ناظم السعود: قانون منسي إسمه “التفرّغ الأدبي”

أواسط شهر نيسان الماضي وصلتني رسالة ، عبر مجموعة بريدية اشترك بها ، وفي الرسالة خبر له أثره ودلالته في نفسي او لأكن اكثر غورا في القصد : الخبر نكأ ذاكرة مخزّنة بتأجيلات الضرورة وتغييب ما يلزم ولا يحتاج لاختبار فاعليته  الا لخبر صغيرة تسوقه مجموعة بريدية مغتربة ، يقول الخبر :
((فتحت وزارة الثقافة الأردنية الباب أمام المبدعين والمثقفين الأردنيين لتقديم طلبات مشاريع التفرغ الإبداعي الثقافي الأردني للعام الحالي 2010 ابتداء من الأول من أيار وحتى الأول من حزيران  .. (.) وأضافت الوزارة  انه يمكن الترشّح للتفرغ بصفة شخصية أو من خلال تزكية إحدى الهيئات والمؤسسات الثقافية والدوائر والمؤسسات الرسمية ، وأن الوزارة ماضية في تطوير آليات هذا المشروع الريادي , وبأنها أخذت بعين الاعتبار الملاحظات التي أوردها عدد من المبدعين الذين حازوا على التفرغ , حيث سيتم تعديل وتطوير البنية التشريعية للمشروع بما يحقق الأهداف الغايات المرجوة , وذلك لأدراك الوزارة ما لهذا المشروع من مردود فني وفكري ملحوظ , سيظهر أثره جليا خلال السنوات القليلة القادمة )).
 ( بس! ) انتهى الخبر ولم تنته حرقة الأسئلة وإمارات التعجب المفتوحة على ما لانهاية ، فهذا بلد جار نعرفه جميعا وندرك انه يعيش بموارد شحيحة أشبه بالندرة  وموازينه المالية لا تستقيم الا بهبات وانعاشات خارجية ولا يمكن حتى ل ( بيكت ) العبثي او ل( يونسكو ) اللامعقولي ان يعمدا لأية مقارنة ( في المجالات المادية تحديدا ) بين بلدنا المدجج بأسلحة الوفرة الظاهرة والمستترة وبين ذلك البلد الذي نحصر الحديث عنه الا انه برغم  هذا ، او بسبب التقاطعات  والصراعات بين عالمي الندرة والوفرة تاتي الأخبار لتقلب المنطق وافانين الجغرافيا ، ( التفرّغ الإبداعي ) من سمع بقانون كهذا في بلدنا ؟ وإذا سمع به فمن شرّعه او بشّر به او جرّب تطبيقه ؟!.
قانون كهذا يحفظ كرامة المبدع ويجنب المبدعين  آفات وحش يتجاسر على مبدعي العراق اسمه ( التمويل ).. تمويل المشاريع الثقافية وتمهيد المناخات لإطلاق المكبوتان وما أكثرها مما لا يمكن حصرها او تحديد فترات سباتها ( وربما موت بعضها ) بعد ان جار التمويل المالي  والشحة الزمنية عليها صمتا وتأجيلا وموتا غير مسوغ ومن سلوكيات غير مفهومة ، ان مبدعي العراق هم بأشد الحاجة اليوم لسن قانون التفرغ كما فعلت الأردن ومصر وبلدان أخرى قريبة وبعيدة ، القانون أعلاه يخلص المبدع من قضيتين متلازمتين : المال والزمن ، فلو تيسر للمبدع ان يسند باجر كاف يسد مطالبه الماّسة أليوميه ولو انه يتمتع بزمن خال من المحمولات الوظيفية واشترطات تدبير الرزق له ولعائلته ، أقول لو تيسر هذا لانفتح أمامه فضاء غير مأزوم او ملبّد لتجسيد مشاريعه على الأرض عوضا عن تكبيلها في أدراج الانتظار الطويلة والمظلمة !.
واتذكر هنا رفقتي مع مبدعي العراق ( وقد ناهزت الأربعين عاما ) وكم كانت الخيبة تسيل من ملامحهم او تذوي خجلا في ألسنتهم وهم ينظرون بحسرة على مشاريعهم المكدسة والتي لم يجدوا الإسناد الكافي ماليا وزمنيا لإخراجها الى مناطق الضوء العام ، بل كم من أديب وفنان ومفكر رحل عن دنيانا وعصارات فكره  ونخاع هويته غاب في الإهمال والغياب وربما  ضياعات ما بعد الرحيل المنتظرة ، ولو كان بلدنا قد عرف هذا القانون (اقصد قانون التفرغ الإبداعي ) لكانت الحركة القافية العراقية قد زهت بإبداعات ومشاريع متعافية ولما سمعنا ان فلانا قد ضاعت او سرقت مخطوطاته حال موته ( كما حصل مع تراث الشاعر الرائد محمود البريكان ).اوليس هذا اصح عملا وأزكى صيتا من ان ننظر صاغرين لمن بلغ ن العمر عتيا واستصرخ من لا يسمع وشكا لمن لا يجير و اشرف على نهاية رحلته وترقد بجانبه عشرات الكتب والمخطوطات ( وهو حال العلاّمة زهير احمد القيسي)؟!.

( يتبع )
* nadhums@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.