علي الموزاني : المثقف وقتله للإبداع.. جولة في كتاب جيم جديد للقاص “جابر خليفة جابر”

المثقف وقتله للإبداع
“جولة في كتاب جيم جديد للقاص: جابر خليفة جابر”
علي الموزاني

في البدء أتقدم بالشكر والتقدير للأُستاذ والكاتب المميز “جابر خليفة جابر ” على هديته القيمة التي أرسلها إليَّ من البصرة مشكوراً, وهي “كتاب جيم جديد” وهو كتاب قصصي ولكنه قصص نقدية أكثر من كونها أدبية.
وهنا أريد ان أقف عند هذا الكتاب لا بصفتي كأديب أو صاحب اختصاص فهذان العنوانان أعلى مني بكثير, ولكن بصفتي كقارئ ومحب للوسط الثقافي والأدبي ومحباً لصوت الاعتدال ولكل قراءة نقدية تساهم في تنمية روح المعرفة لدى الإنسان وتثير لدية التساؤلات, فأنا شخصياً تاستهويني القراءات النقدية كثيراً وخصوصاً عندما يكون الناقد والكتاب من أبناء تلك المؤسسة او الجهة التي ينقدُها فانه سوف يكون أبصر وأدق بها, وما دام الإنسان ناقداً فهو مفكراً ومعتوقاً من البرمجة الثقافة الجاهزة التي تُقدم إليه كما يُقدم له الطعام وما عليه إلا أن يتناولها بهدوء, وبالتالي سوف يستقيل عقلهعن التفكير والتدبر, ويجد نفسه لا شعورياً يدافع عن أفكار وتوجهات ونظريات لا يعلم مدى صحتها او حقيقتها وما هي أبعادها المعرفية او العلمية.
أما ما يخص الكاتب فلا اُزيدُ على ما قاله الكاتب “حسين سرمك حسن” في كتابه جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة فقد تناول أغلب ما كتبه الأستاذ جابر خليفة بدقة وعناية, ونالها تحليلاً معمقاً, وقال واصفاً الكاتب: (سيتوقف القارئ معنا وبتحليل عميق ومستفيض على ” البصمة السردية” الخاصة بجابر في الفن القصصي, والتي رسمها لنفسه بين مجايليه وأقرانه عبر الموهبة و” الفلسفة” السردية الخاصة والثراء المعرفي والملاحقة للمنجز الحكائي الحديث محلياً وعالمياً. قبل كل ذلك الإيمان بأهمية الفن في الحياة والذي ينبغي أن ينتصر للإنسان المقهور مع عدم إغفال الأشكال الفنية الباهرة وجمالياتها الحساسة. وقد قلتُ كثيراً إن مهمة التميّز لأي قاص في البصرة تحديداً تواجهه ” معضلة” اسمها ” محمد خضير”. وقلة قليلة جداً من حكائي البصرة الجدد أفلتتْ من تأثيرات محمد خضير السردية ومنهم, بل في مقدمتهم جابر خليفة جابر).
وأما ما يخص الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو ” كتاب جيم جديد” فسوف يجد القارئ في النصوص التي سوف ننقلها منه نقدٌ للكاتب قبل القارئ وللمثقف قبل السياسي وللدولة قبل المجتمع, ونقدٌ للجهات الثقافية والمؤسسات الأدبية والقائمين عليها, كما تجد ذلك واضحاً في نصه الذي يقول فيه: ( والسبب كما استنتجتُ من قراءتي للسرد في تراثنا, هو وجود الشكل الغربي المهيمن المانع لخيالنا من الابتكار, فقد دخلنا القرن العشرين بانبهار التفوق الإبداعي الغربي الفاعل الذي ختمَ على خيالاتنا بحدوده وقيوده وسقفه القوي, وهكذا لم نشهد, منجزاً عراقياً جديداً ومختلفاً عما عندهم, وكنا وما زلنا تلاميذ نكرر ما يبدعون!).
وفي نصه الأخر الذي يقول فيه: ( هذا صحيح – قلتُ لصديقي- لكن تلك الآليات ملائمة لمن كانت جذوره هناك في الغرب, ومفيدة كذلك لمن كان متجذَّراً هنا في مشرقنا العربي والإسلامي, أما أن تذهب بلا جذور, ولا ثوابت, ولا قبليات أو متعالي كانتي وفقاً لعمانوئيل كَنت, أن تذهب هكذا عائماً, فالنتيجة أن تلهث وتلهث حتى تتقيأ علينا ما لم تتمكن من هضمه من معارف, أو تكون في قفص واحد مع الخليفة سيء الذكر, تقول ما قالوا لك كما تقول الببغا!) فان القارئ يجد فيه نقد للمثقفين الذين تغربوا وهم في أوطانهم وممن يعيشوا النزعة الانسلاخية عن موروثهم الثقافي والأدبي والحضاري وعن كل ما هو جميل في بلدهم ولا يرون إلا ما يأتي إليهم من الغرب.
وأما في نصه الأخر الذي يقول فيه: (لماذا يا أصحاب المعالي نرى أن أدباء تلك البلدان العربية أو السجون المتلاصقة, – كما يصفهم النواب- وأعني الأدباء العرب, لماذا تتوفر لهم دور نشر كبرى تصول وتجول وتروّج لمؤلفاتهم, ونحن أدباء البلد الحر, والشعر الحر, والإبداع الطيني الحر, ليس لنا من يحمينا, ولا من ينقذ إبداعاتنا من التيه والاستغلال ؟!) فانه من خلال هذا النص القصصي أثار التساؤلات المشروعة من عدم وجود دار نشر لحد هذه اللحظة ترعى المبدعين والكتاب العراقيين وتنشر إبداعاتهم الثقافية في الوسط العربي وغيره, وتجد فيه أيضاً تعريضاً بإتحاد الأدباء والقائمين عليه, وإهمالهم للكتاب والأدباء المخلصين وعدم رعاية منتجهم الثقافي والأدبي.
كما عرّضَ في نص أخر بالاتحاد الدولي للأدباء العرب وما قاموا به اتجاه الكتاب العراقيين قال فيه: (بات مثقفو السلطة هم من يمنح الشرعية لهذا المبدع, أو لذاك المنجز, وفقاً لدرجة مهانته, أو سكوته, أو تساكته, تماماً مثل قيام (الاتحاد الدولي للأدباء العرب) على ما فيه من كاريكتيرية وتبعية للدكتاتورية العربية, بتجميد عضوية الأدباء العراقيين, لأنهم غدوا أحراراً!).
نقد ظاهرة التأثر السلبي بالواجهة الغربية من دون الدعوى إلى الانغلاق او التحزب العروبي, ولكنها دعوى من أجل ان يستفيد الكاتب من نتاجات الغرب في إحياء موروثه وتطبيقه على واقعه العربي او الإسلامي, وإبرازه للعالم من خلال النص التالي: ( البنيوية والتفكيكية وغيرها أيضاً, أول عمل تقوم به هو إقصاء التاريخ, أي تفريغ النص الأدبي من القيمة ومرجعيات المؤلف وامتدادات الواقع وعلائق التاريخ, هذه أول خطواتها, وحين تنجح بذلك, سيكون سهلاً تنميط العقل وفقاً لما يريدون, وفقاً للقولبة أو للنمط المعولم…
أدهشني ما يقول وأنا الذي أنفقتُ أوقاتاً طويلة مع هذي الكتب).
الدعوى إلى بيان القيم والأخلاق النبيلة التي يعيشها المجتمع العراقي في المناسبات الدينية العامة أمثال فعاليات زيارة الأربعين وما تتضمنه من كرم ورحلة جماهيرية عفوية يشارك فيها الملايين بانسيابية منقطعة النظير, والتعريض بالكتاب الذين يتجاهلون مثل هكذا فعاليات عالمية يحج إليها الكتاب والصحفيون الغربيون من أقصى مدن العالم لكي يكتبوا عنها عن كثف ويعيشوا أجوائها الرائعة من خلال النص التالي: (كتب باولو كويلو رائعته عن حاج واحد مشى مئات الأميال من جبال البيرانس وحتى ساحل الأطلسي, وكان بورخس يشاهد على القنوات العراقية حشوداً من الحجيج, عشرات آلاف الزوار العراقيين وهم يحجون مشياً على الأقدام ولمئات الأميال من مختلف مدن العراق وقراه, إلى ضريح الحسين المقدس, أبصرت مِخيال بورخس الهائل يشعُّ بغرابة ودارتْ عيناه المبصرتان تمطرانني بالأسئلة, بل تمطرانني بالسهام..
من منكم سَيكتبُ عن هؤلاء المشاة آلاف الروايات؟ ومتى؟
هل تنتظرون باولو كويلو, ليكتب بدلاً عنكم, أم تنتظرون بورخس؟!
ولأني كثيراً ما تبجحتُ أمامه بشعر مظفر النواب:
((عراقي هواي وميزة فينا الهوى خبل))
سدد لي سهامه اللاذعة تلك, سددها لي أنا شخصياً, وربما قصد آخرين, ربما كان يستهدفكم أيضاً – أصدقائي الأدباء).
إحياء المفاهيم والقيم الدينية بطريقة أدبية وفنية رائعة, التي ربما يخاف الكثير من الكتاب أو الأدباء البوح بها ان لم نقل يعملون جاهدين لمحاربتها او اتهامها من خلال النص التالي: (نبهني صاحبي الزنجباري العماني الأسمر وهو يقول مبتسماً…
– أين سرحتَ؟
– إلى العراق.
ثم قلت: فعلاً, لا فرق بين روماليزا وجيفارا.
– يوجد فرق إنما لا يمس الجوهر – قاطعني وهو يغمز- كان جيفارا يحمل دائماً كتاباً أسمه (رأس المال) أما روماليزا, فقد كان مُلازماً للقرآن الكريم, وثمة فرق آخر.
– ما هو؟ سألته متلهفاً.
– من المؤكد أن جيفارا كان يستيقظ مبكراً, لكني لا أعرف ما يفعل, أما روماليزا فقد كان يتوضأ أولاً, ثم يصلي الفجر…).
الحفاظ على الخط الأخلاقي العام وإظهار كل ما هو جميل وإحياء الذاكرة بشخصياتها الأدبية والعلمية والمعرفية التي سكنت هذه الأرض المعطاء والتركيز على إحياء الموروث العراقي وحتى الشعبي منه من خلال النص التالي: (أوجعني قلبي وأنا أرى تراث محمود البريكان غائباً عن المشهد الثقافي, غُيب هذا الكبير في حياته, وغُيب بعد اغتياله, ومثله تراث محمود عبد الوهاب!
لم لا يكون عندنا في البصرة كمثال, متحفٌ لمبدعينا الكبار؟
لنسميه: دار الأدباء, وليكن بيت السيّاب مقراً له…
ولم لا يعاد ترميمه بشكل حضاري, بعيداً عن المناقصات والمزايدات وفايروس الكومنشن؟).
نقد جميل وهادئ للثقافة السطحية التي يُروج لها اليوم من خلال الاعتماد على أجهزة الاستقبال السمعية لدى الإنسان, وترك القراءة والبحث والمطالعة التي هي أساس كل معرفة من خلال النص الجميل التالي: ( عمد إلى أذنه فبترها ليقول لنا اقرءوا بدلاً عن السماع فقط! تحولوا إلى أعينكم, اخرجوا منها نور أرواحكم بدلاً عن الاكتفاء بالأخذ والأخذ فقط من خلال آذانكم!).
نقد لاذع للمثقف العراقي والعربي الذي يخاف من الخروج عن الرتابة التي يعيشها او الوقوف ذيلاً يعتاش على ثقافات وأدبيات غربية ولا يستطيع مواجهتا بما يحمل من فكر وأدب حر, جاء ذلك في نصه القائل: ( نحن بانتظار جماعة كجماعة ( السياب ونازك والبريكان و…) التي زرقتْ روحاً جديدة في عروق الأدب العربي وأحيته, وهكذا فعلت أغلب الحركات الأدبية والفنية بعد كل حرب أو دمار).
محورية الأخلاق والحفاظ على القيم الإنسانية او الدينية ليست عائقاً أمام نجاح الكاتب او المثقف, إذا كان صادقاً وصاحب مبدأ حقيقي, وها هو يعرضه لنا من خلال نصين جميلين الأول: ( مثلث المبدع ينبغي أن يتربّى في دائرة الأخلاق, وإلا فستُسغلُ المواهب والثقافات والمعارف وقدرات الوعي لتشويه الجمال, لقتل الفرح ولصناعة الماكياج والعدسات المحددة أو المشتتة للنظر, من دون دائرة الأخلاق التي يُنادون بالتحرر منها ستزدهر صناعة الطغاة وستُمتهن الإنسانية وتهان الطبيعة…
– هل لك ان تتخيل ساعي بريد بلا أخلاق؟ ماذا سيفعل بالرسائل المؤتمن عليها؟).
والنص الأخر الذي أستعرض فيه شخصية رجل عملاق وقف له أهل العلم أجلالاً واحتراماً لقدراته العقلية المتميزة وكان سيداً للأخلاق والمبادئ الإنسانية قال فيه: ( كيف استطاع رجل هو السيد الشهيد محمد باقر الصدر والذي لم يدخل المدارس التي وُفرت لنا, أن يقلب وعن بعد فكرَ مُفكرٍ وفيلسوفٍ ماركسي عملاق هو روجيه غارودي ويحوله من ” واقعةٌ بلا ضفاف” إلى رحاب إنسانية أوسع, حتى أنه ولشدة انجذابه, حج إليه, إلى العراق, فاضطربت السلطة آنذاك, وأنكرت وجود عراقي اسمه محمد باقر الصدر!).
نقد حالة الخوف والتخلي عن تراثنا بسهولة مفرطة والدفاع عن تراث الآخرين من دون ان يطلبوا منا ذلك كما في النص التالي: ( فلمَ يا ترى نضيف قتلاً آخر أشد إيلاماً لمبدعنا العراقي عبد الله بن المقفع؟ حين نسلبه حكاياته الكبرى تلك, أم الحكايا, بل أم ألف ليلة وليلة وأبوها وجدها! وننسبها بعمىً أو بقصدٍ مبيت للفرس أو الهنود.
وكم مبدع منا نقتله هكذا؟
ولماذا (باء) مونتسكيو وسارفانتس ( وأقاربهما) تجر الكرة الأرضية كلها, وأبن المقفع العراقي لا باء له ولا حتى نقطة!؟
وإلى متى نبقى أسارى الانجذاب إلى مغرب الشمس على أرض الآخر ونتعامى أو نعشو عن شمسنا المشعّة؟).
الجرأة والشجاعة في قول الحق والنقد الواضح والتجريح الصريح لواقعنا الثقافي المزري وكيف يتم قتل الإبداع من قبل المثقف نفسه وهذا ما تُبتلى به المحافل العلمية الأخرى أيضاً كما جاء في النص التالي: ( لا أستطيع أن أؤكد الاتهام ضد فرويد بالإهمال العلمي في موضوع عقدة قتل الابن أو عقدة ساليري كما أسماها بعضهم, لكني واثق كل الثقة لو أن فرويد عاش حياة الوسط الأدبي والإبداعي في العراق, وشهد عشرات الجرائم التي يرتكبها الآباء الأساتذة بحق أبنائهم المبدعين الجدد, لما استطاع ولما تردد في الكتابة عن هذا المرض العضال, الذي يفتّ في عضد الثقافة والإبداع في العراق الحديث منذ نشوئه, منذ أن سأل الملك فيصل الأول الشاعر الزهاوي مدّاح الجنرال مود قائلاً:
أيهما أفضل شعراً أنت أم أحمد شوقي أمير الشعراء؟ ( وكان شوقي مداحاً أيضاً للخديوي وبلاطه)
فأجابه الزهاوي – وهو يتذكر سبابه المسكوت عنه لثورة العشرين ورجالها- : مولانا تلميذي الرصافي أفضل منه!
وهكذا بكف واحدة قتلهما معاً, الرصافي وشوقي!
منذ ذاك والذين يتسلقون الشهرة كما تسلقها الزهاوي يخنقون ويذبحون ويقتلون كل من يتوسمون فيه أو يشمون من إبداعاته رائحة الخطر على شهرتهم الزائفة).
هل قرئتم معي هذه النصوص الثورية والمراجعات النقدية, وهل يتصور أحدٌ بأنه سوف يجدها في كتاب قصصي, ربما يتصوره البعض بأنه يتحدث عن الحب او الخيال او قصص للأطفال لأهدف فيها سوى التسلية او قتل الوقت, إنها مقالات نقدية ومادة أولية لدراسة تلك الظواهر بجدية ومهنة عالية لكي نستطيع ان ننهض بواقعنا الثقافي والأدبي في العراق الجديد, ومع ان الكتابة بعمومها نقدية وتدعو إلى المراجعة وتصحيح المسار الثقافي والأدبي, إلا أنها كانت محافظة على سردها القصصي الجميل والمميز…

علي الموزاني

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

تعليق واحد

  1. محمد السباهي

    المقال جيد فيه استقراء لبعض منجز القاص والروائي الأستاذ جابر خليفة وهو منجز يستحق الوقوف عنده مليا واستطلاع فكره واسلوبه ولغته والكثير الذي تخفيه تجربة الأستاذ جابر. يمكن أن أؤشر أن الموزاني في مقاله نحا نحو توجيه كتابات الأستاذ جابر أو توصيقها أو يمكن اعتبار أنه دمغها بالدينية أو الاخلاقية. وفي هذا تحجيم وحجر لقدرات وقلم وفكر الأستاذ خليفة. ولا أدل على ذلك من أن رواية (مخيم المواركة) كانت رواية ذات أبعاد متعددة وأن يكن من بعضها الديني لكن هذا لا يعطينا الحق أن نوافق الموزاني على اعتبار جار حليفة هو حمزاتوف. كل التقدير للعزيزين مع الود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.