن يحيط بأشعار الشعراء القدماء على اختلاف زمانهم ومكانهم ومناحيهم في القول. وقد صدر تلاميذه عنه قي رواية تلك الأشعار وقراءتها عليه مما كانوا قد ضمنوه في مصنفاتهم .
وسنحاول أن ندرس هذه الرواية من خلال ثلاثة محاور هي:
المحور الأول/ أغراض الشعر المروي.
المحور الثاني/ نقد الشعر وعلمه.
المحور الثالث/سمات رواية الشيخ الطوسي للشعر .

المحور الأول
أغراض الشعر المروي
توزعت أغراض الشعر الذي رواه الشيخ الطوسي بين المديح والرثاء والهجاء والفخر وأغراض أخرى وكالاتي :
1)المديح
روى محمد بن الحسن الطوسي شعرا في المديح عن الكميت بن زيد والسيد الحميري وكعب بن مالك…. ومما روى للكميت في مدح الإمام علي عليه السلام قوله: (3)
سقى جرع الموت ابن عثمان بعدما تعـــاورها منه وليد ومرحب
ومما روى للحميري قوله في مدح الإمام علي عليه السلام : (4)
أحب الذي من مات من أهل ودّه تلقّاه بالبشرى لـدى الموت يضحك
ومن مات يهوي غيره من عدوه فليس له إلا إلى النار مــــسلك
أبا حسن تفديك نفسي وأسرتي ومالي وما أصبحت في الأرض أملك
أبا حسن إني بفضلك عــارف واني بحبل من هـــواك لـممسك
وأنت وصي المصطفى وابن عمه وانّا نعـادي مبغـــــضيك ونترك
وقال الحميري لجعفر بن عفان الطائي رادا عليه في سوء معاني المدح التي اختارها في آل محمد عليهم السلام قائلا:” إذا لم تحسن المدح فاسكت أيوصف آل محمد بمثل هذا ولكني أعذرك هذا طبعك وعلمك ومنهاك وقد قلت أمحو عنهم مدحك :( 5)
اقســم بالله وآلائــه والمرء عمّا قال مــسؤول
أنّ علـيّ بن أبي طـالب على التقى والبــر مجبول
وانّه كـان الإمــام الذي له علـى الأمـة تفـضيل
يقول بالحق ويعنى بــه ولا تـــلهّـيه الأباطيـل
كان إذا الحرب مرتها القنا وأحـجمت عنها البهاليـل
يمشي إلى القرن وفي كفّه ابيض ماضي الحدّ مصقول
مشي العفرني بين أشباله أبــرزه للقنص الغــيل
ذاك الذي سلّم في لــيلة عليه ميــكال وجبــريل
ميكال في ألف وجبريل في ألف ويتــلوهم ســرافيل
ليلة بدر مددا انـــزلوا كـأنّهــم طير أبابـــيل
فسلّموا لمّا أتوا حــذوه وذاك إعــظام وتبــجيل
ثم قال :كذا يقال يا جعفر وشعرك يقال مثله لأهل الخصاصة والضعف فقبّل جعفر رأسه وقال : أنت والله الرأس يا أبا هاشم ونحن الأذناب .
وقد كان البيت الذي قاله جعفر بن عفان الطائي :( 6)
ما بال بيتكم يخرّب سقفه وثيابكم من أرذل الأثواب ؟!
وكان الناقد القديم قد فصّل القول في معاني المدح التي ينبغي للشاعر أن يوظف الألفاظ في خدمتها ومنهم قدامة بن جعفر .( 7)
ونقل النجاشي عن الحميري قوله في ذم خصوم الإمام علي عليه السلام : ( 8)
أنّ امرءا خصمه أبو حسن لعازب الرّأي داحض الحجج
لا يقبل الله منه معــذرة ولا يلقّيه حــــجّة الفلج
( 9) كما انشد له جميل بن صالح قوله في الوصي عليه السلام :
قول عليّ لحارث عجــب كم ثمّ أعجوبة له حملا
يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن او منافق قبلا
يعرفني طرفه واعرفــه بنعته واسمه ومـا فعلا
وأنت عند الصّراط تعرفني فلا تخف عثرة ولا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين تعرض للـ عرض دعيه لا تقبلي الرّجلا
دعيه لا تقربيه إنّ لـــه حبلا بحبل الوصيّ متّصلا
وقال مادحا الإمام ومفتخرا بنفسه :
كذب الزاعمون أنّّ عليا لن ينجي محبّه من هنات
قد وربيّ دخلت جنّة عدن وعفى لي الإله عن سيئات
فابشروا اليوم أولياء عليّ وتولّوا عليا حتى المـمات
ثمّ من بعده تولّوا بنيـه واحدا بعد واحد بالصّفات
وقيل انه اتبع قوله هذا :” اشهد أن لا اله إلا الله حقا حقا واشهد أن محمدا رسول الله حقا حقا واشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا حقا اشهد أن لا اله إلا الله ” .(10)

ومن شعر كعب بن مالك في المدح : ( 11)
كان أولى أهل المدينة بالنصر علــــيّ وآل عبد مناف
للذي في يديه من حرم الله وقرب الولاء بعد التّصـافي

2)الرثاء
كان لغرض الرثاء مساحة لا بأس بها في مرويات الشيخ الطوسي الشعرية التي ساقها ـ قي الاعلب ـ على لسان شاعرات لم يسمهن إلا قليلا مثل قول أسماء بنت عقيل بن أبي طالب رحمهما الله وجماعة من نسائها لما أتاها نعي الحسين عليه السلام التفتت إلى المهاجرين والأنصار وهي تقول : ( 12)
ماذا تقولون إن قال النبيّ لــكم يوم الحساب وصدق القول مسموع
خذلتم عترتي او كنتم غيـــبا والحقّ عند وليّ الأمر مجــموع
أسلمتموه بأيدي الظالمين فمــا منكم له اليوم عند الله مشـفوع
ما كان عند عداة الطّفّ إذ حضروا تلك المنايا ولا عنهنّ مدفـــوع
وعقب على الأبيات بما قيل: فما رأينا باكيا ولا باكية أكثر مما رأينا ذلك اليوم . ومن شعر النساء قول إحداهن ترثي ابنيها بعد أن ذبحا وبلغ أمهما الخبر :( 13)
ها من احسّ بنيّيّ الّلذين هــما كالدّرّتين تشظّى عنهما الصّــدف
هامن احسّ بنيّيّ الّلذين هــما سمعي وعيني فقلبي اليوم مختطف
نبّئت بسرا وما صدّقت ما زعموا من قولهم ومن الإفك الذي اقترﻓـوا
أضحت على ودجي طفليّ مرهفّة مشحوذة وكذاك الظّلم والسّــرف
من ﺩلّ والهة عبرى مفجّــعة على صبيّين فاتا إذ مضى السـّلف
ونقل عن هاتف قد قال ليلة عاشوراء :( 14)
والله ما جئتكم حتى بصرت بـه بالطّفّ منعفر الخدّين منحــــورا
وحوله فتية تدمي نحورهــم مثل المصابـيح يطفون الدّجى نـورا
وقد حثثت قلوصي كي أصادفهم من قبل ان تتـلاقى الحـرّد الحــورا
فعاقــني قدر والله بالـــغه وكان أمرا قضـاه الـله مقـــدورا
كان الحسين سراجا يستضاء به الله يعـلـم أنـي لم اقــــل زورا
صلّى الإله على جسم تضــّمنه قبر الحــسين حليـف الخير مقبورا
مجاورا لرسول الله في غــرف وللوصــيّ ولـلطّيار مـــسرورا
ثم نقل حكاية :” أن الناس سألوا الهاتف من أنت ؟ قال:أنا وأبي من الجن نصيبين أردنا مؤازرة الحسين عليه السلام ومؤاساته بأنفسنا فانصرفنا من الحج فأصبناه قتيلا ” .
وقالت قائلة بعد أن قتل أبناؤها الأربعة فحملتهم وجعلت تقول : (15)
يا عين بكّي بدمع ســرب على فتية من خيار العرب
فما ضرّهم غير حين النّفوس وأيّ امرء لقريش غـلب
ونقل عن إبراهيم بن داحة قوله: “أول شعر رثي به الحسين بن علي عليهما السلام قول عتبة بن عمر والسهمي من بني سهم بن عوف بن غالب” (16) :
إذا العين قرّت في الحياة وانتم تخافون في الدّنيا فأظلم نورها
مررت على قبر الحسين بكربلا ففاض عليه من دموعي غزيرها
فما زلت ارثيه وابكي لشجـوه ويسعد عيني دمعها وزفـــيرها
وبكيت من بعد الحسين عصائبا أطافت بها من جانبيه قـبورها
سلام على أهل القبور بكربـلا وقلّ لها منّي سـلام يزورهـا
سلام بآصال العشّي وبالضّحى تؤدّيه نكباء الريـاح ومورها
ولا برح الوّفاد زوار قبــره يفوح عليهم مسكها وعبيرها (17)
قال كعب بن مالك يرثي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه والمستشهدين معه :( 18)
هدت العيون ودمع عينيك يهمل سحّا كما وكف الضّباب المخـضل
وكأنّما بين الجوانح والحـشى ما تأوّبني شهاب مدخــــــل
وجدا على النّفر الذين تتابـعوا يوما بمؤتة اسنـدوا لم يقفلــوا
فتغيّر القمر المنير لفقدهــم والشمس قد كـسفت وكادت تـأفل
قوم علا بنيانهم من هاشــم فرع أشمّ وسـؤدد ما ينقــــل
ويهديهم رضي الإله لخلــقه وبجهدهم نصر النبي المرســـل
بيض الوجوه ترى بطون اكفهم تندى إذا اغبّر الزمان الممحـــل

3) الهجاء والقذع
روى الشيخ الطوسي في هذا الغرض بعض النصوص الشعرية ولم يذكر ـ و بعكس الأغراض الأخرى ـ إلا شعرا قليلا من ذلك مثلا ما نقله عن المغيرة ـ بعد أن طلب من أمير المؤمنين تولية معاوية على الشام فرضي (عليه السلام) ـ انه قال: ابعث إليه وادعوه ..فان أجاب فرجل من المسلمين وان أبى حاكمته إلى الله فولى المغيرة وهو يقول : فحاكمه إذا فحاكمه إذا وانشأ يقول : ( 19)
نصحت عليا في ابن حرب نصيحة فزد فما منى له الدهر ثانـيه
ولم يقبل النصح الذي جئته به وكانت له تلك النصيحة كافيه
وقالوا له ما اخلص النصح كله فقلت له إن النصيحة غاليـه
فقام قيس بن سعد فرد على المغيرة قائلا:( 20)
يكاد ومن أرسى ثبيرا مكانــه مغيرة ان يقوى عليك معاويـه
وكنت بحمد الله فينا موفّـــقا وتلك التي أراكها غير كافــيه
فسبحان من علا السّماء مكانها وأرضا دحاها فاستقرّت كماهيـه
وقول عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان وقد شمت به معاوية لما ولى من سيف علي عليه السلام :( 21)
معاوي لا تشمت بفارس بهــمة لقى فارسا لا تعتليه الفـــوارس
معاوي لو ابصرت في الحرب مقبلا أبا حسن يهوي عليـــك الوساوس
وأيقنــت ان الموت حــقّ وانّه لنفسك ان لم تـمعن الركض خالس
دعاك فصّمت دون الأذن اذرعــا ونفسك قد ضــاقت عليها الامالس
أتشمت بي إذ نالني حدّ رمــحه وعضّضني ناب من الحرب ناهـس
فأيّ امرء لاقاه لم يلق شـــلوه بمعترك تــسفي عليه الرّوامـس
أبى الله إلا انّه ليـــث غابــة ابو أشبل تهــدى إليه الفرائـس
فان كنت في شك فأرهـج عجاجةﹰ وألاّ فتلك التّـــرهات البسابـس
فقال معاوية : مهلا يا أبا عبد الله ولا كل هدا قال : أنت استدعيته !!!
وقال علباء السدوسي في الوليد بن عقبة الذي صلى بالكوفة صلاة الغداة ـوكان سكراناـ فتغنى في الثانية منها وزادنا ركعة أخرى ونام في أخراها فاخذ رجل من بكر بن وائل خاتمه من يده : (22)
تكلّم في الصّلاة وزاد فيــها مجاهرة وعالن بالنّفـــاق
وفاح الخمر عن سنن المصليّ ونادى والجمـيع إلى افتّراق
أزيد بكم على أن تحمدونـي فما لكم ومالـي من خـلاق

4) الفخر والاعتداد
واغلبه جاء في الأشعار التي رويت عن الإمام علي (عليه السلام ) التي يشيد فيها بصفاته كقوله لما رجع من أحد ،ناول فاطمة سيفه :( 23)
افاطم هاك السّيف غير ذميــم فلــست برعديد ولا بلئيم
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد ومرضـاة ربّ بالعباد رحيم
وقال احدهم وقد هاجت ريح عاصف يوم احد :
لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتــى إلاّ عليّ
فادا ندبتم هالكـــا فابكوا الوفي اخا الوفي
(يعني حمزة اخو أبي طالب )
وقال ابن السكيت :(24 )
إذا ما رمى بي الهمّ في ضيق مذهب رمت بي المنى عنه الى مذهب رحب
وأقدمه مقولة الإمام ( إياكم والاكيال بالمنى فإنها من بضائع العجزة ).
وقول الإمام علي عليه السلام ورسول الله يسمع :( 25)
أنا أخو المصطفى لاشكّ في نسبي معه ربّيت وسبطاه هما ولـدي ّ
جديّ وجدّ رسول الله منـــفرد وفاطم زوجتي لا قول ذي فـند
فالحمد لله شكرا لا شـــريك له البــرّ بالعبد والباقي بلا أمـد
قال : فابتسم رسول الله صلى الله عليه واله وقال : صدقت يا علي ” .
وقال عليه السلام يذكر مبيته على الفراش ومقام رسول الله صلى الله عليه واله : (26)
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا ومن طاف بالبيت العتيق وبالحـجر
محمّد لما خاف ان يمـــكروا به فوقّاه ربيّ ذو الجلال من المــكر
وبتّ أراعيهم متـى ينسـترونني وقد وطئت نفسي على القتل والأسر
وبات رسـول الله في الغـار آمنا هناك وفي حفظ الإله وفي ســـتر
أقام ثلاثا ثم زمّـت قلائـــص قلائص يـرين الحصى أينما تفري
وقال عليه السلام وقد شدّ على الأعداء بسيفه شدة ضيغم :( 27)
خلّوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد
وقوله وهو يسوق الرواحل راجزا : (28)
ليس إلاّ الله فارفع ضنّـكا يكفيك ربّ النّاس ما اهمّكا
و قوله: (29)
صبرت على مــرّ الأمور كراهة وأيقنـت في ذاك الصّواب من الأمر
إذ كنت لا تدري ولم تك سائلا عن العلم من يدري جهلت ولا تدري
وكذلك قوله مفتخرا : (30)
إذا المشكلات تصدّيــن لي كشــفت حقائقها بالنّظر
وان برقت في مخبل الصّواب عمــياء لا يجّتليها البصر
مقنّعة بغيوب الأمــــور وضعت عليها صحيح النّظر
لسانا كشقشقة الارحبيّ أو كالحسام البتار الذّكر
وقلنا إذا استنطقته الهموم أربى عليها بواهي الدرر
ولست بإمّعة في الرّجال أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني مذرب الاصغرين أبيّن مع ما مضى ما غبر

5)أغراض أخرى كالحكمة والشكوى والعتاب
من ذلك ما نقله الطوسي عن احمد بن مسروق القرشي حين انشده بعض أصحابه شعرا فقال واعظا: (31)
اجعل تلادك في المهمّ من الأمور إذا اقترب
حسن التّصبّر ما استطعت فانّه نعم السّبب
لا تسه عن أدب الصّغير وان شكاء الم التّعب
ودع الكبير لشأنه كبّر الكبير عن الأدب
لا تصحب النّطف المريب فقرّبه أحدى الرّيب
واعلم بانّ ذنوبه تعدي كما يعدي الجرب
و انشد أبو عمرو بن العلاء عن قولهم :”الصديق هو أنت فانظر صديقا يكون منك كنفسك ” : (32)
لكل امرئ شكل من النّاس مثله فأكثرهم شكلا اقلّهم عقلا
لانّ صحيح العقل لست بواجد له في طريق حين تفقده شكلا
ومن شعر الشكوى والعتاب قول دعبل بن علي الخز اعي رحمه الله للمأمون بعد أن آمنه على نفسه وطلب إنشاده قصيدة كبرى جحدها دعبل وانكر معرفتها فلم ينشدها حتى أعطاه الأمان عليها فقال : (33)

تأسّفت جارتي لما رأت زوري وعدّت الحلم ذنبا غير مغتفر
ترجو الصّبي بعدما شابت ذوائبها وقد جرت طلقا في حلبة الكبر
أجارتي إنّ شيب الرّأس يعلمني ذكر المعاد وأرضاني عن القدر
لو كنت اركن للدنيا وزينتها إذاﹰ بكيت على الماضين من نفر
أخنى الزمان على أهلي فصدّعهم تصدّع الشّعب لاقى صدمة الحجر
بعض أقام وبعض قد أصات بهم داعي المنيّة والباقي على الأثر
أما المقيم فأخشى أن يفارقني وليست أوبة من ولّى بمنتظر
أصبحت اخبر عن أهلي وعن ولدي كحالم قصّ رؤيا بعد مدّكر
لولا تشاغل عيني بالالى سلفوا من أهل بيت رسول الله لم اقر
وفي مواليك للتخزين مشغلة من ان تبيت لﻤﻔقود على اثر
كم من ذراع لهم بالطّفّ بائنة وعارض لصعيد التّرب منعفر
أمسى الحسين ومسراهم لمقلته وهم يقولون هذا سيّد البشر
ياامّة السوء ما جازيت احمد عن حسن البلاء على التّنزيل والسّور
خلّفتموه على الأنباء حين مضى خلافه الذّئب في إنقاذ ذي بقر
لم يبق حي من الأحياء نعلمه من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
ألا وهم شركاء في دمائهم كما تشارك أيسار على جزر
قتلا وأسرا وتخويفا ومنهبة فعل الغزاة بأهل الروم والخزر
أرى أميّة معذورين إن قتلوا وما أرى لبني العباس من عذر
قوم قتلتم على الإسلام أوّلهم حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر
أبناء حرب ومروان وأسرتهم بنو معيط اولات الحقد والوعر
أربع بطوس على قبر الزكيّ بها إن كنت تربع من دين على وطر
هيهات كل امرء رهن بما كسبت له يداه فخذ ما شئت أو فذر
فضرب المأمون بعمامته الأرض وقال:صدقت والله يادعبل .
وقال قيس بن سعد معاتبا أهل الكوفة : (34)
جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة أجابوا ولم يأتوا بخذلان من خذل
وقالوا علىّ خير حاف وناعل رضينا به من ناقص العهد من بدل
هما ابرزا زوج النّبيّ تعمدا يسوق بها الحادي المنيخ على جمل
فما هكذا كانت وصاة نبيّـكم وما هكذا الإنصاف أعظم بذا المثل
فهل بعد هذا مقـــال لقائل ألا قبّح الله ألامـاني والعــلل

المحور الثاني
نقد الشعر وعلمه
لقد شغلت مسائل نقد الشعر وبيان جيده من رديئه وصحيحه من زائفه وأصيله من مسروقه وغثه من سمينه بعضا من روايات الشيخ الطوسي الشعرية وتعددت تلك المسائل بين القضايا الآتية :
1/ نقد الألفاظ ( الشكل والبنية )
وهذا باب انقسم النقاد العرب على مرّ العصور إزاءه إلى فريقين فريق يناصر اللفظ وفريق يناصر المعنى بحثا عن أركان التجربة الأدبية (35).ومما يتعلق بالنظر في الألفاظ ما ذكره الشيخ من رواية أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله فقال : والله يا رسول الله : لقد أتيناك ومالنا بعير يئط ولا غنم يغط ثم أردف قوله هذا شعرا فقال :
أتيناك يا خير البريّة كلّـهـا لترحمنا مّما لقينا من الأزل
أتيناك والعذراء يدمي لبانها وقد شغلت أمّ البنين عن الطّـفل
وألقى بكفيه الفتى استكانـة من الجوع ضعفا مما يمرّ ولا يحلي
ولاشئ مما يأكل الناس عندنا س وى الحنظل العامي والعلهر الﻓسل
وليس لنا إلاّ أليك فرارنــا وأين فرار الناس إلاّ إلى الرّسل
فأدرك رسول الله صلى الله عليه واله ما يريد الرجل فقال :
أن هذا الإعرابي يشكو قلة المطر وقحطا شديدا ..ثم قال : اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا (36)..وفي هذا قراءة للألفاظ في غربتها ووحشيتها فضلا عن تأويلها مجازا إذ قد لا تفصح الألفاظ عن المعنى مباشرة بل تحمل دلالة مغيبة تستدعي تأويلا يقول الجاحظ :” وإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير ” (37).ومما جاء عن نقد الألفاظ لغربتها ما نقله الشيخ عن الأصمعي وأبي عبيدة في قول لبيد :
باتت تشكي إليّ النفس مجهشة وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فان تزادى ثلاثا تبلغي امــلا وفي الثلاث وفاء للثّمانينا
فقال الأصمعي :” الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان” وقال أبو عبيدة : هو مع الفزعة كأنه يريد البكاء وفي لغة أخرى : أجهشت إجهاشا فانا مجهش منه (38) .
وجاء في معرض رفض ألفاظ بعينها ما قاله أسماء بن خارجة :
أنّ أولى الأنام بالحق قدما هو أولى بان يكون خليقا
بالأمر والنهـــي الّلاتي يأبى بغيره أن يـلـيقا
من أبوه عبد العزيز بن مـرو ان ومن كان جدّه فاروقا
وقد انشده في حضرة عمر بن عبد العزيز يوم بويع له فقال له عمر :”لو أمسكت عن هذا لكان أحب إلي “(39).ويعني البيت الأخير وما فيه من ألفاظ لم يرغب القول فيها .
ومن سوء الألفاظ ما نقله الشيخ عن قول احدهم وقد شرب إنسان الخمر قبل أن تحرم فاقبل ينوح على قتلى المشركين ببدر : (40)
نحيي بالسّلامة أمّ بكر وهل لك بعد رهط من سلام
يحدثني النبيّ بأن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام
وأبيات أخرى حتى قال بعض الشعراء في ذلك :
لولا فلان وسوء سكرته كانت حلالا كسائغ العسل

2/ نقد المعاني (السبق في قولها) :
يتجه نقد المعاني نحو السبق بالقول وإيراد المعنى ومن ذلك مثلا : إن المتوكل سأل علي بن محمد من أشعر الناس ؟فقال: فلان بن فلان العلوي حيث يقول:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة بمطّ خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا القضاء قضى لنا عليهم بما نهوي نداء الصوامع
قال: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن ؟فقال: اشهد أن لا اله ألا الله واشهد أن محمدا رسول الله جدي أم جدك ،فضحك المتوكل ثم قال : هو جدك لا ندفعك عنه(41) .

وعن قول الشاعر :
أياديك عندي معظمات جلائل طوال المدى شكري لهنّ قصير
فان كنت عن شكري غنيّا فإننّي إلى شكــر ما أوليتّني لفقير
فقيل : هذا حسن وأحسن منه ما سرقته منه وهو :
شكريك معقود بأيماني حكم في سرّي وإعلاني
عقد ضمير وفمّ ناطق وفعل إعضاء وأركان (42)
3/نسبة الشعر إلى قائله :
أن البحث عن صحة الألفاظ غالبا ما يكون من باب ذكر الريادة في السبق بالقول حيث يصبح من يأخذ منها سارقا ؛ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب انه انشد لأبي طالب :
وما حملت من ناقة فوق رحلها ابرّ وأوفى ذمّة من محّمد
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه واله قال : ليس هذا من قول أبي طالب هذا من قول حسان بن ثابت فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال : كـأنك أردت يا رسول الله : (43)
وابيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة و ﻓواﻀل
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ولما نماصع دونه ونقاتل
ونسلمه حتّى نصّرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وعن تقريض الشعر والدعاء لقائله ما قاله رجل من كنانة فاستحسنه الرسول ودعا له بان يبوأه الله بكل بيت قاله بيتا في الجنة : (44)
لك الحمد والحمد ممّن شكر سقينا بوجه النّبي المطر
دعا الله خالقــه دعوة واشخص منه إليه البصر
فلم يك إلاّ كإلقاء الرّداء وأسرع حتى أتانا المطر
دفاق العزالى جمّ البعاق أغاث به الله عليا مضر
فكان كما قالــه عمّه أبو طالب ذا رواء غزر
به الله يسقي صيوب الغمام فهذا العيان وذاك الخبر
وكان ابن طباطبا قد أجاز للشاعر اخذ المعاني إذا أبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها، وذهب القاضي الجرجاني إلى انه قد” تشترك الجماعة في الشئ المتداول وينفرد احدهم بلفظ تستعذب أو ترتب يستحسن أو تأكيد يوضع موضعه أو زيادة اهتدى لها دون غيره ،فيريك المشترك المبتذل في صورة المخترع المبتدع .”.(45)
4/التمثل بالشعر والاحتجاج به
من ذلك قول عائشة وهي تتمثل ببيت لمعقر بن حمار :( 46)
فألقت عصاها فاستقرّت بها النوى كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وتمثّل الإمام علي عليه السلام ببيت الأعشى الكبير :
شتّان ما يومي على كورها ويوم حيّـان أخي جابر
وقد ذكرت الحادثة التي استدعت هذا الاستشهاد بالبيت …. (47).
كما تمثل عثمان بقول احدهم في رسالة ناشد الإمام فيها بالإقبال عليه :
فان كنت مأكولا فكن خير آكل وألاّ فأدركــني ولمّا أمزّق
فأما الرسالة التي ضمنها هذا البيت فهي :”السلام عليكم أما بعد فانه قد جاز السيل الزبى وبلغ الحزام الطيبين وارتفع أمر الناس بي فوق قدره وطمع في من كان يعجز عن نفسه فاقبل على أولى وتمثل ..”(48)
وتمثل معاوية بقول القائل : ( 49)
حلمت جاهلهم حلما وتكرمة والحلم عن قدرة فضل من الكرم

المحور الثالث
سمات رواية الشيخ الطوسي للشعر

لقد تبوأ الطوسي منزلة مرموقة بين العلماء وحظي باحترام معاصريه من الشيوخ الأجلاء فقد كان راويا للشعر وموثقا له لا من مصدر واحد بل من مصادر متعددة وقد اقتفى في ذلك اثر أستاذه محمد بن محمد بن النعمان .
وكان عدد قصاصي الخبر الذين روى عنهم الشيخ الطوسي في اماليه ستة رواة والذين نقلوا عنهم تسعة رواة قصاصين و الجدول آلاتي يوضح ذلك بحسب الأجزاء:
الراوية الأجزاء
محمد بن محمد بن النعمان 1،2،3،5،6،7،8،9
بن الصلت الاهوازي 4،12
ابن المهدي 10
الفحام السر من راني 10
الحفار وابن مخلد 13، 14
ابن بابويه 15

يرويها عنهم :
محمد بن الحسن الطوسي 1، 2، 3
الحسين الغضاري القزويني 15
أبو المفتل الشيباني 16 ،17
محمد بن عبد المطلب 18
وهناك رواة آخرون مثل :
ابن عبدون المعروف بابن الحاشر ،والشيخ المفيد ، وبن الصلت الاهوازي .
وهو يعتمد الإسناد على السماع والمشافهة ( حدثنا ، حدّث ، اخبرنا ،أنشدني ،سمعت ،سألت ..) وللشيخ الطوسي طريقتان في أيراد شيوخه الأولى إيراد الأسماء كاملة مثل ( كان أبو الطيب احمد بن بوطير رجلا من أصحابنا وكان جده بوطير غلام الإمام أبي الحسن علي بن محمد وهو سماه بهذا الاسم ….) والثانية اقتضاب الأسماء مثل (حدثني عبد الله بن داينة الطوري قال : ..) ولكنه في الأغلب الأعم يورد الأسماء كاملة وفي بعض الأحيان يختصر السلسلة اعتمادا على ذكرها سابقا وخشية التكرار .وربما اعتمد موارد عدة لرواية قصيدة واحدة .. فلا يذكر أسماء شيوخه وقد يكتفي باختصار أسماء الرواة مثل قوله: حدثني أبو الحسن عن جعفر بن عون قال ..
إن استخدام هذه الأساليب المتنوعة في طرق تحمل الرواية يدل على أن الشيخ اعتمد الرواية مشافهة أو تدوينا وهذه العناية الفائقة بالرواية والإسناد كانت نتيجة طبيعية لتكوينه الفكري وتأثره بالرواة والشيوخ الذين تتلمذ عليهم والمحيط الذي نشا فيه .
ومن أهم سمات رواية الشعر عند الشيخ الطوسي ما يأتي :

1)حكاية الخبر مضمنا بالشعر/
إن القصص التي تسوقها الروايات غالبا ما تكون منطوية على حادثة تاريخية أو موقف مبدئي أو واقعة مهمة ويأتي الشعر في تضاعيف القصة أو في خضمها مدعما بأسانيد عن محدثين ورواة ..
ولعل عنايته بالشعر والشعراء هي السبب في جعل كتابه زاخرا بالتداخل النصي بين الأخبار والحكايات من جهة و الشعراء والنصوص الشعرية من جهة أخرى ؛ علما أن عديد الأبيات الشعرية في الامالي قد بلغ 233بيتا لشعراء من العصور الأدبية كافة وكثير من تلك النصوص لا وجود لها في المصادر الأخرى ؛ وبذلك أضاف إلى الأدب العربي ثروة شعرية غنية تستدرك على كثير من الدواوين المطبوعة مثل ديوان الكميت والسيد الحميري ودعبل الخزاعي وغيرهم .. و كثير من كتب الأخبار و الخطب والوصايا والرسائل مما هو مدون ودائر في كتب الامالي والشروح وكتب التفاسير والسير والأدب حول العصور الثلاثة (الإسلامي والأموي والعباسي) من عمر الدولة الإسلامية .
وتأخذ أشكال تضمين الأخبار بالأشعار واحدا من الأهداف آلاتية /
1ـ التوثيق التاريخي أو التسجيل الوقائعي .
2ـ تقوية الاحتجاج وتمتين الحجة والبرهان.
3ـ نقل شدة المواقف وصلابة الرأي.
4ـ تأكيد الوقائع عبر دمج الشعر والنثر للنساء والرجال معا.
فضلا عن أهداف أخرى تتحقق من خلال رواية الأخبار مدعمة بالأشعار ـ مما لا يختلف عليه اثنان ـ و تتمثل في الإفادة من سرعة سيرورة الشعر وسهولة حفظه و تداوله .
و من نماذج ذلك ما يأتي :
ـ أن تذكر حادثة معينة فيأتي على لسان احد شخوصها تمثله بالشعر لأنه أقوى أثرا واشد بيانا..كما في هذا المثال….” قال عبد الرحمن بن أبي ليلى :ياامير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الأول : (50)
لعمري لقد أيقظت من كان نائما وأسمعت من كانت له أذنان
ـ أن ينشد صاحب الحكاية الشعر ليدعم به حجته أمام خصمه كقول عدي بن حاتم : أما بعد فاني كنت أسلمت على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وأديت الزكاة على عهده وقاتلت أهل الردة من بعده أردت بذلك ما عند الله وعلى الله الثواب من أحسن وأبقى وقد بلغنا أن رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين فأتيناك لنصرك بالحق فنحن بين يديك فمـرنا بما أحببت ثم انشأ يقول : (51)
بحقّّ نصرنا الله من قبل ذاكــم وأنت بحّق جئتنا فستنصر
سنكفيك دون النّاس طرا بنصرنا وأنت به من سائر النّاس أجدر
ومن القصص التي أوردها الشيخ موثقة بالشعر أيضا قصة أبرهة بن الصباح ملك الحبشة لما قصد لهدم البيت ..فلما هلك القوم اجمعهم جاء عبد المطلب إلى البيت فتعلق بأستاره وقال : (52)
يا حابس الفيل بذي المغمسّ حبسته كأنّه مكركس
في مجلس تزهق فيه الأنفس
فانصرف وهو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة :
طارت قريش إذ رأت خميسا فظلت فردا لا أرى أنيسا
ولا أحسّ منهم حسيسا إلا أخا لي ماجدا نفيسا
مسوّدا في أهله رئيسا

2)السعة والضخامة / كانت مصادر الشيخ الطوسي في رواية الشعر شتى ؛ فقد اخذ عنه أكثر من راوية وشيخ من أهل العلم بالأشعار والتوفر على مصادرها والمعرفة برواتها مثل الأصمعي (34) وأبو عمرو بن العلاء (54)..
وقد تتسم رواياته بالوفرة أكثر مما هي عند سواه من رواة عصره ، فقد نقل عن دعبل بن علي الخزاعي مثلا قصيدته الرائية التي ألقاها بين يدي المأمون كاملة .(55) ..كما أورد رواية طويلة عن المشادة الشعرية التي جرت بين المغيرة وقيس بن سعد (56)وهذا الأخير والنجاشي (57) وبين السيد الحميري وجعفر بن عفان (58)..!!
وقد يكون سبب طول الرواية الشعرية أن الأبيات لا تفهم إلا في ضوء الحادثة المسرودة من ذلك قول الهمام الثقفي في فعل الزبير وما فعل وعتقه عبده في قتال علي عليه السلام : (59)
أيعتق مكحولا ويعصي نبـــيّه لقد تاه عن قصد الهدى ثمّ عوّق
أينوي بهذا الصّدق والبرّ والتّقى سيعلم يوما من يبرّ ويصدق
لشتّان مابين الضّلالة والهدى وشتان من يعصي النبي ويعتق
ومن هو في ذات الإله مشمّر يكبّر برا ربـــــّه ويصدّق
أفي الحقّ أن يعصي النبي سفاهة ويعتّق عن عصيانه ويطلق
كدافق ماء للسّراب يؤمّه ألا في ضلال ما يصبّ ويدفق
أو يؤتى بالرواية الشعرية في معرض الحديث عن حكاية متخيلة رآها احدهم في المنام مما يدخل في باب المنامات:
ما كان منتهيا عمّا أراد بنا حتى تناوله النّقاد ذو الرّقبه
فاسقط الشّقّ منه ربة ثبتت كما تناول ظلما صاحب الرّحبه
والحكاية التي نقلها كثير بن الصلت جاءت على لسان احدهم قال: جمع زياد بن مرجانة الناس برحبة الكوفة ليعرضهم على البراءة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والناس في ذلك في كرب عظيم ـ فأغفيت فإذا أنا بشخص قد سدّ مابين السماء والأرض فقلت له: من أنت ؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة ؛ أرسلت إلى صاحب القصر فانتبهت مذعورا وإذا غلام لزياد قد خرج إلى الناس فقال : انصرفوا فان الأمير عنكم مشغول وسمعنا الصياح من داخل القصر فقلت في ذلك الأبيات السابقة .(60)
ورويت الرواية نفسها في موضع آخر وزيد فيها بيتان هما : (61)
قد جشم النّاس أمرا ضاق ذرعهم بحملهم حين ناداهم إلى الرحبﻪ
يدعو على ناصر الإسلام حين يرى له على المشركين الطول وال غلبه
وقد يؤتى بالشعر عرضا في رواية خبر بعينه فمثلا: عن محمد بن سيرين عن انس بن مالك : ” أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: من حسد عليا حسدني ومن حسدني دخل النار ” ثم عقب مستدركا ” وانشد العرني “: (62)
إني حسدت فزاد الله في حسدي لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرء إلاّ من فضائله بالعلم والظّرف أو بالبأس والجود
وقد يأتي ذكر الشعر في الحكاية من باب الاعتبار والاستذكار ليس إلا ؛ فقد قيل لرجل من المعمرين : كيف أصبحت ؟ قال :
أصبحت لا رجلا يغدو لحاجته ولا قعيدة بيت تحسن العملا
وقيل لآخر وقد بلغ عشرين ومئة سنة : كيف أصبحت ؟ قال : (63)
أصبحت لا يحمل بعضي بعضا كأنما كان شبابي قرضا
وان قول الشاعر :
ولما دعي المختار جئنا لنصره على الخيل تردي من كميت وأشقرا
دعا يا لثارات الحسين فأقبـلت تعادى بفرســان الصّباح لتـثارا
فهذا الشعر لا يفهم إلا إذا سردت الحادثة التي استدعيت ذكر هذا الشعر ذلك أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه الله ظهر بالكوفة …. سنة ستة وستين مبايعا الناس على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه واله والطلب بدم الحسين بن علي عليهما السلام ودماء أهل بيته رحمة الله عليهم والدفع عن الضعفاء فقال الشاعر في ذلك الأبيات السابقة .(64)
وﻘد يكون من الشعر الذي يساق على لسان رواي الحكاية ما يحمل الطرفة والتسلية ويبعث الفكاهة حسب ؛ كأن يقول عن أبي الطيب احمد بن محمد بن بوطير: انه كان رجلا وكان جده بوطير غلام الإمام أبي الحسن علي بن محمد وهو سماه بهذا الاسم … وكان متأدبا يحضر الديوان فكان إذا ظلت من الإنسان حاجة فان أنجزها شكر وسر وان وعده عاد إليه ثانية فان أنجزها والا عاد ثالثة فان أنجزها وألا قام في مجلسه أن كان ممن له مجلس وجمع الناس فانشد :( 65)
الصّراط تريد رعية ذمّتي أم في المعاد تجود بالإنعام إنّي لدنيائي أريدك فانتبه يا سيدي من رقدة النّوام
وقد يكون من الحكايات ما يحمل الغرابة والمصادفة العجيبة ..ومن ذلك ما حدّث به عبد الله بن دانية الطوري قال : حججت سنة سبع وأربعين ومائتين فلما صدرت من الحج صرت إلى العراق فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على حال خفية من السلطان وزرته ثم توجهت إلى زيارة الحسين عليه السلام فإذا هو قد حرثت أرضه ومخر فيها الماء وأرسلت الثيران العوامل في الأرض ..حتى إذا حاذت مكان القبر حادت عنه يمينا وشمالا .. فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول في ذلك :
تالله إن كانت أميّة قد أتت قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاك بنو أبيه بمثلها هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شايعوا في قتله فتتبعوه رميما
فلما قدمت بغداد سمعت الهائعة فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل فعجبت لذلك وقلت : الهي ليلة بليلة . (66)
وقد يأتي الشعر في معرض الإجابة البرقية السريعة من ذلك أن قيس بن سعد قال: أيها الناس إن هذا الأمر لو استقبلنا به الشورى لكان علي أحق الناس به فكيف والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه وخلعاه حسدا فقام خطباؤهم : (67)
رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا عليّ وأبناء النبيّ محمّد وقلنا له أهلا وسهلا ومرحب نقبّل يديه من هوى وتودّد
فمرنا بما ترضى نحبك إلى الرضا بصمّ العوالي والصّفيح المهنّد
وتسويد من سوّدت غير مدافع وان كان من سوّدت غير مسوّد
فان نلت ما تهوى فذاك نريده وان تﺨط ما تهوى فغير تعمّد
ومثله في التلميح والإيجاز أبيات أبي مسعود عقبة بن عمرو : (68)
بكت الأرض والسّماء على الشّا خص منا يريد أهل العراق
يا وزير النّبيّ قد عظم الخطب وطعم الفراق مرّّ المذاق
وإذا القوم خاصموك فقوم ناكسو الطّرف خاضعو الأعناق
لا يقولون إذ تقول وان قلت فقول المبرّز السّباق
فعيون الحجاز تذرف بالدّمع وتلك القلوب عند التّراقي
فعليك السّلام ما ذرت الشمس ولاح السّراب بالرّقراق
4) تمحيص المروي والتثبت منه /
إن من شأن الراوية أن يتثبت مما يرويه ويتفهم المرويات ولا يكتفي بحملها دون أن يكون له موقف منها لهذا كان إمعان النظر وإعمال الفحص في الأشعار المروية السمة المميزة للشيخ الطوسي ..من ذلك مثلا تحديده لآخر شعر للسيد الحميري ،أو أول شعر رثي به الإمام الحسين ،أو اشعر الناس…وأحسن الشعر (69).
وهذا النظر الفاحص في الأشعار المروية وجد عند العلماء الرواة الشيوخ أهل الضبط والإتقان وقد كانوا قدوة لتلاميذهم في حمل الشعر وتبليغه وشرحه والاحتجاج للوجه الصحيح وإقامة الدليل على ما يروى من ذلك مثلا ما نقله الشيخ الطوسي أن رسول الله صلى الله عليه واله صحح نسبة بيت من الشعر في أنه لحسان وليس لأبي طالب ..(70)

5)تغيير المروي من اجل إصلاحه /
ثمة ظاهرة بارزة يجدها المتتبع لتاريخ الشعر وروايته هي لجوء بعض الرواة إلى تغيير المروي هادفين إلى إزالة ما وجدوا فيه من قصور في العبارة عن أداء المعنى أو ضعف التراكيب ،أو كما يقال:( تغيير الرواية إذا ضاقت الحجة ) (71)
من ذلك اختيار أبيات وترك أخرى كما في قصيدة كعب يرثي جعفر بن أبي طالب (72) أو تغيير ألفاظ أو حذفها ..(73).

الخاتمة /
تلك صورة الشيخ الطوسي في مروياته وأخباره عن الشعر والسرد نصعت وأشرقت فلم تذهب معالمها الوضاءة المتلألئة فعساني أكون قد صرت إلى غايتي في تقديم ملامح الرواية الطوسية للشعر بما تهيّأ لي من مصادر.
وآخر قولي رحم الله الشيخ الطوسي فقد خدم اللغة العربية وأهلها خدمة جليلة واخلص كل الإخلاص .

هوامش البحث ومراجعه
1) كتاب الأمالي، يحيى بن المبارك اليزيدي(310 ) عالم الكتب بيروت د.ت /ص يا .
2)ينظر الأمالي ، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولابنه أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي رحمهما الله تعالى ، تحقيق وتصحيح بهراد الجعفري وعلي اكبر الغفاري ، دار الكتب الإسلامية تهران 1422 .
3)م .ن/12.
4)م.ن/85.
5) م.ن/309ـ310.العفرني/ الأسد.
6)م.ن/309.
7) ينظر :نقد الشعر، قدامة بن جعفر ،تحقيق كمال مصطفى ، القاهرة 1963 /
8)م.ن/358.
9)م. ن/894ـ895.
10)م.ن/896.
11)م.ن/992.
12)م.ن/149.
13)م.ن/128.
14)م.ن/151.
15)م.ن/209.
16)ينظر :م.ن نفس الرواية /367ـ368.
17)م.ن/154.عصائبا/جمع عصابة
18)ينظر: م.ن/ 225ـ227.
19)م.ن/146.
20) م،ن/146.
21)م.ن/ 216بهمة بالﻀم :الﻓارس الذي لا يﺩري من أين يؤتى من شﺩة بأسه.
22)م.ن/275.
23)م.ن/ 227.
24)م.ن/ 839.
25) م.ن/330
26) م.ن/694.
27 ) م.ن/697 .
28) م.ن/996.
29)م.ن/977.
30) م.ن/ 757.
31)م.ن/591.
32)م.ن/873.
33)م.ن/163.
34)م.ن/995.
35)دراسات في الأدب المقارن التطبيقي ،د.داود سلوم ، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد ، 1984/337.
36)الامالي /124.
37 )وينظر : البيان والتبيين، تحقيق محمد عبد السلام هارون، 1985 ج1/ 114
38 )الامالي/ 207 .
39) م.ن/ 207.
40)م .ن/1014 .
41) م.ن/435 .
42) ينظر:م.ن/668 ـ669.
43) م.ن/125ـ126.
44) م.ن/125 ـ126.
45)م.ن/الوساطة بين المتنبي وخصومه،القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني ، تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي ، دار القلم ، بيروت لبنان د.ت /186.ويقول ابن طباطبا: ” وإذا تناول الشاعر المعاني التي قد سبق إليها وأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه “.ينظر :عيار الشعر ،ابن طباطبا العلوي ،تحقيق د.طه الحاجري ومحمد زغلول سلام ، القاهرة /77.
46)الامالي/253.
47) م.ن/554.
48)م.ن/986.
49) م.ن/14.
50) م.ن/21.
51) م.ن/118.
52) م.ن/136.
53)م.ن/207.
54)م.ن/ 873.
55)م.ن/163.
56)م.ن/146ـ148.
57)م.ن/ 995.
58)م.ن/309ـ310.
59) م.ن/220ـ221.
60) م.ن/365.
61) م.ن/886.
62)م.ن/889.
63) م.ن/913.
64)م.ن/372.
65) م.ن/451.
66) م .ن/489.
67) م.ن/995.
68) م.ن/990.
69)ينظر : م.ن/85و 125ـ126و435.
70)ينظر م.ن/125ـ126.
71)الوساطة بين المتنبي وخصومه /10.
72) ينظر :الامالي/225ـ227.
73)ينظر:م.ن/12.
تم بحمد الله

 

 

 

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *