علي حسن الفوّاز:حسين سرمك حسن؛ هل ثمة مقترح لقراءة شفرة النواب الشعرية؟

الشاعر مظفر النواب ظاهرة ثقافية واجتماعية اكثر من كونه ظاهرة شاعر مباح للقراءات النقدية التقليدية. هذا التوصيف كرسته عوامل تجاوزت ماهو شعري الى مرجعيات سياسية وايديولوجية ومرجعيات الثقافات الشعبية، تلك التي وضعت النواب في سياق سسيوثقافي من الصعب استدعاء نصوصه خارج موجهات هذا التوصيف.
واحسب ان التمظهر الذي استكانت اليه تجربة النواب بكليتها خلال سنوات التمرد والنفي، هو الذي اسبغ على شعريته نوعا من الاحتفالية الاستعادية التي وضعت خطابها الشعري في سياق قرائي عميق الاثر في الواقع والخطاب والمعنى، والتي كرسته كظاهرة نافذة في المسكوت عنه الثقافي والاجتماعي، بعيدا عن التقطيع اللغوي والشعري بين ارخبيلات النواب الشعبي والنواب السياسي/الايديولوجي والنواب الشاعر، لان النواب ظل  مشغولا بكتابة القصيدة المغامرة، القصيدة التي تجسّ الوجع الانساني الروحي والجمالي، بكل ماتصطنعه هذه القصيدة من مستويات بنائية وصوتية، وما تستحضره من اجراءاتها التفعيلية التي كان النواب واحدا من شهود سيرورة مشروع مشروعها واسئلتها مع العديد من   معاصريه.
صورة النواب الشعبي، هي الصورة الاكثر استعادة في  الذاكرة العراقية السياسية والثقافية، وربما هي خزينها التعبيري الذي حوّل الامكنة/السجن/الهور/الجنوب/الحزب/الوطن الى مصادر نفسية وحسية مسكونة بالاستيهامات اللذوّية، فضلا عن استغراقه بمحمولات صور حيواته اليومية للمعاني الشعبية للنضال السياسي والايديولوجي المفتوحة على دلالاتها  كمستويات تصورية زاخرة بنوع من التأويل العميق لمعاني الحياة والقوة والحلم، وربما وضع قاموسه العامّي  وهو ابن المدينة في سياق اكثر اثارة واغواء على التداول، حتى بات هذا القاموس ذي النحت اللغوي/ البلاغي هو الاجراء القرين بنظر الشاعر واستجابته  لوظائف الاستعارت الشعرية والتوظيف التعبيري والدلالي في فضاءات القصيدة العامية..
كتاب الناقد والطبيب النفسي د.حسين سرمك حسن يضع مشروعه القرائي في سياق الظاهرة النوابية، ولعله يمنحها تفخيما تعبيريا حينما يضع عنوان كتابه (الثورة النوابية) قرينا بعنوان ثانوي (دراسة اسلوبية في الشعر العامي للمبدع مظفر النواب)
الكتاب صدر حديثا عن دار الينابيع في دمشق/2010وتضمن العديد من المحاور التي استبطن من خلالها الباحث عوالم النواب الشعرية، واشتغالاته الحسية والجمالية. اذ يضع هاجس النواب الجمالي والحسي بعيدا عن الظاهرة المكرسة للنواب السياسي والتعبوي، اذ يقول سرمك في مقدمة كتابه(ان الاحتفاء بالدور السياسي والتعبوي لشعر الشاعر والمناضل الثائر مظفر النواب العامي والفصيح قد اربك كثيرا، وكثيرا جدا عملية الامساك النقدي المقتدر بمنجزات الثورة الهائلة التي حققها النواب في بنية القصيدة العراقية والعربية ومضامينها)ص7
هذا التوصيف هو تمهيد لاجراء مقترح قرائي لمشروع  كتابة النواب للقصيدة العامية، والتي مثلّت طفرة مهمة في تاريخ هذه الكتابة، اذ  اجدها الاكثر اثرا وحضورا من اشتغالاته في القصيدة التفعيلية، خاصة وان النواب قد اصطنع له في هذه الكتابة قاموسا وصورا وتراكيب شعرية واشتقاقات وعلاقات تجاور وتراكب طباقي واستعاري  تجاوز فيها التاريخ النمطي الغنائي للقصيدة الشعبية التي قرأناها عند الشيخ زاير الدويج، وعند شعراء الجنوب وعن شعراء المدينة، والتي وضعته في سياق كتابة القصيدة ذ(النبرة الخافتة)كما تسميها فاطمة المحسن، هذه النبرة التي يستغور من خلالها عوالم المكان الشعبي، ويجترح لها بنيات صوتية تأملية، وبعضها اقرب الى الهمس الشعري.
يضع الباحث تصوره لما حملته (الثورة النوابية) في سياق حديثه عن التحولات الحادثة في البيئة الشعرية العراقية عند الجواهري وعند المجددين من الشعراء الرواد خاصة الشاعر بدر شاكر السياب، وهذه التحولات التي وضعها الباحث تحت عنوان(الحداثة الشعبية، هذا المركب العجيب) انطلقت من التجديد الذي عمد اليه النواب من خلال اضافاته التصويرية والبنائية، وتجاوزه الفني لموضوعات القصيدة العامية واغراضها التقليدية التي دأب على كتابتها الشعراء عبد الحسين الكصاد وعبد الامير الفتلاوي والحاج زاير وملا عبود الكرخي وغيرهم.
لقد اصطنع النواب لقصيدته حضورا ديناميا من خلال صياغة مستويات نفسية وتركيبة للقصيدة، اذ ادخل النواب الزمن النفسي في القصيدة، وادمج هذا الزمن داخل بنية درامية تتراكب فيها الافعال كدلالة للاصوات، اذ (يستولد مظفر عادة الافعال من مسميات مكوناتها وليس العكس، فيشتق الفعل اشمس من مفردة الشمس)ص52 واحسب ان توظيف النواب للبنية الدرامية الصراعية هي تعبير عن خاصية التوتر الذي ظلت تعصف بحياته، مثلما تعصف بلغته الشعرية التي اعادة صناعتها بنوع من التوصيف البلاغي، والتوصيف الصوري الذي يناسب البيئة الانسانية والصوتية التي تعزز زخم وجوده، مثلما تعبر عن حرفيته في توظيف البنية الصوتية كمؤثر ايقاعي وتخيلي يعبر عن طبيعة وعيه لازمة التحولات السياسية، وخاصية الصراعات مع الاستبداد والظلم ورموزه في امكنة القاع، وفي العلاقات اليومية الضاجة بالاحتجاج، فضلا عن وعيه لازمة ابطال قصائده الخاضعين الى مايمكن ان نسمية بسرديات الحكاية الشعرية اليومية، فقصيدة النواب واستخداماته المثيرة للفعل( تخلو من المقدمات، يهيمن/الفعل/ بصورة شديدة عدديا وصوريا، وكلها افعال حركة وصراع واقدام وتوتر واحتدام)ص102
يضع الباحث  مجموعة الشاعر النواب الوحيدة(الريل وحمد) وعدد من القصائد الاخرى امام مقترحه القرائي المنبهر بالتجربة النوابية، وبما يجعل هذه القراءة هي اشبه ب(الحفر)النفسي الذي يستعير لها الباحث توصيفات نقدية وتركيبة، لاتضع النواب في سياق تاريخ تحولات القصيدة العامية بقدر ما تعيد انتاجه داخل كصوت متفرد ظاهرته الشعرية الكبرى، تمثلا  ليقين يشهد على ان النواب هو(من صنف الشعراء الذين يحولون الارز الى نبيذ والى خمرة كونية تجعل الحزين سعيدا في كل حال) وهذا التحديد يجعل النواب مسكونا بالقصيدة الموقف، والقصيدة الغناء، والقصيدة الرؤيا، اذ يبدو هذا المركب هو المجال الاستثنائي الذي وضع النواب نفسه فيه، ورسم لقصيدته من خلالها مايجعلها اشبه ب(الشفرة) التي يدخل في اغوائها الاغنية مع الاهزوجة مع الانفعال والتوتر الجنسي والهم السياسي.
يقول البحث حسين سرمك حسن(مع النواب دشّنت القصيدة العامية بدء مرحلة المعالجة الفنية الباهرة جماليا ورمزيا وحسيا، وكانت الخطوة الاولى في هذه القصيدة، قصيدة/للريل وحمد/ التي صدمت المرتكزات التقليدية/الباردة/لذائقة المتلقي العراقي)ص188
هذا التوصيف وضع قصيدة النواب امام مستوى تحليلي يفترض وجود الادوات التي يعتمدها الباحث في اعادة القراءة، وفي فحص النص، لكن الباحث المتماهي مع شفرة انبهاره بالتجربة النوابية، وضع قصيدة الريل وحمد بمستوى  القصيدة القياسية، اذ يملي  النظر اليها نقديا اسقاط الجانب التشريحي المفترض لقراءتها، مقابل تكريسها كوثيقة للحلم الانساني العاشق، وحلم المرأة الجنوبية هي تكشف من خلالها صوتها وبوحها عوالمها الاغترابية في الامكنة/المحطات، واستشراف روحها اللجوجة المسكونة باستحضار العاشق/البطل/المناضل. فضلا عن النواب وكمايرى ذلك الباحث قد توافر على كتابة القصيدة العامية بكل تجديداتها المتأثرة باتجاهات الحداثة الشعرية على مستوى البناء التفعيلي والصوتي، وعلى المستوى الوظائفي الذي استعان له بالضمائر كاصوات، والبنية الدرامية كفضاء نفسي للصراع النفسي العميق في الامكنة، حيث يرى الباحث ان (الانفتاح التأويلي-دلاليا وصوريا ورمزيا- في القصيدة العامية مع النواب، وقد قام بذلك بصورة مدروسة وقصدية، ولم تكن صرعة شعرية عابرة)193
احسب ان الباحث حسين سرمك قد استعادة النواب من خلال هذه القراءة، وهذه الاستعادة هي ابراز لظاهرة التجديد الذي لم تألفه القراءات النقدية مع القصيدة العامية، اذ ظل التجديد كمنظومة مفاهيم واجراءات نقدية قرينا بظاهرة القصيدة الجديدة التي كتبها الرواد ومابعدهم، وهذا الاجراء اجده بحاجة الى مراجعة سسيوثقافية، باعتبار ان القصيدة التي كتبها النواب هي وثيقة حسية وبلاغية لمحنة الانسان العراقي وهو يواجه عوامل اغترابه، واقصائه ونفيه، فضلا عن كونه كتابة(بكر) وتحتاج الى الى مراجعة اسلوبية قد تسهم في اعادة توصيف القصيدة العامية التي تحولت في مراحل لاحقة الى قصيدة اشاعة وقصيدة عدوى من الصعب تجاوز رائحتها واثرها العالق باللغة والمعنى واصابع الروح وشواظ الامكنة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.