الرئيسية » ملفات » فاروق يوسف :جواد الحطاب يستوحي «نصب الحرية» شعرياً (ملف/14)

فاروق يوسف :جواد الحطاب يستوحي «نصب الحرية» شعرياً (ملف/14)

إشارة :
ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.

المقالة :

جواد الحطاب يستوحي «نصب الحرية» شعرياً
فاروق يوسف

في ديوانه «بروفايل للريح، رسم جانبي للريح» الصادر حديثاً عن دار شرق غرب (برلين) يستعير الشاعر العراقي جوادالحطاب دافع الكتابة من الشاعر الرائد بلند الحيدري. يعود الحطاب إلى لقائه بالشاعر الحيدري الذي أخبره أنه اتفق ذات مرة مع الفنان جواد سليم على أن يجربا الرسم والشعر متزامنين.

يرسم جواد ليستوحي بلند قصيدته ويكتب بلند ليلهم جواد رسومه. يقول بلند كما يخبرنا الحطاب «ان التجربة قد فشلت» ذلك لأن جواد كان يقول لبلند قصيدتك بائسة فيرد عليه بلند بأن رسومك غير موحية.

في كتابه الجديد يحتل الحطاب مكان الحيدري مستلهماً رائعة جواد سليم «نصب الحرية»، ذلك العمل النحتي الخالد الذي انجزه سليم عام 1961 من غير أن يمنحه الموت فرصة رؤيته شامخاً في قلب العاصمة العراقية. كان سعدي يوسف في كتابه الشعري «تحت جدارية فائق حسن» قد سبق الحطاب في استلهام عمل فني رائع، لا يزال هو الآخر يقف وسط بغداد شاهداً على قوة الفن، حين يكون مستقل الارادة في التعبير عن القيم الجمالية والإنسانية.

نصب الحرية عبارة عن افريز جداري يتكون من 14 قطعة نحتية صفت على جدار أبيض مرتفع في الهواء مثل لافتة (صممه المعمار رفعت الجادرجي). كان ذلك النصب عبارة عن تحية مواربة ألقاها الفنان على الحدث الأكبر في حياة العراقيين ألا وهو ثورة الرابع عشر من تموز 1958. هناك شيء من الوصف المقتضب لأسباب ودوافع تلك الثورة وما يمكن أن ينتج عنها مستقبلا في ظل استرجاع لمشاهد تذكر بالنحت العراقي القديم، وبالأخص الأشوري منه. ولأن الحطاب هو الآخر يميل إلى الاقتضاب اللغوي والتقاط الصور التي يناقض ما تخفيه من معان مظهرها فقد وجد في التنويع على مفردات ذلك النصب الصامت ضالته في البحث عن الطرق التي مشت فيها كائنات جواد سليم بعد أكثر من خمسين سنة من عيشها الضجر في بلاد سلمتها الانقلابات العسكرية وعوالم الاستبداد الشخصي إلى احتلال أجنبي سلمها من جهته إلى حكومات رخوة، لا تجد حلاً لأزماتها إلا في التهديد بالحرب الأهلية. أهذا ما تبقى من نصب الحرية في حياة العراقيين؟

«حين أموت/ ادفنوا معي بطارية ضوئية/ فانا أخاف من الظلام»

يقول الشاعر وهو يتذكر أن ذلك النصب كان موقع ريبة بالنسبة للحكومات المتعاقبة. توحي الحرية بشيء مستتر من الشغب غير الضروري. كان هناك دائما اقتراح حزبي بإزالة النصب أو على الأقل جزء منه. «مَن سيحمي عفة الاحلام/ في القيلولة الوطنية» سيكون للحرية دائما صرختها التي لا يمكن تفادي الانصات إليها. «مَن يزن الصرخة بميزان الالم؟» سؤال يقع خارج سياق الأحداث. صحيح أن العراقيين كانوا قد اعتادوا أن يلتقطوا الصور التذكارية تحت نصب الحرية، غير أنهم نادراً ما كانوا يرفعون رؤوسهم إليه. كان النصب قائماً من أجل الذكرى. ذكرى الخديعة أم ذكرى الفاجعة؟ يختلف العراقيون في تفسير ما جرى لهم. غير أن قوة الفن تظل متماسكة، من غير أن يرمش لها طرف، حتى في مواجهة شاعر ساخر مثل الخطاب فإنها تستغيث بما يكمن في أعماقه من أحزان، وهو الذي كتب واحداً من أجمل وأقوى كتب الحرب النثرية يوم كان مضطراً للمشاركة في الحرب العراقية- الايرانية بصفته جندياً مكلفاً. «إنه القلب إنه الوطن» الذي صدر في السنة الثانية من تلك الحرب (1981) كان شهادة طالعة من الجحيم في الوقت الذي كان الادباء العراقيون فيه يكتبون أدباً جاهزاً من أجل التعبئة.

الشاعر الذي لم يغادر بغداد كان شعره أشبه بمرصد الزلازل. يقول أرقاماً، يكثفها الحدث بالصور التي تحضر هي الأخرى صامتة. في «نصب الحرية» هناك الشيء الكثير من تلك المعادلة التي صار الشاعر يلتقط عناصرها، لا بما توحي به بل بما تلهمه مستنداً إلى وقائع حياته. «حبة عين واحدة/ من عين أم/ كافية لتعقيم الملائكة» سيكون جواد سليم مسروراً لذلك الوصف الذي يدخل امرأته الحانية على أطفالها في مسار آخر. سيكون علينا أن نتوقع المزيد من الصور التي لا تكشف عن نفسها بصرياً إلا من أجل أن تتنفس هواء لغزها الشعري. يقول الشاعر:

«أهبط من قاعي/ الى منخفض السماء/ وأقود قطيع الارواح/ الى كرنفال مواكب الموتى»

يضع الشاعر جواد الحطاب الحرية وهو يستلهم نصبها الصامت في سياق مفهومها العراقي باعتبارها واحدة من محطات الموت. وهو من خلال استلهامه لنصب الحرية، الذي كان بالنسبة للعراقيين أشبه بالنشيد الوطني والعلم وكتاب التربية الوطنية انما يتصدى بالشعر للاسطورة. هو يفعل الشيء نفسه دائماً «لنكن واقعيين لكن بمزاج شعري».

*عن موقع التجديد العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *