أ.د نادية هناوي سعدون : تقاطع المستويات وتنازع الثنائيات في مجموعة (ارض من عسل) للقاص هيثم بهنام بردى

تقاطع المستويات وتنازع الثنائيات في مجموعة ( ارض من عسل ) للقاص هيثم بهنام بردى
أ.د نادية هناوي سعدون
كلية التربية / الجامعة المستنصرية

ملخص البحث
( ارض من عسل ) فن أدبي قصير يضم خمس قصص قصيرة وتتخذ هذه القصص المنحى الواقعي الجديد برؤية رمزية تتخللها بعض الصور الغرائبية واللمحات الفانتازية الساحرة ؛ وبشكل يعكس نزعة حداثية تتحدى زمن السرد وتميل نحو الاحتفاء بالمكان والزمان .
وتأتي قصص المجموعة الخمس حاملة لثلاثة تقاطعات أسلوبية تؤطر السرد وتسيره وقد سعينا إلى تلمسها والخوض فيها وهذه التقاطعات هي :
1. الذاتي والفني .
2. الطبيعي والإنساني
3. الحقيقي والمتخيل.

 

The crosses levels in the short stories ( a land from honey) the author Hathem Bahnam Burada

Assis .prof .Dr. Nadia Hannawi Saadoon
college of Education / University of Mustansiriyah

Abstract
The ( a land from honey) content five Short stories which deals with the realistic ways in a symbolic vision and Semantic images looking for the modern methods of the narrative in places and times.
So, We shell study the crosses levels in these stories in the following way :
• The personal and the art
• The natural and the humanity.
• The real and fantasy.

ـ مدخل ـ
عرف القاص هيثم بهنام بردى بنتاجاته القصصية الطويلة والقصيرة والقصيرة جدا بدءا من رواية الغرفة 213 ومرورا بقصص حب مع وقف التنفيذ ومجموعة الليلة الثانية بعد الألف وعزلة انكيدو ومجموعة نهر ذو لحية بيضاء 2011 ووصولا إلى مجموعة (أرض من عسل ) 2012 .
وقد التمس القاص ، في نتاجاته السردية على اختلاف أشكالها المنحى الواقعي الجديد سائرا بوتيرة فنية تنتقد الحياة الواقعية برؤية رمزية تتخللها بعض الصور الغرائبية واللمحات الفانتازية الساحرة ؛ وقد بدا هذا المنحى واضحا في المجموعة القصصية ( أرض من عسل ) وبشكل يعكس نزعة حداثية تتحدى زمن السرد وتميل نحو الاحتفاء بالمكان.
وقد صدرت هذه المجموعة ـ التي هي النتاج الأحدث للقاص هيثم بهنام بردى ـ عن دار الحوار للنشر والتوزيع في طبعتها الأولى ، في دمشق عام 2012 ، و تضم خمس قصص قصيرة هي على التوالي ( حكاية ، الرسالة ، النبض الأبدي ، حكاية عروة بن الورد وما جرى له في أحشاء الغولة ، أرض من عسل ) .
ولعل من نافلة القول إن القصة القصيرة فن أدبي يقتضي تكثيفا كتابيا يقتنص اللحظات الحياتية في التعبير عن أفعال الشخصيات وحواراتها فضلا عن صياغة الأزمنة ورسم الأمكنة.
وقد صارت ” القصة القصيرة تتميز بشريط لغوي قصير وقصر الشريط هذا هو قصر مدته أي زمن قصه المادي على أن قصر زمن النص المادي أو طول مدته لا دخل له بطوله التخيلي وبقدرة هذا التخيلي على الذهاب بعيدا في الماضي على القفز بهذا التخيلي في هذا الاتجاه أو ذاك ” .
وفي إطار الدراسات السردية تفترق الرواية عن القصة القصيرة بأنها ” شكل تلفيقي أما القصة القصيرة فهي شكل أساسي والرواية أتت من التاريخ والأسفار أما القصة فقد جاءت من الخرافة ومن الأحدوثة. وتبنى القصة على قاعدة تناقض وتهتم بالاختصار والخلاصة ولا يكون ذلك في الرواية.. ” .
ووجد د. عز الدين إسماعيل أن ” عالم القصة القصيرة هو عالم يحمل باستمرار إمكانية إطلاله على عالم واسع ”
ويشكل العنوان في القصة القصيرة عتبة سيميائية مهمة للدخول إلى المتن القصصي القصير وهو ” عبارة عن كتلة مطبوعة على صفحة العنوان الحاملة لمصاحبات أخرى مثل اسم الكاتب أو دار النشر والمهم في العنوان هو سؤال الكيفية أي كيف يمكننا قراءته كنص قابل للتحليل والتأويل ” .
وتحمل بنية العنوان الرئيس ( أرض من عسل ) الاحتفاء بالمكان المنزاح عن الحقيقة إلى المجاز الذي غالبا ما يصدم شخصياته لتعيش محنتها السردية أما الزمان فهو أما مهشم بفعل تشيوء المكان وهيمنته الاستبدادية أو هو متقاطع داخل المكان الواحد أو بالعكس هو واحد داخل أمكنة كثيرة .
وللعنوان بوصفه أهم عناصر المناص وظائف عديدة كالوظيفة التعيينية والوظيفة الاغرائية والوظيفة التحريضية والوظيفة الإيديولوجية.
و” لان العناوين الداخلية كبنى سطحية هي عناوين واصفة / شارحة لعنوانها الرئيس كبنية عميقة فهي أجوبة مؤجلة لسؤال كينونة العنوان الرئيسي ” ، والغاية الأسلوبية من وراء ذلك ليست حادثة عابرة أو رغبة آنية بل هي وسيلة من وسائل إعلان الرفض للواقع والرغبة في الانسلاخ من المكان إلى اللامكان .
ويكون الإهداء كمناص شعري افتتاحي هو أول ما يواجه القارئ لمجموعة ( ارض من عسل ) وهو يعكس انتماءً دلاليا للمكان / العراق:
الشمس أجمل في بلادي من سواها ،
والظلام
حتى الظلام
هناك أجمل
فهو يحتضن العراق
بدر شاكر السياب..
ويلحق هذا الإهداء دراسة نقدية هي بمثابة مناص نثري وعتبة استهلالية تتيح للقارئ أن يرسم انطباعا مسبقا عن أسلوبية القصص التي سيلج سطورها .
وتحمل قصص المجموعة الخمس ثلاثة تقاطعات أسلوبية أو تنازعات ثيماتية تؤطر السرد وتسيره وهذه التقاطعات أو التنازعات هي :
4. الذاتي والفني .
5. الطبيعي والإنساني
6. الحقيقي والمتخيل.

أولا / تناوب الذاتي والفني
تذهب اغلب الدراسات السردية إلى ” أن القصة ذات الطابع الدرامي هي أرقى أشكال التعبير القصصي المعاصر وذلك لأنها لم تعد مجرد قطاع طولي في الحياة بل صارت في الوقت نفسه قطاعا عرضيا فتبرز فيها عندئذ السطوح والأعماق في وقت واحد حيث تتحرك السطوح نحو الأعماق كما تبرز الأعماق على السطوح ”
وإذا كان السرد القصير عبارة عن اتحاد بنية الحبكة القصصية مع الشخصيات التي تشترك في أدائها داخل إطار زماني ومكاني محددين ؛ فان التقاطع في تناوب السرد يحصل بسبب تعدد الذوات الفاعلة من جهة وتكرر الثيمات التي تشتغل الحبكة على تجسيدها من جهة أخرى .
ويكشف توظيف ضمير المتكلم (الأنا) في أول قصة قصيرة وهي (حكاية)عن علاقة السارد الحميمة بشخوص القصة ” وكأنها كيانات واقعية وليست كائنات ورقية وكأنه يتوجه بخطابه إلى قارئه المفترض حتى يورطه معه في نصه فينقله من خارج النص إلى داخله ” .
والشخصية الرئيسة في قصة (حكاية) هي المرأة التي يقص الراوي أول الأمر حكايتها مع الهرّ وهذه الشخصية لا تعرف أكثر مما يكشفه الراوي من أحداث الماضي والحاضر الآني في رؤية مصاحبة بينه وبين الشخصية التي لا تستطيع أن تغير شيئا ” يتجول قلقا في إرجاء الغرفة يتشمم القدر الصدئ الفارغ يهزُّ ذيله ثم يقترب من بابها ، ألمح وميض عينيه يقتحم العتمة ويأتيني باهرا مؤتلقا أهمس . تعال . تتصلب أذناه وينظر صوبي يتقدم ثم يقعي وهو ينظر ببلاهة في بطني المنتفخة الباهرة . ألحظ لون الدهشة والفرح في عينيه فأناغيه ” .
ولما كان ” الراوي الذي يختفي خلف الشخصيات.. هو راو يتوسل الحوار أو المونولوغ أو المونولوغ الداخلي ” ؛ فان الأفعال مثل ( أسحب ، أمسد ، أزيح ، أستشعر ، أهمس ، أمرر ) تغدو محيلة على حوارات داخلية تتداعى في ذهن المرأة ” أتتذكر يا هري الطيب أني كنت دائما لا أوده أن يخرج إلى الجحيم ويكتوي بنارها ولكن عبد الكريم كان يمسّد شعري المبعثر على الوسادة .. بالتأكيد انك ما زلت تتذكر ..”
وتشكل الحكاية ثيمة مركزية في هيكلية السرد عموما وتدور حولها عدة حكايات أخرى فيتوزع فعل السرد بين عدة حبكات قصصية لتسرد متواترة في شكل مفارقات زمنية تغيِّب المكان ؛ لاسيما حين تسترجع حكايات جدتها ” كانت جدتي حين تصفع الريح بكرة السماء وتنذر السماء بالمطر تتمطى مفرقعة عظامها ثم تتثاءب وتقول أما زلتم مصرين على سماع حكاية بنت الفلاح والبلبل ”
ثم تأتي قصة في إطار القصة الكبرى عن الزوج عبد الكريم السجين وهي تسرد بصوته ” السرير الذي اضطجعُ عليه تنغرز أسلاكه في ظهري والعتمة رفيقة هذه الغرفة الصغيرة منذ ولادتها وستبقى ملازمة لها حتى مماتها ” .
ليعود الحكي إلى القصة الإطارية الكبرى ” يرتبك الهرّ أراقب بروز نواجذه وحركته القلقة يلتفت إلى بطني المنتفخة ويموء ” ومن ثم يتراجع الحكي بسرعة إلى القصة الأولى عن الجدة ” دعني أكمل الحكاية حين قالت جدتي.. ” ثم يتقاطع خط السرد مع قصة الزوج المعتقل ” انظر إلى الكلمات بإعجاب ابتسم واجلس على حافة السرير أتذكر صاحبي فأناديه ” . ومن ثم يعود السرد إلى تكملة حكاية الجدة ” وفي اليوم السابع قال العريس لعروسه هيئي الفرس.. فخطت نحو الإسطبل وأسرجت الفرس التي كانت تصهل بفرح .. ” .
وتكون المفارقة حين تكمل الجدة قصتها عن بدر البدور والفارس لتغدو القصة المضمنة هي الحبكة المؤلفة للقصة الكبرى الإطارية ” صرخت بدر البدور بجنون ـ فارس .. فارس يا زوجي العزيز صرخت بجنون وحدّقت بجسد بدر البدور فإذا هو.. ”
ثم يتقاطع السرد بالعودة إلى قصة المرأة والهرّ وقصة الزوج المعتقل ، ثم إلى المرأة وهي تلتقي بالزوج ” وصرخت بكل ما تبقى لدي من قوة وعد ، عبد الكريم ، بدر البدور، هرّي الطيب انه أخوك ، وعد ، وعد ”
ولا تتخلل السرد الا بعض المقاطع الوصفية البانورامية التي ترسمها الشخصية عن المكان لتبقى ثابتة في الزمان ” تراءت لي حقول الكروم وبساتين الليمون والشمس المستديرة فوق أغصان الأشجار والبرتقال والزيتون كنت جالسا أراقب ديكا يصيح كنت مرتقبا ظلفة الشباك ارقب قن الدجاج كان الديك يرف بجناحيه وينفش ريشه ثم يتعملق حجمه ينصب عرفه ويرفع رأسه ناظرا إلى زرقة السماء ” .
ولا نعدم وجود استباق زمني يتخلل السرد ” الريح في الخارج لا تزال تزمر والليل يهرب نحو مرافئ الفجر وفارس يأتيني ملثما متمنطقا سيفه يقف فوق راسي شمسا جبلا عاصفة أراه يبتسم يشيل الوليد بين يديه ويقبله بحنان فاهتف له انه وعد يا عبد الكريم ”
وتتضمن الحكايات المتناوبة عبارات شاعرية هي أشبه ما تكون بمواعظ ووصايا حكمية نظرا لقصرها وغزارة معانيها نذكر من ذلك هذه العبارات :
” لا تكوني متشائمة يا زوجتي الحبيبة انه وآخرون غيره هم الذين سينقلون رفاتنا إلى الفردوس ” ” سنعيش حتف أنوفكم ” ، ” عندما يتخذ الإنسان قرارا يجب أن ينفذه وان تراجع فهو جبان لذا فاني سأزرع سفح الجبل هذا الموسم رغم القحط المرتقب الذي يتكلمون عنه ” .
والقاص يتعمد كتابة هذه العبارات بالخط الغامق ليدلّل على تفرّدها عن سائر سطور السرد ” ستجدين هياكل عظمية مبثوثة تعترض طريقك فلا تجزعي بل تقدمي بثبات وجرأة نحو الأمام ” .
ولم تكن خاتمة القصة منهية للسرد بل انها فتحت الآفاق لما لا نهاية له ” قمت من سريري أتلمس العتمة الهاربة وشهرت أظافري بوجه الحيطان وشرعت اكتب القصيدة ”
وتبنى القصة القصيرة الثانية التي عنوانها ( الرسالة ) على طريقة السرد الذاتي بوساطة الرسائل ويكون بطل القصة هو السارد نفسه الذي يأخذ على عاتقه رواية الأحداث في سرد تكون فيه شخصية عامر سائرة في خضم الأحداث في رؤية مصاحبة للحظة الحاضرة بطريقة دراماتيكية لتستمد الذات الإنسانية وجودها في العالم الموضوعي .
وتسرد القصة بضمير المتكلم وتضم حوارات خارجية وداخلية ” وغرقت داخل ياقة قميصي تقنفذت داخل ذاتي وجهدت في إحضار وجهه . ليث أحلى اسم رددته شفتاي طوال سنة. لا يمكن لهذا الإنسان أن يموت كيف مات ولماذا ؟ وتهالكت أمامي صورته ” .
وتتخلل الاسترجاع الزمني مواضع تتأزم فيها الحبكة وتصل إلى الذروة لاسيما حين يعطي الطبيب عامرا مظروفا ” صحوت . وجدت الطبيب يتفرس بوجهي وثمة ابتسامة ودودة تنفرش على محياه ثم قال : هناك شيء آخر تركه ليث لك وأعطاني مظروفا مغلقا فتحته على عجل أخرجت ورقة وقرأت أخي عامر. ووجدتَ أخيرا مبتغاك في التعرف عليَّ ذلك الهاجس الذي كان يؤرقك كلما تنظر إلي كان لا بد للسرِّ أن ينجلي ”
ويكون التأزم أكبر حين يكون هذا المظروف مؤديا إلى رسالة تنهي القصة بصورة غير متوقعة صانعة مفارقة سردية بامتياز ” حملتها بأنامل مرتجفة وجلست والطبيب بجانبي أخذت اتملاها بصمت ولكن الطبيب قال :
ـ أرجو أن تقرأها بصوت مسموع. امتثلت لرجائه وأنشأت اقرأ ( لن احترم العالم مادام في الأرض طفل منكسر العينين )
وإذا كانت ” الشخصية القصصية من حيث انتماؤها إلى عالم من العوالم المختلفة قد تكون إنسانا أو حيوانا أو شيئا جامدا آنسنه الكاتب أو شيئا مجردا خلع عليه القاص صفات الأحياء من نطق وإحساس وخيال ” ؛ فإنها بذلك يمكن أن تكون قادرة على توصيل رسالة القاص ومفادها ” أن الطفولة هي واحة المبدعين حين يريدون العودة إلى النبع الصافي النقي كالبلور . أرجو أن لا تتوهم وتتصورني شاعرا … إني باختصار أمثّل الشخص أدناه :
اسمي ليث عبد الوهاب محمود الحالة الاجتماعية أعزب مواليد 1956المهنة معلم ”
ويكون الوصف بمثابة وقفات استراحة تلقي الضوء على أجزاء المكان وتوقف الزمان ” وجه مدور أبيض ، شعر أسود تقتحمه شعيرات بيضاء تتكاثف واضحة عند السالفين وعينان صقريتان سوداوان ”
وإذا كان من المفترض أن اكتشاف سرّ ليث هو نهاية القصة ؛ الا إن استرجاعات الماضي القريب التي يرويها ليث داخل الرسالة تعود بنا مجددا إلى زمن سابق عاشه ليث ” مات أبي وانا صغير فتربيت مع أمي في بيت جدي ولما تخرجت من معهد إعداد المعلمين عينت معلما للبنات في المدينة” .
ويحدث التحول السردي في الحبكة ليعود مجرى القص إلى الزمن الراهن ” لقد تحول كل شيء في الملجأ إلى لحم مقدد آه يا ربي لم جعلتني أرى الجحيم وانا حي لا زلت أتنفس وقلبي المرعوب يسابق الزمن في عدوه .. وشعرت بتعب وثقل يغزو حلقي وصدري فتوقفت عن القراءة وانا أحاول أمساك زمام قلبي المتسارع رفعت رأسي نحو الطبيب الذي كانت عيناه مشدودتين إلى شفتي سحب شهيقا عميقا وقال خلل عبرة دافقة أكمل أرجوك وبعد يا عامر ”
ويختلط عالم الطفولة وترنيمة الأم وطفلها عن يوسف الذي وقع في البئر ونهى التي ترسم بالونة مع عالم الانفجارات وانين الطائرات ممتزجة بصورة مأساوية لملجأ قصف واحترق كل من فيه ” الظلام ورائحة اللحم المحترق والأضواء الناثة من الفتحات التي أولدها الصاروخ جعلني أصحو تماما تلمست جسدي بأصابع مستوفرة ثم أرجعت أناملي أمسح الرماد عن عيوني وحدّقت ..” لتتحقق هنا الإحالة المرجعية في ما يسمى بوهم الواقعية .
وإذا كان ” المرجع هو كل ما له حضور في النص مما يذكّر بنص آخر أو بمرجعية ما.. لان الكتابة لا تبدأ من الصفر ” فان ليث سيكون هو الكاتب نفسه ويكون الملجأ هو ملجأ العامرية ..
ويقع تحول آخر في مجرى السرد بالرجوع إلى شخصية عامر لتحدث مفارقة غير متوقعة حين يعرف أن ليثا صار في عداد الموتى ” لم استطع تكملة الرسالة حين رأيت الطبيب يخطو نحو الواجهة ويقابل الشارع المزدحم وقفت بجانبه صامتا ونظرت إلى السماء خلال زجاج الواجهة وأبصرت ليثا يومئ لي ويحلق بسرعة حتى أضحى نقطة بيضاء في حشية السماء ” .

ثانيا / تنازع الطبيعي والإنساني
يأتي الوصف في بناء قصة (النبض الأبدي) على هيأة صورة بانورامية ثالوثية بين الجبل والشجرة والراعي وهذه الصورة ينقلها راوٍ كلي العلم يعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات وهو يرى كل شيء من الأعلى فتتحول عنده الجمادات إلى كائنات حية ناطقة وأولها الجبل ” قرية جبلية تغفو على كتف جبل منح لها في غوابر الحقب الأمان والطمأنينة بفعل صلادته وجهامته وبسالته مع رجال القرية في الزمن الزائل لطرد الأعداء والطامعين وردهم إلى نحورهم خائبين ، هذا الجبل لا يفهم الآن وهو يرجع صدى فرقعات بعيدة ويحتضن وميضا بارقا ويطرشه صفير مدوّ يعجز الآن عن فهم سبب هجرة الناس رغم انه لا يزال يحاول أن يهبهم الحماية والأمان ” .
وهو يسمع ويرى ويبتسم ويقول وتتداعى داخله الأفكار.. أما الشجرة فحالها كحال الجبل ناطقة وعارفة بكل شيء وهي تحتضن ابنها الراعي ” ونظر إلى شجرة التفاح كانت تناديه بكل جوارحها تفرد جناحيها أو حناياها أو ذراعيها . فرك عينيه ناضيا عنهما الضباب أو الغبار تغرس بجنون ثم لهج بحرارة أماه ”
ويتخيل الراعي الشجرة أما ” كانت تقف أمام الجذع امرأة ثمانينية ببشرة بيضاء ووشم على الحنك تتلفع بفوطة نيلية وتتسربل بدشداشة بيضاء تشبه نديف الثلج أو لبنا رائبا ” .
وهذا الوصف الفانتازي يتحول على هيأة حلم يوتوبي يعيده إلى براءة الطفولة ” فاجأته رغبة بالعودة إلى أربعة عقود ونيف والركض بأقصى ما يملك من سرعة والقفز نحو رقبة أمه .. لاهجا بصوت طفولي أنا أحبك يا أمي ” .
ويأخذه الحلم إلى مهد بلا رضيع وتكون الصدمة أنه فارغ لا أثر لطفل فيه ” سياج من طين صلصالي متقوّض جعل الراعي ينتبه إلى بيت بلا سقف والأثاث مبعثر في الفناء لفت نظره مهد بستارة وردية وهو يهتز جيئة وذهابا وثمة صوت مناجاة أم تناغي رضيعها لكي ينام ” .
وإذا كان الراعي يجد في الشجرة أماً فانه و” منذ الصغر واليفاعة والشباب وحتى هذه اللحظة وهو يطأ العقد الخامس من العمر رآها وعاينها دوما زاهية خرافية الخضرة خرافية العطاء ” ، ويصير الجبل هو الأب أما الشجرة فهي الأم قالت له :” لا تخف قالت له الأم تعال يا فلذة كبدي قالت له الشجرة الأم بحرارة هلم يا بني توحد بي ”
وبما يشبه الحلم الفانتازي تحصل المفارقة السردية في عودة الراعي إلى الأصل إلى المنبع الأول إلى قصة الخلق وأكل آدم للتفاحة وخروجه من الجنة ” دخل الحشايا .. وهو يغذ في رحلة عجيبة نادرة إلى موطنه الأولى ”
لكن توحده بشجرة التفاح كان هو سبب موت الشجرة ” قالت له الشجرة لا تخف قالت له الأم تعال يا فلذة كبدي قالت له الشجرة الأم بحرارة هلم يا بني توحد بي دخل الحشايا وجد طريقه إلى القلب استشعر الأمان والدعة ودفق الحياة وهو يغذ السير في رحلة عجيبة نادرة إلى موطنه الأول حتى انه لم يفهم ما معنى الذي يحصل له ويراه بأم عينيه ”
إن في التناص مع حكاية آدم والشجرة والتفاحة وظيفة دلالية تؤكد أن الراعي هو الإنسان الوليد الذي لم يعرف الحضارة بعد وفطرته الخيرة انتقلت إليه من نبض الطبيعة التي توحد فيها إلى الأبد .
وهذا يؤكد حقيقة أن أصل الوجود أنثى وان الشجرة الأم التي توحد بها الإنسان هي التي جعلته موجودا على هذه الأرض ” آه أيتها الشجرة المعمرة أيتها الفاتنة التي تتأرجح على جدائلها الخضر كرات ملونة بلون غمازة عذراء خجولة ستبقين بمنأى عن الضرر لأنك شجرة الإنسان الأول شجرة آدم ” .
وتكون خاتمة القصة فاتحة للسرد محيلة على العتبة العنوانية فالنبض الأبدي هو البداية لعتبة الدخول وهو أيضا النهاية لمحطة الخروج ” وهو يرحل الآن في سفرة متفردة وكل خلية من خلايا جسده تتوحد ببقايا أشلاء الأم / التفاحة والنبض الموحد لهم يتعملق في الفضاء صوتا جميلا كشدو العنادل .. ليخرس كل شيء عداه الانفجار الصعق البروق الرعود الدخان ، فقد صار الكون نبضا أبديا ودفقا سرمديا ورحما لامرأة / شجرة لا يتوانى عن الخلق ”
وبذلك تكون الخاتمة في القصة القصيرة غير متوقعة وتكون بمثابة الوقوف عند القمة بعكس الرواية التي تكون نهايتها دوما متوقعة ومنحدرة..

ثالثا/ تقاطع الحقيقي والتخييلي
تتخلل القصة القصيرة (عروة بن الورد وما جرى له في أحشاء الغولة ) ثنائية الواقعي / التخييلي إذ ” يتقدم الفني مع تعقد الوقائعي ومع تعدد مواقع الرؤية منه واختلافها يتعقد الواقعي حتى لكأنه يفقد حقيقته ”
وتشتمل هذه القصة على انفتاح سردي بين زمنين أحدهما ماضٍ والآخر حاضر كونها تستوحي من حكايات الصعاليك سردها وهي مبنية على هيأة لوحات ست : اللوحة الأولى صوت خارق يبعث عروة بن الورد إلى هذا العالم في مكون فانتازي استهلالي واللوحة الثانية عروة يصاب بالدوار ويكبر إله الصحراء واللوحة الثالثة عروة يتساءل : أين الرجال ؟ واللوحة الرابعة عروة يدخل إلى المدينة ويتحدث مع صبي ظريف واللوحة الخامسة عروة يدخل أحشاء الغولة واللوحة السادسة الصوت الخارق يأمر عروة بالعودة ولكن ..؟
والغاية من تشكيل هذه اللوحات هي استحضار الذاكرة التاريخية بدءا من الجاهلية ومجتمع ما قبل الإسلام وانتهاءً بالعصر الراهن لتأكيد أن التفاوت في فرص العيش بين الأثرياء والمعدومين إنما هو أمر واقع على مرِّ العصور.
وكان الثلاثة عروة بن الورد وتأبّط شرا والشنفرى معروفين في الجاهلية بالصعاليك وكانوا يتخذون من الإغارة والسرقة وسيلة لمساعدة الفقراء والمحتاجين وعندهم أن شرف الغاية يبرر دناءة الوسيلة كنوع من البحث عن العدالة الاجتماعية في ظل مجتمع قبلي لا يرحم من يخالف الأعراف والتقاليد .
وتستلهم القصة القصيرة سيرة (عروة بن الورد) بطريقة فانتازية نلمحها منذ المفتتح ” كانت الصحراء تسبح في غلسة الليل والريح صرصر عاتية .. حين شق جوانب البيداء صوت كالرعد عروة .. هتف من ينادي أمير الصعاليك ”
انه يسافر بين ماضٍ غابر وحاضر راهن إلى فقراء تطحنهم الحرب ويقتات أبدانهم الجوع فيتعجب عروة من مشهد المرأة وأطفالها الجياعى ومما أصاب القوم من سوء حال كان يشهده حتى في الجاهلية في صورة تراجيدية قاسية ” كان الأطفال عبارة عن أسمال وجوع وحزن تتراكض بين البرك والخرائب والقمامات وهي تمارس طقوسها الصبيانية والنساء متلفعات بالأسى والتيه وهن يمرقن نحو السوق والسوق خواء ..ولكن ما أثار انتباه عروة أن لا أثر للرجال ”
وتعتري عروة تداعيات نفسية ” ثم أسرَّ لنفسه انه زمن الغث يا عروة الأطفال جياع النساء واهنات والشيوخ والعجائز أشرعة تمرق نحو الفناء ولكن ، لكن أين الرجال ؟” .
ومثلما تستفزه الطفولة البائسة المنسحقة تحت لظى الحروب فيرأف بالصغار وهم يهرعون إليه طلبا للأمن والسكينة كذلك تسترحمه الكهولة ومعاناة الكبار في عجزهم عن تحقيق متطلبات العيش ولما يلتقي بكهل يسأله عن ما أصاب القوم فيجيبه بأنها الحرب ” إنها نفس القصة المتكررة في كل الأزمنة فالدنيا عبارة عن طرفي حبل يمسك أحدهما قابيل والآخر هابيل ”
وتتجلى صدمة السرد في تأزم الحبكة حين يدخل عروة إلى المدينة فيجدها أشبه ما تكون بالغولة ” ودخل عروة أحشاء المدنية كبر إله البيداء وهو يتأمل بفم فاغر عمارات شاهقة تناطح الغيوم شوارع مسلطة تنزفها أسياج حامية تحرق الترس والبدن بسيارات مركونة على الأرصفة ”
ولما تدك سنابك فرس عروة بلاط الرصيف يجتمع لديه الماضي بالحاضر لكن الماضي حي يتحرك والحاضر جامد بلا ناس ..في مشهد دراماتيكي خيالي يجمع بين اصطدام عروة بالمدينة ويبن عجزه عن فهم الناس ” غامت الدنيا في عيني أمير الصعاليك وطفر الغضب إلى شفتيه فارتجفتا بشدة فبادر إلى امتشاق سيفه بلمح البصر ونزل على المسلح نزول الصاعقة وجندله ..وهتف أنا عروة بن الورد أمير الصعاليك أنا شاغل الصحراء قاصيها ودانيها أنا مغيث الفقراء والمعوزين في أزمان الجدب ” .
إن عالم المدينة يصيب عروة بالذهول والوهن فيجعله مغتربا عن كل ما يحيط به وفي مشهد سريالي يقع فريسة لرصاصات مسلح اخترقت جسده ومزَّقت بدنه ” تسمر وهو ينظر الثقوب العديدة التي انفتحت في صدره وبطنه والدم يسيل منها مثلما ينز الماء من ساتر ترابي يحتجز ماء الجدول ” ، فيأتي صوت خارق يأمره بالعودة ” عد إلى مكانك يا ابن الورد وأمام ذهول المسلح اختفى الجسد بغتة كفصِّ الملح ”
وفي إطار التقاطع بين الواقعي والتخييلي تكون اللوحة الأخيرة عبارة عن خبر صحفي في جريدة يومية مذيلة بتاريخ 16/ شباط / 2584 ومفاد الخبر أن المنقبين عن الآثار وجدوا هيكلا عظميا كتب عليه ” هنا يرقد عروة بن الورد أمير الصعاليك ” وتكون المفاجأة أنهم وجدوا شواهد رصاصات سلاح قديم على عظامه فوقعوا في حيرة ..” وهم يتساءلون لمن هذا الهيكل العظمي أ هو لعروة بن الورد حقا ؟ وهم يعلمون علم اليقين انه عاش في جزيرة العرب شرقي البحر الأحمر .”
ويصدم هذا الخبر أفق توقع القارئ إن كان ما قرأه من سرد مجرد تخييل فانتازي أو هو واقعة حقيقية موثقة ؟!!
ولعل ” إدراج النصوص الوثائقية في متن النص المتخيل لتنويع مصادر الكلام والتدليل ربما على راهن واقعيته ”
وإذا كان الواقعي والتخييلي متقاطعين في الزمان في قصة عروة بن الورد فأنهما سيكونان متقاطعين في المكان في القصة الأخيرة ( أرض من عسل ) ليغدو الاغتراب المكاني هو نفسه الوجود في اللامكان فليست المدينة إلاّ متاهة الوجود الضائع .
ويصف الراوي الخارجي هيأة البطل ” من يعاينه لأول وهلة لا يفارقه تخمين آخر سوى انه بثيابه النظيفة ولحيته الشائبة المشذبة وشعره الفضي المسدل الممسرح وبدنه الشبحي أكثر من إنسان عصّابي مصاب بالذهان ”
فهو كائن شبحي أو كائن متخيل لشخص واقعي يمسك بالقلم في صياغة مبتكرة لما فوق الواقع أو ميتا سرد أو meta function… التي تقوم على مبدأ تخليق المرويات وأسطرتها ومن ثم التشكيك بصدقها مزجا بين المتخيل والواقعي معا .
وربما كان هذا هو السبب وراء اختيارها كعنوان رئيس للقصص الأخرى. .فهذا التكنيك في طبيعة توظيف المعادلة السردية ( السرد ـ السارد ـ المسرود له ) يخالف أسلوب بناء سائر القصص السابقة إذ سعى القاص إلى خلخلة الأطر التراتبية لهذه المعادلة رادما الحدود بين الواقع والتخيل وقد ” كان جوته صادقا في قوله إن الفن فن لأنه مخالف للطبيعة ” .
وإحساس الشخصية المسرودة بالضياع مرده عدم فهمها لنفسها أولا وللآخرين ثانيا ” فلما يزل أسير ذلك السطر الذي لم يقفل بنقطة في آخر مشواره ومنحه هذه الفرصة النادرة مستلاّ من زمن لا تفاصيل مادية فيه ومكان لا تسعه الآفاق التي لا يمكن لعقل مهما أوتي من قابلية للتخيل استغوار كنهها ”
ولان الراوي كلّي العلم يرى كل شيء فانه يعرف ما تكابده الشخصية من اغتراب مكاني متخذا من تقانة الوصف وسيلة لبلوغ رؤية خارجية موضوعية ” همس لنفسه ودخيلته معجونة براحة عجيبة أين أنا ؟ كان الصباح يحمم البيوت المتكاتفة على جانبي الطريق بيوت صغيرة بواجهات فاخرة وحدائق غناء تدرج على أفياء وأفنان أشجارها الشحارير والعنادل والحمام وتتصاخب على أفاريز أسطحها القرميدية اللامعة كراديس الحساسين والذهول يطوق ذاته ويجعله يحاول أن يلم كل الموجودات الغارقة في الشفافية والناطقة بالسحر والجمال بلمحة واحدة وتتهدج ذاته هل هذه بغداد حقا ”
وهذا ما يجعله تائها في عالم قوامه الأشياء انه ضائع وليس في يده سوى رسم الأشياء فتتوالد في نفسه تداعيات كثيرة لم تسعفه في إيجاد الإجابات لأسئلته .. ويكون نحيب الحمامة الفخاتة { كوكوختي } هو المعادل النفسي لحالة التيه والضياع ” فتمثل أمامه وعلى الفور والزمن يركض في داخله صديقة الأثيري الفنان التشكيلي صنو وجدانه والمولع رسم العصافير وتحديدا القبرات الرائقات والبيبي متو اللجوج الصادح والفاختة ”
ويتخذ الراوي من التناص مع الفلكلور الشعبي تقانة تفتح آفاق النص القصصي على مرجعيات الذاكرة العراقية عن حمامة الفاختة وبحثها السرمدي عن كوكوختي وين أختي ؟
ومن خلال تكرار عبارات (ضاعت يوم الضياع ، بئر التيه ، ليس ثمة أمل ، بحر اوتونبشتم)،
يتعالق ضياع الفاختة في غابة خمبابا مع إضاعة كلكامش ( الرافدين ) لعشبة الخلود في صورتين مستحضرتين من اللاوعي الجمعي فالتيه والخراب والكآبة تتوارثها الأجيال المتعاقبة على هذه الأرض
ثم يتلاقى الحاضر ممثلا بالفنان المولع برسم العصافير مع الماضي الممثل باوتونبشتم في مشهد سريالي ” وغاص الفنان في بحر اوتونبشتم الذي اختاره طائعا بعد أن فقد القدرة على التجديف فترك أمر زورق رحلته نحو شمس ساطعة سيحملها على كتفه العضل ويمنح الخلود إلى أهل أوروك في كفة الغيب وسامر صديقه اورشنابي يحدثه عن البطل الذي أضاع العشبة إلى الأبد ” .
ثم يعود إلى زمن حاضر فيجد نفسه في الترام ” وجلس لصق كهل .. ثم انشأ يتأمل جليسه المنهمك في مطالعة كتاب بغلاف زاه تتصدره في الزاوية اليمنى صورة صديقه الروائي ”
لكن التأزم في الحبكة يحدث حين يكتشف هذا المسافر عبر الأزمان انه غير مرئي فيتجاهله الآخرون ولا يلتفت إليه أحد عبر استبطان الراوي لدواخل الشخصية ناطقا بلسانها ” قارئ الرواية ما أعارني أي اهتمام وهؤلاء الشباب لا يحسون بوجودي انحنى على الأول ومسّد شعره الاكرت لم يعره أي اهتمام وفعل ذلك مع الأربعة وتلقى ردة الفعل نفسها فأيقن انه غير محسوس ردد العبارة لأكثر من مرة فداهمته غصة مريرة ”
ويوظف الاستباق الزمني عن لاعب جديد يشبه جده الذي كان قد ملأ الملاعب فنا راقيا اسمه نشأت أكرم وهذا ما يزيد حيرة البطل .
وقد قابل بين كاتب القصة الذي اصطدم بحقيقة أن الآخرين لا يرونه رأي العين وبين قارئ القصة الذي لم تند عنه أي ردة فعل لكنه يبقى متفائلا بأمل جديد من خلال منظر تلاميذ المدرسة الابتدائية الذين جعلوه يشعر بالانتماء للأرض ” وقف يتأمل التلاميذ الصغار بابتسامة جعلته نقيا كشمس الشفق الربيعي وبغتة انطلق الأطفال ينشدون أنا من العراق أنا عراقي العراق وطني فيه أبي وأمي وبيتي وفيه أصدقائي ”
ويحدث الانفراج حين تراه طفلة ليعرف انه صار مرئيا الآن فيخرج من حالة الشعور بالاغتراب في داخله شاعرا بوجوده ليصير مرئيا ولينهي حالة الضياع ” كاد يرقص من الفرح وهو يحث الخطى نحو الطفلة ويمد كفه فمدت كفها اللدنة وأمسكت بكفه فسألها بحنو أبوي هل ترينني ؟ نعم جدو ”
إن هذه المفارقة الفانتازية تعيد مجرى السرد إلى حالة التوازن فيغدو البطل بسبب براءة الطفولة محلقا في الهواء مرتفعا للأعلى ليرى أرض العسل ” وارتفع جسده بفعل قوة مجهولة ونظر من علٍ وهو مسكون تماما بالنشوة فهتف الأطفال .. انه يطير ” ويكون ختام القصة عبارة عن منظر تخيلي طفولي ” كانت آخر ما احتوته مقلتاه أرض من عسل يدرج فيها نحل لا يستكين ” .
وقد أكد الدكتور محمد مندور ” أن الأدب بطبيعته مفارقات وهو فن جميل والمفارقات ليست لها معادلات جبرية والجمال بطبعه لا يقنن له ثم أن التفكير القاعدي في الأدب خليق بأن يقود إلى التحكم ” .
وبذلك يكون التحليق فوق أرض العسل هو الحلم اليوتوبي لعالم مثالي ومدينة أفلاطونية فاضلة تملؤها البراءة وتسكنها الفطرة الخيرة بعيدا عن كل أشكال الشر وهذا ما كان الرومانسيون قد بحثوا عنه كثيرا فلم يجدوه …

خلاصة البحث
يجد المتابع لقصص هيثم بهنام بردى منذ مرحلة السبعينات وحتى ما بعد التسعينيات وإلى يومنا هذا أن خط كتابته السردية قد انزاح إلى مراحل جديدة أكدت تنوع قدراته الإبداعية عبر تطوير أدواته الكتابية في بناء المكان من دون الزمن أو في توظيف التقانات السردية وما بعد السردية لاسيما تلك التقانات التي تشتغل في منطقة القارئ موظفة السرد بطرائق مبتكرة تشرك المتلقي معها.
وهذا ما أعانه كثيرا في بلورة الماوراء سردي داخل سروده القصيرة لتتداخل الأجناس فلا يعود هناك حد فاصل بين نثر وشعر.
ويبدو أن محنة أبطال قصص ( أرض من عسل) هي محنة نفسية أساسها الإحساس بالتقاطع والتنازع في الزمان والمكان .
وقد نجح القاص في تجسيدها من خلال تقنيات سردية أسهمت في تأكيد الشعور النفسي بالتأزم كتوظيف التناص والمفارقة والدراما والشعرية والفانتازيا والتخييل ، وهذه كلها مكنت من اكتشاف بواطن الشخصيات القصصية واختراق عوالمها السردية وما بعد السردية .

فهرس هوامش البحث /

تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، د.يمنى العيد ، دار الفارابي ، بيروت ـ لبنان ط1 ، 1990 /176ـ 177.
معرفة الآخر مدخل إلى المناهج النقدية ، عبد الله إبراهيم و عواد علي وسعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ، د.ت /14.
الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د.عز الدين إسماعيل ، دار الفكر العربي ، ط3، 1966 / 188.
عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص ) ،عبد الحق بلعابد ، ،تقديم :د. سعيد يقطين ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ،ط1 ، 2008 / 67
عتبات / 65
عتبات / 126ـ127
من قصيدة غريب على الخليج ، بدر شاكر السياب الأعمال الشعرية الكاملة ، المجلد 1/182
ينظر : دراسة نقدية للدكتور محمد صابر عبيد وعنوانها (الملاذ السردي وطعم الحكاية هيثم بهنام بردى يحرث أرضا من عسل ) /7ـ 16.
الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية / 279.
عتبات الكتابة ورهانات الواقع والتاريخ ، بوشوشة بن جمعة ، مجلة الحياة الثقافية ، العدد 186 ، أكتوبر ، 2007 / 27
أرض من عسل مجموعة قصصية ، هيثم بهنام بردى ، دار الحوار للنشر والتوزيع سورية ، ط1، 2012 / 19
تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي / 172
أرض من عسل مجموعة قصصية / 20.
م.ن/ 21
م.ن/ 22
م.ن/ 24
م.ن/ 24
م.ن/ 25
م.ن/ 26
م.ن/ 28ـ32
م.ن/32
ينظر :م.ن/ 33ـ 34
م.ن/ 34.
م.ن/ 27.
م.ن/35
م.ن/20
م.ن/ 24
م.ن/ 29
م.ن/ 30
م.ن/35
ارض من عسل مجموعة قصصية /40.
م.ن / 47.
م.ن/ 48ـ49.
النقد التطبيقي للقصة القصيرة في سورية ،د. عادل الفريجات ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2002/ 12.
أرض من عسل مجموعة قصصية /49.
م.ن/ 40 وينظر أيضا ص 41
م.ن/ 49.
م.ن/ 52.
م.ن/ 52.
تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي 195
ارض من عسل مجموعة قصصية / 53
م.ن/ 57.
م.ن/ 60 .
م.ن/ 60ـ61.
م.ن/ 61.
م.ن/ 59.
م.ن/ 60.
م.ن/ 62.
م.ن/ 63
م.ن/ 62.
م.ن/ 60.
م.ن/ 62
ينظر: معرفة الآخر مدخل إلى المناهج النقدية /14.
تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي/ 174
ارض من عسل مجموعة قصصية /65.
م.ن/ 67
م.ن/ 67
م.ن/70
م.ن/ 71
م.ن/73
م.ن/73
م.ن/ 74
م.ن/74.
م.ن/ 75.
فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب ، د.يمنى العيد ، دار الآداب ، بيروت ،ط1، 1998/37.
أرض من عسل مجموعة قصصية / 79
الصوت المنفرد مقالات في القصة القصيرة ، تأليف :فرانك اوكونور، ترجمة د. محمود الربيعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993/ 171.
ارض من عسل مجموعة قصصية / 80.
م.ن/ 80.
م.ن/ 81
ينظر : م.ن/ 81.
م.ن/ 82.
م.ن/ 82ـ83.
م.ن/ 85
م.ن/ 86.
م.ن/ 86
م.ن/ 87
م.ن/ 87
في الأدب والنقد ، د. محمد مندور ، دار نهضة مصر للطبع والنشر ، ط5، 1949/ 13.

فهرس مصادر البحث /
1. أرض من عسل مجموعة قصصية ، هيثم بهنام بردى ، دار الحوار للنشر والتوزيع سورية ، ط1، 2012 .
2. الأعمال الشعرية الكاملة ، بدر شاكر السياب ، تقديم ناجي علوش ، المجلد 1. د.ط ، د.ت.
3. تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، د.يمنى العيد ، دار الفارابي ، بيروت ـ لبنان ط1 ، 1990.
4. الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د.عز الدين إسماعيل ، دار الفكر العربي ، ط3، 1966.
5. الصوت المنفرد مقالات في القصة القصيرة ، تأليف :فرانك اوكونور، ترجمة د. محمود الربيعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.
6. عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص ) ،عبد الحق بلعابد ، ،تقديم :د. سعيد يقطين ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ،ط1 ، 2008
7. عتبات الكتابة ورهانات الواقع والتاريخ ، بوشوشة بن جمعة ، مجلة الحياة الثقافية تعنى بالفكر والإبداع تصدر عن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث ، تونس، العدد 186 ، أكتوبر ، 2007.
8. فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب ، د.يمنى العيد ، دار الآداب ، بيروت ،ط1، 1998
9. في الأدب والنقد ، د. محمد مندور ، دار نهضة مصر للطبع والنشر ، ط5، 1949.
10. معرفة الآخر مدخل إلى المناهج النقدية ، عبد الله إبراهيم و عواد علي وسعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ، د.ت
11. النقد التطبيقي للقصة القصيرة في سورية ،د. عادل الفريجات ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2002.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حميد الحريزي : البعد الفكري في رواية (التصريف الثـالث) للدكتور جليل إبراهيم الزهيري .

                   ((بين الحرية والأمر عداء مستحكم ))                 …

| شكيب كاظم : هل كان للعرب نثر فني في أيام الجاهلية؟.

قرأت منذ سنوات (٢٠١٦) كتاب ( النثر الفني في القرن الرابع) لمؤلفه الباحث المصري الدكتور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *