الرئيسية » ملفات » فاطمة المحسن : رواية «موت الأب» لأحمد خلف تنويعات على احتضار أزمنة الخراب العراقي (ملف/12)

فاطمة المحسن : رواية «موت الأب» لأحمد خلف تنويعات على احتضار أزمنة الخراب العراقي (ملف/12)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير “أحمد خلف” الذي اثرى السرد العراقي والعربي بالكثير من الأعمال القصصية واالروائية المهمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير أحمد خلف وهو يواصل مسيرته السردية بثبات وتصاعد بارز.

المقالة :
رواية «موت الأب» لأحمد خلف
تنويعات على احتضار أزمنة الخراب العراقي
فاطمة المحسن

في السنوات الاخيرة التي سبقت الاحتلال وسقوط النظام العراقي، كان كتاب الداخل يحاولون البحث عن معالم مرحلة يهجس الجميع انها آيلة الى الانتهاء.
الكثير من القصص والروايات خرجت عن صمتها الطويل، وبدأت تتلمس طريقها نحو تفسير الأسباب التي أدت الى الخراب العراقي. وفي تقصي ظواهر الأمور وخفاياها إنشغل القصاصون بقضايا الساعة وبينها الحرب والقمع والحصار، وبما ملكت أيديهم من أدوات تستعين بالرمز او التاريخ او الفانتازيا كي تغفل الرقابة عن مروياتهم. والحق ان تلك الرقابة لم تعد مثل حالها الاول، فقد كثرت الأعمال التي حاولت كسر حاجز الصمت، وكان لتفكك السلطة وبينها سطوة وزارة الاعلام والثقافة، ما ساعد الادباء على التمتع بحرية نسبية.
آخر عمل للقصاص الستيني المعروف أحمد خلف روايته «موت الاب» الصادرة عن دار الشؤون الثقافية ببغداد العام 2002، وهي تشخص نموذجا لتلك المسافة التي قطعها القص العراقي في محاولته تجاوز حدود المحرمات السياسية، فمادة القصة يستمدها المؤلف من الاحاديث المتداولة بين المثقفين المتذمرين، ورمزها مكشوف ولا يحتاج الى كبير جهد في الربط بينه وبين مجريات أيام العراق الحاسمة.
تبدأ الرواية بلعبة القص المتداخلة، فهناك راويان او بالأحرى راوٍ ومدون، والاثنان يتبادلان المواقع في ضفر المعاني المختلفة لخطاب الرواية. السارد الاول صحافي تمرس في لعبة القرائن كما يقول عن نفسه، وكان عليه التمعن في قصر التاجر الذي دعاه اليه وعرض عليه الصداقة وطلب منه تدوين قصة حياته. يستعين المؤلف بتقنية «الليالي العربية» التي يتغير فيها صوت السارد من موقع الفاعل الى المستمع الذي لايستطيع ان يكون بطلا في حكايته، فهناك مفاضلة بين سارد طاريء على الحكاية الاصلية، وبين سارد أول لها.
إختراق أصول لعبة السرد في هذه الرواية لايتحقق داخل الوحدات الصغيرة للرواية، بل يجري عبر المسار الذي يجعل من الوحدات أو الحبكات المتعددة غير مترابطة، أي ان ليس هناك من أسباب أو صلة زمانية اومكانية تجمع القصص المروية.الحاضر المتمثل ببيت تاجر التحف يعرض على نحو وصفي شخصية غامضة تضع في مدخل البيت ذئبا من النحاس والقصدير يهم بالانقضاض على فريسته، وفي تمعن الواصف في المكان الذي ينطوي على أسرار الثروة الطارئة التي حلت في زمن الحرب والحصار، يعثر على خيوط الحكاية التي تصلح لتفسير الخراب الذي يبحث هو عن مفاتيح معرفته. فهذا التاجر لم يكن غير صبي عاش محنة الأب المتسلط الذي يفرض بالقوة أوامره على بيت يعيش فيه مع عائلته وعوائل فقيرة تستأجر غرفه. كل شخصيات البيت تخضع الى سطوة الأب الذي يذل زوجته وأولاده، مثلما يفرض نزواته وأوامره على نزلاء بيته الذين ينصاعون بسبب الفقر والحاجة الى المآوى. وفي محاولة دفع الحكاية نحو مديات أبعد من واقعيتها البسيطة، يضع المؤلف الأسماء التي تحمل في الذاكرة التراثية دلالات معينة، ويكون مصيرها أقرب الى قدر أغريقي: إسماعيل الاخ الأكبر للبطل يهرب من البيت ويضيع أثره، ونوح العم الذي يقتله الاب في النهاية، وسارة عشيقة الأب التي هربت مع إبنه الاكبر وبقي الاب يبحث عنها من خلال زيجة شبيهة. كل تلك الاسماء ومصائرها التراجيدية تبقى طارئة وغير فاعلة بقدر ما تفعل الصفات، فالاب المتسلط كان أحمق كما تقول عنه الأم، لايكترث بنتائج أعماله.والعم الذي يكتشف الصبي انه سبق ان خطب الأم ولكن الاب اختطفها لنفسه، تبدو شخصيته وكأنها المعادل القوي لشخصية الاب الهشة والمتداعية من الداخل.هذا العم الحنون الذي يصل بزوراته المتباعدة خيوط الود والرعاية بينه وبين الأولاد وأمهم، يبدو أكثر قوة ومكنة ومعرفة بعطوب شخصية الاب. انه يمثل، كما يستطرد السارد، ماضي الرفض السياسي، فقد سبق ان دخل السجن وبقي يحتفظ منه بقيم الاخلاص والوفاء والنزاهة، مثلما تعلم المتابعة والاطلاع والقراءة..
مقابل هذه الحكاية التي تنشطر بين جزئي الكتاب، يسرد الصحفي يوميات العراق او يوميات الثقافة التي تشتت جمعها بين هارب من بلده او محاول الهرب، ومن بقي يداري عوزه ببيع كتبه على الرصيف او المتاجرة بمواهب الفن التشكيلي. السارد المفترض للرواية يستعين بحكاية شفوية عن ماضي رجل آخر كي يتولى خياله نقلها او إعادة صياغتها، ولكنه لايستطيع إمتلاكها او دمجها او جعلها مرتكزا لحاضر الصحافي الذي يتناوله وهو في حالة الانتهاء، حيث يطل من خلاله على تأريخ مبتسر لصبي يتيم باعت أمه الخبز كي ترعاه. اي ان السرد متعدد المقامات يجعل من حكاية التاجر وسيطا في التأويل وفي تشكل الخطاب الأساسي للرواية، وليس جزءا من عنصر الحبكة الرئيسية التي تتشظى الى حبكات معزولة تنفصل عن بعضها. النقل المباشر للقاءات المثقفين وحواراتهم وقصص الظل الاخرى التي يسجلها السارد عن حياة الصحافي، تصرف النظر عن زخم القصة التي تشكل مرتكز الخطاب الاساسي للرواية، فتبدو الرواية هنا وكأنها تفتقد الى مفاصل الربط التي تجعل منها بنية متماسكة مقنعة، او هي تقّربها من القصص التي جرى دمجها كي تغدو رواية تستكمل خطابا واحدا. وهذا ليس عيبا، قدر ماهو إنحراف في نسج ما يشبه الاستعارة الطويلة في المادة القصصية، وهي إستعارة تبدو وكأنها تفقد قرينتها. بيد ان المؤلف الذي أراد توظيف اسلوب الليالي العربية، كان منتبها الى المادة التشويقية، وقد حاول ان يحتفظ بدرجة من التوتر في مزاج القاريء، بتقديم عدد من الحبكات التي تستحق المتابعة والترقب، كي ينسج درجة من الاتساق في مدلولاتها، ولعل التدخل المكشوف في توجيه الحكاية عبر اقحام حكاية أخرى، يأتي وكأنه محاولة لكسر الايهام الكلاسيكي. المضمر السياسي الذي يبدو لقاريء اليوم وكأنه ينطوي على خطاب مباشر، يحمل قدرا معينا من المسلمات، فرمز الاب المتسلط ينطوي على مفهوم متداول للسلطة، بيد ان الاعراب عنه يحتاج الى درجة من الشجاعة والاقدام في زمن نشر الرواية، ومن هنا تحتفظ هذه الرواية بأهميتها، أهمية بحثها عن مخرج من المتوالية الواقعية للقص، وأهمية تسجيلها الواقع دون خديعة الحياد او اللاموقف..

*عن صحيفة الرياض

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *