د. أسماء غريب : النّقدُ العربيُّ القديمُ ونظريّةُ الأجناسِ الأدبيّة عند الدّكتور فاضل عبّود التّميمي

النّقدُ العربيُّ القديمُ ونظريّةُ الأجناسِ الأدبيّةعند الدّكتور فاضل عبّود التّميمي
د. أسماء غريب

لماذا الخوضُ الآنَ في موقفِ النّقدِ العربيّ مِنْ نظريّة الأجناس الأدبيّة؟ هلْ مازلنا لليومِ مسكونينَ بسؤال الهويّة الفكريّة والإبداعيّة الدّائر حول عقدة الهُمُ والنّحْنُ: هُم كتبوا ونحنُ أيضاً، هُمْ نظّرُوا ونحنُ كذلك؟ أمْ أنّ الأمرَ فيه محاولة لطَمْرِ تلكَ الفجوة التاريخيّة الكبيرة التي تفصلُ النّاقدَ العربيّ عمّا قدّمَهُ نظيرُهُ الغربيّ في مجال التّنْظير لإشكاليّة الأجناسيّة الأدبيّة؟ إذا كان الجوابُ نعم، فلا بدّ منْ إضافة تساؤلات جديدة ربّما قد تنسِفُ ما سبقَها: ماذا لو كانَ النّاقدُ الغربيُّ على خطأ في إصراره على تجنيسِ النّصوص الأدبيّة وتبويبها إلى أنواع لا أوّلَ لهَا ولا آخر؟ هل على زميلهِ العربيّ أن يتبعَه في ما ذهبَ ويذهبُ إليهِ دائماً، دونَ أن يجترحَ لنفسه طريقاً جديداً يكونُ فيه منَ الخصوصيّة والتّجديد ما لم يسبقهُ إليهِ أحد؟ وَهَبْ يا عزيزي القارئ أنَّ هذا النّاقدَ العربيّ قدْ وجدَ ضالّتَهُ فيما يرنو إليه منْ بحث وتنقيبٍ، ألم يخطرْ على بالكَ أنْ تسألهُ عن جدوى القيام بكلّ هذهِ القفزات الأكروباتية في الوقت الذي أصبحنَا نعيشُ فيهِ جميعاً تداعيات ما بعد الأجناسيّة؟ وهل ما زالَ النّقدُ حقّاً؛ غربيّاً كان أو عربيّاً في حاجة إلى تجنيس ما يقترحُهُ الكاتبُ على المتلقّي لا سيما وأنّ الأجناسَ كثيراً ما تتداخلُ فيما بينها؟ إذْ ما الّذي سيخرجُكَ مثلاً مِنْ مأزق نصٍّ فلسفيّ لابن سينا تجدُه قطعةً أدبيّةً فيها مِنَ البيان والسّحر وبديع الصّنعة ما قدْ يفوق كلّ خيالٍ وتصوّر، وكيف لكَ أنْ تتعاملَ معه والحال هذه إذن، أبمسطرة النّقد الأدبيّ، أمْ بمناهج أهل التحليل الفلسفيّ، أم ماذا؟ وما السبيلُ إلى تعريفِكَ للشِّعر اليوم، وهاهي نصوص ما بعد الشّعريّة تزلزلُ كلَّ شيْءٍ، وتُعْلِنُ تمرّدَها على القصيدة التقليديّة، والقصيدة الحرّة، وحتّى على قصيدة النّثر؟ وماذا عن أدب الرّحلات الذي أصبح يجمعُ ما بين السيرة الذاتية والرواية والمسرحية، كيف ستحاذيهِ هُو الآخر، أبقلم أهل التأريخ، أمْ بمنظار أهل الأدب أم ماذا؟
كثيرة هي الأسئلة التي ستوقعُكَ في حبائل الغواية والأسْر، وسواء نجحتِ المدرسةُ الإغريقيّة قديماً في الإجابة عنها أم لا، ومن بعدها المدارسُ الألمانيّة والفرنسيّة والروسيّة والإنجليزية، فإنَّ الدكتورَ فاضل عبّود التمّيميّ لهُ رأي آخر عبّرَ عنهُ من خلال كتابِه (جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النقد العربيّ القديم) الصّادر حديثا بعمّان (2017) (1)، دونَ أن يغيبَ عن ذهنهِ ما للأدبِ من خصائص تطبعُه في كثير من الأحيان بالانفلات منْ كلّ تعيين بالماهية أو الجنس أو النّوع، لأنّه دائمُ التجدّدِ بتجدّدِ الأدباء والمفكّرين المستمرّ، وتنوّعِ ما تُنْتِجُهُ ذائقتهم الفنيّة من إبداعات لا حدّ لها ولا حصر. ولأجلِ هذا تجِدُهُ لمْ يدُرْ بخلده أبداً أنْ يكونَ كتابُهُ منبعثاً من هَمِّ المقارنة بين ما خلّفهُ الغربُ والعرب في مجال الأجناسية الأدبيّة، بقدر ما كانَ همُّهُ الرّئيس أمام ما يحدثُ من عمليات هدم ونسفٍ لنظريّة الأجناس استحضارَ الماضي في لاوعي النّقدة والبحّاثة منطلقاً من الوجود الفعليّ لها بشكلٍ لا يقبلُ الجدل سواء داخل النصوص العربيّة القديمة أو خارجها، ومؤكِّداً على أنّ النّظرَ في هذه الإشكاليّة والاهتمامَ بها يوازي في علميتهِ النّظرَ في النقد أو الفلسفة أو الأدب بشكل عامّ، ويمكنُه بدون شكّ أنْ يساعدَ البحّاثةَ على قراءةٍ أكثرَ عمقاً للنصوص الأدبيّة والانتقال بالتالي من الصّورة إلى المعنى لاكتشاف ما في إبداعات القدماء من كنوز وأسرار لمْ يطّلع عليها بعدُ أحد.
وليسَ البحثُ في قضايا النّقد العربيّ القديم وما إليها بالأمرِ الجديد على الدكتور فاضل عبّود التميميّ، فهُو ناقد متمرّس ليسَ فقط بحكم عمله الأكاديميّ الجامعيّ كأستاذ للبلاغة والنقد في قسم اللغة العربيّة بكليّة التربية للعلوم الإنسانيّة (جامعة ديالى)، وإنّما لأنّهُ قبْلَ هذا وذاك باحثٌ دؤوبٌ شغوفٌ بما تركهُ فطاحلة الأدب العربيّ من معارفَ تستحقُّ عناء رصد وتقصّي الظواهر والإشكاليّات الأدبيّة العربيّة الفريدة والنّادرة، ولأجل هذا تأتي كتاباتُه جديدة ومتجدّدة فيما هو قديم، وإني لأعتقدُ أنّهُ قد اكتسبَ هذا النّوعَ من الخبرةِ بسببِ عوامل عدّة أذكرُ منها ما يلي:

– تأثره بأستاذهِ النّاقد ورئيس المجمع العلميّ العراقيّ الدكتور أحمد مطلوب:

وقد ظهر هذا الأمرُ بشكلٍ جليّ في الإهداء الذي افتتحَ به كتابَهُ قائلاً: ((إلى أستاذي المبجّل الدكتور أحمد مطلوب الّذي علّمني كيف أقرأ النّقد العربيّ القديم)) (2)، وكذا من خلال التّقديم الذي تصدّر أولى صفحاتِ الكتاب والذي قال فيه الدكتور أحمد مطلوب ما يلي:
((التراث العربي والإسلامي كنز لا يفنى، ومازال الباحثون يسبرون أغواره، ويدرسونه في ضوء المناهج النّقدية الحديثة.
وقد صدرت دراسات كثيرة وقفت من مسائل ظنّ الباحثون من قبل أن الزّمان تخطّاها، ولكنّهم حين وقفوا على مشارفها خاضوا غمارها فإذا بالقديم يبزُّ الحديث بل يضاهيه في بعض الأحيان.
من الدراسات الحديثة التي دفع إليها الاطلاع على ما للأجانب، (نظريّة الأجناس الأدبية) التي لم تمسّ التراث وإن مسّته فعلى استحياء.
وقف الدكتور فاضل عبّود التّميميّ على تلك البحوث والدراسات وطاف أمامه الجاحظ، وابن وهب، والرمّاني، والعسكري، والتوحيدي، والباقلاني، وغيرهم ودعوه إلى قراءة كتبهم قراءة معاصرة ليكشف عمّا اكتنزت من آراء خصبة في (الأجناس الأدبية) التي ظنّ بعض الباحثين أن التراث لم يحفل بها، ولم يمسّ أصولها مسّاً رقيقا.
لبّى الدكتور التميميّ دعوتهم فدرس نتاجهم، ووقف عند ملامح الأجناس في كتبهم، فكان كتابه (جذور نظرية الأجناس الأدبية في النّقد العربيّ القديم) حصاد الوقفة الجادّة والعمل الرّصين)) (3).
إن في كلمة الإهداء وفاءٌ واعتراف بالجميل من باحث نجيب تجاه قامة علميّة يشهدُ بعطائها وخدماتها الجليلة الجميعُ من أهل الحرف والبحث والنّقد داخل وخارج العراق، وفيها أيضا تصريح واضح بما أفاده التميميّ حينما أعلنَ أنّ أستاذهُ أحمد مطلوب هو مَن علّمَه أصولَ النّقد العربيّ القديم، وإنّي لأعتقدُ أنّ مجرّد قراءةٍ بسيطة لمؤلّفات ونتاجات الدكتور مطلوب في مجال النّقد ستكشف مدى صدق ما صرّح به التميميّ(4).
إنّ أبرز ما يلفتُ النّظر فيما هو مُشتَرَكٌ بين الدكتور أحمد مطلوب والناقد الدكتور فاضل عبّود التميمي هو ضبطُ هذا الأخير لأصولِ العمليّة النقديّة على ضوء تجربة أستاذِه ودروسه، وحرصِه على الجمع بين الدّقّة في استخدام المصطلحات، والمباشَرة في طرح القضايا التي هو بصدد تناولها بعين النّقد، ثم الالتزام بعدَم الإسهاب في الشّرح عبر ما يلجأُ إليهِ البعضُ من تمطيط للجمل، أو تغيير لصياغتها من أجل التطرق في النّهاية إلى المعاني ذاتها، إضافة إلى تيْسِيرهِ لعمليّةِ القراءة عبر إدراج مقدّمة لكلّ فصلٍ، يتطرّقُ فيها لما هو بصدد تحليلهِ بشكلٍ موجز ثمّ يدعمُهُ بخاتمة يضعُ فيها ملخَّصاً لما قدّمهُ من قبل، وقد ظهرتْ طريقتُه هذه في كتاب (جذور نظرية الأجناس الأدبية في النقد العربيّ القديم) بشكلٍ واضحٍ حينما بناهُ على أربعة فصول(5) إضافة إلى التمهيد الذي جاءَ كردّ على السّؤال الذي يتمحورُ حوله الكتابُ: هل للأجناس في النّقد العربيّ القديم أصل، أم خطاب؟ دونَ التّغاضي عن ما لاحظتُه أيضاً مِن تأثُّرٍ للدكتور التميميّ بمنهج أستاذه الدكتور أحمد مِنْ خلال جمعِه بين ما هو موضوعيّ ثمّ وصفي (6) وبين ماهو ذاتيّ ظهرَ بشكلٍ خاصّ في ورقة التقديم التي تطرّق فيها الدكتور فاضل إلى الأسباب التي دفعته إلى خوض تجربة البحث في قضايا الأجناس الأدبية قائلاً: ((شغلتني فكرة الأجناس الأدبيّة منذ وقت مبكّر من حياتي الجامعيّة، وكنتُ كلّما قرأتُ شيئا من النّقد الغربيّ معنيا بقضيّة الأجناس لاح لي قرب سؤال مؤداه: هل للأجناس في النّقد العربيّ القديم أصل، أو خطاب أو نصّ معيّن؟ مع تقادم الزمن، وكثرة القراءة، وتجدّد الأسئلة لا سيّما تلك الّتي تتشكّل على هامش المؤتمرات والندوات، واللقاءات التي تأخذُ طابعا علميا صريحا كانت الإجابة عن السؤال السّابق تحضر في الذهن ملقية مزيجا من الشكّ، والإيمان على مجمل القراءات التي تستقرّ في الذّاكرة، وهي تحمل بذور الوعي بقدرات النّقد القديم، ونكوصه أيضا. من نهوض الأسئلة، وانشطارها، وانتظام فاعليتها التي خلقتها القراءات المتلاحقة، وجدتُ من المفيد أن تكون الإجابة عن السؤال السابق موثّقة في متن يمكن الاحتكام إلى محموله الفكريّ وهو يتقصّى الإجابة بعد أن ينتزعها من مصادر تشكّل العمود الفقري للنقد العربيّ القديم.)) (7)، وهو بهذا يؤكّدُ أنّ المنهجَ بالنسبة له ليس فقط ذاك الّذي يغلب عليه الطّابع الأكاديميّ العلميّ، وإنّما هو قبل كلّ شيء عمليّة إبداعية فعالية بينيّة وسطيّة تمزجُ بين العلم والفنّ، وبين الذّاتية والموضوعية، وبين الثبوت والتحوّل، وبين الرؤية الدّاخلية والخارجيّة. وكيْفَ لا يكون كذلكَ وأستاذه الدكتور أحمد مطلوب يتّبع الطريقة نفسها والمنهج ذاته في كتاباته وقد عبّر عن ذلك في نتاجه الجديد قائلاً: ((والكتابة والتأليف عندي مثل الإبداع ولذلك لا أستطيع الكتابة في كلّ وقت وإنما أعين الفرصة المؤاتية والرغبة الجامحة، والفكرة التي تلح وتدق فإذا حانت الفرصة وتهيّأت الأسباب جلستُ للكتابة، وربما أنهي الموضوع أو الفصل في جلسة واحدة تمتد ساعات وساعات، أو ربّما أكتب صفحات قليلة ثم يتوقّف قلمي، لأعود إلى الكتابة عند أول رغبة قوية)) (8)، وهو الأمر الذي أكّدته حداثة إصدار كتاب الدكتور فاضل عبّود التميمي في هذا العام الجاريّ (9) على الرّغم من أنّ قضية الأجناس كانت تشغل باله منذ سنوات عدّة، ممّا يعني أنهُ كان ينتظر الوقتَ المناسب، سواء لتحبير أفكاره عنها، أو لنشرها بعد أن نضجت التجربةُ البحثيّة بشكل يسمحُ لصاحبها أن يعرضَها في ساحة الكتابات النقدية بقلم التجديد والابتكار لا التكرار والحشو والإطناب. وهو التجديدُ الذي أشار إليه الدكتور أحمد مطلوب في نصّ تقديمه حينما قال: ((والكتاب يستحقُّ التأمّل العميق والنظرة الثاقبة لما فيه من جدّة، تستحقُّ الثناء والتقدير)) (10).
كما لا يفوتُني إضافةً إلى هذه العناصر المهمّة، الالتفات إلى نقطة أخرى تُمَيِّزُ المسارَ البحثيّ عند الدكتور التّميمي، وأعني بها استقاءَ المادّة النقديّة من منابعها الأصيلة عبر الإفادة من مصادر وكتب عدّة من ضمنها أيضاً مؤلّفات الدكتور أحمد مطلوب التي تناقشُ قضايا نقديّة مهمّة منها اتخاذُ قدماء النّقدة لدراسة النصوص الأدبية النصَّ القرآنيَّ كحجر أساس كانوا يبنونَ على ضوئه مختلفَ نظرياتهم النقديّة بمن فيهم ابن وهب الكاتب وأبي هلال العسكري والجاحظ الذي كان -كما جاء في كتاب الدكتور التميميّ – ((من أوائل المتنبّهين على فكرة التجنيس، فقد رأى أن أقسام تأليف جميع الكلام تنقسمُ على: كلام موزون أراد به الشعر، وكلام منثور أراد به الخطب، والرسائل وغيرهما، وكلام منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع أراد به القرآن الكريم، وهو في هذه التقسيمات سجّل التفاتة نقديّة مبكّرة لها ميزتها إذ أثبت أنّ الوعي الأجناسي جاء مقترنا بالبحث الخاصّ بلغة النصّ القرآنيّ الكريم، ومحاولة تجنيس لغته من خلال قراءة الأجناس الأدبيّة المعروفة لإثبات أن جنسية القرآن لا علاقة لها بالأجناس السائدة، وإنّما هي جنسية خاصّة)) (11)، وهو الكلام الذي يجدُ ما يؤيّدُه في ما ذهب إليه الدكتور أحمد مطلوب حينما خصّص فصولا كاملة للحديث عن موقف الجاحظ وغيره منَ النقاد القدامى منَ النصِّ الأدبيّ سواء من حيث بلاغته أو فصاحته أو جنسه في كتابيْه (أساليب بلاغية) (12) و(بحوث بلاغية) (13).

– قراءاته المكثّفة في النّقد والنقّاد:

الدكتور فاضل عبّود التميميّ ناقد غزير القراءة وثرّ العطاء؛ وما أنجزهُ لليوم مِنْ مقالات وبحوث عدّة في مجالات فكريّة وأدبيّة شتّى يشهدُ له بهذا التدفّق والثراء(14)، إضافةً إلى ما ألّفَ مِنْ كتُبٍ تهتمُّ بقضايا النّقد العربيّ قديمِها وحديثها (15)، دون إغفال تلكَ التي قدّمَ لهَا أو شاركَ في تحريرِهَا (16)، ولا الأطاريح الجامعيّة التي ناقشَها وتفوقُ في عددها المئة والعشرين أطروحة، إلى جانبِ إشرافه على مايزيد عن ستّ عشرة رسالة ماجستير في البلاغة والنّقد، فضلاً عمّا عُرفَ عنه من صفة الباحثِ الغوّاص الذي يُلاحقُ المتونَ الأدبيّة متقصّياً ما فيها من خبايا بغضّ النظر عن زمانها ومكانها، ومُكْتَشِفاً في الوقتِ ذاتهِ لِمَنْ يرى فيهُمُ التّميُّزَ والنّبُوغَ من أدباء العراق عبرَ عمله الدؤوب على عقدِ ندوات جامعيّة يُنَاقشُ من خلالها إبداعاتِهم ومدى جِدّة وأهمّيةِ ما تجودُ بهِ قرائحُهُم سواء في مجال الشِّعر كما هو الحال مع الشاعر أديب كمال الدّين والذي قدّمَ التّميميُّ مؤخراً محاضرةً بشأنِ تجربته الحروفيّة في قاعة اتحاد أدباء ديالى على ضوء إصدار الباحثِ إبراهيم خزعل العبيدي الجديد (التشكيل الاستعاري في شعر أديب كمال الدين)، أو في مجال المسرح كمَا هو الشأن معَ الأديب والكاتب الرّاحل المسرحيّ محيي الدّين زنكنه الذي درّسَ مسرحيتَهُ (رؤيا الملك) لطلبته ونظّمَ عنها في نهاية العام الأكاديمي (1999-2000) ندوةً تناولتْ إبداعَ زنكنه بالدّرس والتحليل، مُكرّراً التجربة معَ مبدعين آخرين ولكن هذه المرّة في مجال الرّواية من خلال ندوات تناولتْ أعمال سعد محمد رحيم وأحمد خلف وغيرهما من رواد الإبداع والأدبِ العراقيّ.
وبين هذا وذاكَ تبقى التجاربُ السّرديّةُ هي الأكثر قرباً من ذائقة ووجدانِ الدكتور فاضل عبّود التميميّ، وذلك لوعيه بالتغيّرات الجذريّة التي طرأت على المتن السرديّ سوّغتْ حتّى للشّعراء هَجْرَ القصيدة التقليديّة والعموديّة والدّخولَ إلى عالم القصيدة النثرية والشّعر السّرديّ، أو ما أصبح يسمّى اليوم بضديّاتِ الشّعر، كثورة إبداعيّة على الشعريّة والنقد الشعريّ أيضاً، فكان لا بدّ مِن الوقوف بعين النّاقد الحصيف والفاحص والمراقبِ لهذه التحوّلات من أجلِ رصد ما فيها من ظواهر تُؤرِّخُ لما بعد انكسار العمود الشّعريّ، وما تلاه من استثمار القصيدةِ للأنساقِ النثريّة، مُتَبَنِّيَةً هي الأخرى تقانات الوصفِ والحوار، مازجةً بين ما هو روائيّ وما هُو مسرحيّ بشكل أدّى إلى ظهور القصائد السرديّة الطويلة، التي أصبحتْ تحظى هي الأخرى بعناية واهتمام النّقاد الذين باتوا يحاذونَها بمنظارٍ يُزَاوِجُ بين الأساليب النقديّة الجديدة وبين تقانات النّقد البلاغيّ القديم مادام لا يخلو هُوَ الآخر من إضاءات فكريّة ما زالت قادرةً على حلّ بعض مُعضلات النّقد الجديد بشكل يفتحُ مساحةً جديدةً من الأمل للبحّاثة المعاصرين بهدفِ الغوص أكثر فيما له علاقة مثلاً باللفظ والمعنى أو ما يسمّى حديثا بالشكل والمضمون، أو في مجالات السّرقات الأدبية أو ما أصبح يصطلحُ عليه في النقد الحديث بالتناصّ، فضلا عن قضايا أخرى ذات طبيعة بلاغيّة محضة ترتبطُ مثلاً بالتراكيب والمجاز والانزياح وما إليها.

– جمعهُ بين النّقد العربيّ والغربيّ:
وهو الأمرُ الّذي له علاقة وشيجة بتفاعلِ الناقد العربيّ عموماً مع منظومة النّقد الغربيّ، وبالطريقة التي تبنّتْ بها النظريّاتُ العربيّة المشهدَ النقديّ الغربيّ، وإن اختلفتْ اتجاهاتُ هذا الأخير في الكثير منَ التفاصيل التركيبيّة والدلاليّة التي تميّز الظاهرةَ النقديّة العربية، وهو التفاعلُ الذي أكّدهُ الدكتورُ التّميميّ من خلال تناوله لجذور قضية الأجناس في النقد العربي القديم منطلقاً من العهد اليونانيّ والإرث الأرسطيّ ليقفَ بعد ذلك عند ما قاله النقّدة المحدثين منْ أمثال تودوروف ورولان بارت وبلانشو وغيرهم كما هو واضح في هذا المقطع المقتطف من كتابه والذي يقول فيه: ((كان لأرسطو (322 ق.م) أثر مهمّ في تشكيل الخطاب النقديّ الأجناسيّ في العالم كلّه، فقد جاء في مقدّمة: (فنّ الشّعر) الذي ظهرت فيه سمات التجنيس الأولى: ((أما الفنّ الذي يحاكى بواسطة اللغة وحدها، نثراً أو شعراً –والشعر إما مركّباً من أنواع، أو نوعاً واحداً- فليس له اسم حتّى يومنا هذا: فليس ثمّة اسم مشترك يمكن أن ينطبق بالتواطئ على تشبيهات سوفرون، وأكسينرخوس، وعلى المحاورات السقراطية، أو على المحاكيات المنظومة على أوزان ثلاثية، أو إيليجيّة، أو أشباهها…)) هذا التقديم على إيجازه يكشف عن إدراك أرسطو المبكّر لقضية تجنيس الأدب، ورغبته في تجاوز إشكالية الأدب، بضرورة تجنيسه بوضع مصطلحات خاصّة به، وكتاب (فنّ الشّعر) كما يقول تزيفيتان تودوروف ليس موضوعه الشعر بل هو وصف لخصائص الأجناس الممثلة، أو المتخيّلة، ويعني بها الملحمة والدراما، فالأجناس الأدبيّة عند أرسطو تتمثل في: شعر الملاحم، والمأساة، والملهاة، فضلا عن الديثرمبوس)) (17)
وفي مسألة الأجناس هذه يُعَدُّ التّميمي من النّقاد الأوائل الذين سجّلوا هذا النّوعَ من التّفاعل مع النّقد الغربيّ خلصَ فيه إلى اتخاذ موقف أكثر خصوصيّةً في مجال بحثه، محاولاً بذلك خلقَ نمط جديد لنظريّة أجناسيّة عربيّة محضة تجدُ مادّتَها الخام في ما تركه رواد النقد العربيّ القديم من أمثال أبي هلال العسكري الذي كشفَ عن اهتمام مبكر بقضية الأجناس الأدبية بدا واضحا في عنوان كتابه (الصناعتين؛ الكتابة والشعر) (18) والذي تحدث فيه عن أجناس الكلام باعتبارها أدباً له من الخصائص الأجناسيّة ما يسمحُ له بتمييز كلّ جنس على حدة من خلال مرجعيّات نوعيّة تنظّمُ فاعلية كلّ واحدة منها بشكل مستقلّ تماما. إضافة إلى بن الطّيّب الباقلّاني الذي قادهُ اهتمامه بالإعجاز اللغوي القرآنيّ إلى وعيٍ أوّلي بقضية الأجناس الأدبيّة، ثمّ ابن خلدون الذي تُعتَبَرُ مقدّمتُهُ من أهمّ المصادر التي ساهمتْ في تشكيل الملامح النقديّة الأولى لما يعرفُ اليومُ بقضيّة أجناس الأدب العربيّ(19) من خلال تبنّيه لمصطلحي: (علوم اللسان) و(العلوم اللسانية) اللذين حاولَ من خلالهما الاقترابَ من فاعلية التشكيل اللساني العربيّ الدال على منتوجه وطرائق تمظهره النصّي الذي يحيلُ في النهاية على انقسام اللسان العربيّ على فنّي: الشّعر والنثر (20)، حينما استنتج أن لكلّ واحد منهما فنون، ومذاهب، وبالتالي أنماط وأشكال أدبيّة بالشكل المتعارف عليه اليوم لدى النقاد المعاصرين.
وختاما يمكن القولُ إنّ كتابَ الدكتور فاضل جاء كردّ على النظريات الجديدة التي تنادي بإلغاء فكرة تجنيس الأدب، وكمحاولة جدّية ترمي إلى إحياء كنوز التراث الأدبي العربيّ التي مازالت بحاجة ماسّة إلى قراءات متعمّقة وواعية للنقاد العرب على أن يتحلّوا بمزيد منَ الموضوعية المصحوبة بأخلاقيات النقد الجادّ من تذوّق رفيع، وتحليل سابر وتفسير رصين، يؤدّي إلى إصدار أحكام قيّمة على نتاج المبدعين العرب تكون معلّلَةً بالحجّة والمنطق، مادام النّقدُ نفسه هو تعبير عن موقفٍ كلّيٍّ متكامل النّظرة إلى الفنّ يبدأُ بتذوق العمل وينتهي إلى تحليله ليتّخذَ بعد ذلك نهجاً واضحاً مؤيَّداً بفيوضاتِ الملكة والموهبة بعدَ قوّة التّمييز والتقويمِ.

الهوامش:
(1) د. فاضل عبّود التّميمي، جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النّقد العربيّ القديم، دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع، الأردن، 2017.
(2) المصدر نفسه ص، 7.
(3) المصدر نفسه، ص 13.
(4) – النقد الأدبي الحديث في العراق – القاهرة 1387هـ – 1968م؛
– مصطلحات بلاغية – بغداد 1392هـ- 1972م؛
– مناهج بلاغية – بيروت – الكويت 1394هـ – 1973م؛
– اتجاهات النقد الأدبي في القرن الرابع للهجرة – بيروت – الكويت 1393هـ- 1973م؛
– دراسات بلاغية ونقدية – بغداد 1400هـ- 1980م؛
– معجم النقد العربيّ القديم – الجزء الأول – بغداد 1409هـ- 1989م؛
– معجم النقد العربيّ القديم – الجزء الثاني – بغداد 1409هـ- 1989م. وقد طبع الجزءان في مجلد واحد باسم (معجم مصطلحات النقد العربي القديم) مكتبة لبنان – بيروت سنة 2001م؛
– في المصطلح النقدي – بغداد 1423هـ- 2002م.
(5) التجلّياتُ / إضاءات أبي هلال العسكريّ / إضاءات الباقلاني / ثمّ إضاءات ابن خلدون.
(6) د. فاضل عبّود التّميمي، جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النّقد العربيّ القديم، دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع، الأردن، 2017، ص 18.
(7) المصدر نفسه، ص 17.
(8) الدكتور أحمد مطلوب، سؤال وجواب (صور ذاتية)، ص 235، اسم دار النشر غير متوفّر.
(9) بغضّ النّظر عن الطبعتين اللتين صدرتا سابقا في العراق سنة 2012 عن المجمع العلمي العراقي، وفي تونس عن دار الفكر عام 2014، ولو أنه لا علم لنا إذا كانت نسخة هذا العام (2017) مزيدة ومنقّحة أم لا، وأغلب الظنّ أنها ما زالت نفسها ولا تتضمّن أيّة تغييرات مادام الكاتب نفسه لم يشر إلى ذلك في نصّ مقدّمته، ومادام تقديم الدكتور أحمد مطلوب يحمل نفس تاريخ سنة الإصدار الأول كما جاء في توقيعه ( 27-05-2012 بغداد).
(10) د. فاضل عبّود التّميمي، جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النّقد العربيّ القديم، دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع، الأردن، 2017، ص 13.
(11) المصدر نفسه، ص 77.
(12) الدكتور أحمد مطلوب، أساليب بلاغية (الفصاحة – البلاغة – المعاني)، وكالة المطبوعات، الكويت، ط1، 1980، صص 13 / 17 / 21 / 23 /و54.
(13) الدكتور أحمد مطلوب، بحوث بلاغية، مطبوعات المجمع العلمي، العراق، ط1، 1996، ص 29 وما بعدها.
(14) – من الذّات إلى الحياة؛ قراءة في؛ (فصول ذاتية من سيرة غير ذاتية) لعلي جواد الطّاهر؛
– القارئ الضّمنيّ في كتاب (إعجاز القرآن) للباقلّاني؛
– مصادر الغرائبية في قصّة (الميتافيزيقيّ) للقاصّ فرج ياسين؛
– مرائي الصّحراء المسفوحة في مخيلة حامد فاضل؛
– الانهمام بالطّبيعة: شيركو بيكه س في (أنت سحابة فأمطرك)؛
– متاهات يهودي (بعقوبة) الأخير، قراءة في رواية (متاهة أخيرهم) للكاتب محمد الأحمد؛
– من تحولات النثر العراقيّ الحديث: (المكان) بوصفه نوعا أدبيّاً؛
– حضور النسوية وانكسار وعيها في رواية (أحببتُ حماراً)، لرغد السهيل؛
– ملامح الاستشراق والحوار الحضاري في رواية (ترنيمة امرأة…شفق البحر) للروائي سعد محمد رحيم؛
– استراتيجية الأسماء في رواية (مقتل بائع الكتب) للروائي سعد محمد رحيم؛
– حمامة الشاعر وغرابه: قراءة في مجموعة (الحرف والغراب) لأديب كمال الدين؛
– قراءة في كتاب (التشكيل الاستعاري في شعر أديب كمال الدين) لإبراهيم خزعل العبيدي؛
– صباح الأنباري: الهجرة إلى أقصى الجنوب؛
– صباح الأنباري: شعريـــة الصــمت؛
– ارتحالات صباح الأنباري في ملكوت الصمت؛
– البناء الدرامي في مسرح محي الدين زنكنه قراءة وملاحظات؛
– بعقوبيون: في وداع محيي الدين زنكنه؛
– قراءة في استهلال مؤيد سامي النقدي؛
– ثمّ التناص في شعر وديع العبيدي.
(15) – جماليات المقالة عند د. علي جواد الطاهر: دار الشؤون الثقافية العامّة: بغداد: 2007؛
– بواكير محيي الدين زنكنة القصصيّة: دراسة ونصوص: دار سردم للطباعة والنشر: السليمانية: 2007؛
– قراءات بلاغيّة: دار الضياء: النجف: 2008؛
– البناء السردي في شعر شيركو بيكه س: دار سردم للنشر: السليمانية: 2008؛
– رؤيا الملك: أو ماندانا و ستافروب: دراسة أسلوبيّة: دار سردم للنشر السليمانية:2009؛
– إضاءات سرديّة: قراءات في نصوص عراقيّة: مطبعة جامعة ديالى: العراق:2010؛
– حضور النص: قراءات في الخطاب البلاغي النقدي عند العرب: دار مجدلاوي: عمّان:2011؛
– إعجاز القرآن للباقلاني: منهجه ومسائله وإشكاليّة بديعه: دار مجدلاوي عمّان:.2013؛
– سرديّات عراقيّة: إضاءات في القصّة والرواية والنص: دار الشؤون الثقافية بغداد:2013؛
– المقالة العربيّة تجنيسها، أنواعها، شعريّتها بالاشتراك مع د. لطيفة الحمادي: دار مجدلاوي عمّان: 2016؛
– البلاغة العربيّة من التخيّل إلى القراءة والتلقي: بالاشتراك مع د.بشرى عبد المجيد تاكافراست: دار مجدلاوي في عمّان: 2016؛
– ثمّ السيرة الذاتيّة من إحسان عباس إلى علي جواد الطاهر: دار مجدلاوي في عمّان: 2017.
(16) – أحزان صائغ الحكايات: تقديم وتحرير: دراسات في أدب الكاتب أحمد خلف، دار الشؤون الثقافيّة العامّة بغداد 2002؛
– حفيد أوروك: تقديم وتحرير: قراءات في أدب زيد الشهيد: دار تموز سورية: 2011؛
– حين يبلغ الشاعر نهر الشعر: قراءات في مجموعة باسم فرات بلوغ النهر: تقديم وتحرير: دار الحضارة: القاهرة:2013؛
– بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013: تحرير د. منتصر الغضنفري: وزارة الثقافة بغداد: 2014؛
– المحكي الروائي العربي أسئلة الذات والمجتمع: أشراف منى بشلم تقديم د. سعيد بو طاجين: دار الألمعيّة للنشر والتوزيع: الجزائر: 2014؛
– الركابي ليالي ما بعد الألف: قراءات في التجربة الروائيّة: تحرير وتقديم: حسن مجّاد: دار نيبور: العراق: 2014؛
– مدارات الكون السردي: أوراق في تجربة فرج ياسين القصصيّة: إعداد وتحرير: ماجد الغرباوي: الروسم:بغداد: 2015؛
– ثمّ اللامنتمي بين المطاردة والمصادرة: اعداد وتقديم د. نادية هناوي سعدون: دار ضفاف: قطر: الشارقة: 2017.
(17) د. فاضل عبّود التّميمي، جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النّقد العربيّ القديم، دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع، الأردن، 2017، صص 27-28.
(18) أبو هلال العسكري، كتاب الصنعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي)، مصر، ط1، 1952.
(19) د. فاضل عبّود التّميمي، جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النّقد العربيّ القديم، دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع، الأردن، 2017، ص 127.
(20) المصدر نفسه، ص 147.

 

شاهد أيضاً

د. قيس كاظم الجنابي: جهود المنفلوطي في المقالة الأدبية

إشارة: عبر سلسلة من المقالات المهمة في موقع الناقد العراقي هي فصول من مخطوطة كتابه …

نبيل عودة: يوميات نصراوي: بورسعيد عربية والقنال مصرية

*برنامج بن غوريون “الخيالي” لشرق اوسط جديد* الانذار السوفييتي وهزيمة العدوان الثلاثي على مصر* صفحة …

همساتُ القَمر
دراسة نقدية بقلم الأديب: حميد الحريزي

(تصيحُ الكلماتُ أنّي عاشقةٌ، أطفئُ ظمئي بالقبلِ الحرَّى، وتماهي فيَّ، فأنا أنتَ ونحنُ حماةُ الكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *