الرئيسية » ملفات » ميساء نبيل عبد الحميد : الغربة والاغتراب في روايات (غائب طعمة فرمان) (ملف/8)

ميساء نبيل عبد الحميد : الغربة والاغتراب في روايات (غائب طعمة فرمان) (ملف/8)

إشارة :
تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم.
الغربة والاغتراب في روايات غائب طعمة فرمان (8)
رسالة تقدمت بها ميساء نبيل عبد الحميد إلى مجلس كلية التربية ـ جامعة تكريت وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها

يرى الكثيرون أنَّ أهمية (غائب طعمة فرمان) بالنسبة للأدب العراقي الحديث تكمن أساساً في (رواياته)( 1). ففي عام 1966 أصدر (غائب) روايته الأولى (النخلة والجيران)، ومن خلالها قدم رواية تأسيسية متميزة في الأدب الروائي المعاصر في العراق.
والواقع أنَّ غائباً، منذ إصداره لهذه الرواية، كرَّس الجزء الأكبر من نشاطه الإبداعي لكتابة روايات أخرى حتى وصل عددها إلى (ثمان)، محاولاً من خلالها بناء عمارته الروائية، وترسيخ وجوده على أنَّه أبرز روائي عراقي، وله مكانته المتميزة بين الروائيين العرب المعروفين.
ولعل اهتمامه المتزايد بكتابة هذا النوع الأدبي مردّه إلى كون الرواية أوسع إطاراً وأكثر قدرةً على التعبير عن الواقع وما يتخلله من تفاصيل وما يتمخّض عنه من أحداث، فالرواية على وفق منظور (غائب) تتميّز بأنها “تضيف إلى صفة العمق صفة الطول… وهي تعمل بحرية أكثر وعلى رقعة أوسع ليس من حيث السطح فقط، بل العمق أيضاً… لأنَّ الروائي يملك مجالاً لتتبع لحظات إنسانية عديدة، مثلما يملك مجال التوغل فيها عميقاً…”( 2)، لقد بدا لغائب أنَّ الرواية أكثر وفاءً بمتطلبات الغاية التي يتطلع إليها، لاسيما إذا وضعنا في اعتبارنا أنَّ (غائب) حاول، من خلال رواياته، أنْ يؤرخ لبغداد والعراق وأحوال العراق، كل رواية تحكي أحداث فترة، وتؤرخ لوقائع مرحلة تأريخية معينة. والتأريخ الذي تناوله مثبت في مكان محدد هو: المحلة الشعبية البغدادية. وعداها فما من مكانٍ آخر، عدا أرض الغربة، التي تحدث عنها في رواية (المرتجى والمؤجل). يقول (غائب) في هذا الخصوص: “أنا أبن البيئة الشعبية، طوال حياتي في العراق لم أخرج منها، ولا أكاد أعرف إلا بيوتها وأزقتها وأهلها. ولهذا تخلو رواياتي من وصف البيوت ذات الطراز الحديث، فأنا لم أعش فيها واجد عسراً في وصفها”(3 ).
وتبعاً لذلك فإننا نجد أنَّ روايته الأولى تعكس أجواء مدة الحرب العالمية الثانية، فيما تجري أحداث رواية (خمسة أصوات) في مدة الخمسينات التي سبقت (ثورة 14تموز 1958). وتتناول رواية (المخاض) الظروف التي شهدها العراق، أو بالأحرى: بغداد، خلال مرحلة ما قبل (ثورة 14تموز 1958) وما بعدها. أما روايتَا (القربان) و(ظلال على النافذة) فأنهما تتناولان مرحلة ما بعد عام 1963. فيما تغطي رواية (المركب) مرحلة الثورة النفطية في السبعينات.

وبذلك يمكن القول إنَّ روايات (غائب) يمكن عدها بمثابة تسجيل لتفاصيل الحياة الشعبية العراقية – البغدادية، منذ الحرب العالمية الثانية حتى منتصف السبعينات.

والواقع أننا يمكن أنْ نلقى في تصريحات (غائب) نفسه ما يدعم هذه الرؤية و يؤيدها، إلى حد ما. ففي مقابلة له مع مجلة (المنار)( ) ، وردّاً على سؤال عما إذا كانت هناك وشيجة خفية تربط بين أعماله الروائية، صعوداً نحو تغطية كاملة للمجتمع العـراقي ، أجاب (غائب) قائلاً:
“يمكن أنْ تفسر هذا… ولكني أطمح أكثر من هذا… أطمح لأن أرسم صورة للمجتمع العراقي الذي يتكامل عبر رواياتي كلها… لأن هناك عملية تطور مستمرة في المجتمع العراقي… وفي هذه العملية المستمرة… هناك نقاط محطات… قد تكون رواياتي محطات وقوف لهذه العملية المستمرة… أنا أريد أنْ ينظر إليها كعملية تامة، كمسح تام ككيان متكامل ومتواشج دون فصل بين هذا وذاك… فليس كل رواية مستقلة تمثل مرحلة معينة حتى إذا انتهت هذه الفترة تنتهي الرواية معها… هذا هو طموحي، وقد أكون فاشلاً”.
وفي ضوء هذا التصريح، وفي ضوء ما أوردته قبله من تصور عن سعي (غائب) لأن يؤرخ، من خلال رواياته، لبغداد والعراق وأحوال العراق، عبر حقب ومراحل تأريخية متتابعة منذ الحرب العالمية الثانية، في ضوء ذلك كله يمكن القول: إنَّ الرواية كتأريخ، بالشكل الذي كتبه (غائب) هي تأريخ من نوعٍ خاص، وذلك من حيث “أنّها لا تنطلق من المدلولات والشواهد والذكريات كمادة لها إلاّ لكي تقوم بصهر هذه المادة، هذه المدلولات والذكريات والشواهد في بودقة خاصة، ثم تعيد صياغة صورة تلك المدلولات والشواهد التي فقدت خصائصها الفردية المحسوسة، في واقع جديد تخييلي يقوم على الواقع التأريخي الفعلي، ولكن بعلاقات وشخصيات ونماذج ومؤسسات وأماكن وأفكار وقيم سلوكية، إلخ، جديدة، تؤلف نسقاً موازناً على غرار النسق التاريخي الفعلي، ولكنه مختلف. لأنه نسق خيالي، وبالتالي غير موثق”( 4).
وفي حديث له مع أحد الكتّاب وردّاً على سؤال عما إذا كان يعتقد أنّ الروائي، في جانب من عمله، مؤرخ لحركة الحياة وتبدلاتها، كما لواقع الإنسان وتحولاته، أجاب (غائب) قائلاً: “إذا كان التأريخ هو الكتابة عن نشاط الإنسان، ورسم صورته في مرحلة من المراحل، فإنَّ العمل الروائي وثيقة إنسانية صادقة للحظات الإنسانية، تساعد المؤرخ كثيراً على رسم صورة للإنسان الذي يدرسه ضمن الإطار الزمني. وكل روائي يعكس رؤياه الخاصة عن إنسان عصره، ويبرز الجوانب التي يراها أولى بالاهتمام. ومجموع هذه الرؤى تعين المؤرخ في درس الحقبة التي يعنى بها”.
وأضاف، معززاً فكرته هذه:
“الروائيون الخالدون الذين يحظون باهتمام كل الأجيال هم أولئك الذين عبّروا بصدق عن إنسان زمانهم، وأبرزوا قسماته الإنسانية من خلال تجارب ذلك الزمان. أما الذين اهتموا باللحظات الدفينة فقد أهملهم التأريخ”(5 ).
إذن، همّ (غائب) الروائي واهتمامه، إنما كان متركزاً على الإنسان، وحياته، ومعاناته، في إطار بيئة إجتماعية معينة – هي البيئة الاجتماعية العراقية التي تأثر بروحها، ووجد في انتمائه إليها قضيته الرئيسة: قضية الإنسان وحياته. فكرّس لها رواياته كلها، محاولاً أنْ يصور فيها الطريقة التي عانى فيها الحياة، والطريقة التي أعاد بها النظر في هذه الحياة وهو (يعبّر) عنها، أو يجسِّد شخصياتها ووقائعها وهو (يراها) في خضم غربته المكانية واغترابه الزماني، مودعاً رواياته الكثير الكثير من التفاصيل التي لا تعدو كونها، في حقيقتها ومن حيث الأساس، الرصيد الثرّ من الوقائع التي اختزنها في ذاكرته التي ظلَّت متقدة فوّارة، إنْ لم نقل انها ازدادت اتقاداً وفورة بتأثير شعوره بالاغتراب.
وكردّ فعل لهذا الشعور بالاغتراب، ومن أجل أنْ تستعيد ذاته توازنها، يعمد إلى التنفيس عما يعتمل في ذاته من خلال (نفث) ما كانت ذاكرته قد اختزنته من تفاصيل ووقائع صغيرة وخصوصيات أو (أسرار)؛ هي (أسرار) حياته الشخصية، وحياة من عرفهم في (المحلة) وعايشهم، وشاركهم معاناتهم، وحملهم معه إلى أرض الغربة، ولعل مما يؤكد ذلك قوله: “في أعمالي كثير من مادة حياتي. وكثير من الشخصيات هي جزء مني”( 6).
وكذلك قوله، في مناسبة أخرى: “كل شخصياتي تعيش في أحياء تشبه الحي الذي عشت فيه وفي بيوت لا تختلف كثيراً عن البيت الذي قضيت كل عمري فيه”( 7). ومن خلال ذلك (النفث) كان يعتقد أنَّ ذاته تزداد تجذراً في الواقع، وتتنامى قناعته بأنه إذ يكتب إنما يكتب وهو يقف على أرض واقعه (المختزن في ذاكرته) ويتحرك عبر فضائه.

إنَّ القراءة الممعنة المتأنية لروايات (غائب) الثمانية تفضي بنا إلى الاستنتاج الآتي: لن يتيسر لنا فهم جوهر تلك الروايات، أو الخط العام المشترك الذي يتخللها ويربط بينها، ويضفي عليها بالتالي طابعاً مميزاً، إلاّ من خلال الاستعانة بأربعة (مفاتيح)، هي:

أولاً/ تعلّق (غائب) الشديد بالمكان والزمان. أما المكان فهو (الوطن) الذي جعله (غائب) مسرح كل رواياته، ويتمثل في مدينة بغداد، وعلى الأخص أزقتها القديمة التي نشأ وترعرع فيها، ونُحتت في ذاكرته شواهدها وأحداثها وشخوصها المتميزة. فسائر روايات (غائب) مسرح أحداثها الوطن، وشخصياتها وأبطالها من وطنه، والرواية الوحيدة التي ليس مسرحها العراق– رواية (المرتجى والمؤجل) أبطالها عراقيون يعتاشون على ما خلفه الوطن في ضمائرهم من ذكريات وانطباعات، فظل الوطن حاضراً في ضمائرهم، وكأنهم نقلوا الوطن معهم إلى ديار الغربة، وصاروا يتعاملون معه ومع رموزه كهمّ يومي وحنين دائم.
وتبعاً لذلك يمكن القول، انَّ (غائب) كان يحسّ بشكل مرهف بالمكان بل وبالزمان ايضاً، وها هو يقول صراحة: “إنَّ أبرز ما حملته في ذهني هو إحساسي بالزمان والمكان، فدون الإحساس بالزمان والمكان تبدو الشخصيات عائمة. أعتقد أنَّ الزمن لا يكف عن التطور بالرغم من أننا قد لا نلحظ ذلك. وإذا كنا كتّاباً حقيقيين فيجب أنْ نحس بهذا السيل اللامرئي من التطور”( 8).
إنَّ (غائب) يصرح هنا بمدى عمق علاقته الصميمية، ككاتب، بالمكان والزمان. أما المكان، فقد مثله بمدينته الأثيرة (بغداد) وعلاقته الخاصة الاستثنائية بها، إذ إننا لا نستطيع أنْ ننكر أنَّ عشق (غائب) لبغداد استثنائي، وقد زاده البعد والحرمان ولعاً بها. بل يمكننا القول، إنَّه ما من كاتب عراقي كتب عن بغداد كما كتب (غائب)، فهو قد كتب عنها من الداخل، في باطنها، عن شوارعها الضيقة وأزقتها، في كل الأوقات، حتى أننا إذا أردنا أنْ نتعرف على ما كانت عليه بغداد في أواخر الأربعينات والخمسينات، فإنَّ ما أورده (غائب) في رواياته يمكن أنْ يكون دليلاً مناسباً لنا، إذ إنها يمكن أنْ توضح لنا كيف كانت الأماكن – حينذاك وكيف كان الناس ومشاكلهم وهمومهم، وما هي المقاهي التي كان يجتمع الرجال فيها، وفي ماذا يثرثرون، كل تلك التفاصيل الصغيرة حرّص (غائب) على تسجيلها ومنحها حياة في تضاعيف رواياته( 9).
ولكن يتعين علينا أنْ ننتبه إلى أنَّ المكان بقدر ما هو قطب أساسي في روايات (غائب) فإنه أيضاً حاضنة للزمان، فالزمان عند (غائب) مثبت أولاً في المكان. “ففي الذاكرة اليومية يصعب حفظ استمرارية الزمان التي تحطمت في سياقٍ زمني. الروائي المؤمن باستمرارية الزمن يقوم بترتيب هذا الشريط الزمني المقطع بفرضية معرفية تطبق بنوع من التضامن بين الذاكرة والخيال. ولكي يعطي هذه الاستمرارية كثافة الحياة، فلابد له من أنْ يستعين بتثبيتات زمنية هي صور من التجارب الأكثر تأثيراً في حياته ومخيلته. وما من وسيلة لحفظ عينات الاستمرارية هذه إلاّ بتثبيتها في المكان، ففي المكان المشيّد والمحدد والمسمّى تحفظ الأحداث من الذوبان في تيار الزمن، وتعرّف الشخصيات نفسها وتحافظ على دورها في السياق الروائي”( 10).
ويمكن أنْ نسوق أدلة وشواهد تثبت ذلك: سليمة الخبازة وتنورها، وحمادي والاسطبل (في رواية النخلة والجيران)، وكذلك: حاجم الحايك وجومته، ياسر ومقهاه، هادي والزورخانة (في رواية القربان)، فضيلة ومطبخها، وعبد الواحد ومحل النجارة الذي يعمل فيه (في رواية ظلال على النافذة)، وغرفة الآلة الطابعة التي يعمل فيها معروف (في رواية آلام السيد معروف).
وإجمالاً، يمكن القول، إنَّ (فرمان) في سائر رواياته كان الزمن الذي تناوله مثبت في مكانٍ محدد، هو: بغداد، وتحديداً المحلة الشعبية البغدادية. وعداها فما من مكانٍ آخر غير ديار الغربة التي تناولها في روايته الأخيرة (المرتجى والمؤجل). وفيما عدا ذلك ظلَّ (غائب) متعلقاً، بل ملتصقاً بالمحلة الشعبية البغداية، وهو يقول في هذا الصدد: “أنا ابن البيئة الشعبية، طوال حياتي في العراق لم أخرج منها، ولا أكاد أعرف إلاّ بيوتها وأزقتها وأهلها…”( 11).

ثانياً/معاناة (غائب) الطويلة من (الاغتراب): ذلك أنَّ مأساته والعنصر البطولي في سيرته يكمنان في غربته، فهو قد أمضى ثلثي حياته وكل مراحل نضوجه في أرض الغربة، وتحتم عليه أنْ يعيش إزدواجية كونه هنا (في أرض الغربة) وكونه هناك (في ارض الوطن) في وقتٍ واحد، وطوال الأربعين عاماً التي أمضاها في أرض الغربة لم ينسلخ غائب عن بيته ويتحول إلى كاتب كوزموبوليتي ، ولم تغدُ وقائع الحياة في أرض الغربة محور رواياته، وإنما العكس تظهر لنا روايته الوحيدة التي جرَتْ وقائعها وأحداثها في أرض الغربة ما يعانيه رجل اضطر لمفارقة وطنه من اغتراب وكيف أنَّه يحاول أنْ يجد معنى لحياته، من خلال تعليم ابنه، الذي فقد الذاكرة، شكل الوطن وفكرته(12 ).

ثالثاً/ إنَّ (غائب) طوال مدة غربته عن الوطن أعياه الانتظار لشيء يتوق إليه، ويتطلع بلهفة لحدوثه: يقول غائب على لسان (يحيى سليم) بطل روايته (المرتجى والمؤجل)( ): “الحياة في الغربة ليست إلاّ انتظار لشيء دون أنْ نعرفه على وجه التحديد (الحياة هنا أرض الغربة) تستطيل أياماً ولياليَ مؤرقة مملوءة بالكوابيس”.
لقد تشكّلت لدى (غائب) قناعة، منذ بداية وعيه، وما لبثت أنْ ترسخت وتعمقت بمرور الأعوام، بأنَّ الحياة في وطنه لا تقوم على أسسٍ صحيحة، وينبغي أنْ تُغيّر لكي تقوم على أسسٍ صحيحة. فالشيء الذي كان غائب يتطلع إلى حدوثه هو التغيير في أوضاع الوطن،لاسيما السياسية التي تشكل مفتاح بناء المستقبل المنشود. وأنَّ الأحزاب السياسية الناشطة على الساحة السياسية في العراق وبالأخص اليسارية منها، التي كان (غائب) قريباً منها، أو يدور في فلكها، كانت تروج في أدبياتها لفكرة التغيير، وتبشر بأن التغيير آتٍ عن قريب، و(غائب) يترقب دون جدوى، أنْ يتحقق ذلك، ولكن الانتظار الطويل لم يتمخض عمّا يتوق إليه، الأمر الذي حوّل الانتظار الطويل والترقب الذي لا نهاية له إلى حلم، وتبعاً لذلك فأنَّ (غائب) الذي “ظلَّ يحلم بعراقٍ ديمقراطي، وعلاقات إنسانية منفتحة” بات مقتنعاً بأنَّ “مسار التأريخ الذي يصنعه الناس البسطاء، إنما يمر بالقرب منهم، غافلاً عنهم وعن أحلامهم. فهم وقوده وضحاياه وهو درجات سلّم يرتقي عليها الآخرون إلى قيادة مراحله”( 13).
ومن ثم فإنه ليس عبثاً، والحالة هذه “أنْ يحلم أبطاله بالتغيير دائماً، وليس صدفة أنْ تنتهي هذه الأحلام بالتكسير على صخور الواقع العاقر الذي كانت (النخلة) رمزاً شاملاً له في روايته الأولى”( 14)، أعني رواية (النخلة والجيران). بل إننا يمكن أنْ نلاحظ أنْ تلون الحلم ما لبث أنْ استمر عبر الزمن، من مرحلة الحرب العالمية الثانية، التي عكستها رواية (النخلة والجيران) إلى أجواء نهوض النضال الديمقراطي في أوساط المثقفين التي تخللت رواية (خمسة أصوات) التي صورت بشكلٍ ذكي ومعبر، ظروف السجن الكبير الذي يعيشه المجتمع، في وهم (الاستقلال)، و(المجلس الوطني) الذي لا يلبث أنْ يحل، و(الجريدة) الرائجة شعبياً التي يتم إغلاقها. وفي خضم ذلك كله يظل مصير (طالب) المثقف الديمقراطي هو المكوث في السجن، فيما يعمد (سعيد) إلى الهجرة بعيداً عن الوطن.

رابعاً/ إنَّ (غائب) اتخذ من فعل الكتابة، وكتابة الرواية على وجه الخصوص، وسيلة للتعبير عما يعتمل في دخيلته، وهو يشهد ما يتعرض له وطنه من وقائع واحداث يحلم في تغييرها. يقول (غائب) في لقاءٍ أجرته معه مجلة (الثقافة الجديدة)(15 ): “ومن حسن حظي إنني قضيت فترة تكويني في العراق، وكنت شاهداً لأحداثٍ كثيرة هامة في حياة وطني، ولم أعانِ قط ذلك الانقطاع الذي يعني اللامبالاة، والانزواء في ركنٍ هادئ، فإنَّ كل ما يحدث في وطني يعنيني ويقلقني ويشغل بالي. وما مواصلتي الكتابة إلا مدّ جسور حية إلى جميع الذين تهمني مصائرهم، حاضرهم ومستقبلهم، وما إصراري على أنْ أكتب من بعيد إلاّ دليلا”على التواصل المستمر، والتتبع والشعور بالمسؤولية. أنا لا أجعل من ابتعادي عن الوطن مأساة، على الأخص. انْ تكون مأساتي الخاصة. المأساة هي أنْ أسكت، أنْ أكف عن الكتابة، عن التواصل، أنْ أسقط في العدم”.
كان (فرمان) يتتبع، عن كثب، مجريات الأمور في وطنه، (ما هو كائن)، وينسج إزاءها أحلامه (ما ينبغي أنْ يكون).
وبما أنَّ غائباً الغارق بأحلام اليقظة والمنام، لا يسعى إلى تحقيق أحلامه على غرار محترفي السياسة في الحياة الواقعية، فإنه (أعني غائباً) يعمد في رواياته إلى انتحال دور (بائع متجول لأحلامه)، فهو اشبه ما يكون بحامل (صندوق الدنيا)(16 )، يحاول من خلال ذلك (الصندوق) أنْ يُري المتلقين (القرّاء) الأحلام واقعاً، والواقع حلماً. أي إنه خلافاً لمحترفي السياسة الذين يتعاملون بالخطابات الرنانة والشعارات البراقة، يسلط الضوء على الواقع، ويحرض قرّاءه على تغيير ذلك الواقع بهدوء ودون خطابية وكلمات ملتهبة. وقد فعل ذلك في رواية (النخلة والجيران)، ورواية (خمسة أصوات)، ورواية (المخاض)، ورواية (القربان)، ورواية (آلام السيد معروف)، ورواية (المركب).
ولكن ما يستدعي النظر، ويدعو إلى التأمل، ما نلاحظه من أنَّه كلما أعلن (غائب) عن أحلامه، قذف به القهر إلى مدى أبعد من الغربة، وصارت الأحلام أصعب تحقيقاً. إننا يمكن أنْ نستشف من خلال رواياته أنه يكاد يرثي تلك الأحلام، فهو يكتب عن الزمن التأريخي الذي لا يسمح بانتصار الحقيقة، ويكتب عن الوعي الزائف الذي يفتقر إلى معرفة معنى الزمن التأريخي ويجهله، وبالتالي لن يتسنى له الاهتداء إلى معرفة معنى الحقيقة. أي، وعلى حد تعبير الدكتور فيصل دراج( 17): “إنَّ غائب يكتب عن حقيقة انهزمت مرتين. هزمها التأريخ الموضوعي الذي يصادر في هشاشته وبؤسه وتخلفه كل قول وفعل حقيقيين، وهزمها الوعي الذاتي الذي لم يستطع أنْ يدرك معنى التأريخ و الواقع و الحقيقة الموضوعية”. وتبعاً لذلك صار على (غائب) أنْ يراوح في رواياته ويدور “بين الحزن على حلم تهاوى والاحتجاج الصارخ على ما يكسر الحلم وصاحبه”( 18).
والواقع أنَّ نشاط (غائب) الكتابي، وكتابته لرواياته، لم يكن القصد منه فقط عرض أحلامه عن ما ينبغي أنْ يكون عليه حال الوطن، وإنما كان القصد منه أيضاً، أنْ يكون بمثابة رد فعل أو نشاط، يواجه به حالة (الاغتراب) التي فُرضت عليه. يقول (غائب) في هذا الصدد: “ماذا يريد هؤلاء الذين يجعلونك غريباً؟ إنهم يريدون أنْ يجعلوك صفراً، مجمداً، مهملاً، بلا صوت، لكن إذا استطعت أنت بشكلٍ من أشكال النشاط أنْ تتحداهم وترفع صوتك، فمعناه أنك أفشلت لعبتهم”(19 ). فالكتابة، وكتابة الرواية تحديداً، كانت عند (غائب) بمثابة رد فعل إزاء ما بدا له أنه محاولة لتهميشه، أو لجمه، أو إرغامه على الانسلاخ عن الوطن والذوبان في (أجواء الغربة). لقد كانت الروايات التي كتبها (غائب) وسائل دفاعية حاول من خلالها أنْ يثبت أنه سيظل، رغم غربته عن الوطن، واغترابه متواصلاً مع بغداد وأجوائها، يقول (غائب)(20 ): “أنا في الغربة يعجبني أنْ أكتب عن بغداد وأجواء بغداد. ربما يكون ذلك سلاحاً ضد الذوبان والضياع، نوعاً من الدفاع عن النفس والمغامرة والاتصال الروحي بالوطن…”.
فالكتابة بالنسبة لغائب كانت أداة للحصول على الحصانة من الذوبان وانقطاع الصلة عن الوطن، كانت وسيلة للتواصل مع الوطن وقضاياه ومعضلاته. وإنَّ إصرار (غائب) على الكتابة عن الوطن، والعمل على نبش الذاكرة، وتجسيد الأماكن، واستحضار بعض الشخوص والأجواء والمناخات، إنما كان الغرض منه ملء خواء عالم الغربة بكثافة الوطن، والسعي إلى تحقيق التواصل مع واقع الوطن بكل ظلاماته، والانخراط في سيرورته، فعلاً، ومواجهة، وتغييرا.
بل أنَّ السعي للحصول على الحصانة من الذوبان، والإصرار على التواصل مع الوطن وقضاياه، ما لبث أنْ استحال عند (غائب) إلى معركة إيمان، حتى ولو بطابعٍ خيالي.
يقول (غائب) في إحدى رسائله إلى (عبدالرحمن منيف)( 21): “مع كبر السن وتقدمه اعتبر الرواية خلق عوالم. والإيمان بوجودها قبل إيمان الآخرين بها، وهذه نقطة مشجعة، ومنها تنطلق أروع الشجاعات. ولهذا فأقل ما يمكن أنْ توصف بها الرواية، انها شجاعة مكتوبة، معركة إيمان، وبقدر ما كتب الكاتب من الروايات خاض بعددها من المعارك… ربما في ذلك نوع من الدون كشوتية، ولكن أفضل أنواع الدون كشوتية”.
والآن، وبعد أنْ تجهزت الباحثة بهذه (المفاتيح)، يمكنها أنْ تلج، بقدر ما من الثقة والاستبصار، العوالم التي حاول (غائب) أنْ ينشئها من خلال رواياته، بغية تلمس مظاهر الاغتراب وتجلياته فيها. وسأعمد إلى تناول رواياته الثمان وفقاً لتأريخ صدورها.

هوامش :

(1 ) حميد الخاقاني: تطور لغة القصة ورؤيتها للواقع، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، ص 148، (وقد أعيد نشرها في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص355).
( 2) ماجد السامرائي: الطموح والتعطش إلى الامتلاك – إحساس دائم ومتأصل في كل فنان، مجلة (ألف باء)، العدد285، شباط/ 1974، بغداد، ص45، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص493).
( 3) زهير الجزائري: ذاكرة المكان عند غائب طعمة فرمان، مجلة (البديل)، العدد 17، عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص54، (وأعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص272).
(4 ) هيئة تحرير (المنار): حوار مع الأديب غائب طعمة فرمان، مجلة (المنار)، العدد 5، آب 1989، السويد، ص8، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص411).
(5 ) محمود صبري: غائب سجل الوطن، مجلة (الثقافة الجديدة، العدد 12 تشرين الأول، 1990، دمشق، ص26، (وأعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص236).
( 6) ماجد السامرائي: في عالم (غائب طعمة فرمان) الروائي – أفق آخر للواقع، مجلة (الأقلام)، العدد (4 – 5 – 6)، (نيسان – مايس – حزيران)، 1995، بغداد، ص49، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص281 – 282). وتجدر الإشارة إلى أنَّ (ماجد السامرائي) كان قد نشر مقابلته مع (غائب) للمرة الأولى عام 1974، ينظر: ماجد السامرائي: الطموح والتعطش إلى الامتلاك – إحساس دائم ومتأصل في كل فنان، مجلة (ألف باء)، العدد285، شباط، 1974، بغداد، ص46، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص495 – 496).
(7) لعل مما يستحق التنويه هنا أنَّ (غائب) نفسه قد استخدم هذا التعبير (النفث) عند حديثه عن روايته (آلام السيد معروف) في سياق مقابلة له مع هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) ونشرت تحت عنوان: البدايات، التكون، الغربة، في العدد 189، 1987، ص116، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص438).
( 8) في مقابلة له مع: جورج الراسي، نشرت تحت عنوان: لسان حال الأديب العربي – اللهم لا تدخلني في تجربة، مجلة (البلاغ)، العدد99، 26تشرين الثاني، نوفمبر، 1973، بيروت، ص49، (أعيد نشرها في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص459).
(9 ) إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق)، العدد الخامس، بيروت، 1972، ص118، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص472).
( 10) سعدالله ونوس، الوطن في المنفى، مجلة (البديل)، العدد 17 – عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص20-21.
( 11) ينظر: عبد الرحمن منيف، المنفى والمدينة الأولى.. وجواز السفر، مجلة (البديل)، العدد (17) – عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص13 – 14.
( 12) زهير الجزائري، ذاكرة المكان عند غائب طعمة فرمان، مجلة (البديل)، العدد (17) – عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص54.
(13 ) زهير الجزائري، ذاكرة المكان عند غائب طعمة فرمان، مصدر مذكور سابق، ص54.
( 14) م. ن، ص51.
(15 ) غائب طعمة فرمان، في رواية المرتجى والمؤجل، ط1، دار الفارابي، بيروت، 19، ص54.
(16) الحياة هنا: يقصد في ارض الغربة، وتحديداً في موسكو.
(17) كوزموبولتي : بمعنى اللامحلية
( 18) د. أيمن أبو شعر: يا غائب… أيها الحاضر أبداً، دراسة منشورة ضمن كتاب: د. أحمد النعمان – غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص117.
( 19) المصدر نفسه.
( 20) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكون، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد189، 1987، ص115، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص437).
( 21) د. أحمد النعمان – غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، دراسة بعنوان: غائب والكتابة في المنفى، ص34.
(22 ) د. فيصل دراج: قلم حالم… ويسكنه العراق، مجلة (الهدف)، العدد 881، أيلول، 1987، ص36، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً.
(23 )د. فيصل دراج: قلم حالم… ويسكنه العراق، مجلة (الهدف)، العدد 881، أيلول، 1987، ص36، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً.
( 24) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكون، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد189، 1987، ص110، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص432).
( 25) جورج الراسي: لسان حال الأديب العربي – اللهم لا تدخلني في تجربة، مجلة (البلاغ)، العدد (99)، 26تشرين الثاني/نوفمبر، 1973، ص48، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص454).
(26 ) عبد الرحمن منيف: المنفى والمدينة الأولى وجواز السفر، مجلة (البديل)، العدد 17 (عدد مزدوج)، دمشق، ص16، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، مصدر مذكور سابقاً، ص199).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *