عبدالرزاق عبد الواحد : أكرم الوتري (ملف/2)

الساعةُ التَّعبى تظـلُّ تُطلُّ من خلَلِ الدخانِ

تُحصي المهازلَ والمآسـي بالدقائقِ والثواني

ماذا جرى للأرض حتى عاد أهلوها عبيدا ؟

واظلمَّت الأبصارُ حتى لا ترى فيها جديدا ؟

وتناثرت عبرَ الدروب مواكبٌ سودُ الجباهِ

تبغي خلاصاً في المَساخِرِوالمساجدِ والمقاهي

الساجدون على التُّقى يستغفرون من الخطايـا

والسارحون مع الهوى والراقدون مع البغايا

والهائمون تهزُّهم في النفسِ خَيباتٌ مَريرة

يُفنونَ بين الذكرياتِ حطامَ أعمارٍ قصيرة

والأغنياتُ النّائحاتُ تعَـَّتـَقتْ دَهراً فدَهرا

والعابراتُ على الطريق كأنَّما يَحملنَ سـرّا

والجائعاتُ نفوسُـهُم رَوَوا العيونَ من العيونِ

يَهتـاجُهُم شوقٌ إلى دِفْءٍ ، إلى صدرٍ حنونِ

مِن شاعرٍملكَ السَّماءَ وشَدَّهُ بالأرض قوتُ

يطوي السنينَ علىالعذاب فلايَعيشُ ولايموتُ!

عبدٌ لِمَن عَبَدوا التراب وعَفَّروا فيهِ الجِباها

وتَطَلَّعوا خَوفَ العقاب كأنَّما قتـلوا إلهَـا !

وأسيرُ في صَخَبِ الجموع كأنَّني من غيرِ قلبِ

وتجرُّني الأحلامُ والأوهامُ من دَربٍ لدَربِ ..

* * *

أكرم الوتري .. الذي لا يكاد صوته يُسمع حتى في أشدّ حالات انفعاله في الحديث .. الذي يصبح وجهه قرمزياً من الخجل لأيّ عارضٍ محرج يمرّ أمامه ، ربّما لم يكن أحدٌ انتبه إليه ! .. والذي لم أسمعه – طوال معرفتي به – ولا سمعه واحد من أصدقائنا ، على ما علمت منـــــــــهم، يتفوَّهُ بكلمةٍ نابية ! .

مرةً ابيَضَّ وجه أكرم حتى غدا مثل كفن الموتى. كنا جالسين في مقهى الرشيد ، هو وأنا ورشيد ياسين . لم ننتبه ، لا أنا ولا رشيد إلى ما جرى .. ولكن يبدو أن أحدهم – من الوسط الأدبي – سمع الوتري ما أحرجه كل هذا الحرج . سأله رشيد ، فقال أكرم : “لا شيء .. ليس هناك شيء . أهانني وذهب .” فسألناه منفعلين : كيف ؟ .. ولماذا ؟؟ . ردَّ بحزن عميق ، وبصــــــوت لا يكاد يُسمع : ” قلت في قصــــــــــيدته رأياً لم يعجبه .. فأهاننـــــي وذهب” .

فثارت ثائرة رشيد ، ورشيد عنيف حدّ اللعنة . كان يريد أن يركض خلف صاحب العلاقة ليشبعه ضرباً ، وأنا وأكرم ممسكان به نهدّئ من ثائرته ..وأكرم يقول له : “هو أهانني . لقد ا ستطاع أن يهينني فما جدوى أن تضربه ؟ . الإهانة حدثت وانتهت ، ولا سبيل إلى محوها حتى لو ضربته .”.. وكان أكرم يرتجف من شدّة الإنفعال، ولكن صوته ظل خفيضاً لايكاد يُسمع ! .ومع ذلك ، فأكرم على أدبه الجمّ ، وحيائه المفرط .. صاحب دعابة ومرح قلّ أن يتصورهما من ينظر إلى هيئته المكتظة بالوقار ، على صغر سنّه ! .. تشهد له هذه الأبيات من قصيدة ذاع صيتها بين أصدقائه حتى حفظوها جميعاً :

جوزي فداكِ القلب جوزي

أصبحتُ كالرجلِ العجوزِ

لا تَزعَلـي منّي ، فإنـَّكِ

إن زعلـتِ لويتُ بوزي !

أخشى على قلبي التَّصَدُّعَ

إنَّ قلـبي مِـن كزيـزِ !

أصبحتُ من ذُلِّ الهوى

هندي يسيرُ وَرا انكليزي !

أرجَعتِني طفلاً فَعُـدتُ

وصرتُ أقرأ : زيزي زيزي !

وتُصالحهُ فيقول :

أقبلتُ أبسـمُ للهوى

وأدرتُ للعُـذّال . . . . !

* * *

وتشهد له أيضاً قصائد ” التحايا ” التي كان يتزعمها رشيد ياسين ، ولأِكرم قدح معلّى في بعضها حدّ إثارة الإستغراب .

كان أكرم يوم تعــــــــرّفت عليه طالباً في كلية الحقوق .

اتى إلى جواري شاب نحيف ، شديد الرهافة في كل تقاطيعه .. وسيم ، أبيض البشرة مشرَّب بحمرة خفيفة .. ملوّن العينين .. أصفر الشعر والشاربين ..وديع حدَّ وجع القلب ! .. وكان كل ما فيه يوحي بعدم انتمائه للمقهى التي كنا نجلس فيها .

عرفت بعد ذلك أن أكرم الوتري هو ابن أخ الدكتور المرحوم هاشم الوتري ، عميد كلية الطب العراقية آنذاك .. وأنه من طبقة لا أقول مترفة ، ولكنه يستحق معها أن يقعد مقعداً ” برازيلياً ” ! . . ولكن الذي ظلّ يشدّه إلى مقاهينا ، وإلى حياتنا ، أن الشعر كان قضيـــــــــته الكبرى .. وقد وجده هنا ! .

كان حاضر البديهة ،لاذع النكتة،سريعها .. وحين يروي نكتة ، يرويها بنفس الهدوء والوقار اللذين يقرأ بهما قصيدته ! .. وبينما ننفجر نحن ضحكاً ، ما كان يضحك من أكرم إلا عيناه ، ومسحة ابتسام خفيفة على وجهه ! .

كانوا جيلاً رائعاً .. ولهذا استطاعوا بصدقهم ، وبمواهبهم الكبيرة ، ودأبهم الذي لا يعرف التعب .. ورهبانيتهم التي ترفعت على كل التواطؤات ، أن ينعطفوا بالشعر العربي انعطافته الكبرى في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات .

مرة دُعينا إلى تسجيل ندوة شعرية في الإذاعة. كنا طلاباً .. وكنا أربعة هم – إذا لم تخنّي الذاكرة السياب ، ورشيد ، وأكرم ، وأنا . كان ذلك في أواخر الأربعينات . قالوا لنا :” إقرأوا ما تشاءون من ِشعركم ، ولمدة نصف ساعة ، حتى ولو كان شعراً سياسياً مناهضاً للدولة . وَوعدونا بأن لا يحذفوا منه شيئاً . وسجّلنا الندوة .. وأذيعت كما هي .. وكوفئنا عليها بأربعين ديناراً ، لكل منا عشرة دنانير..وطلبوا منا أن نتعاقد على ندوة في كل أسبوع .

لكي يعرف القارئ الكريم معنى كل ذلك،أذكر له أن الراتب الشهري لخريج الجامعة آنذاك كان ثمانية عشر ديناراً .. وراتب المدير العام في الدولة كان في حدود الخمسين ديناراً .. وفي ذلك الزمان ، ما كان يصل إلى درجة مديرعام إلا من أمضى قرابة نصف قرن في الوظيفة! . معنى هذا أننا كنا سنتقاضى راتب مدير عام ونحن طلبة ، خيرنا مَن يصله مِن أهله ، وهو في القسم الداخلي ، ديناران في الشهر ! .

يومها ، ذهبنا نحن الأربعة إلى شارع أبي نؤاس .. شربنا ،وضحكنا ، وتذكرنا – ونحن نحتفل – رواتب أهلنا التي يرسلونها إلينا .. وبين الضحك والسخرية ، ناقشنا هذه المبادرة الغريبة من قبل الإذاعة ، فتوصّــــــــلنا إلى أنها عملية لجرّ الرِّجل .. بعدها ، وبعد أن نعتاد على العيش بأربعين ديناراً في الشهر ، سيسألوننا أن نغيّر البيت الفلاني ، وأن نحذف البيت الفلاني .. ثم بالتالي أن نكتب كذا ، وكذا !

ولم نذهب بعدها للإذاعة ! .

* * *

أصدر أكرم الوتري مجموعته المتفرّدة ( الوتر الجاحد ) عام 1950 على ما أتذكر ، لأن ديوانه لم تُـثـبَّت عليه سنة الطبع .. بعدها رفض أكرم أن يكتب الشعر !

إلى الآن أذكر كيف كنا نضيّـق عليه الخناق في مجالسنا ، فيصرّ على الإعتذار قائلاً :” الكلمة المطبوعة مسؤولية كبيرة أخاف منها ! ” . كنا نقول له : يا أكرم الذي يكتب مثل كتابك لا يحق له أن يخاف من مسؤولية الكلمة .. فكان يقول : بل يجب أن يكون خوفه أكبر ! .

من أين لنا اليوم هذا الصدق ، وهذا الإحساس بالمسؤولية يا أكرم ؟ ! .

إلى اليوم .. كلّما رأيت عينين جارحتَي الحزن ، أردد قول أكرم :

عيناكِ أجملُ ما رأيت وما أ شاعَ بيَ الخشوعْ

لِمَ تسألانِ ولا سـؤال وتبكـيانِ ولا دمـوع !

* * *

– ساعة القشلة .. قصيدة ( بغداد الحزينة ) من ديوان ( الوتر الجاحد ) .

– ( التحايا ) قصائد ابتكرتها المجموعة ، تُكتب في هجاء شاعر غالباً ما يكون من بين أفرادها ، وأحياناً من خارجها .. وتكون ( التحية ) منظومة على رويّ قصيدة مشهورة له . وقد اتّسعت هذه الهجائيات حتى شــــــــملت عدداً كبيراً من الشعراء ! .

– إذا حصل أيّ التباس في هذه الذكريات ، فالوحيد الذي يستطيع تقويمه ، أو إيضاحه هو الشاعر رشيد ياسين ..أولاً لذاكرته العجيبة بحيث رأيته يحفظ حتى اليوم معظم التحايا التي كتبناها عن ظهر قلب ! .. وثانياً لأنه واكب معظم أحداث هذه الذكريات .

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *