الرئيسية » ملفات » الرسام العراقي رافع الناصري ما زال يعلمنا (ملف/7)

الرسام العراقي رافع الناصري ما زال يعلمنا (ملف/7)

المبدع الراحل رافع الناصري

إشارة :
رحل المبدع الكبير “رافع الناصري” بعد عذاب ومعاناة تاركاً تراثاً فنّيًاً تجديدياً هائلاً على المثقفين العراقيين الجادّين الإخلاص له ونشره وتحليله ونقله إلى الجيل الحالي والأجيال القادمة. تواصل أسرة موقع الناقد العراقي نشر حلقات ملفها عنه والذي بدأت بنشره قبل رحيله وهو في محنته، وتدعو القرّاء والكتاب إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة :

الرسام العراقي رافع الناصري ما زال يعلمنا
فاروق يوسف

أفكر في رافع الناصري (1940 – 2013) الذي تحلّ ذكرى وفاته هذه الأيام، وتخذلني يدي وهي تشدّ القوس الذي كان يخيّل إلي أنه سيظل مفتوحاً. كان علي أن أحتاط للقدر بشيء من الأريحية. ما يلزمني من تقنيات عيش هو بالنسبة الى الطبيعة مزاح عابر. هناك جمل لم نقلها وسنموت كمداً لأنها بقيت عالقة في الهواء، وجمل أخرى قلناها غير أنها لا تزال تبحث عمّن يضعها في مكانها المناسب من حوار لم نكمله. الناصري لم يعلّم أحداً من طلبته الذين درّسهم في معهد الفنون الجميلة ببغداد كيف يرسم، غير أنني أزعم أن شيئاً من درس الكتابة، كنت قد تعلّمته منه. كان يهوى الكتابة، بل كان شغفه بالقراءة قد جعلني أفكر فيه باعتباره القارئ الأول لما أكتب، وكنت أخشى أحكامه النقدية. كتابه «رحلتي إلى الصين» كان واحداً من أجمل كتب الرحلات التي كتبت في عصرنا العربي الحديث. مقارنة بذلك الكتاب، فإن كتبه عن تاريخ فن الحفر الطباعي (غرافيك) كانت مجرد تمارين على الكتابة. ما تعلمته من الناصري لا يتعلّق بتقنيات الكتابة، بل بطقوسها.
لقد تعرفت إلى رافع الناصري عام 1974. يومها، لم يكن بيته الزوجي سوى كوخ صغير ملحق ببيت والديه. بعدها، بنى الناصري في الثمانينات، بيته الشخصي الذي كان كبيراً، غير أنه في الحالين كان حريصاً على أن يسبق التفكير بالمرسم تفكيره بغرفة نومه. هناك لحظة يذهب الرسام فيها إلى عمله شبيهة بتلك اللحظة التي يقرر فيها الذهاب إلى النوم. تلك الصرامة في المواعيد هي ما تعلّمته منه. أن تكون رساماً فهذا معناه أن تذهب إلى الرسم، بغض النظر عما يمكن أن تفعله أثناء الوقت المخصّص للرسم. كنا وقد صار صديقي، نضحك من الإلهام. كان يشاركني الإيمان بعالم الغيب. قال لي ذات مرة: «أشعر أن أصواتاً تنبعث من يدي حين أرسم»، لقد منحه التجريد قوة ارتجال مناطق خيالية ما كان من الممكن رؤيتها بالعين المجردة. «لعلها الموسيقى» قلت له. لكنه تساءل حين نشرت مقالي «عزيزي رافع الناصري» في مجلة «نزوى» العمانية، «أما كان علينا أن نناقش ما ورد في رسالتك مباشرة؟»، لم أخبره يومها أن وقتنا لم يكن يتّسع لذلك. كنا في عمان التي استقر فيها منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وكنت مسافراً عابراً، لا يلذّ لي أن أراه في كنيته الأخرى منفياً. قال لي في آخر مكالمة تلفونية: «سيكون لقاؤنا في الحادي عشر من نوفمبر»، كان هناك شيء من التفاؤل في صوته.
قبل معرضه الاستعادي، كان قد حدّثني عن مرسمه الجديد الذي اشتراه في جبل اللوبيده بعمان. قبل أن يصلني غزله بالمكان، كنت أفكر بعادات الرسام التي كان جزء منها قد تسلّل إلي. لقد صرت بتأثير منه أذهب إلى الكتابة في الموعد نفسه يومياً. لم يكن ما أكتبه يغنيني عما لم أكتبه، غير أنني كنت أشعر بالسعادة، سعادة من أنشأ سنتمتراً مكعباً من العاطفة وصار يقبض بيده عليه. يومها، اكتشفت كم كان الناصري سعيداً بما كان يفعل وهو الذي اختار أن يكون شرقياً في اللحظة التي كان فيها الغرب محطّ أنظار الرسامين العرب.
دربته الصينية تركت الأثر الأكبر فيه.
حين تُقارن رسومه برسوم زاووكي (الرسام الصيني الذي أقام في باريس)، يبدو الناصري أكثر تماسكاً، لأنه مزج زهد الطبيعة الصينية بترف المخيلة العربية يوم كانت بغداد عباسية. معه، من خلال رسومه يتعلّم المرء كيف تكون للرسم سلطة أن يقرر ما هو الجميل. كان رافع الناصري رساماً نادراً، ستظلّ رسومه تعلمنا الشيء الذي لم نتعلمه من الجمال.
*عن صحيفة الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *