حوار مع المبدع الكبير “طلال حسن” دَّجْ أدب الأطفال في العراق
حاوره : غانم البجّاري (14)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

إشارة :
تتشرّف أسرة موقع “الناقد العراقي” بأن تبدأ بنشر هذا الكتاب ” حوار مع طلال حسن .. دَّجْ أدب الأطفال في العراق” لمؤلفه الأستاذ “غانم البجّاري” على حلقات تحيّةً للمبدع الكبير اختصاصي أدب الأطفال في العراق والوطن العربي “طلال حسن” ، ليطلع القرّاء على جانب من سيرته ورؤاه وآرائه خصوصاً فيما يتعلق بأدب الأطفال. تحية للمبدع الكبير “طلال حسن” الذي يكفي ربع منجزه لنقله إلى العالمية.

الحلقة (14)

قصص للأطفال
دج العواصف
مثلما يعوي قطيع من الذئاب ، راحت العاصفة توي ، وقبع العصفور الصغير مرتجفا ، تحت جناح أمه ، وارتفع خلال عواء العاصفة ، تغريد طائر ، فأطل العصفور الصغير برأسه ، وقال : ماما ، اسمعي ، هناك طائر يغرد .
فقالت العصفورة الأم : هذا دجّ العواصف ، وتغريده يرتفع كلما ارتفع عواء العاصفة ..
فخرج العصفور الصغير ، وأصغى إلى تغريد الدج مليا ، ثم قال : لتعو العاصفة ، فلن يخيفنا عواؤها ، ما دام بيننا هذا الدجّ .

القمر

رأت البومة القمر يستحم ليلاً في البحيرة ، فغادرت وكرها المعتم ، ودنت من الشاطئ ، وصاحت به ، وهي تنعب : ” أيها القمر ، لماذا تستحم هنا ؟ ألا تعرف أن البحيرة لي ؟ ” .
لم يفل القمر بالبومة ، ولم يصغِ إلى نعيبها المشؤوم ، وظل يستحم في المياه الرائقة ، ويبتسم للأسماك الصغيرة وهوام الليل المتطايرة السعيدة . فاستشاطت البومة غضباً وصاحت به ثانية ً: ” أخرج من بحيرتي ، أخرج وإلا قتلتك ” .
ابتسم القمر ساخراً ، ولم يخرج من البحيرة ، وأخذت البومة حصاة من الشاطئ ، ورمته بها . ارتج القمر في الماء ، وغام وجهه الفضي ، ففرحت البومة ، وظنت أن المياه قد ابتلعته إلى الأبد . لكن القمر الفضي ، ما لبث أن أطل ثانية ًمن أعماق البحيرة ، وراح يفرش ضياءه الساحر فوق مياهه الطيبة ، ويبتسم للأسماك الصغيرة ، والهوام الضاحكة .. السعيدة .

المؤلف الأستاذ غانم البجاري

الشجرة

حط بلبل على شجرة الصفصاف ، وصاح لاهثاً : لمن هذه الشجرة ؟
وتجمعت العصافير حوله ، وقال عصفور : هذا الغصن لي .
وقال عصفور آخر : وهذا الغصن لي .
وقال عصفور ثالث : وذلك الغصن لي .
وهمّ عصفور رابع أن يتكلم ، فصاح البلبل : كفى ، إنني لا أتحدث عن أغصان ، بل عن الشجرة .
لاذت العصافير بالصمت ، فتابع البلبل قائلا ً: إن الأفعى تزحف نحو هذه الشجرة .
صاح عصفور فتي : شجرتنا !
أجاب البلبل : نعم ، شجرتكم .
فصاح عصفور عجوز : أبنائي ، أصغوا إلي ..
وفي الحال ، التفت العصافير حول العصفور العجوز ، فتابع قائلا ً: لابد أن نفعل شيئا ً، إن شجرتنا في خطر ..

أنا أعرف

فوجئ الأرنب بأسد الجبل يثب أمامه ، ويقطع عليه الطريق ، وقد شلت المفاجأة الأرنب ، ولم تسعفه قوائمه على الهرب ، فجثا أمام أسد الجبل ، وقال : أرجوك ، إنني أرنب صغير ، دعني أمضي في طريقي .
حام أسد الجبل حول الأرنب ، وقال : سأدعك تمضي إذا دللتني على مكان الغزال .
اتسعتْ عينا الأرنب ، وتساءل : الغزال !
ردّ أسد الجبل : صديقك ، الذي كان معك منذ قليل .
غصّ الأرنب ، وثقلتْ أنفاسه ، وقال متلجلجا ً: لا .. لا .. أرجوك .
اقترب أسد الجبل من الأرنب ، وقال : اطمئن ، لن يعرف أحد بأنك أخبرتني .
هز الأرنب رأسه ، وتمتم : لكن .. أنا أعرف .

الأفعى

كانت الأفعى مغتمة ، فحيث تمضي لا تجد غير النفور . وكان الجميع يحذرونها ، وهي تنسل بين الأغصان ، تلتهم البيوض والعصافير وصغار الحمائم ، فقرّرت أن تقصد البومة ، لعلها تساعدها في حل قضيتها .
استقبلت البومة الأفعى بحذر ، وأصغت إلى شكواها ، ثمّ قالت بلهجة الواثق : ” اسمك هو السبب ” .
فغرت الأفعى فاها ، وقالت : اسمي ! .
فتابعت البومة : ” أفعى إنه اسم مرعب ” .
بدت الحيرة على الأفعى ، وقالت : ” لكنه اسمي ” .
فقالت البومة : ” غيريه ” .
التمعت عينا الأفعى ، وقالت بأمل : ” نعم ، سأغيره ، ما رأيك باسم .. أفعوان ؟ ”
هزت البومة رأسها ، وقالت : ” كلا ” .
تطلعت الأفعى إلى البومة ، وقالت : ” لعل .. حيّة .. أفضل ” .
فهزت البومة رأسها ، وقالت : ” كلا ، كلا ” .
فتحت الأفعى فاها ، وهمّت أن تتكلم ، لكن البومة رفعت رأسها ، وصاحت :
” أعفى ” .
تمتمت الأفعى في بلاهة : ” أعفى !”
فتابعت البومة : ” إنه أفضل من أفعى ، ما رأيك؟ ”
أشرقت عينا الأفعى بالفرح ، وصاحت : “رائع” .
فرحت الأفعى باسمها الجديد ، وأذاعت في الغابة كلها ، إنها ليست أفعى بل أعفى ، ولكن فرحها سرعان ما تبدد، فقد ظل الجميع يحذرونها ، وهي تنسل بين الأغصان ، تلتهم البيوض .. والعصافير .. وصغار الحمائم .

آه يا عشي الجميل

حذرني البلبل العجوز، قبل العاصفة ، وقال : يا بني ، حصّن عشك ، فقد تهب عاصفة ، وتقتلعه .
لم ألتفت إلى البلبل العجوز ، فقد كانت النهارات جميلة ، والليالي مقمرة ، والغابة تضج بالحياة ، وفجأة هبت العاصفة ، وكانت أقوى بكثير مِمّا توقعها البلبل العجوز ، فاقتلعت مئات الأعشاش ، وفي مقدمتها عشي .
صدمتني المفاجأة ، وتلفتُ حولي في ذهول ، لا نهارات جميلة ، ولا ليل مقمر ، والغابة يسودها الخراب ، ما العمل ؟
لم أستطع أن أتمالك نفسي ، وهزتني موجة من البكاء ، وراحتْ دموعي تسيل .. تسيل .. تسيل ، آه يا عشي الجميل ، سأبكيك العمر كله ، وسأغنيك بدموع لا تجف ، فأنت المثال ، أنت الحلم ، أنت ..
لكن دموعي جفت بعد أيام ، وفوجئت بعشرات الأعشاش قد بُنيتْ فوق الأشجار ، يا إلهي ، ماذا جرى ؟ ومر بلبل شاب فسألته : تمهل ، يا عزيزي ، متى بنيتم هذه الأعشاش ؟
لكن البلبل الشاب لم يتمهل ، وأجاب وهو يحلق مسرعاً : لقد بنيناها عندما كنت مستغرقا في البكاء .

حفنة بندق

عاد سنجوب عند المساء ، إلى البيت ، وعلى غير عادته لم يأتِ إلا بقليل من البندق ، فتطلعت أمه إليه ، وقالت : يبدو أن البندق قد قلّ في الغابة .
فردّ سنجوب قائلاً : على العكس ، يا ماما ، إن الأشجار مازالت مليئة بالبندق .
قالت أمه : ما أتيت به اليوم قليل جداً .
وهرب سنجوب بعينيه من أمه ، ثمّ قال : أعطيتُ بعضه لسنجوبة .
تساءلت أمه : أهي مريضة ؟
فرد سنجوب : لا .
وابتسمت أمه قائلة : آه فهمت .
وقال سنجوب متأتئاً ، وقد احمَرّ وجهه : إنها .. صغيرة يا ماما .
فقالت أمه : هناك مئات الصغيرات .
ووأوأ سنجوب ، قائلاً : و .. و .. وضعيفة .
وقالت أمه : وهناك من هي أضعف منها .
وتأتأ سنجوب : إنها .. إنها ..
فقاطعته أمه قائلة : إنها .. إنها ما يصعب التعبير عنه .
ونظر سنجوب إلى أمه مذهولاً ، ولم ينبس بكلمة ، فابتسمت أمه ، وقالت : حينما كنت في عمر سنجوبة ، قدم لي أبوك حفنة من البندق ، وكانت ألذ حفنة بندق تذوقتها في حياتي .

شجرة الجوز

قهقهت العاصفة ، وهي تعدو على سفوح الجبال ، فقد حطمت قبل قليل مجموعة من أشجار المشمش والتفاح ، وأشجار الاسبندار التي كانت تتمايل بقامتها الرشيقة فوق ضفة الجدول .
وعلى سفح أحد الجبال ، رأت العاصفة شجرة جوز ضخمة ، مثقلة بالثمار الناضجة ، فعوت بجنون ، واندفعت نحوها ، وقد صممت أن تحطمها مثلما حطمت أشجار الاسبندار .
انقضت العاصفة على شجرة الجوز ، وبادرتها بضربة قوية ، فصاحت شجرة الجوز ، وهي تحاول أن تحمي أغصانها وثمارها : لا ، دعي أغصاني وثماري .
انقضت العاصفة ثانية على شجرة الجوز وهي تعوي :
سأحطمك مثلما حطمت غيرك ..
وكلما كانت العاصفة تنقض على شجرة الجوز ، كانت أغصان الشجرة تتقصف ، وتتهاوى ميتة ، وكانت الثمار الناضجة تتناثر على السفوح ، وتعدو بخوف ، وتختبىء بين الصخور .
لم يهدأ جنون العاصفة ، حتى تهاوت شجرة الجوز ، وتناثرت حولها أغصانها الميتة ، فقهقهت العاصفة ، وراحت تتبجح في كل مكان ، بأنها لم تحطم فقط أشجار الاسبندار والمشمش والتفاح ، بل حطمت أيضا شجرة الجوز نفسها .
وفي الربيع التالي ، مرت العاصفة بسفح الجبل ، فتذكرت شجرة الجوز الضخمة ، وقهقهت حين رأت جثتها مازالت ملقاة على الأرض ، ولكن قهقهتها ماتت فجأة ، فقد رأت عشرات بل مئات من أشجار الجوز الصغيرة ، تزهو فوق السفح ، وتبتسم للشمس والندى .

خلاف في الرأي

أفاق الضفدع على أصوات تهز العالم ، وتكاد تطيح بمياهه ونباتاته وكائناته ، فهم أن يلوذ بأعماق المستنقع ، لكنه رأى غريمه يقف بين الأعشاب ، فتناسى خلافهما ، وسأله : ما الذي يجري ؟ إن عالمنا سيدمر .
لم يلتفت غريمه إليه ، لكنه قال : هذا لا يخصنا .
ثمّ أضاف بلهجة متعالية : إنهم البشر ، يتحاورون .
اتسعت عينا الضفدع ، وقال : لكنهم من فصيلة واحدة .
وبنفس اللهجة المتعالية ، قال غريمه : هذه طريقتهم في حسم خلافاتهم في الرأي .
لم يتمالك الضفدع نفسه ، فصاح : يا للحمقى .
ثمّ نظر إلى غريمه ، وأضاف : ترى ماذا كانوا سيفعلون لو أنهم سمعوا أن العالم دائري ؟
عندئذ التفت غريمه إليه ، وقال : لكنه دائري .
فحدق الضفدع في غريمه ، وقال : بل مربع .
تجمعت الضفادع على أصوات الضفدعين ، وحاولت أن تهدئهما ، لكن الغريم نط نحو الضفدع نطة ، وقال : أنت أحمق .
وقبل أن تفهم الضفادع ما يجري حولها ، التحم الغريمان في معركة طاحنة ، وفجأة صاح أحد الضفادع : اللقلق .
هبت الضفادع ، ولاذت بأعماق المستنقع ، وحاول الغريمان أن يهربا ، لكن المعركة كانت قد أنهكتهما ، وسرعان ما أقبل اللقلق ، والتقطهما بمنقاره ، وغيبهما في حوصلته مع خلافهما في الرأي حول شكل الأرض .
الصوت الملكي

اصطادت الفقمة سمكة سلمون ، ورأتْ أن تهديها إلى الملك ، لتحظى برؤيته ، وتسمع صوته الملكي .
اتجهت الفقمة إلى الملك ، وفي الطريق راحت تتخيل كيف ستستأذن للدخول ، والسمكة بين يديها ، سيؤذن لها بالدخول طبعاً ، فهي تحمل هدية لذيذة ، وستمثل بين يدي الملك ، وتنحني أمامه ، وتقول : مولاي ، اصطدت هذه السمكة ، فأرجو أن تقبلها هدية مني .
سيبتسم الملك ، ويأخذ سمكة السلمون ، ويقول بصوته الملكي : أشكركِ .
آه ما أروع ” أشكركِ ” هذه ، فهي : أشكركِ ” ملك ، وأي ملك ، إنه .. وأفاقت الفقمة ، على فقمة صغيرة تئن وتتوجع ، فتوقفتْ ، ثم أسرعتْ إليها ، وقالتْ : ما الأمر، يا صغيرتي ؟
فقالت الفقمة الصغيرة بصوت باك : إنني جائعة .
تململت الفقمة ، وقالت : انتظري ، ستأتي أمكِ ، وتأتيكِ بالطعام .
واختنق صوت الفقمة الصغيرة بالدموع ، وقالت : لن تعود ماما ، لقد قتلها الدب .
وتملك الغضب الفقمة ، وقالت : المجرم ، ليتني أراه ، سأعضه حتى لو قتلني .
تنهدت الفقمة الصغيرة ، وقالت : سأموت من الجوع ، لم تعد لي أم تطعمني .
نسيت الفقمة الملك ، وكلمة ” أشكركِ ” الملكية ، وانحنت على الفقمة الصغيرة ، وقالت : لا تقولي هذا ، إنني أمك.
ثمّ وضعت سمكة السلمون أمامها ، وتابعت بفرح : كلي ، يا عزيزتي ، هذه السمكة لك .

ما لا يعرفه الببغاء

اشتدّ الظلام ، وازداد تساقط الثلوج ، آه سأموت من البرد والجوع ، لقد بحثت اليوم عما آكله ، لكني لم أجد شيئاً ، فقد غطت الثلوج كل شيء .
التمع ضوء بين الأشجار ، إنه كوخ الحارس ، لن أمضي إليه ، لقد حاول أن يمسكني ، ولكن من يدري ، لعله أراد أن يداعبني ، آه .. سأموت .. ، ووجدتني أفرد جناحيّ ، وأمضي نحو الكوخ .
تسللت إلى الداخل ، عبر كوة في الجدار ، وإذا صوت أجش يصيح : مرحبا .. مرحبا .. مرحبا .
أفزعني الصوت ، وكدت أهرب ، لكني رأيت ببغاء يتقافز في قفص ، آه ، وقهقه الببغاء ، وقال : لا تخف ، لست قطة .
ابتسمتُ بارتياح ، فأشار الببغاء لي ، وقال : تعال .
هبطتُ قرب القفص ، وأنا أرتعش ، فتطلع الببغاء إليّ ، وقال : أنت متجمد .
فقلتُ بصوت واهن : وجائع أيضاً .
دفع الببغاء باب القفص ، وقال : ادخل ، وكل ما تشاء .
تطلعتُ إلى الطعام ، فقال الببغاء : ما الذي يخيفك ، ادخل .
حدقتُ في باب القفص ، وقلتُ : إنني أخاف أن يغلق هذا الباب عليّ .
ابتسم الببغاء ، وقال :
وعندئذ لن تفقد غير البرد والجوع.
هززتُ رأسي وقلتُ :
بل سأفقد شيئاً لا تعرفه .
فغر الببغاء فاه ، وارتفعتْ ضجة في الكوخ ، لعله الحارس ، وانتفضتُ من مكاني ، ومضيتُ عبر الكوة إلى الخارج ، والببغاء يصيح :
أيها العصفور ، لا تمضي ، ستموتُ من البرد والجوع .

الذئب المجنّح

تسلل الأرنب قبيل الفجر من بيته ، وراح يتسلق بحذر المرتفعات الصخرية ، القريبة من المرج .وتملكه التعب فارتمى متقطع الأنفاس قرب صخرة عالية ، وإذا بنسر ضخم ، يحط فوق الصخرة .
وخفق قلب الأرنب بشدة ، ونهض متلفتاً ، وهمّ بالاختباء بين الصخور ، فصاح به النسر : توقف .
تسمر الأرنب في مكانه ، فقال النسر : لا تخف ، إنني شبع .
وتطلع فيما حوله ، وقال : يبدو أن هذا المرج غنيّ .
وتأتأ الأرنب قائلاً : نعم ، إنه مليء بالطيور والغزلان ، ولكن ..
وحدق النسر فيه ، فقال :
هناك ذئب .. شرس .. يفتك بمن في المرج .. ولهذا .. أردتُ الهرب .
فقال النسر :
لا عليك .. سأقتل هذا الذئب .
وخلال أيام اختفى الذئب ، وعرف الجميع أن النسر قتله وعاد الأرنب إلى بيته ، لكنه سرعان ما تسلل ثانية ًنحو المرتفعات الصخرية ، فقد حلّ الذئب المجنّح محل الذئب، وراح يفتك بمن في المرج من طيور وغزلان و .. أرانب .

مروج الطفولة

شعرتُ بوجوده ، بل عرفتُ أنه نمر ، مثلما أعرف أنني غزال ، قبل أن تتحرك ورائي عشبة واحدة .
وما إن انقضّ عليّ ، يسبقه صوته الرعد ، حتى قفزتُ جانباً ، وهمَمتُ أن أهرب ، لكنه وقف متربصاً ، وعيناه المشتعلتان تشلانني ، وحصرني في زاوية ضيقة .
وتقدم مني وأنيابه القاتلة تلمع ، فصحتُ بصوت مختنق : توقف .
وعلى الفور توقف النمر ، وراح يتملاني مذهولاً ، ثمّ قال : غزلان !
عرفته ، عرفته حالما قال ” غزلان ” ، يا لله ، إنه هو ، وصحت فرحاً : نمور !
ابتسم النمر ، وقال : لم أعد نمور .
ودار حول نفسه ، وقال : انظر .
ثمّ توقف ، وتطلع إليّ ، وأضاف : إنني نمر الآن .
لذتُ بالصمت لحظة ، وقد تراءتْ لي مروج الطفولة ، ثمّ تنهدتُ ، وقلتُ : لقد عشنا أياماً جميلة .
فرد قائلاً : نعم ، وقتها لم أكن أعرف أنك غزال وأنني ..
وأبعد عيناه مستاء ، وقال : إنني جائع .
وصمتَ لحظة ، ثمّ زفر قائلاً : اذهبْ ، لا أريد أن أراك هنا ثانية ً.
سرتُ خطوات مترددة ، لكني توقفتُ ، والتفتُ إليه ، وقلتُ : ليتنا لم نكبر .
فرد قائلاً : لقد كبرنا .
ثمّ تمتم ، وكأنه يغالب شيئاً في داخله : اذهب أرجوك ، اذهب .
ومذ ذلك اليوم ، لم أرَ النمر ، لكني مازلتُ ألهو ، في أحلامي ، عبر مروج الطفولة الخضراء ، مع رفيقي .. النمر .

المخترع

عجيب أمر نميل اليوم ، فقد أفاقت أمه ، أكثر من مرّة ، لتجده مستيقظاً ، وأكثر من مرّة ، قالت له : نم يا بنيّ . فيجيبها : نعم ماما .
لكنه لا ينام .
وعند منتصف الليل ، أفاقت الأم مرّة ًأخرى ، كان نميل ما يزال مستيقظاً ، لابد أن في الأمر شيء إذن ، واعتدلت في فراشها ، وقالت : أراك لم تنم بعد ، يا عزيزي .
التمعت عينا نميل ، وقال : ماما ، سأكون مخترعاً .
كادت الأم تضحك ، فهي تعرف نزوات نميل ، لكنها كتمت ضحكتها ، وقالت : لكن المخترعون ينامون أيضاً يا نميل .
تطلع نميل إلى الأم ، وقال : لن أنام قبل أن أخترع .. نملة تطير .
ردت الأم : لا تتعجل ، يا بني ، ستطير عندما تكبر .
قال نميل : سأخترع إذن نملة تعطينا عسلاً .
أجابت الأم : لدينا يساريعنا .
سكت نميل لحظة ، ثم قال بصوت حزين : يبدو أن المخترعين لم يتركوا لي شيئاً أخترعه .
ابتسمت الأم ، وقالت : الأفضل إذن أن تنام .
التمعت عينا نميل ثانية ً، وقال بحماسة : سأخترع ..
فقاطعته أمه : نم الآن ، يا نميل .
لكن نميل تابع بالحماسة نفسها : ماما ..
سأخترع ملكة عادلة .
انتفضت الأم ، وسرعان ما وضعت يدها على فم نميل ، وتمتمت برعب : صه .
تساءل نميل : ما الأمر ؟
فأجابت الأم : أيها الأحمق ، لو سمعتك الملكة لأمرت بإعدامنا .
شهق نميل : إعدامنا !
فقالت الأم : نعم ، ستعدمنا الملكة إذا ظنت أننا قد نعتقد بأنها غير عادلة .
ومن عتمة الليل ، تناهى وقع أقدام بعيدة ، فاحتضنت الأم نميلاً ، وانكمشت تحت فراشها ، وهي تتمتم بصوت مرعوب : نم يا بني ، فجواسيس الملكة في كل مكان ..
اندس نميل في حضن أمه ، وأغمض عينيه ، لكنه لم ينم، فقد كان يريد أن يخترع هذه المرّة ، ملكة بلا جواسيس .

 

 

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (5)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *